Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
لُزُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
﴿أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وأوصيكم
بخصلة واحدة وهي ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ أي أن تقوموا في طلب
الحق بالفكرة الصادقة متفرقين: اثنين اثنين، أو واحداً واحداً؛ لأن
الاجتماع يشوش الفكر. ﴿ثُمَّ نَفَكَّرُواْ﴾ تنظروا في حقيقة أمر النبي ◌َّ وما
جاء به من الكتاب، فتعلموا أنه ﴿مَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ﴾ أن محمداً وٍَّ ليس
بمجنون ولا ساحر، فليس في أحواله ولا تصرفاته ما يدل على ذلك، ومجيئه
بالوحي دليل ظاهر على صدقه ﴿إِنْ هُوَ لِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
ما هو إلا منذر لكم قبل مجيء عذاب شديد في الآخرة إن عصيتموه، وقد
علمتم أنه أرجح الناس عقلاً، وما جربتم عليه كذباً مدة عمره فيكم.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ قل لهم: ما طلبت منكم على الإنذار والتبليغ ﴿مِّنْ
أَجْرٍ﴾ مال مقابل الرسالة ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ﴾ ما ثوابي إلا على الله، لا
على غيره ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ مطلع، لا يغيب عنه شيء، يعلم صدقي.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يتكلم بالحق ويلقيه إلى أنبيائه، وهو القرآن
والوحي ﴿عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ﴾ يعلم ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض
﴿جَآءَ الْحَقُّ﴾ أي الإسلام والتوحيد، والقرآن الذي فيه البراهين والحجج
﴿وَمَا يُبْدِئُ اَلْبَطِلُ وَمَا يُعِدُ﴾ أي لا أثر للكفر أو الشرك، فهو لا حقيقة له
بدءاً وإعادة. ﴿إِن ضَلَلْتُ﴾ عن الحق وطريقه ﴿فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىّ﴾ أي إثم
ضلالتي يكون على نفسي ﴿فَبِمَا يُوجِىّ إِلَىَّ رَبِئَّ﴾ من القرآن والحكمة والموعظة
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة.
المناسبة:
بعد بيان عقاب المشركين في نار جهنم يوم القيامة وأنه يقال لهم: ﴿ذُوقُواْ
عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ذكر الله تعالى الأسباب الموجبة للعذاب
من فساد الاعتقاد، واشتداد العناد، وتكذيب النبي وَله والقرآن والإسلام

٥٤٢
الُعُ (٢٢) - ◌َبا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
كله، ثم أنذرهم سوء العاقبة كالذين من قبلهم من الأمم القوية، ودعاهم إلى
التأمل والتفكر الهادئ العميق في شأن النبي ◌َّر المنذر من عذاب يوم القيامة،
وأخبرهم بأن الله أرسل إليهم الحق الدامغ الساطع وهو القرآن والوحي، وما
عداه هو الباطل الذي لا حقيقة ولا بقاء لأثره.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أسباب استحقاق الكفار العقوبة وأليم العذاب، ويذكر
هنا أهمها وهي ثلاثة: الطعن بالنبي وَّر، وبالقرآن الكريم، وبالدين والإسلام
کله، فيقول:
اً - ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمُ عَمَّا
كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ﴾ أي وإذا تليت آيات القرآن الواضحات الدلالة على إثبات
التوحيد وإبطال الشرك، الظاهرات المعاني، قالوا: ما هذا أي النبي محمد رَله
إلا رجل يريد صرفكم عن دين الآباء والأجداد من عبادة الأصنام، دون
حجة ولا برهان، وما جاء به باطل.
◌َ - ﴿ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِنْكُ مُفْتَرَىَّ﴾ أي وقال الكفار ثانياً: ما هذا أي
القرآن إلا كذب على الله، مختلق من عنده، بقصد تضليل الأتباع.
◌َّ - ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ أي
وقال الكافرون ثالثاً: ما هذا الدين والإسلام المشتمل على المعجزات
والشرائع والأحكام لتنظيم الحياة الاجتماعية إلا سحر ظاهر.
فردَّ الله عليهم مبطلاً كون دينهم حقاً، ومظهراً انعدام حجتهم في اتباعه،
فقال :
﴿وَمَآ ءَانَيْنَهُمْ مِن كُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرِ (
٢٤٤
أي ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن يقرر لهم ديناً، وما أرسل

٥٤٣
الزُ (٢٢) - سَبا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
إليهم نبياً قبل محمد بَّةٍ يدعوهم إلى الحق، وينذرهم بالعذاب مع أنهم كانوا
يقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، فلما منَّ
الله علیهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه.
وإذا كان الدين الصحيح لا يعرف إلا بوحي من عند الله، وبكتاب ينزل
على رسول، فإن ادعاء المشركين أن الشرك بالله وتقليد الأسلاف هو الدين
الحق ادعاء باطل لا يعتمد على أساس ولا حجة.
ونظير الآية كثير منها: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًّا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ،
{قِيَ﴾ [الروم: ٣٥/٣٠] ﴿أَمَّ ◌َانَّيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ
يُشْرِكُونَ
٢١
[الزخرف: ٢١/٤٣] ﴿أَمْ لَكُمْ كِنَبُ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴿ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَا تَخَُّونَ
[القلم: ٣٧/٦٨-٣٨] .
٨
ثم هددهم بعذاب مشابه لعذاب الأمم الظالمة من قبلهم، فقال:
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ
كَانَ تَكِيرِ ®﴾ أي ولقد كذبت الرسل والوحي أمم سابقة من القرون
الخالية كقوم نوح وعاد وثمود، وكانوا في الدنيا أشد قوة وبأساً من العرب،
بل إن أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب لم يبلغوا بقوتهم وكثرة
مالهم عُشْر ما آتينا من قبلهم من القوة وكثرة المال، فلم يدفع عنهم عذاب الله
ولا ردّه، وإنما أهلكهم الله ودمرهم تدميراً، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى
اُلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ
قُوَّةً﴾ [غافر: ٤٠/ ٨٢].
وما جرى على المثيل يجري على مثيله، لتساويهما في سبب العقاب،
فيتساويان في الحكم.
ثم نصحهم القرآن بالتأمل والتريث في الحكم على النبي وَطّر، فقال تعالى:

٥٤٤
الجُزءُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَتَفَكَّرُوْ مَا
بِصَاحِبِكُمُ مِّن جِنَّةٍ﴾ أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وآمركم
وأنصحكم بخصلة واحدة: هي قيامكم في طلب الحق بالفكرة الصادقة،
والتأمل الذاتي المجرد المخلص، دون تأثر بهوى أو عصبية، متفرقين اثنين
اثنين، أو واحداً واحداً؛ لأن الاجتماع والتجمهر يشوّش الفكر، وينشر
الغوغائية والفوضى، ويثني الفكر عن الصواب، ثم ينصح بعضكم بعضاً
بإخلاص أن ينظر ويتفكر في حقيقة أمر النبي رَّر وما جاء به من الكتاب،
فإنكم حينئذ تعلمون أن صاحبكم ليس بساحر ولا مجنون؛ ليس في أحواله
ولا تصرفاته ما يدل على ذلك، وإنما هو نبي مؤيد من عند الله بالمعجزات
الدالة على صدقه.
﴿﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي وما هذا الرسول إلا
منذركم ومخوفكم ما تستقبلونه من عذاب شديد على النفوس يوم القيامة.
وجعل إنذاره بين يدي العذاب إشارة إلى قرب العذاب؛ لأنه بعث قرب
الساعة، روى الإمام أحمد حديثاً هو: ((بُعثت أنا والساعة جميعاً إن كادت
لتسبقني)».
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((صَعِد النبي ◌َّل
الصَّفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟
فقال: أرأيتم لو أخبرتُكم أن العدو يُصبّحكم أو يمسِّيكم، أما كنتم تصدقوني؟
قالوا: بلى، قال وَّر: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب:
تبّاً لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ
[المسد: ١/١١١])).
قال الرازي: ذكر الأصول الثلاثة في هذه الآية بعدما سبق منه تقريرها
بالدلائل، فقوله: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَِّ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُ

٥٤٥
الُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارة إلى الرسالة، وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ
شَدِيدٍ﴾ إشارة إلى اليوم الآخر.
ولما نفى تعالى عن النبي ◌ّه الجنون المستلزم كونه نبياً، ذكر سبباً آخر يلزم
· منه أنه نبي: وهو عناؤه الشديد في دعوته لا لغرض دنيوي عاجل، وإنما بقصد
الثواب الأخروي، فقال:
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَى كُلِّ شَىْءٍ
شَهِيدٌ ﴾) أي قل أيها الرسول للمشركين: لا أريد منكم أجراً ولا عطاء
على أداء رسالة الله عز وجل إليكم، ونصحي لكم، وأمري بعبادته تعالى، إنما
أطلب ثواب ذلك من عند الله تعالى، والله عالم بجميع الأمور، من صدقي في
تبليغ الرسالة، وما أنتم عليه.
ثم صرح تعالى بأن ما جاء به هذا الرسول بَلّ إنما هو وحي من عند الله،
أي قل للمشركين: إن الله
فقال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّ يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّمُ اُلْغُبِ (َا)
يرسل الملَك بالوحي إلى من يشاء من عباده فمن يصطفيهم لرسالته، وهو علام
الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
وهذا كما قال تعالى: ﴿يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾
[غافر: ١٥/٤٠] وقال سبحانه: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:
١٢٤/٦] .
وبعد أن ذكر الله تعالى أنه يقذف بالحق بصيغة الاستقبال، أخبر أن ذلك
الحق قد جاء فقال:
أي قل للمشركين: جاء
﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِدُ
الدين الحق وهو الإسلام والقرآن والتوحيد، وهو الذي سيعلو على سائر
الأديان، ويمحق الله الباطل ويذهب أثره، فلا يبقي منه شيئاً، كما قال تعالى:
ج
﴿بَّ نَقْذِفُ بِالَّْ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨/٢١].

٥٤٦
المُعُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ٤٣ -٥٠
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ((أنه لما دخل رسول الله وعليه
المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يَطْعَنُ
الصنم منها بسِيَة قوسه ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
زَهُوقًا
[الإسراء: ٨١/١٧]، و﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ اَلْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ
٤٩
ثم أكد الله تعالى تقرير الرسالة، وأعلن القول الفصل بين النبي وَلَه وبين
المشركين، فقال:
﴿قُلْ إِن ضَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ أُهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَىَّ رَبِّتَّ إِنَّهُ
سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾﴾ أي قل أيها النبي لأولئك المشركين: إن ضللت عن الهدى
وطريق الحق، فإن إثم ضلالي وضرره على نفسي، وإن عرفت طريق الهداية
فمما أوحى إلي ربي من الخير والحق والاستقامة، إنه سميع لقولي وأقوالكم،
قريب مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة، ويجازي كل إنسان بما يستحق.
فالخير كله من الله عز وجل، وفيما أنزله من الوحي والحق المبين الذي فيه
الهدى والبيان والرشاد، ومن ضلَّ فإنما يضلُّ من تلقاء نفسه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
اً - العدل والحق المطلق أهم مزية الحكم الإلهي، فلا يظلم الله أحداً، ولا
يعاقب إلا بأسباب موجبة للعقاب، وأهم الأسباب التي استحق بها المشركون
نار جهنم: الطعن بالنبي وَّر، وبالقرآن المجيد، وبالدين والإسلام نظام
البشرية الأمثل، وقانونها الأعدل والأحكم.
أَ - لا حجة للمشركين في الإشراك بالله إلا تقليد الأسلاف واتباع الآباء
والأجداد، دون حجة عقلية ولا برهان منطقي مقبول.

٥٤٧
الخُُ (٢٢) - ◌َكَبًا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
٣ - ليس للمشركين ما يعتمدون عليه أيضاً من الأدلة النقلية، فليس لهم
كتاب يقرؤون فيه بطلان ما جاء به النبي وَّ، ولم يسمعوا شيئاً عن دينهم من
رسول بُعث إليهم، فلا وجه لتكذيبهم ولا شبهة يتمسكون بها، كشبهة أهل
الكتاب وإن كانت باطلة، الذين يقولون: نحن أهل كتاب وشرائع،
ومستندون إلى رسل من رسل الله.
والخلاصة: إنه ليس للمشركين على شركهم حجة عقلية ولا نقلية.
٤ - لم يبق أمام موقف أولئك المشركين المتشدد المعاند إلا توعدهم على
تكذيبهم رسول الله ◌َ* والقرآن بما حلَّ من العذاب بالأمم الغابرة كعاد
وثمود، الذين كانوا أشد من أهل مكة المشركين بطشاً، وأكثر أموالاً وأولاداً،
وأوسع عيشاً، فأهلكهم الله، بل إنهم ما بلغوا عشر ما أوتي من قبلهم من
تلك الأمم.
٥ - وبجانب الوعيد فهناك للكلمة المتأنية والفكرة الهادئة دور حيوي، لذا
دعاهم الله تعالى أيضاً إلى إعمال الفكر، لا بنحو جماهيري جماعي غوغائي،
وإنما بطريق ثنائي أو فردي يدعو إلى الهدوء والتروي والمناقشة المنطقية المقبولة،
وذلك في توحيد الله مصدر السعادة، وفي حقيقة النبي محمد وَلقوله بدراسة
تاريخ حياته المعاصرة لهم، فهل جربوا عليه كذباً، أو رأوا فيه جنوناً وخللاً
عقلياً، وهل في أحواله وتصرفاته من فساد وشذوذ وانحراف، وهل كان يتردد
إلى من يدّعي العلم بالسحر، وهل تعلَّم الأقاصيص وقرأ الكتب، وهل
عرفوه طامعاً في أموالهم، وهل هم قادرون على معارضة القرآن المنزل عليه في
سورة واحدة؟!
فإذا عرفوا بهذه التأملات والدراسة الواقعية صدقه، فما بال هذه المعاندة
والمعارضة له؟
٩ - لم يكن رسول الله و له إلا مبشراً من أطاعه بالجنة، ومنذراً من عصاه
بنار جهنم يوم القيامة.

٥٤٨
لِلُعُ (٢٢) - سَبًّا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
٧ - وأيضاً إن عناء النبي الشديد في تبليغ دعوته دون أن يأخذ من أحد
أجراً على تبليغ الرسالة دليل واقعي على صدق نبوته، فهو لا يريد إلا الأجر
والثواب من عند ربه، وهذا دليل الإخلاص، والله رقيب على كل أعماله
وأعمالهم، وعالم بها لا يخفى عليه شيءٍ، فهو يجازي الجميع بما يستحقون.
٨ - الله الحق هو مصدر الوحي والحق والقرآن وبيان الحجة وإظهارها،
وهذا ما أنزله على نبيه محمد وَعليه؛ لأنه علام الغيوب: أي الأمر الذي غاب
وخفي جدّاً، وقد علم أن محمداً وَ له أولى من غيره باصطفائه للنبوة والرسالة
ونزول القرآن على قلبه.
- لقد جاء الحق للبشرية فعلاً وهو القرآن الذي فيه البراهين والحجج على
صحة الاعتقاد من التوحيد والرسالة والبعث والحساب. وإذا جاء الحق اندحر
الباطل وهو الشرك والكفر ولم يعد له قرار ولا أثر ولا مقام، ولم يبق منه شيء
أمام الحق.
. ١ - قال الكفار للنبي محمد وَله: تركتَ دين آبائك فضللت، فردَّ الله
عليهم آمراً نبيه وَلي أن يقول لهم: إن ضللت كما تزعمون، فإنما أضل على
نفسي، أي إن ضرره وإنمه علي، وإن اهتديت إلى الحق والرشاد فبما أوحى الله
إلي من الحكمة والبيان، إن الله سميع ممن دعاه، قريب الإجابة، وفي هذا
تقرير للرسالة أيضاً.

٥٤٩
لِلُُُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٥١-٥٤
تهديد الكفار بشديد العقاب
وإيمانهم حين معاينة العذاب
وَقَالُوْ ءَمَنَّا بِهِ،
﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذْ فَزِيعُواْ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (®
وَأَنَّى لَمُ الثَّنَاؤُشُ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِم مِّن
بِالْغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ
٥٤
قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكِّ شَرِيبٍ
القراءات:
التَّنَاؤُشُ﴾
قرئ:
١- (التناؤش) وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (التناوش) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَحِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة الحاء الضم قرأ ابن عامر، والكسائي. وقرأ الباقون بالكسرة
الخالصة.
الإعراب:
﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذْ فَرِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ﴾ جواب (لو) محذوف، تقديره: لو
ترى لتعجبت، و﴿فَرِعُواْ﴾: جملة فعلية في موضع جرّ بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
و﴿ وَأُخِذُواْ﴾: جملة فعلية أخرى معطوفة عليها.

٥٥٠
الُُُ (٢٢) - شَبإ: ٣٤ / ٥١-٥٤
﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاؤُشُ﴾ قرئ (التناؤش)) بالهمز على الأصل: أي التأخر،
وقرئ بترك الهمز على إبدال الهمزة واواً، أو بمعنى التناول، فلا يكون أصله
الهمز.
البلاغة:
مِن مّكان بعيدٍ ﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ
ـيــ
بالغيب
وىقدفون
القذف للقول، وشبه القائل بغير علم وإنما بالظن بالصائد الذي يرمي هدفاً
بعيداً فلا يصيبه.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَوْ تَرَىّ﴾ يا محمد، وجواب (لو) محذوف، تقديره: لرأيت مدهشاً أو
عجباً ﴿إِذْ فَزِعُواْ﴾ عند البعث. والفزع: انقباض في النفس عند الأمر المخيف
﴿فَلَ فَوْتَ﴾ أي فلا يفوت أحد منهم، ولا ينجو منهم ناج ﴿وَأُخِذُواْ مِن
مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي من القبور أو من موقف الحساب، فهم قريبون من الله، لا
یفو تونه.
﴿َمَنَّا بِهِ﴾ أي بمحمد وَّل أو بالقرآن ﴿التَّنَاوُشُ﴾ تناول الإيمان تناولاً
سهلاً ﴿مِن تَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ عن محله، إذ هم في الآخرة، ومحله والتكليف به في
الدنيا. ﴿كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ﴾ أي كفروا بمحمد ◌ّليل أو بالعذاب في الدنيا
قبل ذلك أوانَ التكليف ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يرجمون أو يرمون بالظن الذي
لا دليل عليه، تقول العرب لكل من لم يتيقن أمراً: يقذف بالغيب، أي يرمي
به ﴿مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ من جهة بعيدة، ليس فيها مستند لظنهم الباطل، وفيه
تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئاً لا يراه من مكان بعيد. والمراد أنهم يتكلمون
في شأن النبي ◌ّ من المطاعن أو في العذاب من الجزم بنفيه، حيث قالوا في
النبي وَّل: ساحر، شاعر، كاهن، وفي القرآن: سحر، شعر، كهانة.

٥٥١
لُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٥١-٥٤
﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من قبول الإيمان، أو الرجوع إلى الدنيا،
أو من أموالهم وأهليهم في الدنيا ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلٌ﴾ أي فعل
بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، من قبلهم، والأشياع: جمع شِيَع:
وهذا جمعَ شيعة: وهي أنصار المذهب المتشيعون له ﴿ فِي شَكِ تُرِيبٍ﴾ موقع في
الريبة والظن، في أمر الرسل وما دعوا إليه من التوحيد، والبعث والجنة
والنار. ومريب: يحتمل وجهين: الأول: موقع في الريب والتهمة، والثاني:
ذي ريب.
المناسبة:
بعد بيان أسباب العذاب، والرد على شبهات الكفار، هددهم الله تعالى
وأنذرهم بشديد العقاب يوم القيامة، ثم أخبر عن إيمانهم حين معاينة العذاب
يوم لا ينفع إيمان، لفوات الأوان، وكفرهم بالله وبرسوله وكتابه من قبل.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذْ فَزِعُواْ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (@) أي لو رأيت
يا محمد هؤلاء الكفار حين خافوا عند البعث، وخروجهم من القبور،
ورؤيتهم ألوان العذاب الشديد، لرأيت أمراً عجباً، فهم لا يتمكنون من
الهرب ولا فوت، أي لا مفرَّ لهم ولا ملجأ لهم من العذاب، وأخذوا لأول
وهلة حين الفزع من القبور وموقف الحساب إلى نار جهنم، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
[السجدة: ٣٢ /١٢] .
COFT
فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
أي وقال
٥٢
﴿ وَقَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ، وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ
الكفار حينئذ: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله وآمنا بالقرآن والنبي ◌َّ،
وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله؛ لأن الدار الآخرة وهي

٥٥٢
الُعُ (٢٢) - شَبِّ: ٣٤ / ٥١-٥٤
دار الجزاء ليست بدار التكليف أو دار الابتلاء، وإنما الدنيا هي مدار
التكاليف من الإيمان والعمل الصالح. أو كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب،
والإيمان لا يكون إلا في الدنيا، وهم في الآخرة، والدنيا من الآخرة بعيدة؟!
﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلٌ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ أي
كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا، وكذبوا
الرسل؟ وكانوا يرجمون بالظن ويتكلمون بما لا مستند لهم فيه، فتارة يقولون
. في الرسول وَل و: شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو مجنون ونحو ذلك من
الأباطيل، وتارة يقولون في القرآن: سحر، أو شعر، أو كهانة، أو إفك
مفترى، وتارة يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا جزاء، وما
نحن بمعذبين.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا،
وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه، مثل قبول الإيمان، والفرار من
العذاب، أو الرجوع إلى الدنيا، أو اصطحاب أموالهم وأهليهم، كما قال
تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا﴾ [غافر: ٨٤/٤٠-٨٥] .
٨٤
﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شَكِّ مُّرِيبٍ﴾ هذا بيان سنة الله
في أمثالهم، وعلة تعذيبهم ورفض قبول إيمانهم، والمعنى: لقد فعلنا بهم كما
فعلنا في أمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعاً في الدنيا
في شكّ مغرق في الريبة في أمر الرسل وما جاؤوا به من التوحيد، وإثبات
البعث والجزاء، والشرائع والأحكام.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:

٥٥٣
لُ (٢٢) - شَكَبِلٍ: ٣٤ / ٥١-٥٤
اً - هذه صورة كئيبة محزنة من أحوال الكفار في وقت اضطرارهم إلى
معرفة الحق، فتراهم في أسوأ حال وأعجبه حين يستبد بهم الفزع والخوف
ويتملكهم عند نزول بأس الله تعالى بهم، ومعاينة العذاب والعقاب يوم
القيامة، حيث لا مفرَّ ولا مهرب ولا نجاة لهم، وأخذوا من حيث كانوا في
موقف الحساب إلى النار، فهم من الله قريب لا يَعْزُبون عنه ولا يفوتونه.
أَ - في هذه الحالة الرهيبة يعلنون الإيمان بالقرآن والنبي ◌َّ، والبعث،
ولكن كيف لهم تعاطي الإيمان وتناوله في الآخرة، وقد كفروا في الدنيا؟!
٣ - إنهم كفروا بالله عز وجل وبالقرآن وبمحمد ◌َ له في الدنيا، ويرجمون
بالظن، ويتكلمون بالأوهام كحال من يرمي شيئاً لا يراه من مكان بعيد، فلا
يصيبه، فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجماً منهم بالظن،
ويقولون في القرآن: سحر، وشعر، وأساطير الأولين، ويقولون في محمد
وَله: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون.
٤ - والنهاية المحتومة: الحيلولة بينهم وبين النجاة من العذاب، ومن
الرجوع إلى الدنيا، ومما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. وذلك المصير
مشابه لمصير أمثالهم ممن مضى من القرون السالفة الكافرة، إنهم جميعاً
استحقوا العذاب؛ لأنهم كانوا في شك ممعن في الريبة في أمر الرسل والبعث
والجنة والنار، بل وفي الدين كله والتوحيد.

٥٥٤
لِلُ (٢٢) السورة (٣٥) فَظلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ فَظلم
مڪية، وهي خمس وأربعون آية
تسميتها:
تسمى سورة ((فاطر)) لافتتاحها بهذا الوصف لله عز وجل الدال على الخلق
والإبداع والإيجاد للكون العظيم، والمنبئ عن عظمة الخالق وقدرته الباهرة.
كما تسمى أيضاً سورة ((الملائكة)) ؛ لأنها أفادت في مطلعها أيضاً أن الله
سبحانه جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغهم رسالاته وأوامره.
مناسبتها لما قبلها:
قال السيوطي: مناسبة وضعها بعد سبأ: تآخيهما في الافتتاح بالحمد، مع
تناسبهما في المقدار.
وتظهر صلتها أيضاً بما قبلها في أنه لما أبان تعالى في ختام سورة سبأ هلاك
الكفار وتعذيبهم أشدّ العذاب، فقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ
بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلٌ﴾ اقتضى أن يذكر ما يلزم المؤمنين من الحمد والشكر لله
تعالى على ما اتصف به من قدرة الخلق والإبداع، وإرسال الملائكة رسلاً إلى
الأنبياء لتبليغ الرسالة والوحي.

٥٥٥
الُ (٢٢) السورة (٣٥) فَظِم
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية في العقيدة من الدعوة إلى
توحيد الله، وإقامة البراهين على وجوده، وهدم قواعد الشرك، والإلزام
بمنهج الاستقامة على دين الله وأخلاق الإسلام.
وقد اشتملت هذه السورة في فاتحتها ومقدمتها على بيان الأدلة الدامغة على
قدرة الله عز وجل بإبداع الكون، وجعل الملائكة رسلاً بينه وبين أنبيائه لتبليغ
الوحي. ثم ذكّرت الناس بنعم الله ليشكروها، وحذرت من وساوس
الشيطان، وأبانت الفرق المتميز بين جزاء الكفار وجزاء المؤمنين الأبرار،
وميَّزَت بين المؤمن والكافر بضرب المثل بالأعمى والبصير، والظلمات
والنور، والظل والحرور.
وأوضحت مظاهر القدرة الإلهية، وأقامت الأدلة والبراهين على البعث في
سجل هذا الكون من إنزال الغيث، وإنبات الزرع والثمار، وخلق الإنسان في
أطوار، وعزل البحر المالح عن البحر العذب، وتعاقب الليل والنهار، وإيلاج
أحدهما في الآخر، وتسخير الشمس والقمر، واختلاف ظواهر الجبال
والناس والدواب والأنعام، ومزية العلماء.
وأعلنت إرسال النبي وَ ل بالحق بشيراً ونذيراً، كما أُرسل نذير في كل أمة،
وثبّتت قلبه بذكر قصص المكذبين السابقين للأنبياء.
وأشادت بمن يتلو كتاب الله، ويقيم الصلاة، وينفق من رزق الله سراً
وعلانية، وأبانت أن القرآن مصدّق للكتب السماوية السابقة، وفاخرت
بميراث الأمة الإسلامية لأشرف رسالة، وذكرت انقسام الأمة إزاءها إلى
أنواع ثلاثة: ظالم مقصّر، ومحسن مقتصد، وسابق بالخيرات، وحددت جزاء
كل نوع في عالم الآخرة.

٥٥٦
لُرُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ /١-٤
ثم ذكرت جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، ووصفت عاقبة كل منهم وما
أعدَّ له يوم القيامة.
وختمت السورة بتقريع المشركين في عبادتهم الأوثان والأصنام، وأنذرتهم
بعاقبة الذين من قبلهم الذين كانوا أشد منهم قوة، وقرنت هذا الإنذار برحمة
الله العامة للناس جميعاً حيث لم يعاجلهم العقوبة، وإنما يؤخرهم إلى أجل
مسمى.
بعض أدلة القدرة الإلهية والتذكير بنعم الله
وإثبات التوحيد والرسالة
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِىّ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ
وَثُلَثَ وَرُبَعْ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللََّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدٍِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ﴿ بَيُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ اْأُمُورُ
القراءات:
﴿نِعْمَتَ﴾ :
رسمت بالتاء، فوقف عليها ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي بالهاء.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرٌ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (هل من خالقٍ غيرِ).

٥٥٧
الجُزُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ /١-٤
﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: قرئ:
١- (تَرْجع الأمور) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (تُرْجع الأمور) وهي قراءة الباقين.
الاعراب:
﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ﴾ ﴿فَاطِرٍ﴾: إما صفة لاسم الله تعالى أو بدل.
جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا﴾ ﴿رُسُلًا﴾: مفعول به لاسم الفاعل: ﴿جَاعِلِ﴾ إذا
كان مراداً به الحال أو الاستقبال؛ لأنه حينئذ يكون عاملاً، أما إن أريد به
الماضي كان ﴿رُسُلَّا﴾ منصوباً بتقدير فعل.
﴿ أُوْلِىِّ أَجْنِحَةٍ مَّثْتَ وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ ﴿مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾: صفة: ﴿أَجْنِحَةٍ﴾،
وهي ممنوعة من الصرف بموصف والعدل، فهي معدولة عن لفظ اثنين وثلاثة
وأربعة.
﴿َمَّا يَفْتَجِ اللَّهُ﴾ و﴿وَمَا يُمْسِكَ﴾ (ما) فيهما: شرطية منصوبة بـ ﴿يَفْنَحِ﴾
و﴿يُمْسِكْ﴾، وما الشرطية يعمل فيها ما بعدها كالاستفهامية؛ لأن الشرط
والاستفهام لهما صدر الكلام، وقوله ﴿فَلَ مُمْسِكَ﴾ ﴿فَلَ مُرْسِلَ﴾ جواب
الشرط.
﴿هَلْ مِنْ خَلِقِ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ﴿غَيْرٌ﴾: إما مرفوع لأنه فاعل أو صفة لخالق على
الموضع، وإما مجرور صفة لخالق على اللفظ، وإما منصوب على الاستثناء.
و﴿يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ خبر المبتدأ.
البلاغة:
﴿َمَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ استعارة تمثيلية، استعير
الفتح لإطلاق النعم والإمساك للمنع.

٥٥٨
الْجُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ /١-٤
﴿يَفْتَحِ﴾ و﴿ يُمْسِكَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، من
الفطر بمعنى الشق أي شق العدم بإخراج السماء والأرض ﴿ جَاعِلِ الْمَئِكَةِ
رُسُلًا﴾ إلى الأنبياء، أي وسائط بين الله وبين أنبيائه، يبلغونهم رسالاته
بالوحي، والملائكة: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﴿أُوْلِىّ
أَجْنِحَةِ﴾ أصحاب أجنحة، فمنهم من له جناحان، ومنهم له ثلاثة، ومنهم له
أربعة، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى
السماء ﴿مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة ﴿يَزِيدُ فِىِ الْخَلْقِ مَا
يَشَآءُ﴾ أي في خلق الملائكة وغيرها. وهو استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في
ذلك مقتضى مشيئته ومؤدى حكمته ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فبقدرته یزید
ما يشاء.
﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ ما يعطي من نعمة حسية أو معنوية،
كرزق ومطر، وصحة وأمن، وعلم ونبوة وحكمة، ونحو ذلك ﴿فَلاَ مُمْسِكَ
لَهَا﴾ فلا مانع لها ﴿فَلَ مُرْسِلَ لَهُ﴾ يطلقه بعد إمساكه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي
الغالب، يتصرف في ملكه كما يشاء ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في فعله، يضع الأمر في موضعه
المناسب، ولا معقب لحكمه، وكل ما يفعله فهو لحكمة بالغة.
﴿أَذَّكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تذكروا نعمه، واحفظوها بمعرفة حقها،
والاعتراف بها، وطاعة المنعم بها، ومن النعم التي كانت على أهل مكة:
إسكانهم الحرم، ومنع الغارات عنهم ﴿يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ﴾ بالمطر وغيره من
فائدة الكواكب ﴿ وَالْأَرْضِّ﴾ بالنبات وغيره من المعادن، والاستفهام في قوله:
﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ للتقرير، أي لا خالق رازق غيره ﴿فَأَنّى
تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن توحيد الخالق، مع إقراركم بأنه الخالق
الرازق.

٥٥٩
الُرُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ١-٤
﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمد في دعوتك إلى التوحيد والبعث والحساب
والعقاب ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ في ذلك، فاصبر كما صبروا. وفي هذا
دعوة له للتأسي بمن قبله من الأنبياء. ومؤانسة عن تكذيب كفار العرب له
﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي المصير النهائي المحتوم إلى الله، فيجازي كلاً بما
يستحقه، يجازي المكذبين، وينصر المرسلين.
التفسير والبيان:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ أي لله الشكر الخالص على نعمه
وقدرته، فإنه خلق السماوات والأرض وأبدعهما، لا على مثال سابق،
وأحكم نظامهما. فموضوع الآية: أن الله تعالى يحمد نفسه على عظيم قدرته
وعلمه وحكمته التي يشهد عليها ابتداء خلق السماوات والأرض من العدم،
واختراعهما على غير مثال، قال سفيان الثوري بسنده عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: ((كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني
أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: هذه بئري وأنا فطرتها)) أي
بدأتها.
والمقصود من هذا أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم، فهو قادر على
الإعادة.
٠٣٠
جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلَا أُوْلِيّ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ أي إنه تعالى جاعل
الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغ رسالاته وغير ذلك، وهم جبريل
وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهم ذوو أجنحة متعددة، بعضهم له
جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، وبعضهم له أكثر من ذلك،
ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. جاء
في الحديث الصحيح عن مسلم عن ابن مسعود ((أن رسول الله وَ ل و رأى جبريل

٥٦٠
الخُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ١-٤
عليه السلام، وله ستّ مئة جناح، بين كل جناحين، كما بين المشرق
والمغرب)». ولهذا قال جلّ وعلا:
﴿يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي يزيد في خلق
الملائكة أجنحة أخرى ما يشاء، ويزيد في خلق غيرهم ما يشاء، من ملاحة
العين، وحسن الأنف، وحلاوة الفم، وجمال الصوت، إن الله كامل القدرة
في خلق الزيادة المادية الحسية والمعنوية، فلا يعجز عن شيء، وبقدرته یزید مما
يشاء.
قال الزهري وابن جريج في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِِ اٌلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾: يعني
حسن الصوت(١).
وبعد بيان كمال القدرة بيَّن الله تعالى أنه نافذ الإرادة والمشيئة والأمر،
فقال :
﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ
بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي ما يعطِ الله تعالى من نعمة حسيّة أو معنوية
من رزق ومطر، أو صحة وأمن، أو علم ونبوة وحكمة، فلا مانع له، وما
يمنع من ذلك فلا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه، بيده الخير كله، ما شاء
كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، روى الإمام
أحمد والشيخان عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله وَ ل كان إذا انصرف من
الصلاة، قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو
على كلِّ شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع
ذا الْجَدِّ منك الْجَدّ).
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله وَله
(١) رواه عن الزّهري البخاري في الأدب وابن أبي حاتم في تفسيره.