Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ لُُ (٢٢) - الأَجْزَانُ: ٣٣ /٣٦-٤٠ ليس بأب شرعي لزيد، وليس زيد ابناً له، حتى تحرم عليه حليلته، ولكنه أبو . أمّته في التبجيل والتعظيم، وأن نساءه عليهم حرام. فأذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم، واعتراضهم بقولهم: تزوج النبي امرأة ابنه؛ وأعلم أن محمداً لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة. ولم يقصد بهذه الآية أن النبي ◌ّ لم يكن له ولد، فقد ولد له ذكور كما تقدم: إبراهيم، والقاسم، والطيب، والمطهّر، ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلاً. وأما الحسن والحسين فكانا طفلين، ولم يكونا رجلين معاصرين له. ١٢ - الحقيقة أن محمداً وهل كان رسول الله، وخاتم النبيين، وقوله ﴿وَخَاتَمَ﴾ بفتح التاء، بمعنى أنهم به ختموا، فهو كالخاتمَ والطابَع لهم، وبكسر التاء: بمعنى أنه ختمهم، أي جاء آخرهم. وهذا دليل قاطع على أنه لا نبي ولا رسول بعده وَّر، وفيه وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله وَ له من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منها ما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن جابر قال: قال رسول الله رَّه : ((مَثَلي ومَثَل الأنبياء كمَثَل رجل بنى داراً فأتمها وأكملها إلا موضع لَبِنَة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضِعُ اللَِّنَة، فأنا موضع اللَّبِنَة حيث جئت، فختمتُ الأنبياء)) ونحوه عن أبي هريرة، غير أنه قال: ((فأنا اللَِّنَة وأنا خاتم النبيين)). ومنها ما أخرجه الصحيحان عن جبير بن مُظْعِم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله بَّه يقول: ((إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)). ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ل: ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي)) ٣٦٢ الُ (٢٢) - الأَجْزَالَ: ٣٣ /٤١-٤٤ فشقّ ذلك على الناس، فقال: ((ولكن المبشِّرات)) قالوا: يا رسول الله، وما المبشِّرات؟ قال: ((رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة)). وروي عن النبي وَّ أنه قال: ((لا نبوة بعدي إلا ما شاء الله)) قال ابن عبد البر: يعني الرؤيا - والله أعلم - التي هي جزء منها؛ كما قال القر: (ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)). وإتمام النبوات مشابه لإتمام الأخلاق، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وهذا كله ردِّ قاطع على المتنبئين كالأسود العَنْسي باليمن، ومُسَيْلمة الكذَّاب باليمامة، وسَجَاح، وغيرهم من أدعياء النبوة الأفاكين، كما قال تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِمٍ تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ٢٢ [الشعراء: ٢٢١/٢٦-٢٢٢]. تعظيم الله تعالى وإجلاله بالأذكار والتسابيح الكثيرة ٤٢ وَسَبِّحُوهُ بَكْرَةً وَأَصِيلًا ٤١ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا هُوَ اُلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَمِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ ◌َحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَمٌ وَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(٣) ٤٤ البلاغة: (بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أي في أغلب الأوقات، ويشمل مختلف أنواع ٣٦٣ المُعُ (٢٢) - الأَخْزَان: ٣٣ /٤١-٤٤ التقديس والتمجيد والتهليل والتحميد ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكَةُ وَأَصِيلًا (13)﴾ أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ أي بالرحمة ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ﴾ بالاستغفار لكم، والاهتمام بما يصلحكم، والمراد بالصلاة المشتركة بين الله وملائكته: هو العناية بصلاح أمركم، وظهور شرفكم ورفعة شأنكم ﴿لِيُخْرِحَكُ﴾ ليديم إخراجه إياكم ﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ أي كان الله وما يزال رحيماً بعباده المؤمنين، حتى اعتنى بصلاح أمرهم ورفع قدرهم وهو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة ﴿يَحِيَّتُهُمْ﴾ أي تحية الله للمؤمنين بلسان الملائكة هي السلام، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي يُحَيَّون ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يوم لقائه عند الموت أو الخروج من القبر، أو دخول الجنة ﴿سَلَمٌ﴾ إخبار بالسلامة من كل مكروه وآفة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ هي الجنة. سبب النزول: نزول الآية (٤٣): ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّ﴾: أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ . اللَّهَ وَمَتِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦/٣٣] قال أبو بكر رضي الله . عنه: يا رسول الله، ما أنزل الله تعالى عليك خيراً إلا أُشركنا فيه، فنزلت: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتِكَتُهُ﴾. المناسبة: بعد بيان ما ينبغي أن يكون عليه النبي ◌َّر مع الله وهو التقوى والإخلاص، وما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وأقاربه بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا ٣٦٤ لُعُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ /٤١-٤٤ التَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ وهو تحقيق الحرية والاستقرار الزوجي، أمر الله تعالى عباده المؤمنين بما أمر به أنبياءه المرسلين من تعظيم الله وإجلاله بذكره وتسبيحه في أغلب الأوقات ومختلف أنواع الطاعات، بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾﴾ ليحقق لهم أجزل الثواب ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بكثرة ذكر ربهم تبارك وتعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم، لينالوا جزيل الثواب وجميل المآب، فيقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿ وَسَبِّحُوهُ بَكْرَةً وَأَصِيلًا ٤٢ أي يا أيها الذين أيقنوا وصدقوا بالله ورسوله اذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم ذكراً كثيراً، يملأ عليكم مشاعركم، في جميع الأحوال، ويحقق في نفوسكم خشية ربكم، ونزهوه عن كل ما لا يليق به أول النهار وآخره، أي في غالب الأوقات؛ لأن بداية الشيء ونهايته تشمل وسطه أيضاً بحكم الاستمرار، قال الزمخشري في تفسير ﴿بَّكَةُ وَأَصِيلًا﴾ أي في كافة الأوقات. وإنما ذكر هذان الوقتان لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار. قال رسول الله اص ليه فيما رواه الدارقطني: ((اسم الله على فم كل مسلم)) وروي ((في قلب كل مسلم)) وعن قتادة: «قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) . وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َ: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم،، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ◌َله: ذكر الله عز وجل)). ٣٦٥ الُرُ (٢٢) - الأَخْزَارَ: ٣٣ / ٤١-٤٤ ونظير الآية في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١/٣]. وقرن التسبيح بالذكر معناه: إذا ذكرتم الله تعالى، فينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء، وهو المراد بالتسبيح. ثم حرَّض تعالى على الذكر والتسبيح وأبان سببه فقال: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾﴾ أي إن الله ربكم الذي تذكرونه وتسبحونه هو الذي يرحمكم، وملائكته تستغفر لكم، وهو بهذه الرحمة يريد هدايتكم وإخراجكم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الحق والهدى والإيمان، وكان ربكم وما يزال رحيماً تام الرحمة بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصّرهم الطريق الذي حاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم، وأما في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته أن يتلقوهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم. ومن مظاهر رحمته تعالى ما ورد في صحيح الإمام البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله وم لو رأى امرأة من السبي قد أخذت صبياً لها، فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله وَاليه : ((أتْرَون هذه تُلْقي ولدها في النار، وهي تقدر على ذلك؟ قالوا: لا، قال رسول الله وَالر: فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها)). ثم ذكر تعالى دليل رحمته الشامل في الآخرة وعنايته فيها بعد بيان عنايته في الدنيا، فقال : ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ وَأَعَدٌّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا تحيتهم من الله تعالى ٤٤ ٣٦٦ الجُزءُ (٢٢) - الأَجْزَا: ٣٣ / ٤١-٤٤ بواسطة ملائكته يوم لقائه في الآخرة هو السلام، كما قال تعالى: ﴿سَلَمٌ قَوْلًا ﴾ [يس: ٥٨/٣٦] وقال عز وجل: ﴿وَاُلْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم ٥٨ مِّن رَّبِّ زَّحِيمٍ [الرعد: ١٣/ ٢٣ - ٢٤]. مِّنْ كُلّ بَابٍ ، سَلَمُ عَلَيْكُ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ النَّارِ وهيَّأ لهم ثواباً حسناً في الآخرة وهو الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والملاذّ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - الحض على ذكر الله وشكره على نعمه، وتسبيحه في معظم الأحوال بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، دون تقدير بقدر معين أو تحديد بحدّ، ليسهل الأمر على العبد، وليعظم الأجر فيه. روى أحمد وأبو يعلى وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّر: ((أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون)). أَ - إسباغ الرحمة الإلهية على المؤمنين وتسخير الملائكة للاستغفار لهم، بقصد هدايتهم وإخراجهم من ظلمة الكفر والجهل إلى نور الهدى واليقين. والصلاة من الله على العبد: هي رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٤٠/ ٧] . قال ابن عباس: لما نزل ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦/٣٣] قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصَّة، وليس لنا فيه شيء؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّىِ عَلَيْكُمْ﴾. وقال القرطبي: وهذه نعمة من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم؛ ودليل على فضلها على سائر الأمم، وقد قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠/٣]. ٣٦٧ الُُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ /٤١-٤٤ ذكر النحاس حديثاً: أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أيُصلّي ربُّك جلَّ وعزَّ؟ فأعظم ذلك؛ فأوحى الله جل وعز: ((إن صلاتي بأن رحمتي سبقت غضبي)) . ٣ - قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ أي من الضلالة إلى الهدى: معناه التثبيت على الهداية؛ لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية. وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ إخبار برحمته تعالى للمؤمنين وتأنيس لهم، فهو يرحمهم في الدنيا بهدايتهم إلى الحق، ويؤمنهم من عذاب الله يوم القيامة، وتكون تحية الله لهم يوم القيامة بعد دخول الجنة: سلام، أي سلامة من عذاب الله، وقيل: عند الموت وقبض الروح. قال ابن كثير: الظاهر أن المراد - والله أعلم - تحيتهم، أي من الله تعالى يوم يلقونه: سلام، أي يوم يسلم عليهم، كما قال عز وجل: ﴿سَلَمُ قَوْلاً مِّن ﴾ ﴾ [يس: ٥٨/٣٦]. وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضاً ٥٨ زٍَّ زَّحِيمٍ بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. وكذا قال القرطبي: ﴿يَحِيَّتُهُمْ﴾ أي تحية بعضهم لبعض، ويؤيده قوله تعالى: ﴿دَعْوَنهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ الَّهُمَّ وَتَحِيَُّهُمْ فِيَهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍّ [يونس: ١٠/١٠]. ١٠ اَلْعَلَمِينَ ٣٦٨ الجُ. (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ صَلىالله وَسَّلم مهام دعوة النبي وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ٤٥ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴿ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا () وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ ٤٨ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِذَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَسَرِّجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ٤٩ القراءات: ﴿ النَّبِىُّ إِنَّا﴾: وقرأ نافع (النبيء إنا) مع تسهيل الهمزة الثانية، وإبدالها واواً خالصة وصلاً. ﴿أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (أن تُمَاسُوهُنَّ). الإعراب: ﴿شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا تُنِيرًا (®]) كلها منصوبات على الحال. وقوله: ﴿وَسِرَاجًا﴾ أي وذا سراج؛ لأن الحال لا يكون إلا وصفاً للفاعل أو المفعول، والسراج ليس وصفاً؛ لأن النبي ◌َّ- لم يكن سراجاً حقيقة. البلاغة: ﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، أي أنت يا محمد كالسراج المضيء في الهداية والإرشاد. ٠ ٣٦٩ لِلُ (٢٢) - الأَخْتَابَِّ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾ توافق الفواصل. وكذا أيضاً ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ المفردات اللغوية: ﴿شَهِدًا﴾ على من أرسلت إليهم بتصديقهم وتكذيبهم ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ من صدَّقك وأطاعك بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ من كذبك وعصاك بالنار ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى الإقرار به وبتوحيده وما يجب الإيمان به من صفاته وإلى طاعته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره وأمره ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي كالسراج الوضاء يستضاء به، ويكون مثله في الاهتداء به ﴿فَضْلاً كَبِيرًا﴾ على سائر الأمم في الدنيا، وأجراً واسعاً على أعمالهم في جنات النعيم. ﴿ وَلَا نُطِعِ اَلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك، والمراد به التهييج والإثارة له على ما هو عليه من مخالفتهم، تحقيقاً لاستقلال الذات وصون الشريعة من الاختلاط. ويحتمل كون المراد به: الدوام والثبات على ما كان عليه ﴿وَدَعْ أَذَئُهُمْ﴾ أي اترك إلحاق الأذى والضرر بهم، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله في باطنهم . ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فوض أمرك إليه، فهو كافيك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مفوضاً إليه الأمر في الأحوال كلها. ﴿نَكَحْتُمُ﴾ النكاح هنا العقد ﴿أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي تجامعوهن، ويعبر عن الجماع في القرآن أدباً بالمس والملامسة والقربان والتغشي والإتيان ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ أي ليس عليهن انتظار أيام أو أقراء تستوفون عددها، يمتنعن فيها عن الزواج بآخرين، فالعدة: الشيء المعدود ﴿ فَمَتِعُوهُنَّ﴾ أعطوهن ما يستمتعن به، والمتعة سنة للمفروض لها المهر، وواجب لمن لم يفرض لها مهر وهي المفوضة في رأي الحنابلة والحنفية، وسنة فقط في غير المفوضة عند الجمهور، وواجبة لكل مطلَّقة عند الشافعية، إلا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، فإنه يكتفى لها بنصف المهر، وتكون المتعة سنة ٣٧٠ اِلُرُ (٢٢) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /٤٥-٤٩ مستحبة لها، وهي كسوة شاملة أو ثلاثون درهماً ﴿ وَسَرِّجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي خلّوا سبيلهن من غير إضرار ولا إيذاء؛ إذ ليس لكم عليهن عدة. سبب النزول: نزول الآية (٤٧): ﴿ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا : لما نزل ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢/٤٨] قال رجال من المؤمنين: هنيئاً لك يا رسول الله، قد علمنا بما يُفعل بك، فماذا يُفعل بنا، فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ﴾ [الفتح: ٥/٤٨]. وأنزل في سورة الأحزاب ﴿ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ١٤٧ وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت: ﴿وَمَاّ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩/٤٦] نزلت بعدها: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَّا نَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢/٤٨] فقالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يُفْعل بك، فماذا يُفْعَل بنا؟ فنزل: ﴿وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا 43 ﴾ قال: الفضل الكبير: الجنة. وأخرجه أيضاً ابن جرير وعكرمة عن الحسن البصري. المناسبة: موضوع السورة متعلق بآداب النبي ◌َّلّ، فبعد أن أمره الله تعالى بما ينبغي أن يكون عليه مع ربه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١/٣٣] وما ينبغي أن يكون عليه مع أزواجه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ أمره بما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق بقوله: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ﴾. وكلما ذكر الله تعالى أدباً أو مكرمة للنبي ◌ّلهم، ذكر للمؤمنين ما يناسبه، ففي مقابل أمر النبي ◌َّ بالتقوى، أمر المؤمنين بالذكر: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ٣٧١ الُ (٢٢) - الأَجْزَانُ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ﴾ وفي مقابل أدب الزوجات ذكر ما يتعلق بأزواج المؤمنين، ثم في الآيات التالية ذكر تعالى في مقابل بيان مهام النبي ◌َّ أدب المؤمنين مع النبي وَه بقوله: ﴿يَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِ﴾ [الأحزاب: ٥٣/٣٣] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦/٣٣]. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى في هذه الآيات سبع مهام للنبي وَّ، فقال: ١- ٣: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥) أي يا أيها الرسول المنزل عليه الوحي، إنا بعثناك شاهداً على من أرسلت إليهم بتصديقك وتكذيبك، واتباع هداك ومخالفتك، أي متحملاً للشهادة في الدنيا، ومؤدياً لما تحمَّلته في الآخرة أمام ربك، وأرسلناك لتبشير من أطاعك بالجنة، ولإنذار من عصاك بالنار، فهذه ثلاث مهام من مهمات الدعوة المكلّف بتبليغها إلى البشر كافة. ونظير الآية في الشهادة قوله تعالى: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣/٢]. روى الإمام أحمد والبخاري وابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله وَّر في التوراة، قال: ((أجَل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعيناً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً)). ٤- ٥: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٣) أي وداعياً الخَلْق إلى عبادة ربهم، وطاعته ومراقبته سراً وعلانية، بأمره إياه، والإقرار به، والإيمان ٣٧٢ الزُعُ (٢٢) - الأَجْزَا: ٣٣ / ٤٥-٤٩ بما يجب له من صفات الكمال، وجعلناك ذا سراج أو كالسراج الوضاء الذي يستضاء به في الظلمات، ليهتدي بك الناس، ويستنيروا بشرعك في تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة. فقوله ﴿ بِإِذْنِهِ﴾ معناه: بأمره إياك، وتقديره ذلك في وقته وأوانه، ﴿وَسِرَاجًا﴾ معناه: ذا سراج، أو يكون كقول القائل: ((رأيته أسداً)) أي شجاعاً، فيكون قوله: ﴿وَسِرَاجًا﴾ أي هادياً مبيناً كالسراج، يُري الطريق ويبين الأمر، ويهدي الناس إلى الحق وإلى صراط مستقيم. ومقتضى تشبيه النبي ◌َّه بالسراج أن دينه أو أمره يكون ظاهراً واضح الحجة والبرهان، لا تعقيد فيه ولا التواء، ولا خفايا فيه ولا أستار. وإنما شبّه بالسراج لا بالشمس التي هي أشد إضاءة من السراج؛ لأن ضوء الشمس يبهر العين، وأما ضوء السراج فترتاح له الأعين. ووصف السراج بالإنارة؛ لأن بعض السرج لا يضيء لضعفه ودقة فتيلته. أي أعلن البشارة ٤٧ ٦ - ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا لكل من آمن برسالتك وأطاع شرعك بأن لهم فضلاً كبيراً على سائر الأمم، وأجراً عظيماً لا يوصف في الدار الآخرة، وبعد البشارة أتى بالإنذار، فقال: ٧ - ﴿ وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنَهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ وَكَفَى ، أي لا تطع هؤلاء الذين كفروا برسالتك، أو نافقوا بِاللَّهِ وَكِيلًا هَا﴾ فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولا تسمع منهم اعتراضاً أو نقداً في أمر الدعوة، ولا تأبه بهم، وبلِّغ رسالة ربك إلى الناس قاطبة، ودع عنك أذاهم، واصفح عنهم، وتجاوز عن سيئاتهم، وامض لما أمَرك به ربك، وفوِّض أمرك إلى الله تعالى في كل ما تعمل وتذر، وثق به، فإن فيه كفاية لهم، وهو حافظك وراعيك، وكفى بالله كافياً عبده. والوكيل: الحافظ القائم على الأمر. وفي هذا الكلام القوي وعد بالنصر. ٣٧٣ لِلُعُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ /٤٥-٤٩ وبعد بيان مهمات النبي ◌َّ، عاد الكلام إلى قضايا الأزواج، فلما ذكر تعالى قصة زيد وزينب وتطليقه إياها، وكانت مدخولاً بها، واعتدت، وخطبها الرسول وَ﴿ بعد انقضاء عدتها، بيَّن حال من طلقت قبل الدخول (المسيس) وأنها لا عدة عليها، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُوَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنَ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤) أي يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إذا عقدتم عقد النكاح على النساء المؤمنات، ثم أوقعتم الطلاق عليهن من قبل الدخول بهن، فلا عِدَّة لكم عليهن بأيام تستوفون عددها، ولكن قدموا لهن بعد الطلاق تطبيباً لخاطرهن متعة وهي كسوة تليق بكم وبهن بحسب الزمان والمكان، وطلقوهن طلاقاً لا ضرر فيه؛ إذ ليس لكم عليهن عدة. والجمال في التسريح: ألا يطالبها بما آتاها. وتخصيص المؤمنات بالذكر في الآية إرشاد إلى أن المؤمن ينبغي أن ينكح المؤمنة، فإنها أشد تحصيناً لدينه. وقوله: ﴿فَمَتِعُوهُنَ﴾ قيل بأنه واجب مختص بالمفوَّضة التي لم يسم لها مهر إذا طلقت قبل الدخول، وقيل: بأنه عام يشمل المفوضة وغيرها، والأمر إما أمر وجوب أو أمر ندب على حسب اختلاف العلماء، فمنهم من قال للوجوب، فيجب مع نصف المهر المتعة أيضاً، ومنهم من قال للاستحباب، فيستحب أن يمتّعها مع الصداق بشيء. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات الأحكام التالية: أولاً - وصف النبي وَّر بسبع صفات أو أسماء، فهو الشاهد على أمته ٣٧٤ لُ (٢٢) - الأَجْزَائ: ٣٣ /٤٥-٤٩ بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم، وهو المبشر للمؤمنين برحمة الله وبالجنة، وهو المنذر للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد، وهو الداعي إلى الله بتبليغ التوحيد والأخذ به ومكافحة الكفرة، وهو نور كالسراج الوضاء بشرعه الذي أرسله الله به، وهو الذي بشر المؤمنين بالفضل الكبير من الله تعالى، وهو ذو شرع مستقل مطالب بألا يطيع الكافرين فيما يشيرون عليه من أنصاف الحلول والمداهنة في الدين والممالأة، لكنه مأمور أيضاً أن يدع أذاهم مجازاة على إذايتهم إياه، فلا يعاقبهم، وإنما يصفح عن زللهم، معتمداً على الله وحده بنصر دينه وحفظه وتأييده وعصمته من الناس. روى ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا دعا رسول الله وسي عليّاً ومعاذاً فقال: ((انطلقا، فبشِّرا ولا تنفرا، 13 ويسِّرا ولا تعسِّرا، فإنه قد نزل علي الليلة آية: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا﴾ - بالجنة - ﴿وَنَذِيرًا﴾ - من النار - ﴿ وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ﴾ - شهادة أن لا إله إلا الله - ﴿بِإِذْنِهِ﴾ - بأمره - ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ بالقرآن)). ثانياً - قال القرطبي (١): هذه الآية فيها تأنيس للنبي وَّل وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم. وهذه الآية تضمنت من أسمائه و له ستة أسماء، ولنبينا وعَل أسماء كثيرة وسمات جليلة، ورد ذكرها في الكتاب والسنة والكتب المتقدمة، وقد سماه الله في كتابه محمداً وأحمد. وقال ◌َله فيما روى عنه الثقات العدول عند الطبراني عن جابر: ((لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)). وفي صحيح مسلم من (١) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٠٠ ٣٧٥ الُ (٢٢) - الأَجْزَا: ٣٣ / ٤٥-٤٩ حديث جبير بن مُطْعِم: وقد سماه الله (رؤوفاً رحيماً). وفيه أيضاً عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله وَ ل﴿ يسمِّي لنا نفسه أسماء، فيقول: ((أنا محمد وأحمد، والمقَفِّي (أي إنه آخر الأنبياء)، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة)) وذكر القاضي ابن العربي في أحكامه (١٥٣٤/٣) بمناسبة هذه الآية سبعاً وستين اسماً للنبي وَّر هي: الرسول، المرسَل، النبي، الأمي، الشهيد، المصدِّق، النور، المسلم، البشير، المبشِّر، النذير، المنذر، المبين، الأمين(١)، العبد، الداعي، السراج المنير، الإمام، الذِّكْر، المذكِّر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيب، الكريم، المحلِّل، المحرِّم، الواضع، الرافع، المخبر، خاتم النبيين، ثاني اثنين، منصور، أذُن خير، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، مزمّل، مدثّر، العليّ، الحكيم، المؤمن، المصدِّق(٢)، الرؤوف، الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفَّع، المتوكل، محمد، أحمد، الماحي، الحاشر، المقفي، العاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة، عبد الله، نبي الحرمين. ذكر ذلك أهل ما وراء النهر. فالرسول: الذي تتابع خبره عن الله، وهو المرسَل من ربه، والمرسِل غيره لتبليغ الشرائع إلى الناس مشافهة، والنبيء مهموز من النبأ وهو الخبر، وغير مهموز من النَّبْوة: وهو المرتفع من الأرض، فهو مخبر عن الله، رفيع القدر عنده، والأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، والشهيد: لشهادته على الخلق في الدنيا والآخرة، والمصدّق بجميع الأنبياء قبله، وصدّق ربه بقوله، وصدق قوله بفعله، والمنور: الذي نور الله به الأفئدة بالإيمان والعلم، وبدَّد ظلمات (١) مكرر مع ما بعده (أمين) ويكون النبيء والنبي اسمين. (٢) مكرر مع ما قبله، ويكون المرسَل والمرسِل اسمين. ٣٧٦ الجُرُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٤٥-٤٩ الكفر والجهل، والمسلم: خير المسلمين وأولهم، والبشير: الذي أخبر الخلق بثوابهم إن أطاعوا وبعقابهم إن عصوا، والنذير والمنذر: المخبر عما يُخاف ويُحذر، والمبين: الذي أبان عن ربه الوحي والدين وأظهر الآيات والمعجزات، والأمين: الذي حفظ ما أُوحي إليه وما وظف به، والعبد: الذي ذلّ لله خلقاً وعبادة، والداعي الخَلْقَ إلى الحق وترك الضلال، والسراج: النور الذي يبصر به الخَلْقُ الرشد، والمنير: المنور، والإمام: المقتدى به المرجوع إلى قوله وفعله، والذِّكر: الشريف في نفسه، المشرِّف غيره، والمذكِّر: الذي يخلق الله على يديه الذّكر، أي تذكر الله، والهادي: الذي أبان النجدين، أي طريقي الخير والشر، والمهاجر: لأنه هجر ما نهى الله عنه، وهجر أهله ووطنه، والعامل: لأنه قام بطاعة ربه، ووافق فعلُه قولَه واعتقاده، والمبارك: الذي جعل الله في حاله زيادة الثواب، وفي حال أصحابه فضائل الأعمال، وفي أمته زيادة العدد على جميع الأمم، والرحمة: الذي رحم الله به العالمين في الدنيا من العذاب الشامل، وفي الآخرة بتعجيل الحساب، والآمر والناهي: المبلِّغ الأمر والنهي، والطيب: فلا أطيب منه، لسلامته عن خَبَث القلب وخبث القول وخبث الفعل. والكريم: الجواد على التمام والكمال، والمحلِّل والمحرِّم: مبيِّن الحلال والحرام، والواضع والرافع: الذي وضع الله به قوماً ورفع آخرين، والمخبر: النبيء، وخاتم النبيين: آخرهم، وثاني اثنين: أحد اثنين والآخر أبو بكر في غار جبل ثور، والمنصور: المعاد من قِبَل الله بالعزة والظهور على الأعداء، وأُذُن خير: لا يعي من الأصوات إلا خيراً ولا يسمع إلا الأحسن، والمصطفى: المخبر عنه بأنه صَفْوة الخلق، والأمين كما تقدم: المؤتمن على المعاني، والمأمون: الذي لا يُخاف من جهته شرّ، وقاسم: يقسم الزكوات والأخماس وسائر الأموال بين الناس، ونقيب: يتولى الأمور، ويحفظ الأخبار، وقد وصف نفسه للأنصار بذلك فقال: أنا نقيبكم، والمزمِّل: المتلفف بثيابه، والمدثر: المتغشّي بثيابه، والعلي: الرفيع القدر والمكان، الشريف الشأن، والحكيم: العامل بما علم، والمؤمن: ٣٧٧ الُعُ (٢٢) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ المصدِّق لربه اعتقاداً وفعلاً، والرؤوف الرحيم: لما أعطاه الله من الشفقة على الناس، والصاحب: الذي كان مع أتباعه حسن المعاملة، عظيم الوفاء، والشفيع المشفَّع: الراغب إلى الله في أمر الخلق بتعجيل الحساب، وإسقاط العذاب وتخفيفه، والمتوكل: الملقي مقاليد الأمور إلى الله علماً وعملاً، والمقفّي: العابد، ونبي التوبة: لأنه تاب الله على أمته بالقول والاعتقاد، دون تكليف بقتل أو إصر، ونبي الرحمة: المشفق على الناس، ونبي الملحمة: المبعوث بحرب الأعداء والنصر عليهم. ثالثاً - يرى مجاهد أن الأمر بالعفو والصفح عن الكافرين في قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَنْهُمْ﴾ منسوخ بآية السيف. رابعاً - في آية ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ أحكام كثيرة منها: اً - المرأة المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها بنص الكتاب وإجماع الأمة على ذلك، فإن دخل بها فعليها العدّة إجماعاً. والمشهور عند الفقهاء أر العدّة ليست خالص حق العبد، وإنما يتعلق بها حق الله وحق العبد معاً؛ لأن منع الفساد باختلاط الأنساب من حق الشارع أيضاً، ولا تسقط العدة إذا أسقطها المطلِّق؛ لأن الشرع أثبتها. والعدة شرعاً: المدة التى تنتظر فيها المرأة لمعرفة براءة رحمهامن الحمل، أو للتعبد، أو للتفجع علی زوج مات. أَ - إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اتفق العلماء على أن المراد بالنكاح هنا العقد، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد. والنكاح في الأصل حقيقة في الوطء، لكن من أدب القرآن الكناية عن الوطء أو الجماع بلفظ: الملامسة والمماسّة والقربان والتغشّي والإتيان. وسمي العقد نكاحاً من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثماً؛ لأنه سبب في اقتراف الإثم. ٣٧٨ الجُزءُ (٢٢) - الأجْزَانَ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ ◌َّ - إباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها، وهذه الآية مخصّصة لقوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨/٢] ولقوله تعالى: ﴿ وَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمُ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُر [الطلاق: ٤/٦٥]. ٤ - قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَتِ﴾ خرج مخرج الغالب من حال المؤمنين أنهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات، ولكن لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في إباحة الزواج بالاتفاق. ٥ - استدل جمهور العلماء منهم الشافعي وأحمد بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ اُلْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ بمهلة ﴿ثُمَّ﴾ على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، ولا طلاق قبل النكاح، فمن طلق المرأة قبل نكاحها وإن عيَّنها، فلا يلزمه، فمن قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق، لا يعدّ طلاقاً، فإذا تزوج لم تطلق زوجته حينئذ، سواء خصّ أو عمّ، وسواء أنجز أو علّق. وسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: هو ليس بشيء، فقيل له: إن ابن مسعود كان يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال، لقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلَّقْتُم المؤمناتِ، ثم نكحتُموهن) ولكن إنما قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وروى ابن ماجه عن علي والمِسْوَر بن ◌َخْرمة رضي الله عنهما عن رسول الله وَ ل أنه قال: ((لا طلاق قبل النكاح)). وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَ له: ((لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك)). ٣٧٩ الجُزءُ (٢٢) - الأَخْزَان: ٣٣ / ٤٥-٤٩ وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا فرق بين من خص أو عم؛ لأن الطلاق يقع في الملك، فإن عمّ، فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، تطلق منه، وهذا تعليق معنوي للطلاق على الملك، ومثله التعليق اللفظي: ((إن تزوجت فلانة فهي طالق))(١). أما تنجيز الطلاق على الأجنبية فلا يقع؛ لأن الطلاق الناجز لا يقع في غير الملك بالاتفاق. وقال مالك رحمه الله: إن عمَّ لم يقع؛ لأنه ضيق على نفسه أنواع الزواج، والأمر إذا ضاق اتسع وإن عين امرأة بذاتها أو بقبيلة أو ببلد معين، يلزم ويقع. ٩ - هل الخلوة قبل الدخول بمثابة الجماع؟ يرى الشافعي وأحمد أن الخلوة ليست كالجماع؛ لأن ظاهر التقييد بعدم المس في قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ دليل على الفرق بين الخلوة والجماع؛ والمس كناية عن الجماع، كما بينا، والخلوة لا توجب ما يوجبه الجماع من العدة بعد الطلاق. ويرى الحنفية والمالكية أن الخلوة الصحيحة كالجماع توجب العدة؛ لما رواه الدارقطني والجصاص والرازي في أحكام القرآن: ((من كشف خمار امرأة، ونظر إليها، وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل)). وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة، دخل بها أو لم يدخل. والعدة عند الحنفية واجبة بعد الخلوة قضاء وديانة، فلا يحل للمرأة أن (١) أحكام القرآن للجصاص: ٣٦٤/٣ ٣٨٠ الُرُ (٢٢) - الأَجْزَالَ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ تتزوج بزوج آخر قبل أن تعتد، ما دامت الخلوة بالأول كانت صحيحة، ولو من غير وقاع. ومنهم من يقول: إنه يحل لها ذلك متى كان الزوج لم يواقعها، أما في القضاء فلا اعتبار إلا بالظاهر. لاً - استدلّ داود الظاهري بظاهر الآية على أنه لا عدّة على المرأة المدخول بها المطلقة الرجعية أو البائنة بينونة صغرى إذا راجعها زوجها أو عقد عليها قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها قبل أن يمسها؛ لأنها مطلقة قبل الدخول بها، فليس عليها عدة جديدة للطلاق الثاني؛ لأنه طلاق قبل الدخول، وليس عليها أيضاً أن تكمل العدة الأولى؛ لأن الطلاق الثاني قد أبطل الطلاق الأول، ثم يكون لها نصف الصداق في صورة البينونة. وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي في أحد قوليه: يجب على المرأة في الحالتين أن تبني على عدة الطلاق الأول، ولا تستأنف عدة جديدة؛ إذ الطلاق الثاني لا عدة له، ولكن لا يبطل ما وجب بالطلاق الأول، فإنه طلاق بعد دخول، يجب أن تراعى فيه حكمة الشارع في إيجاب الاعتداد، وعلى الزوج نصف الصداق في صورة البينونة، كما قال الظاهرية. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي: يجب على المرأة أن تستأنف عدة جديدة في الحالتين؛ لأنه وإن لم يحصل دخول، فإن المرأة كان مدخولاً بها من قبل، وعلى الرجل في صورة البينونة مهر كامل بسبب كون المرأة مدخولاً بها. وفرق المالكية بين الطلاق الرجعي والبائن، فأوجبوا على الرجعية أن تستأنف عدة كاملة؛ إذ إنها في حكم الموطوءة بعد المراجعة، ولم يوجبوا على البائن عدة؛ لأن النكاح بعد البينونة عقد جديد، فالطلاق بعده يصدق عليه أنه طلاق قبل الدخول، فلا يوجب عدة، لكنه لا يصح أن يهدم ما وجب على المرأة بالطلاق، فعليها أن تكمل العدة الأولى، ولها على المطلّق نصف المهر.