Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
المُعُ (٢٢) - الأَجْزَان: ٣٣ / ٦٣-٦٨
والمنافقون يسألون عنها تعنتاً، واليهود يسألون عنها امتحاناً واختباراً،
فيجيبهم النبي ◌َّه بتعليم الله له: إن علمها محصور بالله تعالى، لم يُطلع عليها
ملكاً ولا نبياً مرسلاً، فهو وحده الذي يعلم وقت حدوثها.
وأكد نفي علمها عن أحد غيره فقال:
﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أي وما يعلمك بها، فإنها من
المغيبات المختصة بالله تعالى، وربما توجد في وقت قريب، كما قال تعالى:
﴾ [القمر: ١/٥٤] وقال سبحانه: ﴿أُقْتَبَ
أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ إِ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء: ١/٢١] وقال عز
وجل: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُهُ﴾ [النحل: ١/١٦] وقال النبي ◌َّ فيما رواه
البخاري: (بُعثت والساعةُ كهاتين)) وأشار إلى السبابة والوسطى.
وفي هذا تهديد للمستعجلين، وتوبيخ للمتعنتين، كما تقدم. وكلمة
﴿قَرِيبًا﴾ فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦/٧] لذا لم يقل: لعلَّ الساعة تكون قريبة.
ثم ذكر الله تعالى نوع جزاء الكفار الذي ينتظرهم يوم القيامة، فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴾﴾ أي إن الله تعالى طرد
الكافرين وأبعدهم عن رحمته، وهيأ لهم في الآخرة ناراً شديدة الاستعار
والاتقاد.
خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (®﴾ أي إنهم في ذلك
العذاب في نار جهنم مخلدون ماكثون فيه على الدوام، ولا أمل لهم في النجاة
منه، فلا يجدون من يواليهم ويكون لهم مغيثاً ومعيناً ينقذهم مما هم فيه، ولا
من ينصرهم ويخلصهم منه. والمقصود أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب.
ثم ذكر وصف حال العذاب فقال :

٤٤٢
الُعُ (٢٢) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٦٣-٦٨
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اُللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ
﴾ أي إنهم يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم،
ويتقلبون فيها من جهة إلى أخرى كاللحم يُشوى في النار، وحينئذ يقولون
ويتمنون: يا ليتنا لو كنا في الدار الدنيا ممن أطاعوا الله وأطاعوا الرسول
وَاله، وآمنوا بما جاء به، لينجوا من العذاب كما نجا المؤمنون، كما قال تعالى
في آية أخرى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَنَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ
[الفرقان: ٢٧/٢٥] وقال أيضاً مخبراً عنهم: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ
٢٧
سَبِيلًا
﴾ [الحجر: ٢/١٥].
٢
كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
ثم اعتذروا بالتقليد، فقال الله تعالى واصفاً ذلك:
﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَاْ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ (4﴾ أي وقال
الكافرون حينئذ وهم في عذاب جهنم: يا ربنا إنا أطعنا في الشرك والكفر
رؤساءنا وقادتنا وعلماءنا، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أنهم محقون فيما
يقولون، فأخطؤوا بنا سواء الطريق، وأضلونا عن طريق الهدى بما زينوا لنا
من الكفر بالله ورسوله، وعدم الإقرار بالوحدانية، وإخلاص الطاعة لله
تعالی.
ثم صوَّر الله تعالى ما يغلي في نفوسهم من الحقد الذي أدى بهم إلى طلب
التشفي من القادة والأمراء والأشراف فقال:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَمْنَا كَبِيرًا (®﴾ أي يا ربنا
عَذِّبهم مثل عذابنا مرتين: عذاب الكفر، وعذاب الإضلال والإغواء إيانا،
وأبعدهم عن رحمتك بعداً عظيماً كثيراً شديد الموقع، وهذا بمعنى الحديث
الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول
الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ((قل: اللهم، إني ظلمت نفسي
ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني،

٤٤٣
المُ (٢٢) - الأَخْزَارَ: ٣٣ / ٦٣-٦٨
إنك أنت الغفور الرحيم)) يروى ((كبيراً)) و((كثيراً)) وهما بمعنى واحد،
واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، قال ابن كثير: وفي
ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخير بين
القراءتين، أيتهما قرأ أحسن، وليس له الجمع بينهما(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - لما توعد الله المؤذين لرسول الله وَ ﴿ بالعذاب، سألوا عن الساعة،
استبعاداً وتكذيباً، موهمين أنها لا تكون، فأجابهم الله بأن علمها عند الله،
وليس في إخفائها عن رسوله وَله ما يبطل نبوته، فليس من شرط النبي أن يعلم
الغيب بغير تعليم من الله عز وجل.
أَ - إن وقت حصول الساعة (القيامة) في زمان قريب، وقد أخفي وقت
الساعة ليكون العبد مستعداً لها. وهذا إشارة إلى التخويف.
٣ - إن الله عاقب الكافرين بالطرد والإبعاد من رحمته، وبإعداد نار جهنم
المستعرة الشديدة الاتقاد، وهم فيها خالدون ماكثون على الدوام، ولا شفيع
لهم ينجيهم من عذاب الله والخلود فيه، ويتقلبون في السعير ذات اليمين وذات
الشمال كما يشوى اللحم في النار. وهذا يدلّ على أنهم ملعونون في الدنيا،
· وملعونون عند الله، وأن العذاب دائم مستمر لا أمل في الخروج منه.
٤ - يتمنى الكافرون في أثناء العذاب في نار جهنم أن لو كانوا أطاعوا الله
وأطاعوا رسوله، فآمنوا بالله وحده لا شريك له، وآمنوا برسوله ◌َّ خاتم
النبيين، وأدوا فروض الطاعة والولاء، وأخلصوا لله في أعمالهم.
(١) تفسير ابن كثير ٥١٩/٣

٤٤٤
اِلُحُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٦٩-٧١
- إنهم يقولون أيضاً على سبيل الأسف والاعتذار غير المفيد: إنا أطعنا
القادة والأمراء والأشراف والعلماء بدل طاعة الله تعالى، فبدَّلنا الخير بالشر،
وأضلونا عن السبيل الصحيح وهو توحيد الله تعالى.
أَ - لا يجدون بداً من المطالبة على سبيل التشفي والانتقام بمضاعفة
العذاب على أولئك المضللين: عذاب الكفر وعذاب الإضلال، أي عذبهم
مثلي ما تعذّبنا؛ فإنهم ضلّوا وأضلوا.
بل إنهم يطلبون أيضاً إبعادهم وطردهم من رحمة الله إبعاداً كبيراً كثيراً؛
لأن ما كبر كان كثيراً عظيم المقدار. وهذا في كلا الطلبين يتضمن معنى
جديداً، فإنهم طلبوا لهم ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب بقولهم:
ضِعْفَيْنِ﴾ وزيادة اللعن بقولهم: ﴿لَعْنَا كَبِيرًا﴾.
تحريم الإيذاء الذي لا يؤدي إلى الكفر والأمر بالتقوى
( يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴿ يُصْلِحْ
عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا
19
لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
٧١
البلاغة:
﴿لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَذَوْ مُوسَى﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكر فيه أداة الشبه،
وحذف وجه التشبيه.
المفردات اللغوية:
﴿لَا تَكُونُواْ﴾ مع نبيكم محمد
﴿كَلَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ وهم اليهود،
وسيّل

٤٤٥
المُُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٦٩-٧١
كقولهم: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدَر، أو اتهامه بالفاحشة، كما روي
أن قارون حرض امرأة على قذف موسى بنفسها، فعصمه الله وبرّأه مما قالوا
﴿فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ من كثير من التهم الباطلة، منها أنه وضع ثوبه على
حجر ليغتسل، فطار الثوب مع الحجر، حتى استقرَّ أمام ملأ من بني إسرائيل،
فأدركه موسى، فأخذ ثوبه، فاستتر به، فرأوه ولا أدرة به وهي نفخة في
الخصية . ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ذا جاه وقدر وقربة ووجاهة عنده تعالى.
﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في ارتكاب ما يكرهه، فضلاً عما يؤذي رسوله بَّهِ ﴿وَقُولُواْ
قَوْلاً سَدِيدًا﴾ قاصداً إلى الحق ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ يوفقكم للأعمال
الصالحة أو يصلحها بالقبول والإثابة عليها ويتقبلها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
أي يسترها ويكفِّرها بالاستقامة في القول والعمل ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
أي في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ نال غاية مطلوبة، بالعيش في
الدنيا حميداً وفي الآخرة سعيداً.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أن من يؤذي الله ورسوله وَّ يلعن ويعذب، مما يدلّ
على أن إيذاءهما كفر، أرشد المؤمنين إلى ضرورة الامتناع من إيذاء لا يؤدي إلى
الكفر، مثل عدم الرضا بقسمة النبي ◌ُّر الفيء بين أصحابه.
أما إيذاء موسى فمختلف فيه، قال بعضهم: هو إيذاؤهم إياه بنسبته إلى
عيب في بدنه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال:
قال لموسی قومه: إنه آدر، فخرج ذات يوم ليغتسل، فوضع ثيابه على حجر،
فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى يتبعها عرياناً، حتى انتهت به إلى
مجالس بني إسرائيل، فرأوه ولیس بآدر.
وقال بعضهم: إن قارون تآمر مع امرأة أن تقول عند بني إسرائيل: إن
موسى زنى بي، فلما جمع قارون القوم، والمرأة حاضرة، ألقى الله في قلبها أنها
صدقت، ولم تقل ما لُقِّنت.

٤٤٦
لِزُرُ (٢٢) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٦٩-٧١
قال الرازي: وبالجملة الإيذاء المذكور في القرآن كاف، وهو أنهم قالوا له:
﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤/٥] وقولهم: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى
نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥/٢] وقولهم: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة:
٦١/٢] إلى غير ذلك، فقال للمؤمنين: لا تكونوا أمثالهم إذا طلبكم الرسول
وَّه إلى القتال، أي لا تقولوا: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤/٥]
ولا تسألوا ما لم يؤذن لكم فيه، ((وإذا أمركم الرسول بشيء فأتوا منه ما
استطعتم))(١).
التفسير والبيان:
[يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ
عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (٤) أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا تؤذوا الرسول وَله
بالقول أو العمل، مما يكرهه ولا يحبه، ولا تكونوا مثل الذين آذوا موسى،
كتعييبه كذباً وزوراً، أو تعجيزه برؤية الله جهراً، أو تركه يقاتل وحده، أو
مطالبته بأنواع من الطعام، فبرأه الله مما قالوا من الكذب والزور، وكان ذا
قدر وجاه ومنزلة عند ربه، قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند
الله، وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما
يشاء عز وجل.
ومن مظاهر إيذاء النبي ◌َّر: ما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عبد الله
ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((قسم رسول الله وَّ ذات يوم قَسْماً، فقال
رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فاحمرَّ وجهه، ثم
قال: رحمة الله على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)).
(١) تفسير الرازي: ٢٣٣/٢٥ والجملة الأخيرة حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة بلفظ ((وما
أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)).

٤٤٧
لُ (٢٢) - الأَخْزَار: ٣٣ / ٦٩-٧١
وروى أحمد عن ابن مسعود أيضاً قال: قال رسول الله وَلَّ لأصحابه: ((لا
يُلِّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم، وأنا
سليم الصدر)) .
وأما إيذاء موسى فالظاهر أنه كان بالطعن في تصرفاته، لا بتعييبه في بدنه،
بدليل الحديث الأول عن ابن مسعود.
وبعد نهي المؤمنين عن إيذاء الرسول و ليه بالقول أو بالفعل، أرشدهم إلى ما
ينبغي أن يصدر عنهم من الأقوال والأفعال، أما الأفعال فالخير، وأما
الأقوال فالحق؛ لأن من أتى بالخير وترك الشر فقد اتقى الله، ومن قال
الصدق قال قولاً سديداً، فقال:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٣)﴾ أي يا أيها المؤمنون
بالله ورسوله، اتقوا الله في كل الأمور باجتناب معاصيه، والتزام أوامره
وعبادته عبادة من كأنه يراه، وقولوا القول الصواب والحق في كل أموركم،
ويدخل فيه قول: لا إله إلا الله، والإصلاح بين الناس، كما يدخل فيه القول
في شأن زيد وزينب، ولا تنسبوا النبي ◌َّ إلى ما لا يحل.
ثم وعدهم على الأمرين: الخير في الأفعال والصدق في الأقوال بأمرين
فقال :
﴿يُصْلِعْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي وعدهم على فعل الخيرات
بإصلاح الأعمال، أي بقبولها، وجعل صاحبها في الجنة خالداً فيها أبداً،
وعلى القول السديد بمغفرة الذنوب الماضية، وأما ما قد يقع منهم في المستقبل
فيلهمهم التوبة منها.
ثم حرضهم على الطاعة، فقال:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي ومن يطع أوامر الله

٤٤٨
الُعُ (٢٢) - الأَجْزَالَ: ٣٣ / ٦٩-٧١
والرسول ويجتنب النواهي، فقد نجا من نار الجحيم، وصار إلى النعيم المقيم.
وبالرغم من أن طاعة الله هي طاعة الرسول وَّر، فإنه تعالى جمع بينهما لبيان
أن المطيع اتخذ عند الله عهداً، وعند الرسول وَله يداً.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - لم تقتصر عناية القرآن وتحذيره على فئة من الناس دون فئة، فبعد أن
ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله ودليل والمؤمنين، حذّر
المؤمنين من التعرّض للإيذاء، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في إيذائهم
نبيهم موسى عليه السلام.
ومظاهر إيذاء محمد ◌َّله وموسى عليه السلام مختلف فيها، فقيل: إن أذِيّتهم
محمداً وَل قولهم: زيد بن محمد، أو أنه قسم قَسْماً، فقال رجل من الأنصار:
إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب النبي ◌َّه وقال: ((رحم الله
موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) .
وأما أذية موسى وَلّ، فقال ابن عباس وجماعة: هي اتهامه بالأدرة كما
تقدم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: آذوا موسى بأن قالوا: قتل
هارون، مع أنه مات في جبل في سيناء بعد خروج موسى وهارون من التيه
(قلب شبه جزيرة طور سينا). وقيل: إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه
بالسحر والجنون، وقيل بغير ذلك. قال القرطبي: والصحيح الأول، ويحتمل
أن فعلوا كل ذلك، فبرَّأه الله من جميع ذلك.
وقد استدل بقصة اغتسال موسى عليه السلام على جواز وضع ثوبه على
الحجر، ودخوله في الماء عُرياناً في منطقة معزولة بعيدة عن الناس، وهو
مذهب الجمهور، ومنعه ابن أبي ليلى، واحتج بحديث لم يصح.

٤٤٩
لِلِزُعُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٧٢-٧٣
٢ - كان موسى عليه السلام عند الله وجيهاً، أي عظيم القدر، رفيع
المنزلة، ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئاً أعطاه إياه.
ـّ - أوجب الله تعالى الخير في الأفعال أو التقوى، والصدق في الأقوال
وهو ما يقابل الأذى المنهي عنه بالنسبة للرسول وَالر والمؤمنين.
٤ - وعد الله تعالى أنه يجازي على القول السديد، وتقوى الله بإصلاح
الأعمال (أي قبولها وجعلها صالحة لا فاسدة بتوفيقهم إليها) وغفران
الذنوب، وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة.
٥ - من يطع الله ورسوله وَ لّ فيما أمر به ونهى عنه، فقد نجا من النار وفاز
بالجنة، أو وصل إلى ثواب كثير وهو الثواب الدائم الأبدي.
أمانة التكاليف وأثرها في تصنيف المكلفين
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ
مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ﴿٣) لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَنُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا
الإعراب:
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ نصب ﴿رَّحِيمًا﴾ إما على الحال من ضمير
﴿غَفُورًا﴾ وهو العامل فيه، وإما صفة لغفور، وإما خبراً بعدٍ خبر.
البلاغة:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ استعارة تمثيلية، مثّل
الأمانة بما فيها من ثقل وشدة متناهية بشيء لو عرض على السماوات
والأرض والجبال لأبت حمله وأشفقت منه.

٤٥٠
الُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٧٢-٧٣
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ﴾ ﴿ وَيَنُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بينهما ما يسمى بالمقابلة.
وبين بدء السورة: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُتَفِقِينَ﴾ وبين ختمها: ﴿لِيُعَذِّبَ
اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ﴾ ما يسمى في علم البديع: ((ردّ العجز على الصدر))
فالبدء في ذم المنافقين، والختام لبيان سوء عاقبتهم.
المفردات اللغوية:
﴿عَرَضْنَا﴾ أي عرضها على هذه الأجرام خلافاً لما في الطبيعة ﴿اُلْأَمَانَةَ﴾
أي التكاليف الشرعية كالصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب، وتركها
من العقاب، وسماها أمانة؛ لأنها واجبة الأداء ﴿عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ المعنى أن الأمانة لعظمة شأنها، بحيث
لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذات شعور وإدراك، لامتنعت
من حملها، وأشفقت منها وخافت ﴿ وَحَلَهَا الْإِنسَنُ﴾ آدم أبو البشر بعد عرضها
عليه، مع ضعف بنيته ورخاوة قوته، فإن أدى حقوقها فاز بخير الدارين ﴿إِنَّهُ
كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي إن الإنسان حينما التزم بحقوق الأمانة كان ظلوماً
لنفسه بما حمله، جهولاً به، وهذا وصف لجنس الإنسان باعتبار الأغلب.
والمقصود بالآية تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
﴿لَيْعَذِّبَ اَللَّهُ﴾ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم، فهي لام
الصيرورة؛ لأنه لم يحملها لأن يعذب، لكنه حملها، فآل الأمر إلى أن يعذب
من خان الأمانة وكذب الرسل ونقض الميثاق ممن نافق وأشرك، ويتوب على
من آمن، الذين أدوا ما حملوه من الأمانات من العبادة وغيرها.
وقال الزمخشري: اللام لام التعليل على طريق المجاز؛ لأن نتيجة حمل

٤٥١
لُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٧٢-٧٣
الأمانة العذاب، كما أن التأديب في قولك: ((ضربته للتأديب)) نتيجة الضرب.
وقد جاراه القرطبي في ذلك . ﴿اَلْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ﴾
المضيعين الأمانة. ﴿وَيَنُوَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ المؤدين الأمانة.
والوعد بالتوبة دليل على أن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ موجه إلى حال
جبلة الإنسان فهو ظلوم لنفسه جهول بربه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ غفوراً للمؤمنين رحيماً بهم، حيث تاب على
ما فرطوا من ذنوب، وأثاب على طاعاتهم.
المناسبة:
بعد بيان أن من أطاع الله ورسوله فاز فوزاً عظيماً، أبان الله تعالى الوسيلة
التي تنال بها الطاعة وهي فعل التكاليف الشرعية، وأن تحصيلها شاقّ على
النفوس يحتاج إلى مكابدة وجهاد، ثم ذكر أن ما يحدث من صدور الطاعة من
المكلفين، وإباء القبول، والامتناع من الالتزام إنما هو باختيار الإنسان دون
جبر ولا إكراه.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى خطورة التكاليف وثقلها، وأنها عظيمة ناءت بحملها
السماوات والأرض والجبال، فقال:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاُلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها
· أي إنا عرضنا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنْسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا (15)﴾
التكاليف كلها من فرائض وطاعات على هذه الأجرام العظام، فلم تطقها
وأبت تحمل مسؤوليتها، وخافت من حملها، لو فرض أنها ذات شعور
وإدراك، ولكن كُلِّف بها الإنسان، فتحملها مع ضعفه، وهو في ذلك ظلوم
لنفسه، جهول لقدر ما تحمله.

٤٥٢
الُعُ (٢٢) - الأَجْزَان: ٣٣ / ٧٢-٧٣
قال ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة والفرائض، عرضها عليهم قبل أن
يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على
السماوات والأرض والجبال، فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا
رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم
فتحملها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَحَلَهَا الْإِنَنُّ إِنَّهُمْ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾. والمراد
جنس الإنسان بحسب الأغلب.
فالأمانة تشمل الطاعات والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب، وبتضييعها
العقاب، وتشمل أمانة الأموال كالودائع وغيرها مما لا بيِّنة عليه، وغسل
الجنابة أمانة، والفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة،
والبطن أمانة، واليد أمانة، والرِّجْل أمانة.
وقد حملها الإنسان بسبب جهله بما فيها، مع أن السماوات والأرض
أحست بثقل المسؤولية، وهو مع ذلك يتأثر بالانفعالات النفسية وبالشهوات
الذاتية، ولا يتدبر عواقب الأمور، وكانت هذه التكاليف وسيلة للحد من
سلطان الشهوة، وتأثير النوازع، والقوى الداخلية في نفسه.
ثم بيَّن الله تعالى نتائج تلك التكاليف بين المكلفين، فقال:
﴿لَيْعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَنُوَبَ اللَّهُ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (®﴾ أي إن عاقبة حمل الإنسان
لهذه الأمانة وهي التكاليف أن ينقسم الناس فريقين: فريق المنافقين والمنافقات
(وهم الذين يظهرون الإيمان خوفاً من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله)
والمشركين والمشركات (وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة
الرسل) الذين يعذبهم الله لخيانتهم الأمانة، وتكذيب الرسل، ونقض الميثاق،
وفريق المؤمنين والمؤمنات (وهم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله،
العاملين بطاعته) الذين يتوب الله عليهم إذا تابوا، وأدوا ما حملوه من
الأمانات من العبادة وغيرها؛ لأن الله غفور لذنوبهم، كثير الرحمة بهم.

٤٥٣
الُعُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٧٢-٧٣
والآية دليل على أن الله أعلم الإنسان بأنه غفور رحيم، وبصره بنفسه فرآه
ظلوماً جهولاً، ثم عرض عليه الأمانة، فقبلها مع ظلمه وجهله، لعلمه بما
يجبرها من الغفران والرحمة. والمعنى أن هناك مرضاً جبلياً في الإنسان، وأن
هناك علاجاً ودواء لهذا المرض وهو سعة المغفرة وكثرة الرحمة الإلهية إذا
تعرض الإنسان لهما في الجملة بالتوبة والإنابة والطاعة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - ختمت السورة المشتملة على الأحكام بأمر إجمالي هو وجوب التزام
الأوامر الإلهية، والآداب الشرعية السامية، والمواعظ الرائعة.
أَ - الأمانة تشمل جميع تكاليف الشرع ووظائف الدين، على الصحيح من
الأقوال، وهو قول الجمهور، ومنها الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد،
وليست التكاليف سهلة هينة، وإنما هي من عظائم الأمور التي ناءت بحملها
السماوات والأرض والجبال.
روى الحكيم الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ له: ((قال الله
تعالى لآدم: يا آدم، إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض، فلم
تطقها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ فقال: وما فيها يا رب؟ قال: إن حملتها
أُجرت، وإن ضَيَّعتها عُذِّبت، فاحتملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر
ما بين صلاة الأولى إلى العصر، حتى أخرجه الشيطان منها)) .
◌َّ - العرض على السماوات والأرض والجبال إما مجاز، وإما حقيقة، وإما
ضرب مثل، فقال قوم: المعنى: إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل
السماوات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن، فأبين أن يحملن
وزرها، مثل: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢/١٢] أي أهلها. فهذا مجاز مرسل.

٤٥٤
الُعُ (٢٢) - الأَجْزَالَ: ٣٣ / ٧٢-٧٣
وقال قوم: إن الآية من المجاز - بنحو آخر - أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة
السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت
وأشفقت. وهذا كما تقول: عرضت الحِمْل على البعير فأباه، وأنت تريد
قايست قوته بثقل الحمل، فرأيت أنها تقصر عنه.
وقال آخرون: الحسن وغيره: العرض حقيقة أي إنه عرض على السماوات
والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب، أي أظهر لهن
ذلك، فلم يحملن وزرها، وأشفقت، وقالت: لا أبتغي ثواباً ولا عقاباً، وكلّ
يقول: هذا أمر لا نطيقه، ونحن له سامعون ومطيعون فيما أُمِرن به وسُخِّرن
له. ولكن قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بدّ من تقدير
الحياة، على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام.
وقال القفّال وغيره: العرض في هذه الآية ضَرْب مَثَل، أي إن السماوات
والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها
تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي إن التكليف أمر حقه أن
تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد كُلِّفه الإنسان، وهو ظلوم
جهول لو عَقَل. وهذا كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ١٥٩
٢١] ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ (الآية نفسها) قال القفال:
فإذا تقرر أنه تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على
ضرب المثل، وجب حمله عليه.
وعلى أي حال، المقصود بالآية بيان عظمة التكاليف وثقلها وتنبيه الإنسان
لخطورة التبعة (أو المسؤولية) عنها، فلا يفرط فيها، وهو بين خيارين: إما
العصيان فالعذاب، وإما الطاعة فالثواب، والله غفور رحيم.
٤ - لقد تجشم الإنسان تحمل مسؤولية الأمانة، والتزم القيام بحقها، وهو
في ذلك ظلوم لنفسه أو للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه أو جهول بربه.

٤٥٥
لُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٧٢-٧٣
والإنسان: هو النوع كله، مراعاة لعموم الأمانة، فيشمل الكافر والمنافق،
والعاصي، والمؤمن. وقيل: المراد بالإنسان: آدم الذي تحمَّل الأمانة.
٥ - اللام في قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ المتعلقة بـ ﴿عَرَضْنَا﴾ أو بـ ﴿ وَحَلَهَا﴾
سواء قلنا: إنها لام الصيرورة أو لام التعليل، فإن النتيجة انقسام الناس إزاء
التكاليف إلى قسمين: عصاة وطائعين، فقد حمل الإنسان الأمانة، ثم كانت
حالته أمامها ليست واحدة، فهناك قوم التزموا القيام بحقها، فأثابهم الله
الجنة، وهناك آخرون أهملوا القيام بحقها، فعذبهم الله بالنار.
وإذا تعلقت اللام بـ ﴿عَرَضْنَا﴾ يكون المعنى على أن اللام للتعليل: عرضنا
الأمانة على الجميع، ثم قلدناها الإنسان، ليظهر شرك المشرك، ونفاق المنافق،
ليعذبهم الله، وإيمان المؤمن ليثيبه الله. وإذا تعلقت بـ ﴿وَحَمَلَهَا﴾ يكون المعنى على
جعل اللام للتعليل: حملها ليُعذّب العاصي، ويثيب المطيع، لأن العذاب
نتيجة حمل الأمانة.
وإذا كانت اللام لام الصيرورة يكون المعنى: حملها الإنسان، فآل الأمر إلى
أن يعذب من خان الأمانة، ويتوب على من أداها حقها.

٤٥٦
الْجُ (٢٢) السورة (٣٤) شَبًا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ سَبَّاء
مڪية، وهي أربع وخمسون آية
تسميتها:
سميت سورة (سبأ) للتذكير فيها بقصة سبأ، وهم ملوك اليمن، في قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ﴾ [١٥- ١٦] فقد أنعم الله
عليهم بالحدائق الغناء والأراضي الخصبة، فلما كفروا النعمة، أبادهم بسيل
العَرِم.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة: الأول - أن هذه السورة
افتتحت ببيان صفات الملك التام والقدرة الشاملة التي تناسب ختام السورة
السابقة في تطبيق العذاب وتقديم الثواب: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَنُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾.
الثاني - كان آخر الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ومطلع سبأ في
فاصلة الآية الثانية: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.
الثالث - في سورة الأحزاب سأل الكفار عن الساعة استهزاء، وفي هذه
السورة حكى القرآن عنهم إنكارها صراحة.

٤٥٧
الُ (٢٢) السورة (٣٤) شَبًا.
مشتملاتها:
تضمنت سورة سبأ المكية محور ما تدور عليه بقية السور المكية في إثبات
العقيدة: من توحيد الله، والنبوة، والبعث.
فابتدأت بحمد الله تعالى والثناء عليه؛ لأنه خالق السماوات والأرض،
ومرسل الملائكة رسلاً بمهام عديدة إلى البشر.
ثم أعقب ذلك الحديث عن إنكار المشركين البعث بعد الموت، وإثباته
بالقسم العظيم بالله تعالى من النبي محمد وَ لَّ على وقوع المعاد: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبٍِّ
لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وذكرت اتهامهم الباطل للنبي وَّر بأنه مفتر أو مجنون، ثم أكدت
ثبوت قدرة الله تعالى بخسف الأرض وإسقاط السماء.
وتلاها تعداد النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان، وأهل سبأ
كتسخير الطير والجبال للتسبيح مع داود، وتسخير الريحَ لسليمان عليهما
السلام، وجعل الحدائق والثمار الطيبة لملوك اليمن أهل سبأ.
ثم تحدثت السورة عن أدلة وجود الله ووحدانيته، وتفنيد مزاعم المشركين في
عبادة الأوثان، وإظهار صورة من الجدل العنيف بين الأتباع الكفرة والمتبوعين
المخذولين يوم القيامة، وإلقاء كل من الفريقين التبعة على الآخر.
وأبانت عموم الرسالة الإسلامية - المحمدية - لجميع الناس، وهددت
بالحساب العسير والجزاء الأليم يوم القيامة، وأن المترفين في كل زمان هم
أعداء الرسل لاغترارهم بأموالهم وأولادهم، وأن الله راضٍ عنهم فلا
يعذبهم، وأن الله سيسأل الملائكة يوم الحشر، هل طلبوا من المشركين
عبادتهم؟
ثم حكت السورة إنكار المشركين للقرآن وأنه في زعمهم مفترى ليس
بوحي، ووعظتهم بما عوقب به من قبلهم، وطالبتهم بالتأمل والتفكر في أن

٤٥٨
اِلُ (٢٢) - شَبَا: ٣٤ / ١-٢
محمداً وَ لّ ليس بمفترٍ ولا مجنون، وإنما هو نذير بين يدي عذاب شديد، وأنه
لا يطلب أجراً على دعوته، بل أجره على ربه.
وختمت السورة بدعوة المشركين إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، قبل أن
يأتي يوم القيامة، فيطلبون العودة إلى دار الدنيا للإيمان بالقرآن وبالرسول محمد
وَلجر، والإتيان بصالح الأعمال، ولكن يحال بينهم وبين ما يشتهون، لفوات
الأوان.
صفات الملك والقدرة والعلم لله تعالى
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ الْآَخِرَةَّ وَهُوَ
اُلْحَكِيمُ الْخَيْرُ ﴿﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ
وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
الإعراب:
﴿ الَّذِى لَهُ﴾ إما في موضع جر على النعت أو البدل، أو في موضع رفع على
إضمار مبتدأ، أو في موضع نصب بمعنى أعني.
[يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من اسم
الله، ويحتمل أن يكون مستأنفاً لا موضع له من الإعراب.
البلاغة:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تعريف الطرفين لإفادة الحصر، أي لا يستحق الحمد الكامل
إلا الله.
﴿َلِجُ﴾ ﴿يَخْرُجُ﴾ ﴿ يَنْزِلُ﴾ ﴿يَعْرُجُ﴾ بين كل منهما طباق.

٤٥٩
الزُُ (٢٢) - ◌َبَإٍ: ٣٤ / ١-٢
﴿وَهُوَ اُلْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ صيغة فعيل وفعول
للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ﴿الْحَمْدُ﴾ هو الثناء على الله بما هو أهله، أو الثناء على الله
بجميل صفاته وأفعاله ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ ملكاً وخلقاً ونعمة.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْأَخِرَةَ﴾ لله الحمد في الدنيا لكمال قدرته وتمام نعمته، وله
أيضاً حمد عباده في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، للسبب السابق ذاته ﴿وَهُوَ
اُلْحَكِيمُ﴾ في فعله وهو الذي أحكم أمر الدارين ودبره بمقتضى الحكمة
(الْخَبِيرُ﴾ بخلقه في الدارين، وهو الذي يعلم بواطن الأمور.
﴿بَلِجُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ يدخل فيها كالماء ينفذ في موضع وينبع في آخر،
وكالكنوز والدفائن والأموات ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كالزروع والنباتات والحيوان
والفلزات وماء العيون ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الأمطار والثلوج والْبَرَد
والصواعق والأرزاق والملائكة والكتب والمقادير ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد فيها
من أعمال العباد وغيرها من الملائكة والأبخرة والأدخنة ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده
◌ْالْغَفُورُ﴾ لذنوبهم.
التفسير والبيان:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي إن الحمد المطلق
الكامل لله مالك السماوات والأرض وما فيهما، والمتصرف بشؤونهما، يفعل
ما يشاء، ويحكم ما يريد، وحمده على النعم التي أنعم بها على خلقه، والمعنى:
إن المستحق للحمد والثناء والشكر هو الله الذي له ما في السماوات وما في
الأرض ملكاً وخلقاً وتصرفاً بما يشاء، فهو صاحب القدرة الكاملة، والنعمة
التامة.

٤٦٠
لُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ١-٢
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْأَخِرَةَ﴾ أي لله الحمد في الآخرة كالحمد في الدنيا؛ لأنه
المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ لَ
إِلَهَ إِلَّا هُوِّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوَلَى وَالْآَخِرَةٌ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[القصص: ٧٠/٢٨]. وقال تعالى في حكاية حمد أهل الجنة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءٍ﴾ [الزمر: ٧٤/٣٩].
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ، الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ
اَلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤/٣٥-٣٥].
وإذا كان هو المحمود على طول المدى، فهو المعبود أبداً.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيرُ﴾ أي والله هو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه
وقدره، يدبر شؤون خلقه على مقتضى الحكمة، والخبير ببواطن الأمور، الذي
لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء. قال مالك: خبير بخلقه حكيم بأمره.
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي يعلم ما يدخل في الأرض
كالغيث الذي ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات،
ويعلم ما يخرج من الأرض، كالحيوان والنبات والماء والفِلزَّات.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي ما ينزل من السماء كالملائكة
والكتب والأرزاق والأمطار والصواعق، وما يعرج فيها كالملائكة وأعمال
العباد والغازات والأدخنة ووسائل النقل الجوي والطيور.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي والله هو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصيانهم
بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي: