Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
الجُزُ (٢٢) - الإِجْزَانَ: ٣٣/ ٣٥
والعلم بأن المقدر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر
عند الصدمة الأولى، أي أصعبه وأوجبه في أول وهلة من الحادث. وهو سجية
الراسخين الأثبات. ويأتي بعد المراتب السابقة؛ لأن من يأمر بالمعروف وينهى
عن المنكر يصيبه أذى، فيصبر عليه.
٦ - الخشوع: وهو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع لله
تعالى قلباً وسلوكاً، خوفاً من عقاب الله تعالى، ومراقبته، كما في الحديث
الصحيح عند مسلم عن عمر: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه
يراك)) .
وهذه المرتبة تأتي بمثابة المراقبة على أعمال الحسنات، فإذا عملها الإنسان
قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته، فأمر تعالى بالتواضع حتى لا تجمح الأهواء
والشهوات بالنفس، فتوقعها فيما يرديها، وقد تعصف بثمرات جميع الأعمال
الصادرة عنها.
لاً - التصدق بالمال: وهو الإحسان إلى المحتاجين الضعفاء الذين لا كسب
لهم ولا كاسب، فيعطون حال الفرض والنفل طاعةً لله وإحساناً إلى خلقه،
وقد ثبت في الصحيحين: ((سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله -
فذكر منهم -: ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه)) وفي حديث آخر: ((والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار)).
وهذه مرتبة تعد ترجماناً عملياً للخصال السابقة؛ لأن بذل المال شاق على
النفس، لمحبتها إياه، وهي دليل على محبة الإنسان لأخيه، فيساعده لينقذه من
آفات الفقر والحاجة، كما أن الصدقة تزكية للمال وتطهير له.
٨ - الصوم فرضاً ونفلاً: وفيه تسام روحي عن التعلق بالماديات، والإقبال
على عبادة الله، ومن أكبر المعونة على كُسر حِدّة الشهوة، كما ثبت في الحديث
الصحيح المتفق عليه عن ابن مسعود عنه وَل: ((يا معشر الشباب، من استطاع
٣٤٢
لُعُ (٢٢) - الأَجْزَا: ٣٣ / ٣٥
منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع
فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء)) وهو أيضاً تزكية للبدن، كما في الحديث الذي
رواه ابن ماجه عنه وَله: ((والصوم: زكاة البدن)) أي يزكيه ويطهره وينقيه من
الأخلاط الرديئة طبعاً وشرعاً، كما قال سعيد بن جبير: ((من صام رمضان
وثلاثة أيام من كل شهر، دخل في قوله تعالى: ﴿وَالصَِّمِينَ وَالصَِّمَتِ﴾)).
١ - العفّة وحفظ الفروج عن المحارم والمآثم، إلا عن المباح، كما قال
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
[المؤمنون: ٥/٢٣-٧]. ومن اخترق حرمة الفروج وزنى، هان عليه
٧
اختراق حرمات الدين كلها، ومن صان فرجه وعفّ نفسه، كان من
الطاهرين الأصفياء الذين استحقوا رضوان الله تعالى.
ويلاحظ أن بين المرتبتين الأخيرتين تجانساً، فالصُّوام إشارة إلى الذين لا
تمنعهم الشهوة البطنية من عبادة الله، والأعفّاء حفظة الفروج إشارة إلى الذين
لا تمنعهم شهوة الفرج عن العبادة.
. ١ - الذِّكْر الكثير الله تعالى: وهو استحضار عظمة الله تعالى في القلب،
وتنزيهه باللسان عن كل نقص، ووصفه بكل كمال في جميع الأحوال، بنية
صادقة لله. ويلاحظ أن الله تعالى في أكثر المواضع حيث ذكر ((الذِّكْر)) قرنه
بالكثرة، ليرشدنا إلى أنه لا يصير الإنسان ذاكراً حتى يداوم على الذكر قائماً
وقاعداً ومضطجعاً، وهذا مروي عن مجاهد. وقد يصبح ذاكراً بصلاة التهجد
ليلاً، كما أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه قال: إن رسول الله وَ الر قال: ((إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا
ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)).
ويكون الذكر أيضاً بالصلاة وفي الأكل والشرب والمشي والبيع والشراء
٣٤٣
الُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٣٥
والركوب والهبوط، وغير ذلك من الأحوال في غير أماكن القاذورات، كما
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ٣/
١٩١] .
وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
(3) ﴾ [الأحزاب: ٤١/٣٣-٤٢].
وَأَصِيلًا
وَسَبِّحُوهُ بَكْرَةً
٤١
وقد ختمت هذه الآداب بالذكر؛ لأن صحة جميع الأعمال الدينية من
إسلام وإيمان وقنوت وصدق وصبر وخشوع وصدقة وصوم بذكر الله تعالى
وهي النية.
أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وصل﴾ قال:
((سَبَق المفْرِدُون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)).
وأخرج أحمد أيضاً عن مُعاذ الْجُهَني عن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((إن رجلاً سأله،
فقال: أيُّ المجاهدين أعظم أجراً يا رسول الله؟ قال ◌َمليون: أكثرهم الله تعالى
ذكراً، قال: فأيّ الصائمين أكثر أجراً؟ قال ◌َّ: أكثرهم الله عز وجل ذكراً،
ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك يقول رسول الله وَله :
أكثرهم الله ذكراً)) فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ذهب الذاكرون بكل
خير، فقال رسول الله وَالر: ((أجل)).
ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء جميعاً فقال:
﴿ أَعَّ اُللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي إن الله تعالى هيَّأ لهم مغفرة تمحو
ذنوبهم وأجراً عظيماً وهو الجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية كما وضح في تفسيرها عشرة آداب أمر الله تعالى بها، وهي
تجمع أصول الإسلام في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والسلوك والعمل
٣٤٤
الُ (٢٢) - الأَخْزَابَ: ٣٣ / ٣٥
الاجتماعي البناء في إطار من النية الصادقة والإخلاص لله عز وجل وهو
المراد بذكر الله كثيراً.
وقد بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعمّ الإيمان وعمل
الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصاً له وتنبيهاً على أنه دِعامة الإسلام، وأتبعه
بالقانت: العابد المطيع، ثم الصادق: الذي يفي بما عوهد عليه، والصابر عن
الشهوات وعلى الطاعات وقت الرخاء والشدة (أو المنشط والمكره) والخاشع:
الخائف لله، والمتصدق بالفرض والنفل، والصائم فرضاً ونفلاً، وحافظ الفرج
عما لا يحلّ من الزنى وغيره، وذكر الله كثيراً في أدبار الصلوات وغُدُوّاً
وعَشِياً، وفي المضاجع وعند الانتباه من النوم، وفي الذكر فوائد كثيرة محورها
ربط المؤمن بالله تعالى في جميع الأحوال. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله تعالى
كثيراً حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله
عنه: من أيقظ أهله بالليل، وصلّيا أربع ركعات، كُتبا من الذاكرين الله كثيراً
والذاكرات.
٣٤٥
الجُزُ (٢٢) - الأَخْتَزَابَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
قصة زيد بن حارثة
وزينب بنت جحش رضي الله عنهما
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُبِينًا ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَقِ اللَّهَ وَنُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ
مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ فَلَمَّا قَضَى زَيِّدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْتَكَهَا
لِكَ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجِ أَدْعِيَآِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَّ وَكَانَ
أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجَ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ سُنَّةَ اللَّهِ فِى
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ
٣٨
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا
وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ
مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَِّيْنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
القراءات:
﴿أَنْ يَكُونَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن ذكوان (أن تكون).
﴿ النَّبِيِّ﴾ :
وقرأ نافع (النبيء).
﴿ وَخَتَمَ ﴾ :
وهي قراءة عاصم، وقرأ الباقون (وخاتم)
﴿ النَّبِيِنِّ﴾ :
وقرأ نافع (النبيئين).
٣٤٦
لُ (٢٢) - الأَجْزَا: ٣٣ / ٣٦-٤٠
الإعراب:
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ تذكير الفعل على أن الخيرة بمعنى التخيير، فهي
مصدر بمعنى الاختيار، ومن قرأ بالتاء؛ لأن اللفظ مؤنث.
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، و﴿ أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، و﴿أَنَ
تَخْشَنَّهُ﴾: إما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، وإما مرفوع على أنه مبتدأ،
و﴿أَحَقٌّ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ أو الخبر في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ
الأول وهو الله تعالى، أو مرفوع على أنه بدل من الله تعالى.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ منصوب مصدر لفعل دلَّ عليه ما قبله وهو ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ
أي سنّ له سنة، أو منصوب بنزع الخافض، أي كسنة الله.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ﴾ صفة للذين خلوا أو مدح لهم منصوب أو
مرفوع.
﴿وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ﴾ ﴿رَسُولَ﴾ خبر ﴿ كَانَ﴾ مقدرة، أي ولکن کان محمد
رسول الله. ومن قرأه بالرفع جعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رسول الله.
البلاغة:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ التنكير لإفادة العموم؛ لأن النكرة في سياق
النفي تفيد العموم، أي ليس لمؤمن ولا لمؤمنة أن يريد غير ما أراده الله
ورسوله.
﴿ وَتُخْفِى﴾ و﴿مُبْدِيهِ﴾ بينهما طباق.
﴿قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ بينهما جناس اشتقاق.
وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ فيهما طباق السلب.
٣٤٧
لُُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي ما يصح له أو ما ينبغي له ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ
وَرَسُولُهُ: أَمْرًا﴾ أي قضى رسول الله وَّرَ، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن
قضاءه قضاء الله. والسبب أنه نزل في زينب بنت جحش بنت عمته: أُمَيْمة
بنت عبد المطلب، خطبها رسول الله ﴿ لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها
عبد الله ﴿اَلْخِيَرَةُ﴾ الاختيار، فليس لهم أن يختاروا من أمرهم شيئاً، بل يجب
عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لاختيار الله ورسوله ﴿ضَلَلًا مُِّينًا﴾ أي ظاهراً
بيِّن الانحراف عن الصواب.
﴿ وَإِذْ تَقُولُ﴾ أي اذكر حين تقول ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ﴾ بالعتق والتحرير، وهو زيد بن حارثة، كان من سبي الجاهلية اشتراه
رسول الله وَر قبل البعثة، والأصح أن السيدة خديجة وهبته له، ثم أعتقه
وتبناه، وقد تقدمت قصته ﴿أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ زينب ﴿وَأَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمر
طلاقها، ولا تطلقها ضراراً ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي تخفي في
نفسك ما الله مظهره وهو الأمر من الله بزواجها بعد طلاقها من زوجها(١)
﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي تستحييهم وتخاف تعبيرهم إياك وقولهم: تزوج زوجة ابنه
الذي تبناه ﴿ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنُهُ﴾ في كل شيء، والواو للحال، فتزوجُها ولا
تأبه لقول الناس، قال البيضاوي: وليست المعاتبة على الإخفاء وحده، فإنه
وحده حسن، بل على الإخفاء مخافة قالة الناس وإظهار ما ينافي إضماره، فإن
الأولى في أمثال ذلك أن يصمت أو يفوض الأمر إلى ربه.
(١) الإخفاء هو لزواجها المأمور به من الله لإبطال عادة التبني وآثاره في الجاهلية، وليس المراد
كما جاء في تفسير الجلالين وغيره إخفاء حبها حين وقع بصره عليها بعد حين من زواجها،
فهذا الكلام باطل لا أصل له، ويتنافى مع منصب النبوة، فهي ابنة عمته يعرفها من قديم،
وكان بإمكانه أن يتزوجها قبل تزويجه إياها من زید.
٣٤٨
الُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيِّدٌ مِنْهَا وَطَرًّا﴾ حاجة، أي لم يبق له بها حاجة الزوجية
فطلقها ﴿زَوَّجْنَكَهَا﴾ جعلناها لك زوجة وأمرناك بزواجها، فدخل عليها
النبي وَّ بغير إذن بشر، بعد إذن الله تعالى، وأشبع المسلمين خبزاً ولحماً،
فكانت بلا واسطة عقد بشري، بدليل أنها كانت تقول لسائر نساء النبي محمدطاهر:
إن الله تولى إنكاحي، وأنتُن زوَّجكن أولياؤكن. ﴿حَرَجٌ﴾ مشقة وضيق دائم
﴿أَدْعِيََّبِهِمْ﴾ جمع دعي وهو الابن المتبنى ﴿وَكَانَ أَمُرُ اَللَّهِ﴾ أي مقضيه
﴿مَفْعُولًا﴾ نافذاً حاصلاً لا محالة، كما كان تزويج زينب. وجملة ﴿لِكَنْ لَا
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ علة للتزويج، وهو دليل على أن حكم النبي وحكم
الأمة واحد إلا ما خصه الدليل.
﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّ مِنْ حَرَجٌ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي قسم له وقدر وأجل،
مأخوذ من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفرض للعسكر أو الجند كذا،
أي قدر لهم أرزاقهم ﴿فِى الَِّينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ﴾ مضوا من الأنبياء ألا حرج
عليهم في ذلك، وفيما أباح لهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ فعله قضاء
مقضياً وحكماً مبتوتاً كائناً لا بدّ منه ﴿ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اَللَّهُ﴾ أي لا يخشون
مقالة الناس فيما أحلَّ الله لهم، وهو تعريض بعد تصريح ﴿وَكَفَى بِلَّهِ حَسِيبًا﴾
حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم، فينبغي ألا يخشى إلا منه.
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ على الحقيقة، فيثبت ما يترتب على
البنوة من حرمة المصاهرة وغيرها، فليس أبا زيد، أي والده، فلا يحرم عليه
التزوج بزوجته زينب ﴿ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ﴾ أي ولكن كان رسول الله، وكل
رسول أبو أمته، لا مطلقاً، بل من حيث إنه رؤوف بهم، ناصح لهم، واجب
التوقير والطاعة عليهم، و(زَيْدٌ﴾ منهم كبقية المؤمنين ﴿وَخَاتَمَ النَِّنِّ﴾
بكسر التاء، فاعل الختم، أي فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبياً، وبفتح
التاء بمعنى الطابع كآلة الختم، أي وآخرهم الذي ختمهم، أو به ختموا
﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ يعلم من يليق بأن يختم به النبوة، فلا نبي بعده،
وكيف ينبغي شأنه.
٣٤٩
لُُ (٢٢) - الأَخْزَانُ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
وكون النبي وَّ أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم لا ينافي الآية، فإن
هؤلاء قد أخرجوا من حكم النفي بقوله: ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ لأن هؤلاء لم يبلغوا
مبلغ الرجال، ولأنه قد أضاف الرجال إليهم، وهؤلاء رجاله، لا رجالهم.
وأما كون عيسى ينزل في آخر الزمان، فلا يتناقض مع قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ
التَِّّنُّ﴾ لأن المعنى: لا يكون هناك بعد محمد بَ لالنبوة مبتدأة جديدة، فلا
ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نُبِئ قبله، وحين ينزل يحكم بشريعة محمد، ويصلي
إلى قبلته، كأنه بعض أمته.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٦):
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآيات، أخرج الطبراني بسند صحيح عن قتادة قال:
خطب النبي وَّ زينب، يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت
أنه يريدها لزيد، أبت، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية،
فرضيت وسَلَّمت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله و18َ زينب بنت
جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسباً، فأنزل
الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية. كلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي
مُعَيْط، وكانت أول امرأة هاجرت من النساء، فوهبت نفسها للنبي (ێ،
فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، قالا: إنما أردنا رسول الله
وَلَه، فزوجنا عبده. وهذا قول أضعف مما سبق، فيكون الراجح ما ذكره
قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله وَ ل خطب
زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما تبيَّن أنه
يريدها لزيد، كرهت وأبت وامتنعت، فنزلت الآية.
٣٥٠
الزُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
نزول الآية (٣٧):
﴿ وَإِذْ تَقُولُ﴾ : أخرج البخاري عن أنس أن هذه الآية نزلت في زينب بنت
جحش وزيد بن حارثة. وأخرج الحاكم عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة
يشكو إلى رسول الله وَله من زينب بنت جحش، فقال النبي ◌َلّ: أمسك عليك
أهلك، فنزلت: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اُللَّهُ مُبْدِيهِ﴾
وأخرج مسلم وأحمد والنسائي قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله
وَلّ لزيد: اذهب، فاذكرها علي، فانطلق، فأخبرها، فقالت: ما أنا بصانعة
شيئاً حتى أوامِرَ (١) ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله
وَ له، فدخل عليها بغير إذن. قال: ولقد رأيتنا حين دخلنا على رسول الله وَله
أطعَمَنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت
بعد الطعام، فخرج رسول الله وَلّر واتبعته، فجعل يتبع حُجَر نسائه، ثم
أخبرته أن القوم قد خرجوا، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه،
فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به:
﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣/٣٣] الآية.
نزول الآية (٤٠):
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُ﴾: أخرج الترمذي عن عائشة قالت: لما تزوج النبي
◌َلَىاللّهـ
وَسَم
بزينب قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أَحَدٍ مِّن
رِجَالِكُمْ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى نبيه وَل بتخيير زوجاته بين البقاء معه، والتسريح
(١) آمره في أمره، ووامره واستأمره: شاوره.
٣٥١
الُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ /٣٦-٤٠
الجميل، حتى لا يظن أن الرسول وَله يريد ضرر الغير، ذكر هنا أن زمام
الاختيار ليس بيد الإنسان في كل شيء، كما في شأن الزوجات، بل هناك
أمور لا اختيار فيها لأحد، وهي ما حكم الله فيه، فما أمر به فهو المتَّبَع، وما
أراد النبي فهو الحق، ومن خالفهما فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً؛ لأن الله هو
المقصد، والنبي هو الهادي الموصل.
ثم ذكر الله تعالى قصة زواج النبي وَله بزينب، تنفيذاً لأمر الله، وتقريراً
الشرع محكم دائم مشتمل على فائدة، خال من المفاسد، وأن الرسول وَل* ليس
بدعاً بين الرسل فيما أباح الله له من الزوجات، وأنه من أولئك الرسل
الكرام الذين يبلّغون رسالات ربهم، ولا يخشون أحداً غير الله، وهو بهذا
الزواج من زينب قد أبطل بالفعل بعد القول ما كان مقرراً في الجاهلية من
حرمة الزواج بحليلة الابن بالتبني، كما قال تعالى في هذه الآيات: ﴿لِكَنْ لَا
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيِّ أَزْوَجِ أَدْعِيَِّبِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
مَفْعُولًا﴾ ثم أكد ذلك بقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمٌ﴾ أي ليس لأي مؤمن أو مؤمنة إذا حكم الله ورسوله بأمر أن يختاروا
أمراً آخر، وإنما عليهم الامتثال لأمر الله ورسوله، وتجنب معصيته. ومبلّغ
الأمر هو رسول الله وَله، وذكر الله لتعظيم أمر رسوله، فصار حكم الله
ورسوله واحداً، وقضاؤهما واحداً، فإذا قضى الرسول وَله بأمر لم يكن لبشر
اختيار غيره. وهذه الآية داخلة في ضمن قوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦/٣٣].
ثم حذر الله تعالى من عصيان الأمر فقال:
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُِّينًا﴾ أي من يخالف أمر الله أو
٣٥٢
اِلُرُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
أمر رسوله ولقر أو يعصي ما نهيا عنه، فقد انحرف عن طريق الهدى والرشاد،
ووقع في متاهات الضلال المبين البعيد عن منهج الحق والخير، المؤدي إلى
ضياع المصالح والانغماس في المفاسد، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣/٢٤].
وإزاء هذا الحكم الإلهي القاطع والتحذير من العصيان، فإن زينب بنت
جحش التي نزلت الآية بسببها، امتثلت أمر الرسول وَله بقبول زواجها من
زيد بن حارثة مولى النبي ◌َّ وعبده المعتق، وهي من عِلْية قريش وذؤابة
القوم، وبنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله وَّله، وقالت: ((إذن لا
أعصي رسول الله (وَالتّر، قد أنكحته نفسي)) بعد أن استنكفت من زيد، وقالت:
((أنا خير منه حسباً) لأنها كانت امرأة فيها حِدَّة.
وكان في زواجها بزيد حكمة بالغة هي إعلان المساواة بين الناس،
والقضاء على فوارق النسب والحسب، ما دامت مظلة الإسلام واحدة
يتساوى فيها الجميع، وأن التفاضل فيه إنما هو بالتقوى والعمل الصالح.
ولكن بالرغم من الموافقة الظاهرية على هذا الزواج، ظلت الكوامن
النفسية والآلام قائمة، وبقيت زينب كارهة لزيد، متعالية عليه، فاشتكى منها
إلى رسول الله وَلِّ مراراً، فكان رَ له ينصحه قائلاً: ﴿أَمْسِْكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ
اَللَّهَ ﴾ إلى أن نَفَذ حكم الله، وحدث الطلاق، وهو ما قررته الآيات التالية:
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ
اللَّهَ﴾ أي واذكر يا محمد حين كنت تقول لزيد الذي أنعم الله عليه بالإسلام
وأنعمت عليه بالإعتاق والحرية والتربية والتقريب منك: أبق على زواجك
بزينب، واصبر على طبعها وخلقها، واتق الله في شأنها وفي طلاقها، فلا
تطلقها لتعاليها وشعورها بالرفعة والشرف، فإن الطلاق مضرة. وهذا نهي
تنزيه وتعليم وتربية، لا نهي تحريم وحظر؛ لأن الأولى على كل حال ألا
يطلقها، لأن الطلاق شائن لها.
٣٥٣
لُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
﴿ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ أي
وتخفي أيها الرسول في نفسك ما الله مظهره من الحكم، وهو علمك بأن زيداً
سيطلقها وستنكحها؛ لأن الله قد أعلمه بذلك، وتخاف من تعيير الناس
ونقدهم واعتراضهم النابع من منطق الجاهلية، والله بعد أن أنزل عليك وحيه
وشرعه المصحح لأعراف الجاهلية وتقاليدها أو المبطل لها، أجدر وحده أن
تخاف منه، وتلزم أمره، وتمضي حكمه دون مبالاة بشرائع غيره. فقوله: ﴿ وَأَتَّقِ
اُللَّهَ﴾ أي في طلاقها، فلا تطلّقها، وأراد بذلك نهي تنزيه، لا نهي تحريم؛ لأن
الأولى ألا يطلق.
عن عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله وَل شيئاً مما أُوحي إليه،
لكتم هذه الآية.
والمراد من هذا التوجيه للنبي وَّيقول: أن يصمت حين قال له زيد: أريد
مفارقتها، أو یقول له: أنت أعلم بشأنك، حتى لا یتناقض سِرُّه مع علانيته،
وليتساوى ظاهر الأنبياء وباطنهم، ولتبدو ظاهرة التصلب في الأمور الجادة
التي نزل فيها وحي إلهي.
ثم أعلن الله تعالى حكم زواج زينب المطلقة بعد انتهاء عدتها من نبي الله واله
فقال :
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىّ
أَزْوَجِ أَدْعِيَابِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي لما طلقها زيد،
وانتهت حاجته منها، وملَّها، وانقضت عدتها، جعلناها لك زوجة، ليرتفع
الحرج والضيق من بين المؤمنين إذا أرادوا الزواج بمطلّقات أدعيائهم وهم
الذين تبنوهم في الجاهلية، ثم أبطل الإسلام حكم التبني وألغى جميع آثاره،
وصفّى كل نتائجه، وكان قضاء الله وقدره نافذاً وكائناً لا محالة، وحكمه
سائداً وشرعه دائماً في كل زمان، ومن أحكام الله في سابق علمه أن زينب
٣٥٤
الجُزءُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
ستصير زوجة للنبي وَله. والوطر: كل حاجة للمرء له فيها هِّة، والجمع:
الأوطار، قال ابن عباس: أي بلغ ما أراد من حاجته، يعني الجماع. وفي
التعبير إضمار؛ أي لما قضى وطره منها، وطلّقها زوجناكها، وقراءة أهل
البيت: زوجتكها.
وفي هذا إشارة إلى أن التزويج لزينب من النبي ◌ُّه لم يكن لقضاء شهوة،
بل لبيان الشريعة بفعل النبي ◌ّر، فإن الفعل أوكد، والشرع يستفاد على نحو
أقطع من فعل النبي ◌ََّ، وقد أريد من هذا الزواج نفي الحرج عن المؤمنين في
إجراء أزواج المتبنين مجرى أزواج البنين في تحريمهن عليهم بعد انتهاء رابطة
الزوجية بينهم وبينهن.
روى البخاري والترمذي رحمهما الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
((إن زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي ◌َّو،
فتقول: زوَّجَكن أهاليكُنّ، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات)).
وقال محمد بن عبد الله بن جحش: تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما
فقالت زينب رضي الله عنها: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة
رضي الله عنها: أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب رضي الله
عنها.
وذكر ابن جرير عن زينب رضي الله عنها عن الشعبي قال: كانت زينب
رضي الله عنها تقول للنبي وَله: (إني لأدِلُّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة
تَدِلُّ بهن: إن جَدّي وجَدّك واحد، وإن الله عز وجل أنكحك إياي من
السماء، وإن السفير في ذلك جبريل عليه السلام)).
ثم أخبر الله تعالى عن سنته وحكمه في الرسل والأنبياء، فقال:
﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُوَ سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن
٣٥٥
الُعُ (٢٢) - الأَخْزَارَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
(٣) أي لم يكن على النبي حرج أو عيب فيما
قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا
أحل له وأمره من زواج زينب مطلّقة دعيه ومتبناه سابقاً زيد بن حارثة رضي
الله عنه. وهذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء، وعليهم
في ذلك حرج وضيق، وكان أمر الله الذي يقدره كائناً لا محالة، وواقعاً لا
محيد عنه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
. وهذا ردٌّ على المنافقين الذين عابوا رسول الله وَله في تزوجه امرأة زيد مولاه
ودَعِيّه الذي كان قد تبناه، وردٌّ أيضاً على اليهود الذين عابوه من كثرة
الزوجات، فقد كان لداود وسليمان عليهما السلام عدد كثير من النساء.
ثم مدح الله رسله الكرام، فقال:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا () أي إن أولئك الرسل الذين رفع الله الحرج عنهم فيما أحل لهم،
وخاتمهم محمد رَّة، مهمتهم تبليغ رسالات الله وشرائعه إلى الناس وأداؤها
بأمانة، وهم يخافون الله وحده في ترك تبليغ شيء من الوحي، ولا يخافون
أحداً سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد أو انتقاده عن إبلاغ رسالات الله تعالى،
وكفى بالله ناصراً ومعيناً، وحافظاً لأعمال عباده ومحاسبهم عليها.
ثم ردَّ الله تعالى على نقد من قالوا: إن محمداً تزوج حليلة ابنه، فقال: ﴿مَّا
كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَِّيِّئِنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمًا (®) أي إن التزوج بزوجة الابن النسبي بالفعل هو غير جائز،
أما التزوج بزوجة المتبنى بالتبني المصطنع فهو جائز، خلافاً لشرعة الجاهلية،
وإن زيداً لم يكن ابناً لمحمد نَّه حقيقة وإن كان قد تبناه، وليس هو أباً على
الحقيقة لأحد من الرجال، وإنما هو رسول الله لتبليغ رسالته وشرعه إلى
الناس، وهو الذي ختم به أنبياء الله ورسله، وكان الله وما يزال عليماً مطلعاً
على كل شيء، يعلم من بدئت به النبوة ومن ختمت به، ولا يفعل إلا ما هو
٣٥٦
الجُزءُ (٢٢) - الأَجْزَائِ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
الأصلح، ولا يختار إلا من هو الأجدر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ
يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦].
فليس بين محمد رَله وبين أحد من الناس أبوة شرعية يترتب عليها حرمة
المصاهرة ونحوها، وإنما هو أب روحي لجميع المؤمنين، شديد الإشفاق
عليهم، يستوجب التوقير والاحترام، كما قال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦/٣٣] وهذا أمر أجمع وأعم، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ فهو خاص.
وأما أبوته وَلّ الخاصة فهو أب لأربعة ذكور، وأربع بنات، فقد ولد له
القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله عنها، ثم ماتوا صغاراً، وولد له
إبراهيم من مارِيةَ القبطية ثم مات رضيعاً، وكان له أربع بنات من خديجة:
زينب ورُقَيَّة وأم كلثوم وفاطمة، وقد ماتت الثلاث الأول في حياته وَّرَ، ثم
ماتت فاطمة بعده لستة أشهر.
وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعد نبي الله محمد، ولا رسول بعده بالطريق
الأولى؛ لأن النبوة أعم من الرسالة، والرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل
رسول نبي ولا عكس، وإذا انتفى وجود النبي بصريح الآية، انتفى وجود
الرسول أيضاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
اَ - يُحِظَر ويُمنَع على أي مؤمن أو مؤمنة إذا قضى الرسول وَلَه بأمر أن يختار
غيره؛ لأن لفظة ﴿مَّا كَانَ﴾ و (وما ينبغي) معناها هنا الحظر والمنع، فتجيء
لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون، كما في هذه الآية. وربما كان امتناع ذلك
قلے
الشيء عقلاً، كقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل:
٣٥٧
الُعُ (٢٢) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٣٦-٤٠
٦٠/٢٧]. وربما كان العلم بامتناعه شرعاً كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن
يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩/٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآعٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١/٤٢].
وربما كان في المندوبات؛ كما تقول: ((ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل))
ونحو هذا.
◌َ - في هذه الآية دليل للمالكية على أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب وإنما
تعتبر في الأديان، خلافاً للجمهور؛ لأن الموالي تزوجت في قریش، تزوج زید
زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضُباعة بنت الزبير، وزَوَّج أبو
حذيفة سالماً من فاطمة بنت الوليد بن عُتْبة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن
عوف. وقد أراد الله امتحان زينب بزواج زيد لهدم مبدأ العصبية الجاهلية
والامتياز الطبقي أو العنصري، وجعل أساس التمايز هو الإسلام والتقوى.
٣ - يجب اتباع أمر الله ورسوله؛ لأن الله أخبر أن من يعصي الله ورسوله
فقد ضلَّ طريق الهدى. قال القرطبي: وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه
الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين،
من أن صيغة ((افعل)) للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى
خيرة المكلّف عند سماع أمره وأمر رسوله وَلِّ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة
عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم عَلَّق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل
الأمر على الوجوب(١).
٤ - أراد الله تعالى من عتاب نبيه بآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾
إظهار صلابة الأنبياء في بيان الأحكام الإلهية، وأن يكون ظاهرهم وباطنهم
سواء؛ لأن الله تعالى أعلم نبيه بأن زيداً سيطلّق زينب وينكحها هو، فما
الداعي لوعظه وقوله له: ﴿أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾؟
(١) تفسير القرطبي: ١٨٨/١٤
٣٥٨
لُعُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
وقد أخفى النبي ◌ّ ما أخبره الله به من طلاق زينب وزواجه، لا أنه
أخفى استحسانها وحُبّه لها والحرص على طلاق زيد إياها، كما يقول قتادة
وابن زيد وجماعة من المفسرين، منهم الطبري وغيره، فهذا لا يليق بمنصب
النبوة، ولا يتفق مع الواقع، فإنه كان بإمكانه أن يتزوجها وهي بِكْر، وهو
يعرفها؛ لأنها ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت هي ترغب بذلك،
بدليل أنه وَ لجه لما خطبها لزيد، ظنت أنه خطبها لنفسه، والخلاصة: إن قائل
ذلك - إن تعمد - جاهل بعصمة النبي ◌ّليل عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته.
وأشد قبحاً ما قال مقاتل: زوّج النبي ◌َّ زينب بنت جحش من زيد،.
فمكثت عنده حيناً، ثم إنه وَل﴿ أتى زيداً يوماً يطلبه، فأبصر زينب قائمة، وكانت
بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهوِيَها وقال: ((سبحان مقلّب
القلوب)) فسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطِن زيد، فقال: يا
رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كثراً، تعظُم علي وتؤذيني بلسانها ،
فقال ◌َّهِ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَقِ اللَّهَ﴾
وأحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من
المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري
الفقيه المالكي الذي ولي قضاء العراق، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم:
هو ما روي عن علي بن الحسين:
أن النبي وَّ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيداً يُطلِّق زينب، وأنه
يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكّى زيد للنبيِ وَ لَ خُلُقَ زينب، وأنها لا
تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله وَ لقر على جهة الأدب
والوصية: ((اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك)) وهو يعلم أنه سيفارقها
ويتزوجها؛ وخشي رسول الله وَالر أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب
بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من
٣٥٩
الُُ (٢٢) - الأَخْزَابَ: ٣٣ / ٣٦ -٤٠
خشيته الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: ((أمسك)) مع علمه بأنه
يطلّق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال.
ويدل تحرج النبي ◌َّر من هذا الزواج على أن للأعراف والعادات تأثيراً
كبيراً في المجتمعات والسلوك.
٥ - اقترنت واقعة زواج النبي ◌ُّ بزينب في السيرة بأحكام شرعية، منها:
استخارة الله في الأمور، فعندما جاء زيد يخطبها للنبي وَّ فرحت وقالت: ما
أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن.
ومنها: ندب وليمة الزواج، قال أنس بن مالك فيما يرويه مسلم: ((ما
رأيت رسول الله وَ﴿ أَوْلَم على امرأة من نسائه ما أَوْلَم على زينب، فإنه ذبح
شاة)) .
ومنها: أن يقول الإنسان لصاحبه: اخطب علي فلانة، وهو زوجها المطلقة
منه، ولا حرج في ذلك، كما قال النبي ◌ُّ لزيد في رواية: ((اذكرها علي)) أي
اخطبها.
أَ - اختصاص النبي ◌َّلو بتزويج الله تعالى له، فلما وكّلت زينب أمرها إلى
الله، وصحَّ تفويضها إليه، تولى الله إنكاحها، ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها
بغير إذن، ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطاً في
عقود زواجنا، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي وَّر، وتقول: ((زوجكن
آباؤكن، وزوَّجني الله تعالى)). أخرج النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت
زينب تَفْخَر على نساء النبي ◌َّه تقول: ((إن الله عز وجل أنكحني من السماء))،
وفيها نزلت آية الحجاب.
لاً - المنعم عليه في هذه الآية هو زيد بن حارثة؛ إذ أعتقه النبي ◌َّ عندما
اختار البقاء عنده، مفضلاً إياه على أبيه وعمه، وقال الرسول وَله: ((اشهدوا
٣٦٠
اِلُعُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٣٦-٤٠
أني وارث وموروث)) فلم يزل يقال: زيد بن محمد، إلى أن نزل قوله تعالى:
{ادْعُوهُمْ لِأَبَاِهِمْ﴾ ونزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾
٨ - قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السُّهَيْلي رحمه الله تعالى: كان يقال:
زيد بن محمد، حتى نزل: ﴿أَدْعُوهُمْ لِلَّبَآَبِهِمْ﴾ فقال: أنا زيد بن حارثة،
وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلما نُزع عنه هذا الشرف وهذا
الفخر، وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخِصِّيصة لم يكن يَخُصّ بها أحداً من
أصحاب النبي ◌َّة، وهي أنه سماه في القرآن؛ فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ
مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني من زينب. ومَنْ ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى
صار اسمه قرآناً يُتْلى في المحاريب، نوَّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له
وعِوَض من الفخر بأبوّة محمد ◌َالّ له.
فهو لا يزال متردداً على ألسنة المؤمنين، ومذكوراً على الخصوص عند رب
العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد؛ فاسم زيد هذا في
الصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة. تذكره في التلاوة السَّفَرة الكِرام البرَرَة.
وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة
تعويضاً من الله تعالى له مما نُزع عنه.
وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي بالإيمان؛ فدلَّ
على أنه من أهل الجنة، عَلِم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى.
١ - قوله تعالى: ﴿زَوَّحْنَكَهَا﴾ دليل على ثبوت الولي في النكاح.
٠ ٢ - أعلم الله جميع الأمة أنه سَنَّ لمحمد بَّهِ التوسعة عليه في النكاح سُنَّة
الأنبياء الماضية، کداود وسليمان، فكان لداود مئة امرأة، وثلاث مئة سُرِّية،
ولسليمان ثلاث مئة امرأة وسبع مئة سُرِّية.
(أَ - دلت آية ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ على أن محمداً وَهُ