Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١
الجُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ / ٤٢-٤٥
أن الله خالق السماوات والأرض وممسکهما، فلا یوجد حادث إلا بإيجاده،
ولا يبقى إلا ببقائه، ولو زالتا فَرَضاً واضطربتا ما أمسكهما من أحد غير الله
جلّ جلاله.
٤ - من صفات الله العليا: الحلم، فلا يعجل العقوبة للكفار والعصاة،
والمغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، ثم اهتدى إلى طريق الحق على الدوام،
وهو تعالى يحافظ على هذا النظام البديع للكون، بالرغم من كفر الكافرين.
إنكار المشركين الرسالة النبوية
وتهديدهم بالإهلاك
﴿ وَأَفْسَمُوْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَبِنِ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى
اُلْأُمَّمِّ فَلَمَّا جََّهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿﴿ أَسْتِكْبَارًا فِىِ الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّ
وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَّ فَلَنْ تَجِدَّ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴿ أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ
شَىْءٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ
النَاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا
٤٥
القراءات:
﴿سُنَّتَ﴾:
رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
(يُؤَاخِذُ﴾، ﴿يُؤَخِرُهُمْ
٦٢٢
لُزُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٤٢-٤٥
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (يواخذ، يوخرهم).
الإعراب:
﴿ أُسْتِكْبَارًا فِ الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّ﴾ ﴿أَسْتِكْبَارًا﴾ مفعول لأجله،
٩
وَمَكَ
و
منصوب على المصدر، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة،
آلسِّّ
بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
البلاغة:
﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ في ﴿ظَهْرِهَا﴾ استعارة مكنية، شبَّه
الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات، ثم حذف المشبه به، ورمز
إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر، بطريق الاستعارة المكنية.
﴿عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ﴿بَصِيرًا﴾ من صيغ المبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَقْسَمُوْ﴾ حلف المشركون ﴿جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ طاقتها وغاية اجتهادهم فيها
﴿لَيْنِ جَهُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول منذر ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى اُلْأَمَمِ﴾ اليهود أو
النصارى، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضاً؛ إذ قالت اليهود: ليست
النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُمْ
نَذِيرٌ﴾ محمد نَّهِ ﴿مَّا زَادَهُمْ﴾ مجيئه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ تباعداً عن الحق والهدى.
﴿ أَسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ﴾ أي إنهم ما كذبوا برسالة محمد ◌َلّ لاعتقاد كذبه،
إنما فعلوا ذلك لأجل الاستكبار عن أن يكونوا أتباعاً له، ولأجل العتو: وهو
التجبر والمضي في الفساد ﴿وَمَكْرَ السَّ﴾ أي ومكر العمل السيئ من الشرك
وكيد رسول الله وَيقر، والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح ﴿ وَلَا يَحِيقُ﴾
لا يصيب ولا ينزل ولا يحيط ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾
٦٢٣
الُرُءُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ / ٤٢-٤٥
ينتظرون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ طريقة المتقدمين من تعذيب المكذبين رسلهم
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ أي لا يبدل بالعذاب
غيره، ولا يحول إلى غير مستحقه، وبعبارة أخرى: التبديل: وضع الرحمة
موضع العذاب، والتحويل: نقل العذاب من المكذبين إلى غيرهم.
﴿عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مصير وآثار الماضين من قبلهم أثناء سيرهم إلى
الشام واليمن والعراق، كعاد وثمود ومدين وأمثالهم، نزل بهم العذاب، لما
كذبوا الرسل، فتلك سنة الله في المكذبين التي لا تبدَّل ولا تحوَّل ﴿وَكَانُواْ أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأطول أعماراً، وأكثر أموالاً، وأقوى أبداناً، من أهل مكة،
فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم. والواو: واو الحال ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ
مِن شَىْءٍ﴾ يسبقه ويفوته ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالأشياء كلها لا يخفى عليه شيء
﴿قَدِيرًا﴾ لا يصعب عليه أمر.
﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ عملوا من الذنوب أو المعاصي أو الخطايا ﴿عَلَى
ظَهْرِهَا﴾ على ظهر الأرض من الأحياء ﴿مِن دَآَبَةٍ﴾ من الدواب التي
تدبّ، والدابة: كل ما يدبّ على الأرض ﴿وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ
◌ُسَنٌَّ﴾ هو يوم القيامة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ أي فيجازيهم على
أعمالهم، بإثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٢):
﴿ وَقْسَمُوْ بِاللَّهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي هلال أنه بلغه: أن
قريشاً كانت تقول: لو أن الله بعث منا نبياً، ما كانت أمة من الأمم أطوع
لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكاً بكتابها منا، فأنزل الله: ﴿وَإِن كَانُواْ
﴾ [الصافات: ١٦٧/٣٧-١٦٨] ﴿لَوْ أَنَّا
لَيَقُولُونَ ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ
٦٢٤
الُرُ (٢٢) - فَطِل: ٣٥ / ٤٢-٤٥
أُنزِلَ عَلَيْنَا اُلْكِنَبُ لَكُنَّ أَهْدَى مِنْهُمَّ﴾ [الأنعام: ١٥٧/٦] ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَنِهِمْ لَيْنِ جَهُمْ نَذِيْرٌ لََّكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأَمَمِ﴾ وكانت اليهود
تستفتح على النصارى به، فيقولون: إنا نجد نبياً يخرج.
المناسبة:
بعد بيان إنكار المشركين للتوحيد، وتوبيخهم وتقريعهم على سخف
عقولهم، ذكر الله تعالى تكذيبهم للرسول وَّر، بعد ترقبهم له، ثم هددهم
بالهلاك كمن قبلهم من الأمم الغابرة الذين كذبوا رسلهم، وأردفه بتذكيرهم
بما يشاهدونه في رحلاتهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار تدمير منازل
المكذبين بالرغم من كمال القوة، وكثرة المال والولد، وختم السورة ببيان
مدى حلمه على الناس، وأنه لو أراد مؤاخذتهم لأفناهم، ولكنه أخّر عقابهم
إلى يوم القيامة، وحينها يعاقبهم على أعمالهم.
التفسير والبيان:
هذا نبأ عجيب غريب عن قريش والعرب لا علم لنا به من غير القرآن،
قال تعالى:
﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَنِهِمْ لَيْنِ جَهُمْ نَذِيْرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى
اُلْأُمِّ﴾ أقسمت قريش والعرب بالله أغلظ الأيمان قبل إرسال الرسول إليهم:
لئن جاءهم من الله رسول منذر ليكونن أمثل من أي أمة من الأمم أو من جميع
الأمم الذين أرسل إليهم الرسل في الطاعة، وأشدهم تمسكاً بالرسالة وقبولاً
لها.
وذلك كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا
وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوَّ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا اُلْكِتَبُ لَكُنَّأَ
أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّيِّكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ
٦٢٥
المُزُ (٢٢) - فَطِ: ٣٥ / ٤٢-٤٥
-
كَذَّبَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوْءَ اُلْعَذَابِ
١٥٧)﴾ [الأنعام: ١٥٦/٦-١٥٧].
بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ
﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، أَسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ وَمَكْرَ اُلسَِّ﴾
أي فلما أتاهم ما تمنوه، وهو رسول الله وَل بما أنزل عليه من القرآن العظيم،
ما ازدادوا إلا كفراً إلى كفرهم وتباعداً عن الإيمان وإجابة النبي
مستكبرين عن اتباع آيات الله، ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله
تعالی.
وبه تبين ألا عهد لهم، ولا صدق في كلامهم، ولا وفاء بما يقولون،
فتحملوا إثم فعلهم كما قال تعالى:
﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِ﴾ أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم
أنفسهم دون غيرهم، وعادت عليهم عاقبة مكرهم بالإثم والوزر، ونزلت
عاقبة السوء بمن أساء، قبل المساء إليه، كما قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧/٢٦] ومكر السيئ: أي مكر العمل السيئ،
والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح، وهو هنا الكفر وخداع الضعفاء،
وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم.
ثم هددهم بجزاء أمثالهم، فقال:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ اٌلْأَوَّلِينَ﴾ أي فهل ينتظرون إلا عقوبة لهم على
تكذيبهم الرسول والر ومخالفة أوامره مثل عقوبة الله للأمم الماضية المكذبين.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ أي تلك سنة الله
وطريقته. التي لا تتغير ولا تتبدل في كل مكذب، فلن توضع الرحمة موضع
العذاب، ولن يحوّل العذاب من مكذب إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ
اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١/١٣].
٦٢٦
الُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ٤٢-٤٥
ثم لفت أنظارهم إلى آثار تدمير الماضين المكذبين فقال:
﴿أَمْ يَسِيْرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي أو لم ينتقلوا في الأراضي في رحلاتهم إلى الشام واليمن
والعراق، فيشاهدوا مصير السابقين الذين كذبوا الرسل، كيف دمّر الله
عليهم، وللكافرين أمثالهم، بالرغم من أنهم كانوا أشد قوة من قريش وأكثر
عَدَداً وعُدَداً، وأموالاً وأولاداً، فما أغنى ذلك شيئاً، ولا دفع عنهم من
عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك، لأنه كما قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ
عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أي لأن الله لا يعجزه ولا يفوته أو يسبقه شيء إذا أراد حدوثه
في السماوات والأرض، فلن يعجزه هؤلاء المشركون المكذبون لرسوله ولته،
ولن يفلتوا من عقابه؛ لأن الله تعالى عليم بجميع الكائنات لا يخفى عليه شيء،
قدير لا يصعب عليه أمر، فهو يعلم المستحق للعقوبة، قادر على الانتقام منه
في أي وقت أو مكان شاء.
ثم أبان الله تعالى سياسته العقابية، وأخبر عن سابغ وواسع رحمته بالناس،
فقال :
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ]
أي لو عجل تعالى العقاب وآخذ الناس بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل
السماوات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، لشؤم معاصيهم.
والمراد بالدابة كما قال ابن مسعود: جميع الحيوان مما دتّ ودرج.
﴿ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَ اللَّهَ كَانَ
بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ أي ولكن يؤجل عقابهم ومؤاخذتهم بذنوبهم إلى وقت محدد
وهو يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب
أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب،
ومن يستحق منهم العقاب، لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
٦٢٧
لُعُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ٤٢-٤٥
ونظير الآية: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ
لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوِْلًا (٥٦)﴾ [الكهف: ٥٨/١٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - أقسمت قريش قبل بعثة الرسول وَل﴾، حين بلغهم أن أهل الكتاب
كذّبوا رسلهم أنه إن جاءهم نبي ليكونن أهدى ممن كذب الرسل من أهل
الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني
إسرائيل.
فلما جاءهم ما تمَّوه وهو الرسول النذير، من أنفسهم، نفروا عنه، ولم
يؤمنوا به تكبراً وعتواً عن الإيمان، ومكراً منهم بصدهم عن الإيمان ليكثر
أتباعهم.
أَ - لكن تنكر المشركين للعهد بالله، وإخلالهم بالوفاء باليمين، وعاقبة
شركهم: لا ترتد آثاره إلا عليهم أنفسهم. وهذا ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَا
يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: ((من حفَر لأخيه جُبّاً، وَقَع
فِيهِ مُنْكَبّا)) وروى الزهري أن النبي ◌َّهِ قال: ((لا تُمكرْ ولا تُعِنْ ماكراً، فإن الله
تعالى يقول: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ ولا تَبْغِ ولا تُعِنْ باغياً، فإن
الله تعالى يقول: ﴿فَمَن ذَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾)) . وفي الحديث الذي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان
عن قيس بن سعد: ((المكر والخديعة في النار)) أي تدخل أصحابها في النار؛
لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، قال ◌َله: ((وليس
من أخلاق المؤمن: المكر والخديعة والخيانة)).
٢ - ما موقف المشركين المعاند من نبي الله إلا كموقف من ينتظر العذاب
٦٢٨
الجُعُ (٢٢) - فَظِاع: ٣٥ / ٤٢-٤٥
الذي نزل بالكفار الأولين، وقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك
سنة أي طريقة فيهم، فهو يعذب المستحق، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا
أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره. والإهلاك ليس سنة الأولين وإنما هو سنة
الله بالأولين.
٤ - تأكيداً لهذا الموقف نبههم الله تعالى إلى الأمثلة الواقعية من تاريخ الأمم
الغابرة، وهم الذين يشاهدون آثار تدمير مساكنهم ودورهم أثناء تجاراتهم
ورحلاتهم إلى بلاد اليمن والشام والعراق، مثل إهلاك قوم عاد وثمود ومدین
وغيرهم، لما كذبوا رسل الله، وكانوا أشد من أهل مكة قوة، وأكثر أموالاً
وأولاداً، وإذا أراد الله إنزال عذاب بقوم لم يعجزه ذلك.
٥ - اقتضت رحمة الله تبارك وتعالى ألا يعجل العذاب للعصاة والكفار على
ذنوبهم، وإنما يؤخرهم ويمهلهم إلى يوم معين كي تكون لديهم فرصة،
فيتداركوا تقصيرهم، ويعدلوا عن ظلمهم، وكان مقتضى العدل تعجيل
العقوبة، وإذا فعل الله ذلك، أهلك جميع المخلوقات إلا من يشاء، والله
سبحانه عليم بمن يستحق العقاب منهم.
وهذا ردّ بليغ على المشركين الذين كانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم
وعتوهم يستعجلون بالعذاب، ويقولون لرسول الله وَلفر: عجل لنا عذابنا،
فقال الله: للعذاب أجل.
وقد حكى القرآن الكريم استعجال المشركين بالعقاب استهزاء، حيث
قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً
مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨].
٦٢٩
الجُعُ (٢٢) السورة (٣٦) ليستر}
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ يَسْ
مكية، وهي ثلاث وثمانون آية
تسميتها:
سميت سورة ﴿يَسّ ) لافتتاحها بهذه الأحرف الهجائية، التي قيل فيها
إنها نداء معناه (يا إنسان) بلغة طي لأن تصغير إنسان: أنيسين، فكأنه حذف
الصدر منه، وأخذ العجز، وقال: ﴿يسّ ﴾﴾ أي أنيسين. وعلى هذا يحتمل
أن يكون الخطاب لمحمد وَّه، بدليل قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:
اً - بعد أن ذكر تعالى في سورة فاطر قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ [٣٧]
وقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَبِنِ جَهُمْ نَذِيْرٌ لَّكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى
اُلْأُمَّمِّ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [٤٢] والمراد به محمد نَّر، وقد أعرضوا عنه وكذبوه،
افتتح هذه السورة بالقَسَم على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم، وأنه
أُرسل لينذر قوماً ما أنذر آباؤهم.
اً - هناك تشابه بين السورتين في إيراد بعض أدلة القدرة الإلهية الكونية،
٦٣٠
لِجُعُ (٢٢) السورة (٣٦) يَسْنَ
فقال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ كُلٌ يَجْرِى لِأَجَلِ
مُسَتَّى﴾ [١٣] وقال في سورة يس: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ
وَالْقَمَرَ فَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَدَ كَأَلْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
(٣٩) ﴾ [٣٧-٣٩].
٣ - وقال سبحانه في فاطر: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [١٢] وقال في
يس: ﴿وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ اَلْمَشْخُونِ
(30) [٤].
مشتملاتها:
تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية المفتتحة بأحرف هجائية الكلام
عن أصول العقيدة من تعظيم القرآن الكريم، وبيان قدرة الله ووحدانيته،
وتحديد مهام النبي ◌َّه بالبشارة والإنذار، وإثبات البعث بأدلة حسية مشاهدة
من الخَلْق المبتدأ والإبداع الذي لم يسبق له مثيل.
وقد بدئت السورة بالقسم الإلهي بالقرآن الحكيم على أن محمداً رسول حقاً
من رب العالمين لينذر قومه العرب وغيرهم من الأمم، فانقسم الناس من
رسالته فريقين: فريق معاند لا أمل في إيمانه، وفريق يرجى له الخير والهدى،
وأعمال كل من الفريقين محفوظة، وآثارهم مدونة معلومة في العلم الأزلي
القديم.
ثم ضرب المثل لهم بأهل قرية كذبوا رسلهم واحداً بعد الآخر، وكذبوا
الناصح لهم وقتلوه، فدخل الجنة، ودخلوا هم النار. وأعقب ذلك تذكيرهم
بتدمير الأمم المكذبة الغابرة.
وانتقل البيان إلى إثبات البعث والقدرة والوحدانية بإحياء الأرض الميتة،
وبيان قدرة الله الباهرة في الكون من تعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس
والقمر وغيرهما من الكواكب السيارة والثابتة، وتسيير السفن في البحار.
٦٣١
لِلُُ (٢٢) السورة (٣٦) تَسَنَّ
وإزاء ذلك هزم الجاحدون، وأنذروا بالعقاب السريع، وفوجئوا بنقمة الله
في تصوير أهوال القيامة، وبعثهم من القبور بنفخة البعث والنشور، فأعلنوا
ندمهم، وصرحوا بأن البعث حق، ولكن لم يجدوا أمامهم إلا نار جهنم،
وكانوا قد وبخوا على اتباع وساوس الشيطان، وأعلموا أن الله قادر على
مسخهم في الدنيا.
وأما المؤمنون فيتمتعون بنعيم الجنان، ويحسون بأنهم في أمن وسلام من
رب رحیم.
ثم نفى الله تعالى كون رسوله شاعراً، وأعلم الكافرين أنه منذر بالقرآن
المبين أحياء القلوب، وذكّر الناس قاطبة بضرورة شكر المنعم على ما أنعم
عليهم من تذليل الأنعام، والانتفاع بها في الطعام والشراب واللباس.
وندد الله تعالى باتخاذ المشركين آلهة من الأصنام أملاً في نصرتها لهم يوم
القيامة، مع أنها عاجزة عن أي نفع، وهم مع ذلك جنودها الطائعون.
وختمت السورة بالرد القاطع على منكري البعث بما يشاهدونه من ابتداء
الخلق، وتدرج الإنسان في أطوار النمو، وإنبات الشجر الأخضر ثم جعله
يابساً، وخلق السماوات والأرض، وإعلان القرار النهائي الحتمي الناجم عن
كل ذلك، وهو قدرة الله الباهرة على إيجاد الأشياء بأسرع مما يتصور
الإنسان، وأنه الخالق المالك لكل شيء في السماوات والأرض.
والخلاصة: إن السورة كلها إيقاظ شديد للمشاعر والوجدان، وتحريك
قوي للأحاسيس، وفتح نفَّاذ للقلوب، لكي تبادر إلى الإقرار بالخالق
وتوحيده، والإيمان بالبعث والجزاء. قال النبي ◌َّ في كتاب أبي داود عن معقل
ابن يسار: ((اقرؤوا يس على موتاكم)).
٦٣٢
لُزُ (٢٢) - يَسَنَّ}: ٣٦ /١-١٢
القرآن والرسول والمرسل إليهم
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
وَاُلْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿
﴿یس
تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿َ لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّ أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴿ لَقَدْ
٤
إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى
حَقَّ اُلْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلِفِهِمْ سَذًا
٨
الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ
١٠
إِنَّمَا نُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَبَشْرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ
كَرِيمٍ إ
ـ) إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْقَد وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمَّ وَكُلَّ شَىْءٍ
١٢
أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامِ قُبِينٍ
القراءات:
﴿ یس
وَالْقُرْءَانِ﴾:
أدغم النون من (يس) في واو (والقرآن): ورش، وابن عامر، والكسائي،
وخلف. وأظهرها الباقون.
﴿صِرَطٍ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
{ تَنزِيلَ﴾:
قرئ:
١- (تنزيلَ) وهي قراءة ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (تنزيلُ) وهي قراءة الباقين.
/٦
لِلُ (٢٢) - يَسّ}: ٣٦ /١-١٢
٦٣٣
﴿سَدًا﴾:
قرئ:
١- (سَدَّاً) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (سُدَّاً) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿يُسّ ﴾﴾ إما بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هذه يس، وإما بالضم
على نداء المفرد أو على أنه مبني كحيث، وقرئ بالنصب على معنى: اتل يس،
وإما بالفتح كأين وكيف، وقرئ بالكسر مثل: جيرٍ لإسكان الياء وكسر ما .
قبلها. ومنهم من أظهر النون، ومنهم من أدغمها في الواو، فمن أظهرها فلأن
حروف الهجاء من حقها أن يوقف عليها، كالعدد، ولذلك لم تعرب، ومن
أدغمها أجراها مجرى المتصل، والإظهار أقيس.
﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في موضع رفع خبر (إن) و﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (﴿1﴾ إِما
في موضع رفع خبر بعد خبر (إن) وإما في موضع نصب متعلق بـ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾.
· منصوب على المصدر، مصدر (نزَّل) وهو
﴿ تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِ @
مضاف إلى الفاعل، ويقرأ بالرفع على تقدير مبتدأ محذوف، تقديره: هو
تنزيل، ويقرأ أيضاً بالجر على البدل من القرآن.
﴿َّآ أُنْذِرَ ءَبَآؤُهُمْ﴾ ﴿مَّآ﴾: إما نافية، وإما مصدرية في موضع نصب،
تقديره: لتنذر قوماً إنذاراً مثل إنذارنا آباءهم، ممن كانوا في زمان إبراهيم
وإسماعيل.
﴿وَءَانَرَهُمْ﴾ هي السنن التي سنّوها، فيه محذوف تقديره: سنكتب ذكر ما
قدموا وذكر آثارهم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه . ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ
٦٣٤
الُعُ (٢٢) - يَسَنَّ: ٣٦ /١-١٢
أَحْصَيْنَهُ﴾ ﴿وَكُلُّ﴾ منصوب بفعل مقدر دلَّ عليه ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ أي أحصينا كل
شيء أحصيناه.
البلاغة:
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ ﴿إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ في كل منهما تأكيد بأكثر
من مؤكد وهو (إن) واللام؛ لأن المخاطب منكر، وهذا التأكيد يسمى إنكارياً.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْذَلًا﴾ استعارة تمثيلية، شبه حال الكفار في
امتناعهم عن الإيمان بمن غُلَّت يده إلى عنقه بالقيود، فصار مرفوع الرأس
خافض البصر، لا يستطيع فعل شيء ولا الالتفات إلى غيره. وكذلك شبه
حالهم بمن وجد بين سدّين لا يستطيع النفاذ والاهتداء لطريقه.
﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿وَمِنْ خَلِفِهِمْ﴾ بينهما طباق.
ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمَّ تُنْذِرُهُمْ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿نَحْنُ نُحْىِ﴾ جناس ناقص لتغير الحروف.
المفردات اللغوية:
تقرأ: ياسين بمد الياء، وإظهار النون الساكنة، أو بإدغام
یس
نون السين في الواو التي بعدها، إلخ ما ذكر في الحاشية، والمراد من هذه
الحروف المقطعة الهجائية كما سبق بيانه التنبيه، مثل ألا ويا، والإشارة إلى
العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف تتركب منها لغتهم
وكلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ حجة عليهم . ﴿ وَاَلْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ
الواو: واو القسم، يقسم الله تعالى لمحمد ◌َله بالقرآن المحكم بعجيب النظم
وبديع المعاني، أو بذي الحكمة، على أن محمداً رسول من عند الله، لئلا يشك
أحد في كونه مرسلاً . ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ أي الأنبياء المرسلين إلى
٦٣٥
الُ (٢٢) - تَسَنّ}: ٣٦ /١-١٢
قومهم وغيرهم، والتأكيد بالقسم واللام للرد على من أنكر رسالته من الكفار
بقولهم: لست مرسلاً. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ أي الطريق القويم الذي لا
التواء فيه ولا اعوجاج، بل هو الموصل إلى المطلوب، في العقيدة والشريعة،
في التوحيد والاستقامة في الأمور.
(﴾ أي إن القرآن تنزيل منزل من العزيز الغالب
﴿تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
في ملكه، الرحيم بخلقه . ﴿لِنُنذِرَ قَوْمَا قَّ أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ اللام متعلق بـ
﴿ تَزِيلَ﴾، والمعنى أرسلناك بهذا التنزيل لتنذر قوماً لم يُنْذَر آباؤهم الأقربون،
في زمن الفترة، أو لتطاول مدة الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
﴿غَفِلُونَ﴾ أي إن القوم العرب غافلون عن الإيمان والرشد، وعن الشرائع
والأحكام. ﴿حَقَ الْقَوْلُ عَّ أَكْثَرِهِمْ﴾ وجب الحكم بالعذاب على أكثر أهل
مكة: وهم من مات على الكفر وأصرّ عليه. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم ممن علم
الله أنهم لا يؤمنون بالقرآن.
﴿أَغْذَلًا﴾ جمع غُلّ: وهو ما تجمع به اليد إلى العنق للتعذيب . ﴿فَهِىَ﴾
الأيدي مجموعة. ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن: وهي مجتمع اللَّحْيين.
﴿ُقْمَحُونَ﴾ رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، غاضون أبصارهم في
عدم التفاتهم إلى الحق. وهذا تمثيل، يراد به أنهم لا يذعنون للإيمان ولا
يخفضون نفوسهم له . ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم، والمراد: منعناهم عن الإيمان
بموانع هي استكبارهم وعتوهم وعنادهم عن قبول الحق والخضوع له.
﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ﴾ غطينا أبصارهم. ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي فهم بسبب ذلك لا
يقدرون على إبصار سبيل الهدى، إنهم عموا عن البعث، وعن قبول الشرائع
الإلهية. وهذا تمثيل أيضاً لسد طريق الإيمان عليهم؛ لأن الله سبحانه قد علم
منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه. والعلم: مجرد معرفة
مسبقة لا يمنع الإنسان عقلاً وواقعاً من الإيمان؛ لأنه غير معروف له.
٦٣٦
لُهُ (٢٢) - يس}: ٣٦ /١-١٢
أي إنذارك إياهم
﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
وعدمه سواء، فلا ينفعهم الإنذار، بسبب العتو والاستكبار . ﴿إِنَّمَا نُنْذِرُ﴾
ينفع إنذارك . ﴿مَنِ اتََّعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي اتبع القرآن،
وخاف عقاب الله في السر والعلن، وإن لم يره، والغيب: أي قبل معاينة
أهواله . ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنة.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْنَى﴾ نبعثهم بعد الموت. ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أي
نكتب في اللوح المحفوظ ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة.
﴿وَءَاثَرَهُمْ﴾ أي ما أبقوه بعدهم من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد
الموت، كالعلم والكتاب والمسجد والمشفى والمدرسة، أو من السيئات كنشر
البدع والمظالم والأضرار والضلالات بين الناس . ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامِ
◌ُبِينٍ﴾ أي كل شيء من أعمال العباد وغيرها ضبطناه في اللوح المحفوظ أو في
صحائف الأعمال.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿يَسْ ﴿﴿ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾﴾: أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن
عباس قال: كان رسول الله وَله يقرأ في السجدة، فيجهر بالقراءة حتى يتأذى
به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم،
وإذا بهم عُمْي لا يبصرون، فجاؤوا إلى النبي ◌َّر فقالوا: ننشدك الله والرحم
يا محمد، فدعا حتى ذهب ذلك عنهم. فنزلت: ﴿يَسّ ﴿ وَالْقُرْءَنِ الْحَكِيمِ
﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لَمّ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلم يؤمن من ذلك النفر أحد.
نزول الآية (٨):
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال:
٦٣٧
الُعُ (٢٢) - يَسَنَّ}: ٣٦ / ١- ١٢
قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمداً لأفعلن، فأنزل الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىَّ أَعْنَقِهِمْ
أَغْلَلًا﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُصِرُونَ﴾ فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو،
أين هو؟ لا يبصر.
نزول الآية (١٢):
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ اُلْمَوْنَى﴾: أخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه
عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سَلِمة في ناحية المدينة، فأرادوا النُّقْلَة
إلى قرب المسجد، فنزلت هذه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْقَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ
وَءَاتَرَهُمْ﴾ فقال النبي ◌َّهِ: ((إن آثاركم تُكْتبُ، فلا تنتقلوا)). وأخرج الطبراني
عن ابن عباس مثله.
وأخرج عبد الرزاق عن أبي سعيد قال: شكت بنو سَلِمة إلى رسول الله وَله
بُعْدَ منازلهم من المسجد، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَثَرَهُمْ﴾
فقال النبي ◌َّه: ((عليكم منازلَكم فإنما تكتب آثارُكم)).
التفسير والبيان:
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
) وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
﴿یس
(٤) أي أقسم بالقرآن ذي الحكمة البالغة، المحكم بنظمه ومعناه بأنك یا
محمد لرسول من عند الله على منهج سليم، ودين قويم، وشرع مستقيم لا عوج
فيه.
وفي هذا إشارة إلى أن القرآن هو المعجزة الباقية، وأن محمداً رسول الله
وَل*، صادق في نبوته، ومرسل برسالة دائمة من عند ربه.
﴿ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ جَ﴾ أي هذا القرآن والدين والصراط الذي جئت
به تنزيل من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ
لَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَّطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ
[الشورى: ٥٢/٤٢-٥٣].
أَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (فَهَا﴾
٦٣٨
الُ (٢٢) - يَسَنَّ}: ٣٦ /١-١٢
وهذا دليل واضح على مكانة القرآن وأنه أجل نعمة من نعم الرحمن.
﴾ أي أرسلناك أيها النبي
﴿ لِنُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ
لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول نذير من قبلك، ولم يأت آباءهم الأقربين
من ينذرهم ويعرّفهم شرائع الله تعالى، فهم غافلون عن معرفة الحق والنور
والشرائع التي تسعد البشر في الدارين.
لكنَّ ذكرهم وحدهم هنا للعناية بهم وتوجيه الخطاب لهم: لا ينفي كونه
مرسلاً إلى الناس كافة، بدليل الآيات والأحاديث المتواترة المعروفة في عموم
بعثته وَّهَ، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِىِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨/٧] وقوله ◌َّ فيما أخرجه الشيخان والنسائي عن
جابر: ((وكان النبي يُبْعَث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامةً)).
أي لقد وجب العذاب
﴿لَقَدْ حَقَ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
على أكثر أهل مكة، وهو ما سُجِّل عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون
بالقرآن وبمحمد وَلّ، وهم الذين علم الله أنهم يموتون على الكفر، ويصرون
عليه طوال حياتهم.
والمراد بالقول: الحكم والقضاء الأزلي، وهو سبق علم الله بنهاياتهم، لا
بطريق الجبر والإلجاء، بل باختيارهم وإصرارهم على الكفر، وفي هذا تطمين
للنبي وَل﴿ حتى لا يجزع ولا يأسف على عدم إيمانهم به.
ثم ضرب الله تعالى مثلاً لتصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى إيمانهم،
فقال :
﴿إِنَا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ (®﴾ أي إنا
جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالقيود، تمنعهم من فعل شيء، فصاروا
مرفوعي الرؤوس خافضي الأبصار. وهذا يعني أن الله جعلهم كالمغلولين
٦٣٩
الُزُ (٢٢) - تَنَّ}: ٣٦ /١-١٢
المقمحين (الرافعي رؤوسهم الغاضي أبصارهم) في أنهم لا يلتفتون إلى الحق،
ولا يوجهون أنظارهم نحوه، وهم أيضاً كالقائمين بين سدين، لا يبصرون
أمامهم ولا خلفهم، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله، كما قال:
﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلِفِهِمْ سَذَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ
﴾ أي تأكيداً لما سبق في تصوير حالتهم أنهم بتعاليهم عن النظر في آيات
الله جعلوا كمن أحاط به سدان من الأمام والخلف، فمنعاه من النظر، فهو لا
يبصر شيئاً، وهؤلاء لا ينتفعون بخير، ولا يهتدون إليه؛ لأنا غطينا أبصارهم
عن الحق.
وهذا مثل صائب لأهل الجهالة والتخلف والبدائية الذين حجبوا مداركهم
وأبصارهم عن التأمل في معطيات المدنية والتقدم والحضارة، وهو تمثيل رائع
للسد الإلهي المعنوي بالسد الحاجز المادي الحسي.
ونتيجة لما سبق:
أي إن إنذارك
١٠
﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
لهؤلاء المصرين على كفرهم وعدمه سواء، فلا ينفعهم الإنذار، ما داموا غير
مستعدين لقبول الحق، والخضوع لنداء الله، والنظر في الدلائل الدالة على
صدق رسالة النبي ◌َّير، والتأمل في عجائب الكون المشاهدة الدالة على وجود
الله تعالى ووحدانيته.
أما نفع الإنذار، فهو كما ذكر تعالى:
﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَبَشِّرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ
كَرِيمٍ (٣) أي إنما ينفع إنذارك الذين آمنوا بالقرآن العظيم واتبعوا
أحكامه وشرائعه، وخافوا عقاب الله قبل حدوثه ومعاينة أهواله، أو خشوا
الله قبل رؤيته، فهؤلاء بشرهم بمغفرة لذنوبهم، ورضوان من الله، وأجر كريم
٦٤٠
الجُزُ (٢٢) - تَسَنَّ: ٣٦ /١-١٢
ونعيم مقيم هو الجنة. ونظير الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم
﴾ [الملك: ٦٧ / ١٢].
١٢
مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
ثم أكد الله تعالى حصول الجزاء للمؤمنين وغيرهم، فقال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِى الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاتَرَهُمَّ﴾ أي إننا قادرون
فعلاً على إحياء الموتى، وبعثهم أحياء من قبورهم، ونحن الذين نُدوّن لهم كل
ما قدموه وأسلفوه من عمل صالح أو سيئ، وتركوا من أثر طيب أو خبيث،
أي نكتب ونسجل أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها
وخلفوها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فمن
عمل على نشر الفضيلة جوزي بها، ومن عمد إلى نشر الرذيلة والسوء في
الملاهي أو الكتب الخليعة يحاسب عليها.
وهذا كقوله ◌َ - فيما رواه مسلم عن جرير بن عبد الله البَجَلي -: ((من
سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنة، كان له أجرها وأجر من عَمِل بها من بعده، من
غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه
وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)).
وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّه:
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم يُنْتَفع به، أو ولدٍ صالح
يدعو له، أو صدقةٍ جارية من بعده)).
ثم ذكر تعالى أن كتابة الآثار لا تقتصر على الناس، وإنما تتناول جميع
الأشياء، فقال:
﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي لقد ضبطنا وأحصينا كل شيء من
أعمال العباد وغيرهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي سُجِّل فيه جميع
ما يتعلق بالكائنات، كما قال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُ رَبِ