Indexed OCR Text
Pages 401-420
: ٤٠١
الُرُ (٢٢) - الأختزار: ٣٣/ ٥٠-٥٢
على هذا الاختيار، كما قصرهن الله عليه إكراماً له في قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُواْ
أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣/٣٣].
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بالسنة، وهو حديث عائشة، قالت: ما مات
رسول الله صل﴿ حتى أحلَّ له النساء. وبه قال الشافعي وقيل: إنها منسوخة بآية
أخرى، روى الطحاوي عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله وَلهم حتى أحلَّ
الله له أن يتزوج من النساء من شاء؛ إلا ذات محرم، وذلك قوله عز وجل:
﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُغْوِىّ إِلَيْكَ مَن نَشَاءُ﴾.
والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة؛ لأن حديث عائشة كما قال ابن
العربي حديث ضعيف واهٍ، أي شديد الضعف(١). وأما نسخها بآية: ﴿تُرْجِى
مَن تَشَآءُ﴾ فقال فيه بعض فقهاء الكوفة: محال أن تَنْسَخ هذه الآية: ﴿نُرْجِى مَن
تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهي قبلها في المصحف الذي
أجمع عليه المسلمون.
وأما القول بأن الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول، فهو
صحيح، لكن النسخ في الحقيقة يتطلب أمرين: ثبوت تأخر الناسخ عن
المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض. وهذان لم يتوافرا هنا.
- ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ﴾ ناسخ لما كان قد ثبت
له وَل من أنه إذا رأى واحدة، فوقعت في قلبه موقعاً كانت تحرم على الزوج،
ويجب عليه طلاقها. وهو دليل على منع تبديل زوجات النبي ◌ُّ اللاتي اخترنه
وهن تسع.
قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي
وأعطني زوجتك.
(١) أحكام القرآن: ١٥٥٩/٣
٤٠٢
الجُ (٢٢) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٥٠-٥٢
ولكن أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من
أنها كانت تبادل بأزواجها. قال الطبري: وما فعلت العرب قط هذا.
• اَ - قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دليل كما تقدم على جواز
أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها، وقد أراد المغيرة بن شُعْبة زواج امرأة،
فقال له النبي وَلّ فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن
المغيرة: ((انظر إليها فإنه أجدر أن يُؤْدَم(١) بينكما)) وأخرج البخاري في
صحيحه أنه وَّ قال لآخر: ((انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً)) أي صفرة
أو زرقة أو رمص.
والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة؛ فإنه إذا
نظر إليها، فلعله يرى منها ما يرغّبه في نكاحها، بدليل ما ذكره أبو داود من
حديث جابر عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن
ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل)) فقوله: ((فإن استطاع فليفعل)) لا
يقال مثله في الواجب. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية
والظاهرية وغيرهم.
واختلف العلماء فيما يجوز أن ينظر منها، فقال مالك: ينظر إلى وجهها
وكفّيها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا
كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها.
وأما قول داود الظاهري: ينظر إلى سائر جسدها، تمسكاً بظاهر اللفظ،
فأصول الشريعة ترد عليه في تحريم الاطلاع على العورة.
راً - ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكٌ﴾ يدل على إحلال
الأمة الكافرة للنبي وَلـ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم.
(١) أي يؤلف ويوفق.
٤٠٣
لِزُ (٢٢) - الأُخْزَان: ٣٣ / ٥٠-٥٢
والأصح أن الكافرة لا تحلّ له، تنزيهاً لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله
تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠/٦٠] فكيف به ◌َِّ؟!
١٢ - إن الذي استقر عليه عدد أزواج النبي ◌َّ كما تقدم هو تسع نسوة
مات عنهن النبي ◌َّر، ولم يكن هذا التعدد لغرض جنسي أو شهواني، وإنما من
أجل غاية أسمى هي نشر الدعوة الإسلامية، وتأليف القبائل العربية وترغيبهم
في قبول عقيدة الإسلام، والدليل على ذلك أن النبي وَّ ظلَّ على زوجة واحدة
هي السيدة خديجة بنت خويلد حتى نهاية الرابعة والخمسين، وفي هذه السن
تفتر الرغبة الجنسية عادة، وقد تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي
ثيِّب بنت أربعين سنة، ومنها رزق الأولاد، وماتت وهي في سن الخامسة
والستين. ثم تزوج بعد خديجة سودة بنت زمعة.
وتزوج بعائشة البكر الوحيدة تقديراً لجهود وتضحيات والدها أبي بكر،
وتزوج حفصة حباً في عمر، وتقديراً لصدقه وجهاده، مع أنها لم تكن جميلة،
وكان زواجه بأم سلمة ذات الأولاد الكثر وفي سن كبيرة تعويضاً عن مصابها
بزوجها الذي هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتزوج سَوْدة بنت زمعة العجوز
المسن أرملة السكران بن عمرو وفاء له لموته في سبيل الدفاع عن الحق في
الحبشة التي هاجر إليها هرباً من أذى المشركين، وتزوج زينب بنت جحش
لإبطال عادة التبني وإلغاء جميع آثاره بتزويج الله له كما بينا، وأم حبيبة بنت
أبي سفيان زعيم قريش التي أسلمت قبل أبيها وهاجرت إلى الحبشة، وقد
أصدقها النجاشي أربع مئة دينار عن النبي وَلَّ، تزوجها إكراماً لها وتقديراً
لإخلاصها وصدقها، وصفية بنت حُبَيّ بن أخطب زعيم اليهود تزوجها رأفة
بها بعد سبيها، وجويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق، تزوجها بعد سبيها
وإعتاقها وكان عمرها زهاء خمسين عاماً، فآمنت قبيلتها بالإسلام، وكانت
سبباً في إسلام خالد بن الوليد البطل الشهير.
٤٠٤
لُعُ (٢٢) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٥٣-٥٥
هذه هي الأسباب الخاصة بالزواج من أمهات المؤمنين، أما الأسباب
العامة فتتلخص في أن المصاهرة من أقوى عوامل التآلف والتناصر، ونشر
دعوة الإسلام في مبدأ أمرها بحاجة إلى الأعوان، وكان المؤمنون يرون أن
أعظم شرف مصاهرتهم للنبي وَّ وقربهم منه، كما أن تشريعات الإسلام
الخاصة بالنساء تحتاج معرفتها إلى نسوة يبلغن الأحكام إلى المسلمات، فكانت
أزواج النبي ◌َّرِ يقمن بهذه المهمة.
وأما أسباب تعدد الزوجات لغير النبي وَّر فهي كثيرة، منها: إصابة المرأة
بالعقم أو بالمرض الفتاك، المعدي أو المزمن، ومنها: قلة الرجال أحياناً كما
يحدث عقب الحروب، ومنها: الترغيب في كثرة النسل لتقوية الإسلام، ومنها
تفاقم الرغبة الجنسية أحياناً عند بعض الرجال.
كَهَا الله
آداب دخول البيت النبوي وحجاب نساء النبي
وسكم
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ
غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ
◌ِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ فَيَسْتَحْىِ، مِنكُمٌ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ
اُلْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ
بَعْدِهِ- أَبَدًاْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴿ إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ
اُللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴿ لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىّ ءَابَآِنَّ وَلَا أَبْنَابِهِنَّ وَلَاَ
إِخْوَيِهِنَّ وَلَا أَبَِّ إِخْوَبِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآءِهِنَ وَلَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنُّ
وَأَتَّقِينَ اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
۵۵
القراءات:
﴿بُيُوتَ﴾: قرئ:
٤٠٥
الجُرُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٣-٥٥
١- (بُيُوت) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (بُيُوت) وهي قراءة الباقين.
﴿النَِّّ﴾:
وقرأ نافع (النبيء).
﴿فَسْئَلُوهُنَّ﴾ :
وقرأ ابن كثير، والكسائي، ووقفاً حمزة (فَسَلُوهُنَّ).
الإعراب:
﴿غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَهُ﴾ ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على الحال من واو ﴿نَدْخُلُواْ﴾.
﴿أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ وصلتها: في موضع رفع اسم ﴿كَانَ﴾
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنكِحُواْ﴾ لأنه عطف عليه.
البلاغة:
﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الإضافة للتشريف.
﴿ فَادْ خُلُواْ﴾ ﴿فَأَنَشِرُواْ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿تُبْدُواْ﴾ ﴿تُخْفُوهُ﴾.
{فَيَسْتَحِىء مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ عليم وشهيد على وزن فعيل
للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي إلا وقت أن يؤذن لكم في الدخول بالكلام
٤٠٦
الجزء (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٣-٥٥
أو الإشارة، أو إلا مأذوناً لكم . ﴿إِلَى طَعَامِ﴾ متعلق بيؤذن؛ لأنه متضمن
معنى (يدعى) للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن
أذن بالدخول، لقوله: ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنهُ﴾ غير منتظرين نضجه أو وقته
وإدراكه. وأَنَىّ: هو مصدر: أنى يأني، أي أدرك وحان نضجه. ﴿فَأَنْتَشِرُواْ﴾
تفرقوا ولا تمكثوا. ﴿مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي مستمعين لحديث أهل البيت أو
لبعضكم بعضاً . ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المكث أو اللبث. ﴿كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ﴾
لتضييق المنزل عليه وعلى أهله واشتغاله فيما لا يعنيه. ﴿فَيَسْتَجِيء مِنكُمْ}
من إخراجكم . ﴿ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا يترك بيان الحق وهو الأمر
بخروجكم.
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي سألتم أزواج النبي ◌ََّ. ﴿مَتَعًا﴾ شيئاً محتاجاً إليه
ينتفع بهٍ . ﴿فَسْتَلُوهُنَّ﴾ المتاعِ ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾. ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الخواطر الشيطانية المريبة. ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ وما صحَّ لكم.
﴿أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أن تفعلوا ما يكرهه. ﴿كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾
ذنباً عظيماً.
﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من التحدث بزواجهن بعده. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ يعلم ذلك، فيجازيكم عليه. قال البيضاوي: وفي هذا
التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل، ومبالغة في الوعيد.
﴿لَّا جُنَاحَ﴾ لا إثم. ﴿وَلَا نِسَآءِهِنَّ﴾ أي النساء المؤمنات. ﴿وَلَا مَا
مَلَكَتْ أَتْمَانُهُنُّ﴾ من العبيد والإماء. ﴿وَأَتَّقِينَ اَللَّهَ﴾ فيما أمرتن به . ﴿إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ لا تخفى عليه خافية.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٣):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ﴾: أخرج أحمد والشيخان وابن جرير
٤٠٧
الُ (٢٢) - الأُخْزَايَ: ٣٣ / ٥٣-٥٥
والبيهقي وابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((لما تزوج النبي
وَلَه زينب بنت جَحْش، دعا القوم، فطَعِمُوا، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا كأنه
يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام، وقعد
ثلاثة، ثم انطلقوا، فجئت، فأخبرت النبي ◌َّر أنهم انطلقوا، فجاء حتى
دخل، وذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ
ءَمَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
وأخرج الترمذي وحسنه عن أنس قال: كنت مع رسول الله ◌َهالر، فأتى باب
امرأة عَرَّس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق، ثم رجع، وقد خرجوا، فدخل،
فأرخى بيني وبينه ستراً، فذكرته لأبي طلحة، فقال: لئن كان كما تقول لينزلن
في هذا شيء، فنزلت آية الحجاب.
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ◌َّ في
قَعْب، فمرَّ عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت أصبعه أصبعي، فقال: أوَّه لو
أُطاع فِيكُنَّ، ما رأتْكُنَّ عَينٌ، فنزلت آية الحجاب. وفي رواية البخاري: أن
عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت
أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل رجل على النبي ◌َّر، فأطال
الجلوس، فخرج النبي ◌ّ ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر،
فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلك آذيت النبي ◌َّ، فقال النبي
وَ له: لقد قمت ثلاثاً لكي يتبعني فلم يفعل، فقال له عمر: يا رسول الله، لو
اتخذت حجاباً، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت
آية الحجاب. وفي رواية: ((بقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا)).
قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه
منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب.
٤٠٨
الُجُرُ (٢٢) - الأُخْزَا: ٣٣ / ٥٣-٥٥
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ﴾: قال
البيضاوي: الآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله وَلقر، فيدخلون
ويقعدون، منتظرين لإدراكه، مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلا لما جاز لأحد أن
يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام، ولا اللبث بعد الطعام لُهمّ. أخرج عبد بن
حميد عن أنس قال: كانوا يتحينون فيدخلون بيت النبي ◌َّر، فيجلسون
فيتحدثون ليُدرك الطعام، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم
يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأنْتَشِرُواْ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان
ابن أرقم قال: نزلت هذه في الثقلاء، ومن ثم قيل: هي آية الثقلاء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أخرج ابن زيد
قال: بلغ النبي ◌ّر أن رجلاً يقول: لو قد توفي النبي وَّر تزوجت فلانة من
بعده، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية.
وأخرج ابن زيد أيضاً عن ابن عباس قال: نزلت في رجل همَّ أن يتزوج
بعض نساء النبي وَل بعده، قال سفيان: ذكروا أنها عائشة. وأخرج عن
السدّي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا،
ويتزوج نساءنا، لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده، فأنزلت هذه
الآية.
وأخرج ابن سعد عن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم قال: نزلت في
طلحة بن عبيد الله؛ لأنه قال: إذا توفي رسول الله وَل﴿ تزوجتُ عائشة.
وأخرج جويبر عن ابن عباس أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي ◌َّ، فكلمها
وهو ابن عمها، فقال النبي ◌َّ: لا تقومَنَّ هذا المقام بعد يومك هذا، فقال:
يا رسول الله: إنها ابنة عمي، والله ما قلت منكراً، ولا قالت لي، قال النبي
وَّه: قد عرفت ذلك، إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني،
٤٠٩
لِلْزُ (٢٢) - الأخْزَاب: ٣٣ / ٥٣-٥٥
فمضى، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي؟ لأتزوجنها من بعده، فأنزل الله
هذه الآية. قال ابن عباس: فأعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة أبعرة
في سبيل الله، وحجّ ماشياً، توبة من كلمته.
والخلاصة: رويت روايات كثيرة في أسباب نزول هذه الآيات قال فيها أبو
بكر بن العربي: إنها ضعيفة كلها ما عدا الذي ذكرنا - أي رواية أحمد
والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس - وما عدا الذي روي أن عمر قال:
قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البَرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن
يحتجبن، فنزلت آية الحجاب.
وقد كان سبب نزول أدب الطعام والجلوس وليمة النبي ◌َّ عند زواجه
بزينب، وسبب نزول الحجاب بسبب القعود في بيت زينب.
المناسبة:
بعد بيان حال النبي ◌َّير مع أمته بأنه المبشر المنذر الداعي إلى الله تعالى،
أبان الله تعالى حال المؤمنين مع النبي وََّ، فكما أن دخولهم الدين كان
بدعوته، كذلك لا يكون دخول بيته إلا بدعوته، إرشاداً إلى الأدب معه
واحترامه وتوفير راحته في بيته، ثم تعظيمه بين الناس بالأمر بعد هذه الآيات
بالصلاة والسلام عليه.
ولا يقتصر الأدب معه على الدخول إلى بيته، بل يشمل الخروج منه بعد
انتهاء الحاجة من استفتاء أو تناول طعام، فذلك حق وأدب، ثم ذكر الله أدباً
آخر، وهو طلب شيء من الحوائج من نساء النبي وَّ مع وجود حجاب أو
ستر أو حائل. ومناسبة هذا لما قبله أنه لما منع الله الناس من دخول بيوت النبي
وَل جه، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى استعارة بعض الحوائج، بَيَّن أن ذلك
غير ممنوع منه، وإنما يجب أن يكون السؤال والطلب من وراء حجاب.
٤١٠
الجُزءُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٣-٥٥
التفسير والبيان:
تضمنت هذه الآيات آداباً عامة في الدخول إلى البيوت والخروج منها،
والحجاب وعدم الاختلاط وتحريم إيذاء النبي ◌َّ وزواج نسائه من بعده.
وهي مما وافق الوحي فيها وتنزيلها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
كما ثبت في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت:
يا رسول الله، لو اتخذتَ من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن
مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥/٢]. وقلت: يا رسول الله، إن نساءكَ
يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب. وقلتُ
لأزواج النبي ◌َّهلما تمالأن عليه: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا
مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥/٦٦] نزلت كذلك.
وآية الحجاب هذه - كما ذكر قتادة والواقدي - نزلت في صبيحة عرس
رسول الله وَل بزينب بنت جحش التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان
ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، وقد صُدِّرت الآية بأدب اجتماعي
يدفع الحرج عن النبي، فقال تعالى:
اً - ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
طَعَامِ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَهُ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله ربّاً وبمحمد رسولاً
إياكم أن تدخلوا بيتاً من بيوت النبي ◌َّليه في كل الأحوال إلا في حال كونكم
مصحوبين بالإذن بأن دعيتم إلى وليمة طعام، غير منتظرين وقت نضجه
واستوائه، فإذا تم النضج وتوافر الإعداد فادخلوا حينئذ.
وهذا قوله تعالى:
أَ - ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾
إذا دعاكم الرسول و # فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا تناولتم
٤١١
الُرُ (٢٢) - الأَخْزَالَ: ٣٣ / ٥٣-٥٥
الطعام الذي دعيتم إليه فتفرقوا ولا تمكثوا فيه من أجل تبادل أطراف الحديث
والتحدث في شؤون الدنيا.
وهذا دليل على حظر المؤمنين من دخول منازل النبي ◌َّ بغير إذن، وعدم
ارتقاب نضج الطعام، وعلى حرمة التطفل، وعلى عدم البقاء في البيوت بعد
الأكل، للاشتغال بلهو الحديث بعضهم مع بعض أو مع أهل البيت، فذلك
أمر غير مرغوب فيه، ونوع من الثقل غير محمود؛ لأن أهل البيت بحاجة إلى
التفرغ لتنظيف الأواني والراحة من عناء إعداد الطعام، لذا قال رسول الله
وَالر فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن عقبة بن عامر: ((إياكم والدخول
على النساء)) وعّل تعالى طلب مغادرة البيوت بعد الطعام بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ
كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ فَيَسْتَخِى مِنكُمٌّ وَاللهُ لَا يَسْتَحِىءٌ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي إن
بقاءكم واشتغالكم بالحديث والدخول قبل نضج الطعام كان يؤذي النبي -
وإيذاؤه حرام - ويشق عليه، لمنعه من قضاء بعض حاجته، ولما فيه من
المضايقة لأهل البيت، ولكن كان النبي وَلّ يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة
حيائه وَليّة، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، والله لا يترك بيان الحق وهو
الأمر بالخروج ومنعهم من البقاء والمكث. وهذا أدب عام لا يقتصر على النبي
وَخر، وإنما يشمل سائر المؤمنين. ويحرم اللبث إذا كان فيه إيذاء لصاحب
البيت.
وقد نصت آيات سورة النور [٢٧-٣١] على بيوت المؤمنين وآية الأحزاب
[٥٩] في حجاب نسائهم في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ
ج
وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَيْهِنَّ مِن جَلَبِهِنَّ﴾.
◌َ - ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ أي وَتَعَهُ نهيتكم عن
الدخول إلى بيوت النبي وَل من غير إذن ودون انتظار إدراك الطعام، كذلك
نهيتكم عن النظر إلى زوجات النبي وََّ، فإذا طلبتم منهن شيئاً ينتفع به، من
ماعون وغيره، فاطلبوه من وراء حجاب ساتر، وحائل مانع من النظر.
٤١٢
الجزء (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٣-٥٥
وسبب النهي عن ذلك، والأمر بالحجاب كما قال تعالى:
﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي إن هذا الذي أمرتكم به وشرعته
لكم من الدخول بالإذن، والخروج عقب الطعام دون الاستئناس بالحديث،
والحجاب أطهر وأطيب للنفس، وأبعد عن الريبة والتهمة والفتنة، وأكثر
طمأنينة للقلوب من الهواجس والوساوس الشيطانية.
ولما علَّم الله المؤمنين أدب الدخول إلى البيوت وصون الأذن والعين من
النظر المحرَّم، أكده بما يحملهم على محافظته، فقال:
٤ - ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ
بَعْدِهِةٍ﴾ أي ما صحَّ وما ينبغي لكم أن تكونوا سبباً في إيذاء رسول الله وَلَه
أو تفعلوا فعلاً یضایقه ویکرهه، کالمکث في منزله والاشتغال بالحديث، فکل
ما منعتم عنه مؤذ، فامتنعوا عنه، فإنه ◌َّ حريص على ما فيه إسعادكم
وخيركم في الدنيا والآخرة، ومن أشد أنواع الأذى ومما هو حرام عليكم أن
تتزوجوا أبداً بنسائه بعد مفارقتهن بموت أو طلاق، تعظيماً له، ولأنهن
أمهات المؤمنين، ولأنه ذنب عظيم كما قال تعالى:
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أي إن إيذاء الرسول ◌َّ ونكاح
أزواجه من بعده ذنب عظيم وإثم كبير. وفي هذا تعظيم الأمر، وتشديد فيه
وتوعد عليه، ثم أكد ذلك بالبعد عن الإيذاء في الباطن والظاهر فقال:
﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (®﴾ أي إن
تظهروا شيئاً من الأذى أو تكتموه، فإن الله عليم علماً تاماً دقيقاً به، يعلم ما
تكنّه ضمائركم، وتنطوي عليه سرائركم، ولا تخفى عليه خافية: ﴿يَعْلَمُ خَابِنَةَ
اُلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ
﴾ [غافر: ١٩/٤٠] وهو مجازٍ كل إنسان بحسب
ذلك العلم.
٤١٣
لُ (٢٢) - الأُخْزَانَ: ٣٣ / ٥٣-٥٥
ثم استثنى الله تعالى من حكم حجاب أزواج النبي على الأجانب المحارم
ونساء المؤمنين والأرقاء، فقال:
﴿ لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِىّ ءَابَآِنَّ وَلَّ أَبْنَاِهِنَ وَلَآ إِخْوَنِهِنَّ وَآ أَبْنَاءِ إِخْوَنِنَّ وَلَّ
أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآءِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُنُّ وَتَّقِينَ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ®) أي لا إثم على أزواج النبي ◌َّ في ترك الحجاب
أمام آبائهن وأجدادهن، سواء من جهة النسب أم من جهة الرضاع، أو
أبنائهن من النسب أو الرضاع، أو إخوانهن الأشقاء أو لأب أو لأم، أو أبناء
إخوانهن أوأبناء أخواتهن، أو أمام النساء المؤمنات القريبات أو البعيدات، أو
الأرقاء من الذكور والإناث، إبعاداً للحرج والمشقة في ذلك بسبب الخدمة. ثم
ختمت الآية بما ينبه على زيادة الحذر والتقوى، فقال تعالى فيما معناه:
واخشين الله في السرّ والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه
خافية، فراقبنه، فإنه يجازي على كل عمل من خير أو شر؛ لأنه يعلم علم
شهود وحضور ومعاينة كل شيء، وفي ذلك منتهى التحذير من مخالفة الأوامر
والنواهي.
ونساء المؤمنين كنساء النبي وَ لّ في ذلك، بدليل آية النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَبِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيِّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اُلْطِّهْلِ الَّذِينَ لَمْ
يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ﴾ [٣١].
وأما السبب في عدم ذكر العم والخال في هاتين الآيتين فهو - كما ذكر
عكرمة والشعبي - لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما، أو لأن العم والخال بمنزلة
الوالدين، وقد يسمى العم أباً، كما قال تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَابِكَ
إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣/٢].
٤١٤
لُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٣-٥٥
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات الأحكام التالية:
اً - الأدب في أمر الطعام والجلوس، فلا يجوز دخول بيت النبي وَل إلا
بالإذن، والدخول حرام إلا لأجل الأكل ونحوه، وظاهر الآية حرمة مكث
المدعو بعد تناول الطعام إذا كان ذلك مؤذياً لصاحب البيت.
ودخل في النهي سائر بيوت المؤمنين، فلا يجوز دخولها إلا بإذن عند
الأكل، لا قبله لانتظار الطعام.
اً - يجب التفرق والخروج من البيت والانتشار في أرض الله تعالى بعد
تناول الطعام، وانتهاء المقصود من الأكل ونحوه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ
فَأَنْتَشِرُواْ﴾ والمراد من الأمر: إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من
الأكل، بدليل أن الدخول من غير إذن حرام، وإنما جاز لأجل الأكل، فإذا
انقضى الأكل زال السبب المبيح، وعاد التحريم إلى أصله.
◌َّ - قوله تعالى: ﴿بُوَتَ النَّبِّ﴾ دليل على أن البيت للرجل، ويحكم له به،
فإن الله تعالى أضافه إليه إضافة ملك. وأما الإضافة في قوله تعالى: ﴿ وَأَذْكُرْنَ
مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤/٣٣] فهي إضافة محل، بدليل أنه جعل
فيها الإذن للنبي ◌َّ، والإذن إنما يكون للمالك.
وأما سكنى نساء النبي ګ في بيوته في حياته وبعد موته من غير تملك، فهو
حق لهن على الصحيح؛ فإن ذلك من مؤونتهن التي كان رسول الله وَالتى
استئناها لهن، كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال فيما رواه أحمد والشيخان
وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر وعثمان وغيرهما: ((لا تقتسم ورثتي
ديناراً ولا درهماً، ما تركتُ بعد نفقة أهلي ومؤونة عاملي، فهو صدقة)) ويدل
لذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ورثتهن، ولو كان ذلك ملكاً لهن كان لا
٤١٥
الزُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٣-٥٥
شكَّ قد ورثه عنهن ورثتهن، وعدم الإرث دليل على أنها لم تكن ملكاً لهن،
وإنما كان لهن سكنى حياتهن، فلما تَوقَّين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي
يعمّ المسلمين نفعه، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول
الله وََّ، فزيد إلى أصل المال، فصرف في منافع المسلمين مما يعمّ جميعَهم نفعُه.
٤ - قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ﴾ خصَّ وقت الدخول بأن
يكون عند الإذن على جهة الأدب، قال ابن العربي: وتقدير الكلام: ولكن إذا
دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذناً كافياً
في الدخول(١).
٥ - في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ﴾ دليل آخر في غير إلزام الخروج
بعد انتهاء الأكل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف، لا على ملك نفسه؛
لأنه قال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنتَشِرُواْ﴾ فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف
إليه سواه، وبقي الملك على أصله.
أَ - قوله تعالى: ﴿ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ دليل على أن المكث في المنزل بعد
الطعام للاستئناس بالحديث أمر غير مرغوب فيه، وأدب يجب التزامه.
لاً - وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا يمتنع من بيانه
وإظهاره دليل على ألا حياء في معرفة أحكام الدين وبيان الشرع. جاء في
الصحيح عن أم سلمة قالت: جاءت أم سُليم إلى النبي ◌َّ فقالت: يا رسول
الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غُسل إذا احتلمت؟ فقال
رسول الله وَالّ: ((إذا رأت الماءَ)).
٨ - ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا﴾ الصواب في المتاع كما قال القرطبي: أنه عام
في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا.
(١) أحكام القرآن: ١٥٦٥/٣
٤١٦
للزُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣/ ٥٣-٥٥
١ - ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن
في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تَعْرِض، أو مسألة يستفتين فيها،
ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، فلا يجوز كشف شيء من جسدها إلا
لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعيَّن
كون الجواب عندها. قال القاضي عياض: فرض الحجاب بما اختصصن به،
فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في
شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه
ضرورة.
• اَ - استدل بعض العلماء من الأخذ عن أزواج النبي ◌َّ من وراء حجاب
على جواز شهادة الأعمى، وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته بكلامها، وهو
رأي المالكية والحنابلة في قبول شهادته، ولا تقبل شهادته في رأي الحنفية
والشافعية.
راً - إن الحجاب وسيلة ناجعة في طهارة القلب من هواجس السوء
وخواطر المعصية، سواء بالنسبة إلى الرجال أو النساء، فذلك أنفى للريبة،
وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية والتحصن. وهذا يدلّ على أنه لا ينبغي لأحد
أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له؛ فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله،
وأحصن لنفسه، وأتم لعصمته.
١٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ دليل على
تعليل الأحكام، ثم إن بيان العلة وتأكيد إيرادها يقوي دلالة الأحكام الشرعية
على المطلوب. وذكر النبي بوصف الرسالة هنا مشعر بتوبيخ من تحدثهم
نفوسهم بإذايته إذ ذلك يكون كفراناً بنعمة الرسالة الواجب شكرانها.
١٣ - يحرم التزوج بنساء النبي ◌َّر بعد مفارقتهن بطلاق أو موت، تعظيماً
للنبي، ولكونهن أمهات المؤمنين، والمسلم لا يتزوج أمه.
٤١٧
الجُ (٢٢) - الأَخْزَانُ: ٣٣ / ٥٣-٥٥
واختلف العلماء في وجوب العدة عليهن بالموت، فقيل: عليهن العدة؛
لأن العدة عبادة، وقيل: لا عدة عليهن؛ لأنها مدة تربّص (انتظار) لا ينتظر
بها إباحة الزواج، قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لقوله ويلي: ((ما تركت بعد
نفقة عيالي)) وروي ((أهلي)) وهذا اسم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة
والسكنى مدة حياتهن؛ لكونهن نساءه، وحرمن على غيره؛ وهذا هو معنى بقاء
النكاح. وإنما جعل الموت في حقه وَ ل 9 لهن بمنزلة المغيب في حق غيره؛ لكونهن
أزواجاً له في الآخرة قطعاً، بخلاف سائر الناس؛ لأن الرجل لا يعلم كونه مع
أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار؛ فبهذا انقطع
السبب في حق الخلق، وبقي في حق النبي وَّ؛ وقد قال رَّ: ((زوجاتي في
الدنيا هن زوجاتي في الآخرة)) وقالله فيما رواه الطبراني والحاكم والبيهقي
عن عمر: ((كل سبب ونسب ينقطع إلا سبي ونسبي، فإنه باق إلى يوم
القيامة)) .
وأما النساء اللاتي فارقهن النبي ◌َّر قبل الدخول، فالصحيح جواز
نكاحهن لغيره، كالكلبية التي تزوجها عكرمة بن أبي جهل، وقيل: تزوجها
الأشعث بن قيس الكندي، وقيل: إنه مهاجر بن أبي أمية.
٤ ١ - إن إيذاء رسول الله وَليل أو نكاح أزواجه من الذنوب الكبائر، ولا
ذنب أعظم منه.
١٥ - الله تعالى عالم بكل ما بدا وما خفي، وما كان وما لم يكن، لا يخفى
عليه ماض انقضى، ولا مستقبل آت، فهو سبحانه يعلم ما يخفيه الإنسان من
المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيه عليها. والتذييل بهذه الآية توبيخ ووعيد
لمن يضمر السوء في مخاطبة أزواج النبي ◌َّه وأزواج المؤمنين أيضاً.
١٦ - استثنى الله تعالى من فرضية الحجاب على أزواج النبي وَلّ الأقارب
المحارم من النسب أو الرضاع، وهم الآباء والأبناء والإخوة وأبناء الإخوة
٤١٨
لُرُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٦-٥٨
وأبناء الأخوات والنساء المؤمنات، وهو رأي ابن عباس ومجاهد، وتكون
إضافتهن إليهن باعتبار أنهن على دينهن، ويكون ذلك دليل احتجاب نساء
النبي ◌ُّ من الكافرات.
ويرى بعضهم أن المراد منهن النساء القريبات، وتكون إضافتهن إليهن
لمزيد اختصاصهن بهن، لما لهن من صلة القرابة، وكذلك الخادمات.
وأيضاً ما ملكت أيمانهن من الذكور والإناث.
٢٧ - توَّج الله تعالى آية الحجاب واستثناء المحارم بالأمر بالتقوى، كأنه
قال: اقتصرن على هذا، واتقين الله فيه أن تتعدينه إلى غيره، وخصَّ النساء
بهذا الأمر وعيّنهن، لقلة تحفظهن وكثرة استرسالهن، ثم توعد تعالى بأنه رقيب
على كل شيء بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ أي إنه يعلم
علم شهود وحضور ومعاينة، فيجازي على ما يكون.
تعظيم النبي
: وجزاء إيذائه وإيذاء المؤمنين
ككل الله
عليه
وَسلم
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَأَعَ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا
٥٧
اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَئًا وَإِنْمَا قُبِينًا
القراءات:
﴿ النَّبِىِّ﴾ :
وقرأ نافع (النبيء).
البلاغة:
﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ إتباع الفعل بالمصدر للتأكيد.
٤١٩
الجُزءُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٦-٥٨
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ محمد نَّهِ، أي يعتنون بإظهار شرفه
وتعظيم شأنه. والصلاة في اللغة: الدعاء، يقال: صلى عليه، أي دعا له. وهي
من الله: الرحمة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة:
دعاء وتعظيم للنبي وَلِّ (صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي اعتنوا أنتم أيضاً
بالصلاة عليه، فإنكم أولى بذلك، وقولوا: اللهم صلِّ وسلم على محمد.
والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة، وتجوز الصلاة على
غيره تبعاً له، وتكره استقلالاً؛ لأنه في العرف صار شعاراً لذكر الرسل، كما
ذكر البيضاوي والشوكاني وغيرهما، فلا يقال: صلى الله على فلان، أو فلان
عليه السلام، وقد اتفق العلماء على أن الصلاة على رسول الله وَ ر فرض على
كل مسلم، وأقلها في العمر مرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي
وهم الكفار يصفون الله بما هو منزه عنه من الولد والشريك، ويكذبون رسوله
وَه ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدهم وطردهم من رحمته. ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ ذا إهانة وغاية
في الإهانة مع الإيلام، وهو النار. ﴿بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ يرمونهم بغير جناية
استحقوا بها الإيذاء، أو بغير ما عملوا. ﴿أَحْتَمَلُواْ بُهْتَئًا﴾ تحملوا كذباً.
﴿وَإِثْمَّا مُبِينًا﴾ أي ذنباً ظاهراً واضحاً.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٧):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية قال: نزلت في الذين طعنوا النبي ◌َّ حين
اتخذ صفية بنت حُيَيّ زوجة له. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس:
أنزلت في عبد الله بن أبيّ وناسٍ معه قذفوا عائشة، فخطب النبي وَّر وقال:
((من يعذرني من رجل يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني)) ، فنزلت.
٤٢٠
الجُزءُ (٢٢) - الأُخْزَا: ٣٣ / ٥٦-٥٨
وروي أنها نزلت في منافقين يؤذون علياً رضي الله عنه، وقيل: في أهل
الإفك كما تقدم، وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
نزول الآية (٥٨):
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن أبي
وناس معه قذفوا عائشة رضي الله عنها، فخطب النبي ◌َّ وقال: ((من يَعْذِرني
من رجل يؤذيني، ويجمع في بيته من يؤذيني)) .
وقيل: نزلت في أناس من المنافقين كانوا يؤذون علي بن أبي طالب. وقيل:
نزلت فيمن آذى عمر لضربه جارية من الأنصار متبرجة. وقال جماعة: نزلت
في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل
لقضاء حوائجهن.
المناسبة:
بعد أن أمر الله المؤمنين بالاستئذان وعدم النظر إلى وجوه نسائه احتراماً،
أكمل ذلك ببيان مكانة النبي صلو في الملأ الأعلى، وما يجب له من احترام في
الملأ الأدنى، ثم أردفه بتبيين أضداد الاحترام، فنهى عن إيذاء الله، بمخالفة
أوامره وارتكاب معاصيه، وعن إيذاء رسوله وَله بالطعن فيه أو في أهل بيته،
أو بنسبة عيب أو نقص فيه.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىَّ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ
وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾﴾ أي إن الله يصلي على نبيه بالرحمة والرضوان، والملائكة
تدعو له بالمغفرة ورفعة الشأن، لذا فأنتم أيها المؤمنون بالله ورسوله قولوا:
اللهم صلّ وسلم على محمد، أي ادعوا له بالرحمة ومزيد الشرف والدرجة
العليا. ويلاحظ الاهتمام بالحكم من طريق مجيء الخبر مؤكداً بـ ((إنَّ)) والإتيان