Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
لكُعُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ /١-٢
اً - الله تعالى هو المستحق لجميع المحامد والحمد: الشكر على النعمة،
ويكون الثناء على الله بما هو أهله، فالحمد الكامل والثناء الشامل كله لله؛ إذ
النعم كلها منه، وهو مالك السماوات والأرض وخالقهما والمتصرف فيهما
بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة.
أَ - الله تعالى هو المحمود في الدنيا والآخرة؛ لأنه المالك الأولى والثانية،
وهو الحكيم في فعله، الخبير بأمر خلقه.
◌َّ - الله عالم بكل شيء من الظواهر والخوافي، يعلم ما يدخل في الأرض
من قَطْر وغيره من الكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج منها من نبات
وغيره، ويعلم ما ينزل من السماء من الأمطار والثلوج والبَرَد والصواعق
والأرزاق والمقادير والبركات، وما يعرج فيها من الملائكة وأعمال العباد،
وهو الرحيم بعباده الغفور لذنوب التائبين منهم.
هذا ويلاحظ كما ذكر الرازي أن السور المفتتحة بالحمد خمس سور،
سورتان منها في النصف الأول: وهما الأنعام والكهف، وسورتان في
الأخير: وهما هذه السورة وسورة فاطر (سورة الملائكة)، والفاتحة التي تقرأ
مع النصف الأول ومع النصف الأخير، والحكمة فيها أن نعم الله منحصرة في
قسمين: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، ففي سورة الأنعام إشارة إلى الشكر على
نعمة الإيجاد: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اُلُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾
[١] وفي سورة الكهف إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ
أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاْ ﴿ قَيِّمَا﴾ [١-٢] فإن بالشرائع
البقاء. ثم في هذه السورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني في قوله:
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَّ﴾ وفي سورة فاطر إشارة إلى نعمة الإبقاء الثاني وهو في
يوم القيامة؛ لأن الملائكة لا تكون رسلاً للبشر غير الأنبياء إلا يوم القيامة
حيث يرسلهم الله مُسَلِّمين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَّتُهُمُ الْمَئِكَةُ﴾ [الأنبياء:
٤٦٢
◌ِلُ (٢٢) - سَبّا: ٣٤ / ٣-٦
٢١/ ١٠٣]. وفي فاتحة الكتاب إشارة إلى النعمة العاجلة بقوله: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [١] وإلى النعمة الآجلة بقوله: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[٤] لذا قرئت في الافتتاح والاختتام.
إنكار الكفار الساعة
وموقف الناس من آيات الله وجزاؤهم
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِيَنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّ لَتَأْيَنَّكُمْ عَلِ الْغَيْبِّ لَا
صِیلے
يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِ وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ
) لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ
أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ
أُوْلَتِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ
وَالَّذِيْنَ سَعَوْ فِىّ ءَايَيِّنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ
لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجٍْ أَلِيمٌ
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّيِّكَ هُوَ اُلْحَقَّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
القراءات:
﴿عَلِمِ الْغَيْبِّ﴾:
قرئ:
١- (عالم الغيب) وهي قراءة نافع، وابن عامر.
٢- (علاَّم الغيب) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (عالم الغيب) وهي قراءة الباقين.
﴿لَا يَعْزُبُ﴾ :
وقرأ الكسائي (لا يعزِب).
٤٦٣
الجُزُ (٢٢) - نَبًا: ٣٤ / ٣-٦
﴿مُعَجِزِينَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (مَعَجِّزين)
﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾:
قرئ:
١- (من رجز أليمٌ) وهي قراءة ابن كثير، وحفص.
٢- (من رجز أليم) وهي قراءة الباقين.
: @
صراطٍ
وقرأ قنبل (سراط).
الإعراب:
﴿لَتَأْتِنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِ﴾ ﴿عَلِمِ﴾ بالجر: نعت لقوله تعالى: ﴿وَرَبِى﴾ أو
بدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ أو
خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب . ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَاّ
أَكْبَرُ﴾ مرفوعان بالابتداء.
﴿ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ﴾ اللام تتعلق بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾. و﴿أَلِيمٌ﴾ بالجر
والرفع صفة لرجز أو عذاب.
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ إما معطوف على ﴿لِيَجْزِىَ﴾ أو مستأنف.
﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿وَيَرَى﴾ وهو: ضمير فصل، ومن قرأ بالرفع
جعل ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و﴿اَلْحَقَّ﴾ خبره، والجملة ثاني مفعولي ﴿ وَيَرَى﴾.
٤٦٤
لُهُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٣-٦
البلاغة:
◌ْ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِّ﴾ و﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَِنَا
مُعَجِزِينَ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة، فالمغفرة والرزق الكريم جزاء المحسنين،
والعذاب والرجز الأليم جزاء المجرمين.
المفردات اللغوية:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ﴾ القيامة والبعث، وهذا منهم إنكار
لمجيئها، أو استبطاء واستهزاء بالوعد به ﴿قُلّ بَلَى﴾ ردّ لكلامهم وإثبات لما
نفوه (١) ﴿وَرَبِ لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِ﴾ تكرار لإثباته، مؤكداً بالقسم، مقرراً
وصف المقسم به بصفات تثبت إمكانه، وتنفي استبعاده ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ لا
يغيب عنه ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ وزن أو مقدار أصغر نملة ﴿ وَلَآَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾
المثقال ﴿ وَلَّ أَكْبَرُ﴾ منه ﴿إِلَّا فِ كِتَبٍ قُبِينٍ﴾ أي إلا وهو مثبت في
كتاب بيِّن واضح وهو اللوح المحفوظ.
وقوله: ﴿وَلَاَ أَصْغَرُ﴾ الخ جملة مؤكدة لنفي العزوب.
(١) (بلى)): لها موضعان: الأول - أن تكون ردّاً لنفي يقع قبلها، خبراً كان أو نهياً، فينتفي بها ما
قبلها من النفي وتحققه، كما هنا. والثاني - أن تقع جواباً لاستفهام دخل على نفي تحققه،
فيصير معناها التصديق لما قبلها، مثل: ألم أكن صديقك؟ فيقول الرادّ: بلى، إذا صدقه،
والمعنى: بلى كنت صديقي، فهي إذن لإثبات المنفي. وأما ((نعم)): فهي في الأصل: تصديق لما
قبلها في كل كلام وإيجاب له، وعدة، مثل: هل تحسن إلي؟ فيقول الرادّ: نعم، فيعدُه
بالإحسان، فإن أراد ترك الإحسان قال: لا، ولا يحسن هنا: بلى. و((لا)) نفي لما قبلها وردّ له.
وأما ((كلا)) فتكون بمعنى ((لا)) ومعناها الرد والإنكار لما تقدم قبلها من الكلام وذلك في حال
الوقف عليها. وقد تأتي بمعنى ((حقّاً)) وهو مذهب الكسائي خلافاً لحذّاق النحويين. وفي حال
الابتداء بـ (كلا)) تكون بمعنى ((ألا)) مثل ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْفَىّ (٦) (شرح ((كلا، وبلى،
ونعم)) للعلامة مكي بن أبي طالب القيسي).
٤٦٥
الُ (٢٢) - شَبإ: ٣٤ / ٣-٦
لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ علة لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبيان لما يقتضي
إتيانها، أي إن إتيان الساعة فائدته جزاء المؤمنين بالثواب والكافرين بالعقاب
﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، أي محوها من قبل الله تعالى بسبب غلبة إيمانهم وأعمالهم
الصالحة على ذنوبهم ﴿وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾ حسن لا تعب فيه ولا مِنَّة عليه، وهو
ما يقيض لهم من ملاذ الأطعمة وغيرها في الجنة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح
تفضلاً من الله تعالى عليهم.
﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَتِنَا﴾ بإبطال آياتنا المنزلة على الرسل، وتزهيد الناس
فيها ﴿مُعَجِزِينَ﴾ مسابقين لنا يظنون أنهم يفوتوننا فلا نقدر عليهم، لاعتقادهم
ألا بعث ولا عقاب، وقرئ: مُعَجِّزينَ، أي مُثَبِّطين عن الإيمان بآيات القرآن
من أراده ﴿رِجْزِ﴾ سيئ العذاب أو عذاب شديد ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم.
﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي ويعلم أولو العلم من الصحابة
ومشايعوهم من الأمة، أو من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام
وأصحابه ﴿الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ الثابت
الصحيح وغيره باطل ﴿ وَيَهْدِىّ ◌ِلَى صِرَطِ﴾ أي يوصل إلى طريق الله ودين الله
وهو التوحيد والتقوى ﴿اٌلْعَزِيزِ﴾ ذي العزة الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب ﴿الْحَمِيدِ﴾
المحمود في جميع شؤونه.
المناسبة:
بعد بيان أن لله الحمد في الدنيا والآخرة، أبان الله تعالى أن الكفار ينكرون
حدوث القيامة أشد الإنكار، أو يستعجلون بها استهزاء بوعد النبي ◌َّ بها ،
ثم أوضح تعالى أن الناس من آيات القرآن فريقان: فريق المنكرين الجاحدين
المعاندين الساعين في إبطالها، وجزاؤهم العذاب الأليم، وفريق العالمين
المؤمنين بأنها الحق الصراح الأكيد الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.
٤٦٦
الُهُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٣-٦
التفسير والبيان:
صلـ
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِيِنَا السَّاعَةُ﴾ أي وقال الكافرون بالرسالات
السماوية إنكاراً منهم أو استعجالاً على سبيل الاستهزاء بالوعد: لن يكون
هناك قيامة ولا بعث ولا حساب. وهم بذلك جاحدون الأخبار الواردة من
ربهم بحدوث الساعة، والتي تضمنتها كتبه وما فيها من الحجج والبينات.
فردَّ الله عليهم مؤكداً بطلان اعتقادهم:
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِ لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي قل لهم أيها النبي: بلى والله إنها لآتية لا
ريب فيها. ويلاحظ في ذلك إثبات وجودها ونفي مزاعمهم، مؤكداً ذلك
بالقسم بالله وبالتأكيد في الفعل باللام ونون التوكيد.
وهذه الآية - كما ذكر ابن كثير - إحدى آيات ثلاث أمر الله تعالى فيها
رسوله أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، للرد على المنكرين من أهل
﴿﴿ وَيَسْتَنِشُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ
الشرك والنفاق والعناد، فإحداهن في سورة يونس:
﴾ [٥٣/١٠] والثانية هذه:
of)
قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ وَمَآ أَنْتُمٍ بِمُعْجِزِينَ
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِ لَتَأَنَّكُمْ﴾ والثالثة في سورة
التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّنْ يُبْعَنُواْ قُلْ بَى وَرَبِ لَنْتُعَثُنَّ ثُمَ لَنْنَّوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ
[٧/٦٤].
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
ثم وصف الله تعالى نفسه بصفة العلم الشامل الدال على إمكان البعث،
فقال :
﴿عَلِمِ الْغَيْبِّ لَا يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَّ
أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَآَ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ أي إن الله تعالى القادر
على البعث لا يغيب عنه ولا يستتر عليه شيء من الموجودات ولو كان بقدر
أصغر نملة، ولا أصغر من المثقال ولا أكبر منه إلا وهو محفوظ ومثبت في
٤٦٧
لُُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٣-٦
كتاب بيِّن وهو اللوح المحفوظ. فالعلم بالغيبيات موجود، فاقتضى إمكان
البعث.
ثم بيَّن الله تعالى حكمته في إعادة الأجساد وقيام الساعة بقوله:
﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِّ أُوْلَبِكَ لَمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ
كَرِيمٌ (ج) أي إن الله يبعثهم من قبورهم في البر والبحر وفي أي مكان
يوم القيامة، ليثيب المؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر، الذين عملوا صالح
الأعمال وهو ما أمروا به، واجتنبوا ما نهوا عنه، وأولئك لهم مغفرة أي محو
لذنوبهم، ونعيم في الجنة لا تعب ولا منة فيه، والمقصود أن إثابة المؤمنين حق
وعدل.
هذا هو فريق المؤمنين والفريق الثاني:
﴿ وَالَّذِيْنَ سَعَوْ فِيَّ ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيمٌ
٥
أي إن الكفار المعاندين الذين حاولوا إبطال آيات القرآن وأدلة إثبات البعث،
ظانين أنهم يفوتوننا فلا نقدر عليهم، لهم عذاب شديد في نار جهنم هو أسوأ
العذاب وأشده، وهو مؤلم شديد الألم. وهذا التعذيب أيضاً حق وعدل، حتى
لا يتساوى المسيء مع المحسن، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٢﴾ [ص: ٢٨/٣٨]
وقال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
﴾ [الحشر: ٢٠/٥٩].
٢٠
اُلْفَآيِزُونَ
والخلاصة: إن الغاية من القيامة هي أن ينعم السعداء من المؤمنين بالجنة،
ويعذب الأشقياء من الكافرين بالنار.
ثم أورد الله تعالى حكمة أخرى معطوفة على ما قبلها فقال:
﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِىّ
٤٦٨
اِلُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ٣-٦
إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ أي إن المؤمنين بما أنزل على الرسل من
المسلمين وأهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما وغيرهم
إذا شاهدوا قيام الساعة، ومجازاة الأبرار والفجار، وتحققوا مما علموه من
كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين وتيقنوا أن القرآن حق،
ويقولون يومئذ: إن الذي جاءت به رسل الله لحق ثابت صدق لا شك فيه وإن
القرآن يرشد من اتبعه إلى طريق الله ذي العزة الذي لا يُغلَب ولا يمانع، وهو
القاهر كل شيء، وهو المحمود في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ولا يليق
به صفة العجز. والصحيح أن ﴿ وَيَرَى﴾ مرفوع على الاستئناف.
ونظير الآية: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢/٣٦]
﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦/٣٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - أنكر الكفار من أهل مكة وغيرهم مجيء البعث والقيامة، قال أبو
سفيان لكفار مكة: واللات والعُزَّى لا تأتينا الساعة أبداً ولا نُبعث، وهذا
يعني أنهم مقرُّون بابتداء الله الخلق منكرون الإعادة، وهو نقض لما اعترفوا
بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل.
اً - أكد الله تعالى حدوث الساعة بقسم محمد رَله بربه العظيم لتأتينهم،
وأخبر على ألسنة الرسل عليهم السلام أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر
بشيء، وهو ممكن في الفعل مقدور، فتكذيب مَنْ وجب صدقه محال.
◌َّ - الله عالم بأصغر شيء كالذَّرَّة وأكبره في السماوات والأرض، فهو
العالم بما خلق، ولا يخفى عليه شيء، فوجد المقتضي لوجود البعث وهو إقامة
العدل بين الناس، وارتفع المانع من حصوله.
٤٦٩
الُ (٢٢) - ◌َبَإٍ: ٣٤ / ٧-٩
٤ - إن الحكمة من البعث والقيامة والحساب هي إثابة المؤمنين الذين
عملوا الصالحات، وعقاب الكافرين المكذبين بوحدانية الله وبالرسل والملائكة
والكتب الإلهية واليوم الآخر.
٥ - إن الكفار الذين سعوا في إبطال أدلة الوحدانية والبعث والنبوة،
والتكذيب بآيات الله مسابقين يحسبون أنهم يفوتون ربهم، وأن الله لا يقدر على
بعثهم في الآخرة، وظنوا أنه يهملهم، هؤلاء لهم عذاب مؤلم هو أسوأ العذاب
وأشده.
٦ - وفي مقابل موقف أولئك الكفار الذين سعوا في إبطال النبوة، وجد
آخرون هم الذين أوتوا العلم من أصحاب محمد ويلي ومن مؤمني أهل الكتاب
يرون أن القرآن حق وإن لم تأتهم الساعة، والرؤية بمعنى العلم، وأن القرآن
يهدي إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله.
استبعاد الكفار قيام الساعة
واستهزاؤهم بالرسول اللّ والاستدلال على البعث
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَذُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ، جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾
◌ِْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم
مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ تُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ
السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
القراءات:
﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرَضَ أَوْ نُسْفِطْ﴾: قرئ:
١- (إن يشأ يخسف بهُمُ الأرض أو يسقط) وهي قراءة حمزة، والكسائي،
وخلف.
٤٧٠
لُ (٢٢) - ◌َكَبًا: ٣٤ / ٧-٩
٢- (إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط) وهي قراءة أبي عمرو.
٣- (إن نشأ نخسف بهِمُ الأرض أو نسقط) وهي قراءة باقي السبعة.
( كِسَفًا﴾:
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون (كِسْفاً).
الإعراب:
﴿إِذَا مُزِقْتُمْ﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾ فعل دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقِ
جَدِيدٍ﴾ وتقديره: إذا مُزِّقتم كلّ مُمَزَّق بعثتم. وتقديم الظرف للدلالة على
البعد.
البلاغة:
﴿هَلْ نَذُلُكُمُ عَلَى رَجُلِ يُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام للسخرية والاستهزاء،
ومرادهم الاستهزاء بالرسول وَّة، ولم يذكروا اسمه تجهيلاً له.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: قال بعض الكفار لبعض على جهة التعجيب
﴿هَلْ نَذُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمداً وَهِ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم أنكم ﴿إِذَا
مُزِفْتُمْ﴾ قطعتم قطعاً صغيرة. ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي كل تمزيق، أي تقطيع. ﴿إِنَّكُمْ
لَفِى خَلَّقِ جَدِيدٍ﴾ أي إنكم تنشؤون وتخلقون خلقاً جديداً بعد التمزيق
والتفريق بحيث تصير تراباً. قالوا ذلك استهزاء.
﴿أَفْتَرَى﴾ الهمزة للاستفهام، واستغني بها عن همزة الوصل، والافتراء:
اختلاق الكذب . ﴿جِنَّةٌ﴾ جنون وزوال عقل يوهمه ذلك ويجعله يتخيل
البعث . ﴿بَلِ اٌلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ المشتملة على البعث والعذاب فيها ﴿ فِى
٤٧١
لِلُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٧-٩
الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق والصواب في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
والمقصود الردّ من الله عليهم لإثبات ما هو أفظع من القسمين وهو الضلال
والعذاب.
﴿أَفَلَمْ يَوْ﴾ ينظروا. ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ ما فوقهم وما تحتهم.
﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ نغيبهم فيها.﴿كِسَفًا﴾ قطعاً جمع كِسْفة. ﴿إِنَّ فِى
ذَلِكَ﴾ المرئي. ﴿الَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ المنيب: الراجع إلى ربه المطيع له،
والمعنى: إن فيما رأوا لدلالة على قدرة الله على البعث وما يشاء.
المناسبة:
بعد الإخبار عن إنكار الكفرة الساعة، والردّ عليهم، وبيان جزائهم
وجزاء المؤمنين بها، ذكر الله تعالى مقال الكافرين في شأن الساعة على سبيل
التعجب والتهكم والاستهزاء، ووصفهم لمحمد والقر بأنه مفترٍ أو مجنون، ثم
أقام الدليل على البعث بقدرته على خلق السماوات والأرض، ثم هددهم
بالعذاب الشديد، لعلهم يرجعون عن كفرهم.
التفسير والبيان:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَذُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ
لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ ﴾﴾ أي قال بعض الكفار لبعض على سبيل التعجب
والاستهزاء والتهكم: هل ندلكم على شخص اسمه محمد يخبركم بنبأ غريب
وهو أنكم إذا بليتم وصرتم تراباً وصارت أجسادكم في الأرض متفرقة موزعة
قطعاً قطعاً، تعودون بعدئذٍ أحياء كما كنتم مرة أخرى.
ونظير الآية: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ, قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ
[يس: ٧٨/٣٦] .
VA
رَمِيٌ
﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمَ بِهِ، جِنَّةٌٌ﴾ أي إن حاله لا يخلو من أحد أمرين:
٤٧٢
لُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٧-٩
إما أن يكون قد تعمّد الافتراء على الله كذباً أنه قد أوحى إليه ذلك، أي أنه
كاذب فيما قاله، أو أن به جنوناً جعله لا يعقل ما يقول، ويتوهم البعث
ویتخيله.
فردّ الله عليهم بإثبات ما هو أخطر وأشنع من الأمرين فقال:
﴿َلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ أي ليس الأمر
كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل إن محمداً و 18- هو الصادق الرشيد الذي
جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء المنكرون للآخرة، الذين كفروا،
فصاروا بسبب ذلك في العذاب الدائم في الآخرة، وهم اليوم في الدنيا في
الضلال البعيد عن الحق غاية البعد.
ثم نبههم تعالى على قدرته في خلق السماوات والأرض، فهو القادر على
البعث، فقال:
﴿أَفَمَّ يَوْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضَِّ إِن نَّشَأْ
تَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًّا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي وبخهم لعدم
التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، فقال لهم: أفلم ينظروا خلفهم
وأمامهم إلى العجائب الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته، فإنهم يرون
السماء ناطقة بوجود القادر، والأرض كذلك تنطق بمثل ما تشير به السماء
من الدلالة، فلو نظروا إليهما لعلموا أن خالقهما قادر على تعجيل العذاب
لهم، فإن نرد نخسف بهم الأرض، كما خسفنا بقارون، أو نسقط عليهم قطعاً
من السماء، كما أسقطنا على أصحاب الأيكة.
والمراد: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر
العقاب عنهم لحلمنا وعفونا.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي إن في النظر إلى خلق السماوات
٤٧٣
الُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٧-٩
والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجَّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على
بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السماوات في
ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرض في انخفاضها وطولها وعرضها، قادر على
إعادة الأجسام كما كانت، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ
أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(٥٧) ) [غافر:
٥٧/٤٠]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَّ
أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١/٣٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - لم يكتف المشركون بإعلان إنكارهم البعث والقيامة، وإنما تغالوا في
ذلك فأخذوا يقولون قولاً يقصد به الطعن بمحمد وَيه والتعجب منه والهزء
والسخرية من إخباره بالبعث، وجعلوا ذلك أداة ضحك وتلةً، واستغربوا أن
الناس إذا فرقوا كل تفريق في أجزاء التراب، كيف يمكن إعادة الحياة لهم؟!
٣ - وقال المشركون: إن محمداً في إخباره بالبعث لا يخلو إما أن يكون
كاذباً مفترياً على الله، وإما أنه مجنون.
◌َّ - ردّ الله عليهم ردّاً يثبت عليهم ما هو أشنع من التهمتين السابقتين:
وهو أنهم بسبب إنكارهم البعث واقعون في الآخرة في العذاب الشديد،
واليوم في الضلال البعيد عن الصواب، حين صاروا إلى تعجيز الإله، ونسبة
الافتراء إلى من أيَّده الله بالمعجزات.
٤ - ثم أقام الله تعالى عليهم الدليل على صحة البعث، فأعلمهم أن الذي
قدر على خلق السماوات والأرض وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل
العقوبة لهم، ومنها الخسف والكسف، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
٤٧٤
الُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ١٠-١١
٥ - وإن في هذا المذكور من قدرة الله الباهرة لدلالة ظاهرة لكل عبد تائب
رجّاع إلى الله بقلبه على قدرة الله تعالى على البعث ووقوع المعاد. وخصّ المنيب
بالذكر؛ لأنه المنتفع بالتفكر في حجج الله وآياته.
نعم الله على داود عليه السلام
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَنْجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَاَلَيْرِّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
أَنِ اعْمَلْ سَنِغَتٍ وَقَدِّرُ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَِحًا إِنِىِ بِمَا تَعَمَلُونَ بَصِيرٌ
١٠
الإعراب:
﴿وَالظَّيْرَ﴾ إما منصوب بالعطف على موضع المنادى وهو النصب في
قوله: ﴿يَجِبَالُ﴾ أو على أنه مفعول معه، أي مع الطير، أو بفعل مقدر، أي
وسخرنا له الطير، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾. ويقرأ
بالرفع (والطيرُ) عطفاً على لفظ ﴿يَجِبَالُ﴾ أو عطفاً على الضمير المرفوع في
﴿أَوِّبِ﴾ وحسن ذلك لوجود الفصل بـ ﴿مَعَهُ﴾ والفصل يقوم مقام التوكيد.
والقراءة بالنصب أقوى في القياس من الرفع.
﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَلِغَاتٍ﴾ ﴿أَنِ﴾: إما مفسرة بمعنى (أي) أو في موضع نصب
بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: لأن أعمل. و﴿سَبِغَاتٍ﴾: أي دروعاً
سابغات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
البلاغة:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ تنكير ﴿فَضْلًا﴾ للتفخيم، أي فضلاً عظيماً.
وتقديم داود على المفعول اهتمام بالمقدم وتشويق إلى المؤخر.
٤٧٥
الُعُ (٢٢) - ◌َكَبِّا: ٣٤ / ١٠-١١
المفردات اللغوية:
﴿فَضْلًا﴾ هو النبوة والملك والجنود وكتاب الزبور والصوت الحسن.
﴿أَوِّبِ مَعَهُ﴾ رجِّعي وردِّدي معه التسبيح، والتأويب: التسبيح. ﴿وَأَلَنَّا لَهُ
اَلْحَدِيدَ﴾ جعلناه في يده كالعجين أو الشمع يصرّفه من غير نار ولا طَرْق. ﴿أَنِ
أَعْمَلْ سَبِغَتٍ﴾ أي وقلنا له اعمل دروعاً كوامل تامة، وهو أول من اتخذها.
﴿ وَقَدِّرْ فِ السَّرَّدِّ﴾ أي اجعل النسج متناسباً في الحلَق على قدر الحاجة غير
مختلفة. و﴿وَقَدِّرْ﴾: اقتصد، و﴿السَّرُّدِّ﴾: النسج، يقال لصانع الدروع:
سَرَّاد وزرَّاد . ﴿ وَأَعْمَلُواْ صَِحًا﴾ يعود الضمير لداود وأهله أي آل داود . ﴿إِنِّ
بِمَا تَعَمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مطلع على كل أعمالكم، فأجازيكم عليها.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى من ينيب من عباده، ذكر نماذج ممن أنابوا إلى ربِّهم ومنهم
داود عليه السلام، وبيَّن ما آتاه الله على إنابته، من النبوة والملك والجنود
والزبور والصوت الحسن، فكانت الجبال والطيور إذا سبَّح تسبِّح معه، وعلَّمه
تعالى صناعة الدروع الحربية للوقاية من الضربات في الحروب.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ ءَانْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ وَالطَّيْرَّ﴾ يخبر تعالى عما أنعم
به على رسوله داود عليه السلام مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة
والملك العظيم المتمكن والجنود، ومنحه من الصوت الرخيم القوي المؤثر،
الذي كان إذا سبَّح سبَّحت معه الجبال الراسيات، والطيور السارحات:
الغاديات الرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.
والمعنى: لقد أعطينا داود فضلاً عظيماً ونعماً جليلة، فقلنا للجبال
والطير: رددي معه التسبيح إذا سبَّح.
--
٤٧٦
للُُّ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٠-١١
جاء في صحيح البخاري أن رسول الله وَ ليل سمع صوت أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه، يقرأ من الليل فوقف، فاستمع لقراءته، ثم قال وليد: ((لقد أوتي
هذا مزماراً من مزامير آل داود)».
﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ، أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتِ وَقَدِّرُ فِ السَّرْدِّ﴾ أي جعلنا الحديد
في يده ليناً يصنع به ما يشاء، من غير حاجة إلى نار ولا مطرقة، بل كان يفتله
في يده مثل الخيوط، ليعمل به الدروع الكاملات الواسعات التي تقي من
ويلات الحروب، وعلمه كيفية نسج الدروع بحيث تكون متناسبة الحلق، وعلى
قدر الحاجة، فلا هي صغيرة ضيقة لا تحقق الهدف، ولا كبيرة ثقيلة على
لابسها، فيعجز عن لبسها. ولا شك أن إلانة الحديد من غير نار ولا طرق
معجزة لنبي الله داود، لا تنطبق على غيره. وكان داود عليه السلام أول من
صنع الدروع، قال قتادة رحمه الله: ((كانت الدروع قبله صفائح ثقالاً)) فلذلك
أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدّر ما تأخذ من هذين
المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة.
﴿ وَأَعْمَلُواْ صَِحًا إِنِى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي اعملوا يا آل داود عملاً
صالحاً فيما أعطاكم الله تعالى من النعم؛ فإني مراقب لكم، بصير بأعمالكم
وأقوالكم، لا يخفى عليَّ شيء منها. وقوله: ﴿إِنِّ بِمَا﴾ تعليل للأمر.
وهذا تحريض على إصلاح العمل لشكر النعمة، والعمل الصالح يقوِّم
النفوس، ويصقل الروح، ويحصنها من المزالق والانحرافات.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لقد منح الله تعالى عبده المنيب ورسوله داود عليه السلام فضلاً
عظيماً، فضَّله به على سائر الأنبياء من قبله، من الجمع بين النبوة والملك
٤٧٧
الُ (٢٢) - شَبّا: ٣٤ / ١٠-١١
والزبور والعلم والجنود وتسبيح الجبال والطيور مع تسبيحه، قال تعالى: ﴿إِنَّا
١٨) ﴾ [ص: ١٨/٣٨].
سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ
قال أبو ميسرة في تفسير التأويب: هو التسبيح بلغة الحبشة، ومعنى تسبيح
الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة،
فُيُسمَع منها ما يُسمَع من المسبِّح، معجزة لداود عليه السلام.
وقيل: المعنى: سِيري معه حيث شاء؛ من التأويب الذي هو سير النهار
أجمع، والنزول ليلاً.
وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف فيه داود بالنهار، فكان إذا قرأ
الزبور صوَّتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير.
ا - ومن فضائل الله علی داود ومعجزاته: إلانة الحدید بیده، حیث یصیر
كالعجين أو الشمع من غير نار ولا مِطْرَقة.
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على مشروعية تعلم أهل الفضل الصنائع،
وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم
وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب
الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي ◌ُّر قال: ((إن خير ما أكل
المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)).
◌َ - علّم الله تعالى داود عليه السلام صناعة الدروع السابغات، أي
الكوامل التامات الواسعات، المحكمة الحلق المتناسبة فيما بينها، ليست
بالصغيرة فلا تحقق الغرض منها وهو الدفاع، ولا بالكبيرة التي تثقل كاهل
لا بسها.
٤ - لم يستثن الله نبياً ولا رسولاً من إلزامه بالعمل الصالح، لذا أعقب بيان
نعمه وأفضاله على داود بأمره مع أهله بصالح العمل وهو فعل الأوامر وترك
٤٧٨
لُعُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ /١٢-١٤
النواهي، كما قال تعالى: ﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣/٣٤]. وعلل
الترغيب بالعمل الصالح بأنه تعالى بصير بأعمال عباده وأقوالهم، لا يغيب عنه
شيء، فيجازيهم عليها.
نعم الله على سليمان عليه السلام
﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ
اُلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن ◌َّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَاْجَوَابِ وَقُدُودٍ
السَّعِيرِ
◌َّاسِيَنْتٍّ أَعْمَلُوْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ﴾ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ
اُلْمَوْتَ مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْنِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَنَهُ فَلَمَّا خَرَّ نَيَنَتِ الْجِنُّ
١٤
أَنْ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِىِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
القراءات:
كَالْجَوَابِ﴾:
وقرأ ورش، وأبو عمرو وصلاً، وابن كثير وصلاً ووقفاً (كالجوابي).
﴿عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾:
قرأ حمزة بسكون الياء وصلاً ووقفاً، وقرأ الباقون بفتحها وصلاً،
وإسكانها وقفاً.
مِنْسَأَتَهُ﴾: قرئ:
١- (منساته) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو.
٢- (منسأته) وهي قراءة ابن ذكوان.
٤٧٩
لِلُحُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ١٢-١٤
٣- (منسأته) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ وَلِسُلَيْمَنَ اَلْرِّيحَ﴾ ﴿الرِّيحَ﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: وسخرنا
لسليمان الريح، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر
مقدم، أو مرفوع بالجار والمجرور على مذهب الأخفش.
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ معطوف عليه، أي غدوها
مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر، وإنما وجب هذا التقدير؛ لأن الغدو
والرواح ليسا بالشهر، وإنما يكونان فيه.
﴿ وَمِنَ الْجِنّ مَن يَعْمَلُ﴾ ﴿مَن﴾: إما منصوب بتقدير فعل، تقديره:
وسخّرنا من الجن من يعمل بين يديه، وإما مرفوع بالابتداء، والجار والمجرور
خبره، أو مرفوع بالجار والمجرور على مذهب الأخفش.
﴿ وَمَنْ يَزِعْ﴾ (مَنْ): شرطية في موضع رفع بالابتداء، و﴿نُذِقْهُ﴾:
الجواب، وهو خبر المبتدأ.
﴿أَعْمَلُوَاْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ﴿شُكْرًا﴾: منصوب؛ لأنه مفعول لأجله، ولا
يكون منصوباً بـ ﴿أَعْمَلُواْ﴾ لأن ((شكروا)) أفصح من: ((اعملوا شكراً)).
مِنْسَأَتَهُ﴾ يقرأ بالهمز على الأصل، ومن لم يهمزه أبدل من الهمزة ألفاً.
﴿أَنْ لَّوْ كَانُوْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما بالرفع على البدل من ﴿اَلْجِنُّ﴾
وهو بدل اشتمال، مثل: أعجبني زيد عقلُه، وإما بالنصب على تقدير حذف
حرف جر، وهي اللام.
البلاغة:
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي غدوها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة
شهر.
٤٨٠
اِلُحُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٢-١٤
﴿ وَحِفَانِ كَالْجَوَابِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لذكر أداة الشبه، وحذف وجه
الشبه.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ﴾ فيه تقدير، أي وسخرنا لسليمان الريح. ﴿غُدُوُّهَا
شَهْرٌ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر، والغداة: من الصباح إلى الزوال.
{وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي وجريها بالعشي مسيرة شهر، والعشي: من الزوال إلى
الغروب. ﴿ وَأَسَلْنَا﴾ أذبنا. ﴿اُلْقِطْرِ﴾ النحاس المذاب. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِّ﴾ بأمر
ربه .﴿ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي ومن يعدل منهم عن طاعة سليمان بأمرنا
له بطاعته . ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي من عذاب النار في الآخرة، أو
الحريق في الدنيا.
﴿ ◌َتَحَرِيبَ﴾ هي الأبنية العالية والقصور الرفيعة الحصينة، سميت بذلك
لأنه يحارب عليها، وقيل: المراد بالمحاريب هنا: المساجد .﴿ وَتَمَثِيلَ﴾ جمع
تمثال، وهو كل شيء مجسَّم صوَّرته بصورة الحيوان من نحاس أو زجاج أو
رخام أو غير ذلك. قيل: إن التصوير كان مباحاً في شرع سليمان، ثم نسخ
ذلك في شرع نبينا محمد رَّةٍ. ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جَفْنة، أي صحاف تشبه في العِظَم
حياض الإبل، يجتمع على القصعة الواحدة جمع كبير كألف، يأكلون منها.
كَاْجَوَابٍ﴾ كالحياض الكبار، جمع جابية. ﴿ وَقُّدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ أي ثابتات،
ولها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها
بالسلام.
﴿أَعْمَلُوْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ أي وقلنا لهم: اعملوا يا آل داود بطاعة الله،
شكراً له على ما آتاكم. ﴿ وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعة الله، المتوفر
على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي
حقه؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكراً آخر إلى ما لا نهاية.