Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
لِفُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ /١-٤
كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ((سمع الله لمن حمده، اللهم ربَّنا لك الحمدُ
ملءَ السّماء والأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، اللهم أهلَ الثناء والمجد،
أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما
منعت، ولا ينفع ذا الْجَدِّ منك الْجَدّ)).
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآدَ لِفَضْلِهِ،﴾ [يونس: ١٠٧/١٠].
وفي موطأ مالك: بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح، وقد مُطر
الناس: مُطرنا بنَوْء الفتح، ثم يتلو هذه الآية: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ
فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾.
وبعد بيان كونه تعالى مصدر الخلق والرزق والنعم، أمر بتذكر نعمه
والإقرار بالتوحيد فقال:
◌َّأَيُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ
اْسَمَاءِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَّى تُؤْفَكُونَ ﴾﴾ أي يا أيها الناس
قاطبة، تذكروا نعم الله عليكم، وارعوها، واحفظوها بمعرفة حقوقها
والاعتراف بها، وأفردوا موجدها بالعبادة والطاعة، فهو وحده رازقكم من
السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك، وأعلنوا توحيد الله وأنه لا
إله إلا هو، وإذا أقررتم بذلك، فكيف بعد هذا البيان ووضوح البرهان
تصرفون عن الحق: وهو توحيد الله وشكره، وتعبدون بعد هذا الأنداد
والأوثان؟!
وبعد تقرير الأصل الأول وهو التوحيد، قرر الله تعالى الأصل الثاني وهو
الرسالة، فقال مواسياً أومؤانساً رسوله وَلجر عن تكذيب قومه:
﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾﴾ أي

٥٦٢
لُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ١-٤
وإن يكذِّبك يا محمد هؤلاء المشركون، ويعارضوك فيما جئت به من التوحيد،
بعد إثباته بالأدلة والبراهين، فتأسَّ بمن سلف قبلك من الرُّسل، فإنهم أيضاً
جاؤوا قومهم بالبيِّنات وأمروهم بالتوحيد، فكذبوهم وخالفوهم، ومصير
الجميع في النهاية إلى الله، فيجازي على ذلك أوفر الجزاء، يجازيك على
صبرك، ويجازيهم على التكذيب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - الله تعالى هو مستحق الحمد والشكر على قدرته ونعمه وحكمته، وقد
ذكرت سابقاً أن هذه السورة - كما ذكر الرازي - إحدى السُّور القرآنية الأربع
المبدوءة بالحمد، فسورة الأنعام إشارة بالحمد إلى النعمة العاجلة وهي
الإيجاد، وسورة الكهف إشارة بالحمد إلى النعمة العاجلة وهي الإبقاء،
وسورة سبأ إشارة بالحمد إلى نعمة الإيجاد الثاني وهو الحشر، وهذه السورة
إشارة بالحمد إلى نعمة البقاء في الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ
رُسُلًا﴾ أي يجعلهم رسلاً يتلقون عباد الله تعالى.
أَ - الله سبحانه هو مبدع السماوات والأرض على غير مثال سبق، وهو
جاعل الملائكة ذوي أجنحة من اثنين إلى ثلاثة فأربعة، فأكثر، للطيران
والتحليق هبوطاً وصعوداً بين السماء والأرض، وجاعلهم رسلاً إلى الأنبياء،
أو إلى العباد برحمة أو نقمة في الدنيا، ولتلقي عباد الله في الآخرة كما ذكر
الرازي.
٣ - الله تعالى هو الذي يزيد في مخلوقاته ما يشاء، سواء في خلق الملائكة،
بالأجنحة الكثيرة، أو في الزيادة المادية الحسية أو المعنوية في خلق الناس،
كالتميز بأنواع الجمال المختلفة في العينين والأنف والفم ونحوها، وحسن
الصوت، وجمال الخط أو الكلام أو النّطق.

٥٦٣
الُرُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ /١-٤
٤ - الله عزّ وجلّ تامّ القدرة على كل شيء بالنّقصان والزِّيادة، والإيجاد
والإعدام، وغير ذلك.
قال الزمخشري في آية ﴿يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾: الآية مطلقة تتناول كلّ
زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في
البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في
النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التّكلُّم، وحسن تأتِّ(١) في مزاولة
الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف(٢).
- الله عزّ وجلّ نافذ المشيئة والإرادة والأمر، فإذا منح نعمة لأحد، فلا
يقدر أحد أن يمنعها، وإذا حرم أحداً نعمة، لم يستطع أحد إعطاءه إياها. وبما
أن الرُّسل بُعثوا رحمة للناس، فلا يقدر على إرسالهم غير الله، وأي شيء يمسك
الله فلا أحد يقدر على إطلاقه.
وتنكيره الرحمة: ﴿مِن رَّحْمَةٍ﴾ يفيد العموم والشمول، والإشاعة والإبهام،
فهي متناولة لكل رحمة، سماوية كانت أو أرضية.
أَ - على الناس شكر نعمة الله عليهم، بحفظها وأداء حقها وذكرها باللسان
والقلب، وإفراد المنعم بالطاعة والعبادة والثناء عليه بما هو أهله، وإنهاء
التعلق بالأصنام والأوثان وجعلها شركاء لله، وهو أبطل الباطل الذي لا يقره
العقل المتحضر، ولا الإنسان المتمدن.
٧ - لا أحد على الإطلاق يأتي بالرزق، فالله تعالى مصدر الرزق من السماء
بالمطر، ومن الأرض بالنبات.
(١) التّأتي في الأمور: التّرفق لها، وإتيانها من وجهها، وعلاجها بحكمة.
(٢) الكشاف: ٥٦٩/٣

٥٦٤
الُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ / ٥-٨
٨ - يجب على الخلق جميعاً إعلان توحيد الله، فالوحدانية في صحيفة
الكون، وفي الضمير والوجدان، ومقتضى الفطرة، وفي ميزان العقل الراقي.
ـة - إذ أثبت العقل ودلّت آيات القرآن والكون على وحدانية الله، فكيف
يصحّ للبشر الانصراف عن هذا الظاهر وكيف يشركون المنحوت بمن له
الملكوت؟!
صَلى الله
٠ ١ - إثبات التوحيد يستتبع إثبات الرسالة وصدق نبوة النبي
بالمعجزات الظاهرة، وأعلاها وأخلدها القرآن العظيم.
وإذا كذب بعض الناس قديماً وحديثاً رسول الله، فقد كذب الكفار عبر
التاريخ أنبياءهم، وتلك ظاهرة عامة، وما على الرسول وأتباعه إلا التّأسِّي
بمن سبق في الصبر، والنهاية الحتمية المصيرية إلى الله، فيجازي الجميع بما
يستحقون.
تقرير الحشر والتحذير من الشيطان
وجزاء الكافرين والمؤمنين
بَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ فَلَ تَغُرَّتَكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
اٌلْغَرُورُ ﴿َ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُوْ مِنْ
أَصْحَبِ السَّعِيرِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
لَهُ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيُ ﴿ أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَهُ حَسَنٌَّ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُ
مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
٨
يَصْنَعُونَ
الإعراب:
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: إما بدل مجرور من ﴿أَصْحَبٍ﴾ وإما بدل

٥٦٥
الزُُّ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ٥-٨
منصوب من ﴿حِزْبَهُ﴾ وإما بدل مرفوع من ضمير ﴿لِيَكُونُواْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
مبتدأ، خبره: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾.
﴿حَسَرَتٍ﴾ إما مفعول لأجله، أو منصوب على المصدر. وقرئ بالإمالة مع
فتحة الراء وإمالتها، فمن قرأ بفتح الراء أتى بها على الأصل، ومن أمال فلأن
الألف بدل عن الياء، ثم أتبع الراء إمالة الهمزة، والإتباع للمجانسة كثير في
كلام العرب.
البلاغة:
﴿يُضِلُّ﴾ و﴿وَيَهْدِى﴾ بينهما طباق.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ
كَبِيرٌ (3) بينهما مقابلة وهي كالطباق إلا أنها تكون في أكثر من شيئين.
﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّاً﴾ حذف الجواب لدلالة اللفظ عليه،
أي كمن لم يُزين له سوء عمله؟ ودلّ على المحذوف بقية الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ
يُضِلُ﴾ و﴿مَن﴾ مبتدأ، وخبره: كمن هداه الله.
﴿فَلاَ تَغُرَّتَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ ثم قال: ﴿ وَلَا يَغُرَّتَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ إطناب
بتكرار الفعل.
﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ كناية عن الهلاك؛ لأن النفس إذا
ذهبت هلك الإنسان.
﴿السَّعِيرِ﴾ ﴿كَبِيرُ﴾ سجع مؤثر على السمع.
المفردات اللغوية:
مِے
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي إن وعده بالبعث والجزاء أو الحشر والعقاب لا

٥٦٦
الُرعُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ٥-٨
خلف فيه .﴿فَلاَ تَغُرَّتَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ لا تلهينكم ويذهلنكم التمتع بها عن
الإيمان بالحشر وعن طلب الآخرة والسعي لها . ﴿ وَلَا يَغُرَّتَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حلمه
وإمهاله . ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان، بأن يمنيكم المغفرة، مع الإصرار على المعصية.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ عداوة عامة قديمة. ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بطاعة الله،
ولا تطيعوه في المعاصي، واحذروه في كل الأحوال. ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ
مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ أي إنما يدعو أصحابه وأتباعه المتحزبين له، والمطيعين له،
إلى المعاصي والكفر، لأجل أن يكونوا من أهل النار الشديدة، لعداوته لآدم
وذريته. وهذا تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة أشياعه إلى اتّباع الهوى
والركون إلى الدنيا.
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ
كَبِيرُ ﴾﴾ وعيد لمن أجاب دعاء الشيطان، ووعد لمن خالفه بالإيمان
والعمل الصالح بمغفرة الذنوب والأجر الكبير وهو الجنة.
﴿ أَفَمَنَ زُيِنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَاهُ حَسَنَّاً﴾ أي من غلب وهمه على عقله،
فرأى عمله السيئ صواباً، والباطل حقاً، والقبيح حسناً، كمن لم يزين له؟
حذف الجواب لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ أي من شاء
الله إضلاله أضلّه، ومن شاء هدايته هداه . ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَبٍ﴾
أي عليه وهو المزين له، والمعنى: فلا تهلك نفسك باغتمامك على غيِّهم
وكفرهم وإصرارهم على التكذيب. والحسرة: همّ النفس على فوات أمر، أي
التلهف عليه . ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فيجازيهم عليه؛ لأنه لا تخفى عليه
خافية من أفعالهم وأقوالهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ﴾: أخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس

٥٦٧
الِزُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٥-٨
قال: أنزلت هذه الآية: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ حيث قال النبي ◌َّ:
((اللهم أعِزَّ دينك بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام)) فهدى الله عمر،
وأضلّ أبا جهل، ففيهما أنزلت.
المناسبة:
بعد بيان الأصل الأول وهو التوحيد، والأصل الثاني وهو الرسالة، ذكر
الله تعالى الأصل الثالث وهو الحشر أو البعث والنشور، والحساب والعقاب،
وقرر أنه حق لا شك فيه، وحذر من وسواس الشيطان في تشكيك الناس
بالإيمان به، ثم صنّف الناس إزاءه صنفين: حزب الشيطان الذين لهم العذاب
الشديد، وحزب الرحمن الذين لهم المغفرة والأجر الكبير وهو الجنة. ثم أبان
قضية جوهرية وهي أن الضلال والهدى بيد الله حسبما يعلم من استعداد
النفوس الأول أو الثاني.
التفسير والبيان:
﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّتَكُمُ الْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَّكُم بِاللَّهِ
الْغَرُورُ (®) يا أيها البشر جميعاً إن وعد الله بالبعث والجزاء حقّ ثابت مؤكد
لا شك فيه، والمعاد كائن لا محالة، فلا تتلهوا بزخارف الدنيا ونعيمها ولذاتها
عن عمل الآخرة، ولا يغرنكم الشيطان بالله، فيجعلكم تعيشون في الأوهام
والآمال المعسولة، قائلاً لكم: إن الله يتجاوز عنكم، ويغفر لكم، لسعة
رحمته، فتنزلقوا في المعاصي، وتسرفوا في المخالفات، فإنه غرّار كذّاب أقّاك.
وهذه الآية كآية آخر سورة لقمان: ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا
يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
ثم بيَّن الله تعالى علّة عدم الاغترار بالشيطان وهي عداوة إبليس لابن آدم،
فقال :

٥٦٨
◌ِلُُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ /٥-٨
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أي إن عداوة الشيطان لكم عداوة
قديمة عامة ظاهرة، فعادوه أنتم أشدّ العداوة، وخالفوه وكذُّبوه فيما يغركم
به، بطاعة الله، ولا تطيعوه في معاصي الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى أغراض الشيطان ومقاصده الخبيثة فقال:
﴿إِنَّمَا يَدْعُوْ حِزْبَهُ لِيَكُونُوْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ أي إنما يقصد أن يضلكم
حتى تدخلوا معه إلى عذاب النار الشديد الدائم. جاء في حديث عبد الله بن
مسعود الذي أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان عن النبي وَّر: ((إن
للشيطان ◌ِلَّةُ (١) بابن آدم وللملك لِلَّهَ، فأما ◌ِّهُ الشيطان فإيعاد بالشَّرِّ وتكذيب
بالحقّ، وأما ◌ِّهِ الْمَلَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ)).
ثم ذكر تعالى جزاء حزب الشيطان وحزب الرحمن فقال:
ھِے
﴿الَّذِينَ كَفَرُوْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي إن الذين كفروا بالله ورسوله وأنكروا
البعث، واتبعوا وساوس الشيطان، لهم عذاب شديد في نار جهنم؛ لأنهم
أطاعوا الشيطان، وعصوا الرحمن.
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرُ كَبِيرٌ﴾ أي والذين صدقوا
بالله ورسوله وباليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال من اتِّباع الأوامر
واجتناب النواهي ومخالفة الشيطان وهوى النفس، لهم مغفرة لذنوبهم وأجر
كبير وهو الجنة، بسبب الإيمان والعمل الصالح وعمل الخير.
ثم بيَّن تعالى الفرق بين الصنفين، فليس من عمل سيّئاً كالذي عمل
صالحاً، فقال:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّاً﴾ أي كيف يتساوى المسيء
(١) اللمة: الخطرة التي تقع في القلب.

٥٦٩
الُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٥-٨
والمحسن، وهل يكون أولئك الكفار الفجار الذين بتزيين الشيطان وتحسين
القبيح يعملون أعمالاً سيِّئة من كفر ووثنية وعصيان، معتقدين أنهم يحسنون
صنعاً، كالذين كانوا على الهدى، ويعلمون أنهم على الحق؟! والمراد بمن زين
له سوء عمله: كفار قريش وأمثالهم.
وسبب ذلك ما قال تعالى:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ أي من شاء الله إضلاله أضلّه،
ومن شاء هدايته هداه، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التامّ، وتبعاً
لعلمه باستعداد النفوس للخير والشّر.
ثم سلَّ الله تعالى رسوله وَالر حيث حزن من إصرار قومه على الكفر، فقال:
﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ أي لا تغتم
ولا تأسف ولا تهلك نفسك على عدم إيمانهم، وإصرارهم على الكفر،
واستمرارهم على الضلال، فالله عليم بأحوالهم واستعداداتهم، وعليم بما
يصنعون من المنكرات والقبائح لا تخفى عليه خافية، فيجازيهم بما يستحقون.
وهذا وعيد كافٍ، وزجر بليغ إن أدركوا أبعاده ومراميه.
ونظير الآية كثير، منها قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَرِهِمْ إِن
ب: ٦/١٨] ومنها: ﴿لَعَلَّكَ بَيْخِعُ نَفْسَكَ
لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
[الشعراء: ٣/٢٦].
٣
أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - بعد إيضاح الدليل على إثبات البعث والحشر ذكر الله تعالى مبدأ عاماً
في الاعتقاد: وهو أن البعث والثواب والعقاب حق لا مرية فيه، ولا بدّ من
حصوله.

٥٧٠
الجُرُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ٥-٨
أَ - وفي ضوء هذا المنظور الأخروي في عقيدة الإسلام الراسخة، على
الإنسان ألا تلهيه الدنيا وزخارفها عن العمل للآخرة، وألا يغترّ بوساوس
الشيطان، فإنه أفّاك كذّاب، قال سعيد بن جُبير: غرور الحياة الدنيا أن
يشتغل الإنسان بنعيمها ولذّاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: ﴿يَلَّتَنِ قَدَّمْتُ
◌ِحَيَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤/٨٩].
٣ - إن عداوة الشيطان للإنسان عامة قديمة، فيجب الحذر منه، ومعاداته
وعدم إطاعته، ودليل عداوته: إخراجه أبانا آدم من الجنة، وإصراره على
إضلال الإنسان وضمانه ذلك في قوله: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ٤/
١١٩]، وقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ﴾
[الأعراف: ١٦/٧ - ١٧] .
٤ - إن هدف الشيطان الدال على عداوته للإنسان أيضاً دعوة حزبه أي
أشياعه وأتباعه ليكونوا معه في نار جهنم الشديدة الاستعار.
٥ - هناك فرق واضح بين المسيء والمحسن، فلا يسوَّى بين من زيّن له
الشيطان عمله السيِّئ فأطاعه، وبين من هداه الله للخير، فاتَّبع أوامر الله
تعالى. والفريق الأول يشمل كل الكفار من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة
الأوثان والأصنام والشيطان ونحو ذلك.
أَ - إن الإضلال والهداية من الله بحسب ما له من العلم التامّ المسبق بكل
إنسان، وما لديه من استعداد للشَّرّ أو للخير.
لاً - لا داعي للأسف والاغتمام على إصرار الكفار على كفرهم، ولا ينفع
التأسف على مقامهم على كفرهم، فإن الله عليم بصنعهم القبائح، وسيجازيهم
على أفعالهم.

٥٧١
الزُعُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ٩-١١
من دلائل القدرة الإلهية لإثبات البعث
﴿ وَاللَّهُ الَّذِيّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
مَن كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
مَوْتَهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ
بط
اٌلَطَيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ، وَالَِّيْنَ يَمْكُرُونَ السَّتِئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ
أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ (
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجَّ وَمَا
تَحْمِلُ مِنْ أُنَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِوِةٍ إِلَّا
فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
القراءات:
﴿اَلْرِّيَحَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف (الرِّيح).
﴿مَّتٍ﴾:
قرئ:
١- (مَيِّت) وهي قراءة نافع، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (مَيْت) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
ج
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الهاء تعود على الكلم، أي والعمل الصالح
يرفع الكلم، وقيل: تعود على العمل، أي والعمل الصالح يرفعه الله، ولو
صحَّ هذا القول لكان يلزم نصب كلمة (العمل).
﴿ وَأُلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّبِئَاتِ﴾ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾: إما مفعول ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى

٥٧٢
الجُزُرُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ٩-١١
يعملون، أو منصوب على المصدر؛ لأن معنى ﴿يَمْكُّرُونَ﴾: يسيئون، أو
وصف لمصدر محذوف، أي يمكرون المكرات السيئات، ثم حذف الموصوف
وأقام الصفة مقامه . ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿وَمَكْرُ﴾ مبتدأ وخبره ﴿يَبُورُ﴾
وهو: فصل بين المبتدأ والخبر، ويجوز الفصل إذا كان الفعل مضارعاً.
البلاغة:
﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الرَِّحَ فَتُشِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ﴾ سقناه: التفات من الغيبة إلى
التكلم للإشعار بالعظمة.
﴿تَحْمِلُ﴾ و﴿تَضَعُ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿يُعَمَّرُ﴾ و﴿يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِهِ:﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَرْسَلَ﴾ أطلق وأوجد من العدم . ﴿فَتُثِرُ سَحَابًا﴾ تزعجه وتحركه، وأتى
بالمضارع حكاية للحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على
كمال الحكمة. ﴿ إِلَى بَلَدٍ مَِّتٍ﴾ بالتخفيف، أو ميِّت بالتشديد: لا نبات فيه،
ويرى بعضهم: أن الميت بالتخفيف: هو الذي مات، والميِّت بالتشديد،
والمائت: هو الذي لم يمت بعد . ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها، وأحيينا به الأرض:
معناه أنبتنا بالمطر الزرع والكلأ. ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي كذلك يحيي الله العباد
بعد موتهم، كما أحيا الأرض بعد موتها. و﴿النَّشُورُ﴾ البعث والإحياء،
يقال: نشر الله الميت وأنشره، أي أحياه.
(اٌلْعِزَّةَ﴾ الشرف والجاه والْمنَعة. ﴿فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي فليطلبها من عند
الله، فإن له كل العزة في الدنيا والآخرة، ولا تنال منه العزة إلا بطاعته،
فليطعه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ مجاز يراد به قبول الله له، أو علمه به،
و﴿اَلْكَلِمُ الطَّيْبُ﴾ هو التوحيد (لا إله إلا الله) وكل كلام طيب من ذكر الله،

٥٧٣
لُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ٩-١١
وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة قرآن ودعاء وغير ذلك . ﴿ وَاُلْعَمَلُ
الصَّدِعُ يَرْفَعُهُ﴾ أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما لا يقبل الكلم
الطيب إلا مع العمل الصالح. و﴿ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ﴾ ما كان بإخلاص،
و﴿يَرْفَعُهُ﴾ يقبله. ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي الذين يعملون السيئات في
الدنيا على وجه المكر والخديعة، كالمكر بالنبي ◌َّله في دار الندوة من تقييده أو
قتله أو إخراجه، كما ذكر في الأنفال، أو مراءاة المؤمنين في أعمالهم بإيهامهم
أنهم مطيعون الله. ﴿يَبُرُ﴾ يبطل ويفسد ولا ينفذ، من البوار: الهلاك.
﴿خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ﴾ أي خلق أباكم آدم من تراب. ﴿نُطْفَةِ﴾ مني يخلق
ذريته منه . ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجَأَ﴾ ذكراناً وإناثاً. ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ،﴾ أي لا يخرج
شيء عن علمه وتدبيره، وهو حال، أي معلومة له . ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرٍ وَلَا
يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ﴾ أي لا يزاد ولا يطول من عمر أحد، ولا ينقص من عمر
معمر آخر، وذلك بحسب العرف والعادة الشائعة بين الناس. ﴿إِلَّا فِى
كِنَبٍ﴾ أي في صحيفة المرء في اللوح المحفوظ، وتطويل العمر وتقصيره: هما
بقضاء الله وقدره، لأسباب تقتضي التطويل أو التقصير، فمن أسباب
التطويل: صلة الرحم، ومن أسباب التقصير: الاستكثار من معاصي الله عز
وجل. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي لا يصعب عليه منه شيء.
المناسبة:
بعد الإخبار عن عذاب الكفار الشديد، والمغفرة والأجر الكبير للمؤمنين
يوم القيامة، أقام تعالى الدليل على البعث بإحياء الأرض بعد موتها، وخلق
الإنسان ومروره في أطوار مختلفة من التراب، فالنطفة، فالبشر السوي، فالمدّ
في العمر أو تقصيره.
التفسير والبيان:
كثيراً ما يستدل الله تعالى على المعاد أو البعث بإحياء الأرض بعد موتها،
كما في أول سورة الحج مثلاً، وقال هنا:

٥٧٤
لُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٩-١١
﴿ وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْنِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾﴾ أي والدليل الحسي المشاهد على إمكان البعث
وأنه مقدور لله تعالى: أنه سبحانه يرسل الرياح، فتحرك الغيوم إلى حيث يشاء
الله، فيقوده إلى بلد ميت لا نبات به، فينزل المطر عليه، فتحيا الأرض بالنبات
بعد يبسها، وتصبح مخضرة ذات زرع وشجر، بعد أن كانت تربة هامدة،
فكذلك يكون النشور أي كما يحيي الله الأرض بعد موتها، يحيي العباد بعد
موتهم، وهذا هو النشور، أي جعلهم أحياء.
جاء في حديث أبي رَزين: «قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما
آية ذلك في خلقه؟ قال ◌َله: يا أبا رَزين، أما مررتَ بوادي قومك مُمْحِلاً، ثم
مررت به يهتز خَضِراً؟! قلت: بلى، قال وَ له: فكذلك يحيي الله الموتى)).
ثم ندّد الله تعالى بمشاعر الكفار بالعزة والغطرسة التي حجبتهم عن طاعة
الله، فقال :
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًاً﴾ أي من كان يريد الوصول إلى
الشرف والتعزز والسمو، فليتعزز بطاعة الله، وليطلبها من الله لا من غيره،
فإن الله مصدر العزة، وهو يهب منها لمن يشاء، وهذا ردّ على الكفار الذين
كانوا يطلبون العزة بعبادة الأصنام، وعدم الطاعة للرسل، وترك الاتّباع لهم،
فقال: إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها لله، ومن يتذلل
له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه، فهو الذليل. وذلك كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣] . وقد
حكى القرآن طلب المشركين العزة بعبادة الأصنام، فقال: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن
﴾ [مريم: ٨١/١٩]. وأما المشركون
٨١
دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
فكانوا يطلبون العزة عند الكفار فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ
مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩/٤].

٥٧٥
الجُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٩-١١
ثم وصف الله تعالى بعض مظاهر العزة رداً على الكفار الذين كانوا
يقولون: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده، فقال:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أي إن كنتم لا
تصلون إلى الله، فهو يسمع كلامكم، ويقبل طيب الكلام، كالتوحيد
والأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء، وتلاوة القرآن
وغير ذلك. ومن أفضل الأذكار: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر.
وإن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا
مع العمل الصالح، وصلاح العمل: الإخلاص فيه، فلا يتقبل الله صلاة
وصياماً وزكاة ونحو ذلك من أعمال البر، إذا لم تكن لله، ووقعت مراءاة
للناس.
قال ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله عز وجل،
والعمل الصالح: أداء الفريضة.
ثم أخبر الله تعالى أنه لا يقبل من المرائين أعمالهم، فقال:
﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي
والذين يعملون المكرات السيئات في الدنيا، كالتآمر على قتل النبي وَلّره، أو
لإضعاف المسلمين، ويوهمون غيرهم أنهم في طاعة الله تعالى، وهم مبغوضون
معاقبون عند الله عز وجل، يراؤون بأعمالهم، فلهم عقاب بالغ الغاية في
الشدة.
ومكر هؤلاء الكاذبين المفسدين يفسد ويبطل ولا ينفذ؛ لأن الأمور
مقدرة، لا تتغير بالمكر والحيلة، ولأن المرائي ينكشف أمره بسرعة، ولا يروج
أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل

٥٧٦
لُ (٢٢) - فَظِ: ٣٥ / ٩-١١
ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية، يجازي على الرياء
أشدّ العذاب.
ثم ذكر الله تعالى دليلاً آخر على إمكان البعث بخلق الأنفس فقال:
﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجَأَ﴾ أي والله سبحانه
ابتدأ خلق الإنسان من تراب، فخلق أبانا آدم من تراب، ثم جعل نسله من
سلالة من ماء مهين، فجعل الخلق المتوالي الدائم من النطفة (المني) والنطفة من
الغذاء، والغذاء من الماء والتراب، فقد صير التراب نطفة، ثم جعل الناس
أصنافاً، ذكراناً وإناثاً، فهذا التحول من تراب إلى خلية حية، إلى إنسان سوي
دليل قاطع على إمكان البعث الذي هو إعادة الحياة مرة أخرى، والإعادة في
مفهوم الناس أهون من البدء، أما عند الله فهما سواء.
هذا دليل القدرة، أعقبه تعالى بالدليل على كمال العلم فقال:
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ،﴾ أي إن الله عالم بحمل أي أنثى
في العالم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما أنه عالم بوقت الوضع ومكانه
وكيفيته، كما قال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ
تَزْدَادٌ وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
الْمُتَعَالِ (9َ﴾ [الرعد: ٨/١٣-٩].
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، إِلَّا فِ كِنَكٍ﴾ سماه معمَّراً بما
هو صائر إليه، أي ما يمدّ في عمر أحد، وما ينقص من عمر آخر إلا في
صحيفة كل إنسان في اللوح المحفوظ، لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، سواء
أكان من أصحاب الأعمار الطويلة أم القصيرة الأجل، فتطويل العمر
وتقصيره هما بقضاء الله وقدره، لأسباب مسبقة يعلمها الله، فمن أطال عمره
فلأنه يفعل ما يقتضي التطويل، كصلة الرحم، ومن قصر عمره فلأنه يفعل ما
يقتضي التقصير، كالإكثار من معاصي الله.

٥٧٧
الزُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ / ٩-١١
روى البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله وَله يقول: ((من سرّه أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسأ له في
أثره(١)، فليصل رحمه)).
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي إن ذلك النظام المرتب للعالم سهل يسير على
الله، لديه علمه جملة وتفصيلاً، فإن علمه شامل لجميع المخلوقات، لا يخفى
عليه شيء منها.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
اً - إمكان حدوث البعث؛ لأن الله قادر على كل شيء، ومن مظاهر قدرته
الدالة على ذلك بنحو حسي مباشر: إحياء الأرض بالمطر بعد يبسها وذهاب ما
فيها من زروع ونباتات، واكتساؤها بالخضرة والمروج، والنبات، والثمار
المختلفة الألوان والأنواع والطعوم.
فكما حدث من تبدل من موت إلى حياة كذلك يحدث إحياء المخلوقات،
فمثل إحياء الأرض الموات نشر الأموات، وإعادة الحياة لهم بعد الموت.
أَ - إن الاعتزاز بالكفر والمال والأولاد والجاه والسمعة والنفوذ سراب
خادع، فإن من كان يريد العزة التي لا ذلة فيها في الدنيا والآخرة، فعليه
بطاعة الله عز وجل وعبادته وحده دون شريك؛ لأن الله تعالى مصدر العزة،
وهو سبحانه يُعز من يشاء في الدنيا والآخرة، ويُذلّ من يشاء، قال وَلَه مفسّراً
لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَميعًا﴾: ((من أراد عزّ الدارين،
فليطع العزيز)) .
(١) أي يؤخر له في أجله.

٥٧٨
الُزُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ٩-١١
وعليه: من كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل في دار العزة - ولله
العزة - فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به، فإنه من اعتز بالعبد أذله الله،
ومن اعتز بالله أعزّه الله.
٣ - الكلم الطيب من توحيد الله وذِكْره ودعائه وتلاوة كتابه ونحو ذلك هو
الذي يقبله الله عز وجل، والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب كما قال ابن
عباس وغيره، كما أن الكلم الطيب لا يقبل إلا مع العمل الصالح. وصلاح
العمل: الإخلاص فيه، جاء في الحديث: ((لا يقبل الله قولاً إلا بعمل، ولا
يقبل قولاً وعملاً إلا بنية، ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة))(١).
ورُدَّ على ابن عباس قوله بتعارضه مع معتقد أهل السنة، وأن ذلك لا يصح
عنه. قال القرطبي: والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله، وقال
كلاماً طيباً، فإنه مكتوب له متقبَّل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى
يتقبل من كل من اتقى الشرك. وأيضاً فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما
يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأوّل أنه يزيد في
رفعه، وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة
وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعمالَه كَلِمٌّ طيب وذكر الله تعالى، كانت
الأعمال أشرف؛ فيكون قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ موعظة وتذكرة
وحَضّاً على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها، كالتوحيد
والتسبيح فمقبولة (٢)
٤ - إن الذين يراؤون في أعمالهم، ويعملون المكرات السيئات في الدنيا،
لهم عذاب شديد في نار جهنم، ومكرهم بائد غير نافذ. والمكر: ما عمل على
سبیل احتيال وخديعة.
(١) رواه الطبراني عن ابن عمر بلفظ: ((لا يقبل إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان)).
(٢) تفسير القرطبي: ٣٣٠/١٤

٥٧٩
الُرُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ /١٢-١٤
٥ - الدليل الآخر على إمكان البعث أحوال نفوس البشر وأطوارها، فقد
خلق الله تعالى أصلها من تراب، ثم جعل النطفة سبباً للخلق، ثم حدث
التزاوج بين الذكر والأنثى، ليتم البقاء في الدنيا إلى نهاية العالم، عن طريق
التناسل، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، ولا يخرج شيء عن
تدبيره.
أَ - الأعمار كالأرزاق مقدرة محددة في صحيفة كل إنسان، لا تزيد ولا
تنقص، وأما طول العمر بأسباب، كصلة الرحم، فهو داخل في تقدير العمر
بصفة نهائية في علم الله، إذ إنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة،
فإن وصل رحمه، زيد في عمره كذا سنة، وفي موضع آخر من اللوح المحفوظ
بيِّن: إنه سيصل رحمه، فمن اطلع على الأول دون الثاني، ظن أنه زيادة أو
نقصان.
لاً - إن نظام العالم البديع، وكتابة الأعمال والآجال غير متعذر على الله،
وإنما هو سهل يسير هيّن؛ لأن علم الله مطلق غير نسبي كعلم البشر، وشامل
غير محدود، وعام غير خاص يشمل الماضي والحاضر والمستقبل.
من دلائل الوحدانية والقدرة الإلهية
{ وَمَا يَسْتَوِىِ اٌلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآِعٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِن كُلِّ
تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِبًا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ
يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ
لِيَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَقَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيٍ
١٣
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوْ مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ
١٤
يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ

٥٨٠
لُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ١٢-١٤
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ الشرك: مصدر بمعنى الإشراك، وهو
مضاف إلى الكاف والميم، وهي الفاعل في المعنى، وتقديره: بإشراككم
إياهم، فحذف المفعول.
البلاغة:
بينهما ما يسمى بالمقابلة وهي
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ ﴿وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾
كالطباق، لكنها بين أكثر من شيئين.
المفردات اللغوية:
﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ﴾ العذب والمالح. ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ شديد العذوبة،
والعذب: الحلو اللذيذ الطعم، والفرات: المزيل للعطش. ﴿سَابِعٌ شَرَابٌ﴾
سهل انحداره. ﴿أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة، وذلك مثل للمؤمن والكافر. ﴿ وَمِن
كُلِّ﴾ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السمك. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً
تَلْبَُونَهَا﴾ أي من البحر الملح، وقال الزجَّاج: إنما تستخرج الحلية منهما إذا
اختلطا، والحلية هنا: هي اللؤلؤ والمرجان، وهي في الأصل: كل ما يتحلى به
من سوار أو خاتم. ﴿وَرَى﴾ تبصر. ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿فِيهِ﴾ في كل من
البحرين. ﴿مَوَاخِرَ﴾ عابرات شاقات تشق الماء بجريها، مقبلة ومدبرة بريح
واحدة. ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ تطلبوا من فضل الله تعالى بالتجارة والتنقل فيها.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا الله على ما أنعم عليكم به من ذلك.
﴿ يُولِجُ﴾ يدخل، فيزيد في كل من الليل والنهار بالنقص من الآخر.
﴿وَسَخَّرَ﴾ أجرى. ﴿كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَتَّىَّ﴾ كل منهما يسير في فلكه
هي مدة دورانه، أو منتهاه، وقيل: إلى يوم القيامة. ﴿ذَلِكُمُ﴾ الفاعل لهذه
الأفعال. ﴿اَللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي هذا الصانع لما تقدم هو الخالق المقدر،