Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
الُ (٢١) - الأَجْزَائِ: ٣٣ / ٢٨ -٣٠
تستعجلي حتى تستأمري أبويك)) فهذا دليل على استمرار التخيير، حيث جعل
لعائشة التخيير إلى أن تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجاً من
الأمر.
والظاهر أن من اختارت الله ورسوله وَالر كان يحرم على النبي وَّ طلاقها،
أي لا يباشره أصلاً، عملاً بعلو منصبه، وسمو خلقه.
◌َ - جعل الله ثواب طاعة أزواج النبي بَّه وعقاب معصيتهن أكثر مما
الغيرهن، بنص الآية هنا: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِّ﴾ والآية التي
بعدها: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ﴾ فأخبر الله تعالى أن من جاء من نساء النبي وَلّ
بفاحشة - والله عاصم رسوله وَّ من ذلك، كما مرّ في حديث الإفك -
يضاعف لها العذاب ضعفين؛ لشرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وتقدمهن
على سائر النساء أجمع. وبينت الشريعة في مواضع كثيرة أنه كلما تضاعفت
الْحُرُمات، فهُتكت تضاعفت العقوبات، ولذلك ضُوعف حدّ الحر على العبد،
والثيب على البكر.
ولما كان أزواج النبي ◌َّر في مهبط الوحي، وفي منزل أوامر الله ونواهيه،
قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف
لهن الأجر والعذاب.
٦
وضِعْف الشيء مثله، فمعنى الضعفين: معنى المثلين أو المرتين، فلو فرض
وقوع ما يوجب الحدّ منهن - وقد أعاذهن الله من ذلك - حُدَّت الواحدة
حَدّين لعظم قدرها، كما يزاد حدّ الحرة على الأمة، والعذاب بمعنى الحدّ،
قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢/٢٤]. ويدل على
هذا ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرََّيْنِ﴾
انتهى الجزء الحادي والعشرون ولله الحمد
٠٠٠
۶٨٠
النَّفَةُ المُنَُّ
٠
في العقيدة والشريعة والمنتج
الجُزُ الثَّانِي وَالعُشِرُون
٣٢٥
الجُرُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ /٣١-٣٤
خصائص أهل بيت النبوة
: وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ
يَئِسَآءَ النَِّّ لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنٍ
وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴾
أَتَّقَتُنُّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوَّلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلاً مَّعْرُونًا (®
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اُلْجَِهِلِيَّةِ الْأُوْلَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ
الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرًا ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى ◌ُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ
٣٤
وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
القراءات:
﴿ وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُؤْتِهَا﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ويعمل صالحاً يؤتها).
﴿ النَّبِيّ﴾ :
وقرأ نافع (النبيء).
﴿ وَقَرْنَ﴾ : قرئ:
١- (وَقَرْن) وهي قراءة نافع، وعاصم.
٢- (وقِرْن) وهي قراءة الباقين.
(بُوتِكُنَّ﴾: قرئ:
١- (بُيُوتكن) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص ..
٣٢٦
لُعُ (٢٢) - الأخْزَا: ٣٣ / ٣١-٣٤
٢- (بُيُوتكن) وهي قراءة الباقين.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾:
وقرأ البزّي (ولا نَّبُرَّجْن) وصلاً مع المد.
الإعراب:
﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ﴾ من ذَكَّر ﴿يَقْنُتْ﴾ و(ويعمل)
حمله على لفظ ﴿وَمَن﴾. ومن أنَّث ((تعمل)) حمله على لفظ ((مَنْ)) لأن المراد بها
المؤنث. ولا مانع في النحو من التذكير بعد التأنيث، كما في قوله تعالى:
﴿ وَقَالُوْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمُ عَلَىّ
أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩/٦].
﴿إِنِ أَنَّقَيْتُنَّ﴾ شرط، وجوابه: إما قوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوّلِ﴾ أو ما دلَّ
عليه قوله تعالى: ﴿لَسْئُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ وتقديره: إن اتقيتن انفردتن
بخصائص من جملة سائر النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ﴾
﴿ وَقَرْنَ فِى بُوتِكُنَّ﴾ ﴿وَقَرْنَ﴾ أصله ((اقررن)) من قرَّ يقَرّ، فنقلت فتحة
الراء بعد حذفها إلى القاف، فلما فتحت القاف استغني عن همزة الوصل،
وحذفت الراء لتكررها مع نظيرها، وتكررها مع نفسها. وقرئ ((قِرْن)) بكسر
القاف، إما من ((وَقَرَ يقِر)) أي اسكن، وإما من ((قرّ يقِرّ)) والأصل فيه ((اقرِرن))
فنقلت الكسرة إلى القاف بعد حذف الراء.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ إما منصوب على الاختصاص والمدح، كقوله بَّى:
((سلمان منا أهل البيت)) أي أعني وأمدح أهل البيت، وإما منصوب على
النداء، كأن قال: يا أهل البيت، والأول أوجه.
٣٢٧
لِلُ (٢٢) - الأُخْزَارَ: ٣٣ / ٣١-٣٤
البلاغة:
﴿وَلَا تَبَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِيَّةِ﴾ تشبيه بليغ، أي كتبرج أهل الجاهلية،
فحذفت أداة التشبيه ووجه الشبه.
﴿ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ؟﴾ عطف عام على خاص بعد قوله: ﴿وَأَقِمْنَ
الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ﴾ فإن الطاعة تشمل جميع الأوامر والنواهي.
﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ استعارة،
استعار الرجس للذنوب والمعاصي، والطهر للتقوى؛ لأن عرض العاصي
يتدنس، وعرض التقي نقي كالثوب الطاهر. و﴿تَظْهِيرًا﴾ ترشيح للتنفير.
المفردات اللغوية:
﴿ يَقْنُتْ﴾ يخشع ويخضع ويدم على الطاعة، والقنوت: الطاعة في سكوت
والعبادة في خشوع . ﴿نَوْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ مثلي ثواب غيرها من النساء، مرة
على الطاعة ومرة على طلبها رضا النبي و 8﴿ بالقناعة وحسن المعاشرة.
{وَأَعْتَدْنَا﴾ أعددنا وهيأنا. ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ في الجنة زيادة على أجرها سالماً
من العيوب والآفات. ﴿لَسْئُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ أي لستن كجماعة
واحدة من جماعات النساء في الفضل أي لا مثيل لكنَّ في جماعة النساء في
الفضل. وأصل (أحد) وحَدَ بمعنى الواحد، ثم وضع في النفي العام، وهو في
النفي يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع الكثير . ﴿إِنِ أَتَّفَيَتُنُّ﴾ الله،
فلم تخالفوا حكمه، وأرضيتم رسوله . ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوَّلِ﴾ لا تُلِنَّ القول
للرجال مثل قول المريبات. ﴿مَرَضٌ﴾ تطلع إلى الفسق والفجور والريبة. ﴿وَقُلْنَ
قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ حسناً من غير خضوع، بعيداً عن الريبة غير مُطْمع أحداً.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أصله: اقررن، أي الزمْنَ بيوتكن، بفتح القاف من
قَرِرَت، وبكسرها من وَقَر يقِر، من القرار أي السكون، يقال: قرِرت في
.?
٣٢٨
لُعُ (٢٢) - الأجْزَانَ: ٣٣ / ٣١-٣٤
المكان أقَرُّ به: أقمت فيه. أو من قَرَّ يقَرّ. ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ أي لا تتبرجن،
والتبرج: إبداء المرأة للرجل ما يجب عليها ستره من محاسنها. ﴿تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ
اُلْأُولَى﴾ ما كان قبل الإسلام من الجهالات كإظهار النساء محاسنهن للرجال.
﴿ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾﴾ في سائر الأوامر والنواهي. ﴿الرِّجْسَ﴾ الذنب أو
الإثم أو النقص المدنّس للعرض. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نساء النبي ◌ِّ، وهو
منصوب على المدح أو النداء. ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أي ويطهركم من المعاصي.
قال البيضاوي: وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما الحسن
والحسين رضي الله عنهم، والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون إجماعهم
حجة: ضعيف؛ لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها،
وحديث العباءة التي أدخل فيها النبي فاطمة وعلياً وولديهما يقتضي أنهم أهل
البيت، لا أنه ليس غيرهم.
﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي عظن النساء بما يتلى، وتذكرن
نعم الله عليكن من جعلكن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، مما يوجب قوة
الإيمان والحرص على الطاعة. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ هي حديث المصطفىِوَّهِ. ﴿إِنَّ
اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾ بأوليائه وأهل طاعته. ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه، يعلم ويدبر
ما يصلح في الدين.
المناسبة:
اقتضى عدل الله ورحمته أن تكون زيادة العقاب مقرونة بزيادة الثواب، فبعد
ذكر مضاعفة العذاب على نساء النبي ◌َ ل عند ارتكاب الفاحشة، ذكر تعالى
خصائص لهن، أولها - مضاعفة الثواب لهن على العمل الصالح، وإعداد
الرزق الكريم في الجنة وهو ما يأتي بنفسه، على نقيض رزق الدنيا الذي لا يأتي
بنفسه، وإنما بواسطة الغير. وثانيها - امتيازهن على سائر النساء، وثالثها -
أمرهن بقوة الكلام وعدم إلانة القول للرجال، ورابعها - الأمر بالقرار في
٣٢٩
الُعُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٣١-٣٤
البيوت والنهي عن التبرج، وخامسها - مطالبتهن بمداومة الطاعة بإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله وَ له فيما يأمر وينهى، وسادسها -
تحقيق صون العرض والسمعة عن الذنوب والمعاصي والتجمل بالتقوى،
وسابعها - الأمر بتعليم غيرهن القرآن والسنة النبوية، وتذكر نعمة الله تعالى
علیھن.
التفسير والبيان:
﴿﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا
اً - مضاعفة الثواب:
نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣) أي ومن تطع منكن الله
ورسوله، وتخشع جوارحها، وتستجب لأمر ربها، وتعمل صالح الأعمال،
نضاعف لها الأجر والثواب مرتين، لكونها من أهل بيت النبوة ومنزل
الوحي، وأعددنا لها زيادة على هذا رزقاً كريماً في الآخرة والجنة، لا عيب ولا
نقص فيه ولا مِنَّة لأحد ويأتي بنفسه، على عكس رزق الدنيا المشوب بالعيوب
والنقائص والمنة ويتوقف على الغير الذي يمسكه ويرسله بوساطة إلى غيره،
ولأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم وصفاً حقيقياً كاملاً إلا الرزاق، وفي
الآخرة يوصف بالكريم الرزق نفسه.
ويلاحظ أنه تعالى عبّر هنا عند إيتاء الأجر بقوله: ﴿نَوْتِهَا﴾ للتصريح
بالْمُؤتي وهو الله، وفي الآية السابقة عبر عند العذاب بقوله: ﴿يُضَعَفْ﴾ فلم
يصرح بالمعذِّب، إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، ولأن الكريم عند النفع يظهر
نفسه وفعله، وعند الضّ لا يذكر نفسه(١)
أَ - امتيازهن على سائر النساء: ﴿بَنِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ}
أي يا زوجات النبي ليس لَكُنَّ شبيه في جماعة النساء في الفضل والمنزلة
(١) تفسير الرازي: ٢٠٨/٢٥
٣٣٠
لُ (٢٢) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٣١-٣٤
والشرف والكرامة، لكونكن أمهات جميع المؤمنين، وزوجات خير المرسلين،
ونزول القرآن في بيتكن وفي حقكن. وهذا التعبير كقولهم: ليس فلان كآحاد
الناس، ومعناه أن فيه وصفاً أخص ومزية وفضيلة لا توجد في غيره. ونساء
النبي كذلك، وشرفهن مستمد من سمو منزلة النبي ◌َّ القائل في الحديث المتفق
عليه: (لست كأحدهم)) .
◌َ - النهي عن لين الكلام: ﴿إِنِ أَنَّفَيَتُنُّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوَلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى
قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ أي إن أردتن التقوى أو كنتن متقيات(١) مخالفة
حكم الله تعالى ورضا رسوله وَله فلا تُلِنَّ الكلام ولا ترققنّه عند محادثة
الرجال، وليكن كلامكن بجد وحزم وقوة، حتى لا يطمع في الخيانة من في قلبه
ميل إلى الريبة والفسق والفجور، وقلن القول المعروف المعتاد الذي ليس فيه
ترخيم الصوت، البعيد عن الريبة، الذي يختلف عن مخاطبة الأزواج.
وهذا النهي لا يعني أن أزواج النبي وَ لّ على حال من السوء تقتضي المنع
والكف، وإنما المراد حملهن على أسمى الفضائل وملازمتها، فلما منعهن من
الفاحشة وهي الفعل القبيح، منعهن من مقدماتها وهي المحادثة مع الرجال على
وجه فيه ريبة وإطماع، وإساءة فَهْم من في قلبه ميل إلى الفجور والفسوق
والنفاق.
ونساء الأمة تبع لنساء النبي وَّر في هذه الآداب التي أمر الله تعالى بها.
والخلاصة: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
وقوله: ﴿إِنِ أَتَّقَيتُنَّ﴾ إما متعلق بما قبله، على معنى: لستن كأحد إن
اتقيتن، فإن الأكرم عند الله هو الأتقى، وإما أن يكون متعلقاً بما بعده، على
معنی: إن اتقيتن فلا تخضعن.
(١) الكشاف: ٢ /٥٣٧
٣٣١
الُعُ (٢٢) - الأخْزَارَ: ٣٣ / ٣١-٣٤
ويصح أن يكون ﴿أَتَّفَيَّتُنٌّ﴾ بمعنى استقبلتن أحداً من الرجال، واتقى
بمعنى استقبل معروف في اللغة، قال النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
أي استقبلتنا باليد. قال أبو حيان: ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن؛ إذ
لم يعلّق فضيلتهن على التقوى، ولا علق نهيهن عن الخضوع بها؛ إذ هن
متقيات الله في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهرة أنهن لسن متحليات
بالتقوى(١). والمراد بقوله: ﴿مَرَضٌ﴾ ميل أو تشوف لفجور، وهو الفسق
وحديث السوء، وهذا هو الأصوب؛ فليس للنفاق مدخل في هذه الآية.
٤ - الأمر بالقرار في البيوت والنهي عن التبرج: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اُلْجَاهِلِيَّةِ اُلْأُوْلَى﴾ أي الزَمْنَ بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة،
أخرج الترمذي والبزّار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َّل
قال: ((إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون
بَرَوْحة - رحمة - ربها، وهي في قَعْر بيتها)). وروى أبو داود أيضاً عن النبي وَلِيه
قال: ((صلاة المرأة في تخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها
أفضل من صلاتها في حُجْرتها)) . أما خروج النساء للمساجد فجائز للعجائز
دون الشابات؛ لما أخرجه أحمد ومسلم عن ابن عمر عن النبي وَّ: ((لا تمنعوا
إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات)) .
ولا تتبرجن تبرج الجاهلية القديمة قبل الإسلام: وهي ما كان قبل الشرع
من سيرة الكفرة، والتبرج: إبداء الزينة والمحاسن للرجال كالصدر والنحر،
بأن تلقي المرأة الخمار على رأسها ولا تشده، فتظهر عنقها وقُرْطها وقلائدها.
٥ - مداومة الطاعة الله ورسوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ
(١) البحر المحيط: ٢٢٨/٧
٣٣٢
الجُرُ (٢٢) - الأَجْزَالَ: ٣٣ /٣١-٣٤
وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾﴾ بعد أن أمرهن تعالى بالقول المعروف (وهو القول الحسن
الجميل المعروف في الخير) وأتبعه ببيان الفعل المناسب للمرأة وهو القرار في
البيوت، ثم نهاهن عن الشر، أمرهن بالخير في إقامة الصلاة (وهو أداؤها على
الوجه المطلوب شرعاً من الخشوع وإتمام الأركان والشروط) وإعطاء الزكاة
(وهي الفريضة الواجبة شرعاً والإحسان إلى الناس) وإطاعة الله ورسوله وكل
في كل أمر ونهي.
وخص تعالى الصلاة والزكاة، لأهميتهما وخطورتهما واثارهما الكبرى،
فالأولى طهارة النفس وعماد الدين، والثانية طهارة المال وطريق مقاومة
الفقر، فهما عمودا الطاعة البدنية والمالية.
وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ إذ ليس
التكليف منحصراً بالصلاة والزكاة، وإنما هو شامل لكل ما أمر الله تعالى به
ونهى عنه، وأمر الله والرسول واحد.
٦ - تحقيق السمعة العالية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أي سبب تلك الأوامر والنواهي والمواعظ إنما هو
الإذهاب المأثم عنكن، وتطهيركن من دنس المعاصي والذنوب، وتعمير قلوبكن
بنور الإيمان.
وقد استعار الرجس (أو الرجز) للذنوب، والطهر للتقوى؛ لأن عِرْض
المقترف للمعاصي يتدنس بها ويتلوث كما يتلوث بدنه بالأرجاس القذرة
الحسية. وأما الطاعات فالعِرْض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه
الاستعارة تنفير عما نهى الله عنه، وترغيب فيما أمر به. والرجس يطلق على
الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن
أهل البيت.
وأهل البيت: كل من لازم النبي وَّه من الأزواج والأقارب. وتوجيه
٣٣٣
اِلُعُ (٢٢) - الأَجْزَان: ٣٣ / ٣١-٣٤
الأوامر لهم لأنهم قدوة الأمة، روى الإمام أحمد والترمذي عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: إن رسول الله وَ﴿ كان يمرّ بباب فاطمة رضي الله عنها ستة
أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: ((الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ
اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾)).
لاً - الأمر بتعليم القرآن والسنة والتذكير بالنعم: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى
بُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبيرًا (٣).
﴾ أي
تذكرن نعم الله عليكن من جعل بيوتكن مهابط الوحي، ولا تنسين ما يُتلى فيها
من آيات الله في قرآنه، وما ينزل على الرسول وَله من الحكمة البالغة والأحكام
والعلوم والشرائع، فاعملوا بها وعلموها، إن الله لطيفٌ خبيرٌ حين علم ما
ينفعكم ويصلحكم في دينكم، فأنزله عليكم، وجعل في بيوتكن الآيات
والشرائع، واختاركن زوجات لرسوله وَ له؛ فهو اللطيف فعله يصل إلى كل
شيء.
وفي هذا حثّ على الطاعة والتزام التكاليف الشرعية، وتنفير عن العصيان
والمخالفة واقتراف المعاصي.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآداب سبعة أمر الله تعالى بها نساء النبي وَله، ونساء الأمة في أغلبها
تبع لهن في ذلك:
اً - طاعة الله والرسول والعمل الصالح من أزواج النبي وَّ لها ثواب
مضاعف، ورزق كريم وهو الجنة.
أَ - لنساء النبي ◌َّ منزلة وفضل وشرف يتميزْنَ بها عن سائر جماعات
النساء الأخرى، لكن هذه الفضيلة مشروطة بشرط التقوى، لما منحهن الله من
صحبة الرسول ◌َ﴾، ونزول القرآن في حقهن، وهذه درجة عالية. وكذلك تمتاز
٣٣٤
الجُرُ (٢٢) - الأجْزَات: ٣٣ /٣١-٣٤
نساء الأمة عن غيرهن من جنس النساء بالتقوى والعمل الصالح، ولكن
درجتهن بالطبع أدنى من درجات أمهات المؤمنين أزواج النبي وَلّ.
◌َّ - على نساء النبي ◌َّ ر أن يكون قولهن جَزْلاً، وكلامهن فصلاً، ولا
يكون على وجه يُظهر اللين والميل من الفجار، كما كانت عليه الحال في نساء
العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه؛ مثل كلام المريبات
والمومسات. وهذا النهي ليس خاصاً بنساء النبي وَّ، وإنما هو شامل النساء
المؤمنين أيضاً. وعلى هذا، فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام، ويندب لها إذا
خاطبت الأجانب، وكذا المحرَّمين عليها بالمصاهرة، كزوج الأخت أن تكون
نبرات صوتها قوية من غير رفع الصوت.
وفي الجملة: القول المعروف: هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا
النفوس.
٤ - أمر الله تعالى نساء النبي ◌َّ﴾ بملازمة بيوتهن، ونها هن عن التبرج:
وهو إظهار ما ستره أحسن. والخطاب وإن كان لنساء النبي ◌َّ، فقد دخل
غيرهن فيه بالمعنى، ولأن الشريعة تكرر الأمر فيها بلزوم النساء بيوتهن، وعدم
الخروج منها إلا لضرورة. وإنما خوطبت نساء النبي وَلّ بذلك تشريفاً لهن،
وليكونن قدوة الأمة في الطهر والصون والعفاف.
وأما خروج السيدة عائشة رضي الله عنها في موقعة الجمل بين أنصار علي
وبين طلحة والزبير، فما كان لحرب، ولكن اشتدت شكاوى الناس إليها من
عظيم الفتنة، ورَجَوْا بركتها، وطمِعوا في الاستحياء منها إذا رأتها الجموع
المتقاتلة، فخرجت بقصد الإصلاح بين الناس، وآثرت ذلك على خروجها
للحج الذي كانت قد عزمت عليه، مقتدية بقول الله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِى
كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَجِ بَيْنَ
النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤/٤] وقوله سبحانه: ﴿وَإِن ◌َابِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ
٣٣٥
الجُرعُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ /٣١-٣٤
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩/٤٩]. والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس
من ذكر وأنثى، ولكن لم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع
إصلاح، فدارت رحى الحرب واشتد الطعان، وطعن جمل عائشة وعرقبه
بعضهم، فاحتملها محمد بن أبي بكر إلى البصرة، ثم أركبها علي رضي الله عنه
إلى المدينة في ثلاثين امرأة، فوصلت إليها برَّة تقية مجتهدة، مصيبة مثابة في
تأويلها، مأجورة فيما فعلت؛ إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب.
٥ - الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله وَعليه في كل أمر
ونھي.
أ - إن كل تلك الأوامر والآداب بقصد تطهير أهل بيت النبوة من دنس
· المعاصي ورجس المنكرات، وجعلهن في طليعة النساء صوناً وعفة، وطاعة لله
ورسوله ﴾.
وأهل البيت النبوي: هم نساؤه وقرابته منهم العباس وأعمامه وبنو
أعمامه منهم، قال الرازي: والأولى أن يقال: هم وأولاده وأزواجه،
والحسن والحسين وعلي منهم؛ لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بنت
النبي ◌َّهر وملازمته للنبي(١). وهذا واضح من ألفاظ الآية وسياقها، فالخطاب
في مطلع الآيات ونهايتها مُوَجَّه إلى زوجات النبي ◌ِّ.
لكن قال القرطبي: والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من
الأزواج وغيرهم. وإنما قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ لأن رسول اللهِ نَّهِ وعلياً وحَسَناً
وحُسيناً كان فيهم، وإذا اجتمع المذكّر والمؤنث غُلِّب المذكر، فاقتضت الآية
أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة هنّ، يدل عليه سياق
(٢)
الكلام(٢).
(١) تفسير الرازي: ٢٠٩/٢٥
(٢) أحكام القرآن: ١٥٢٧/٣
٣٣٦
الزُ (٢٢) - الأجْزَات: ٣٣ /٣١-٣٤
وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أم سلمة فهو كما قال
الترمذي: هذا حديث غريب. ونصه: قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا
رسول الله وي ليه علياً وفاطمة وحَسَناً وحُسَيْناً، فدخل معهم تحت كساءٍ خَيْبَري،
وقال: ((هؤلاء أهل بيتي)) وقرأ الآية، وقال: ((اللهم أذهب عنهم الرجس،
وطهّرهم تطهيراً)) فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنتِ على
مكانكِ، وأنت على خير)). وقال القشيري: وقالت أم سلمة: أدخلت رأسي
في الكساء وقلت: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: ((نعم)).
لاً - التذكير بنعمة الله على نساء النبي إذ صيّرهن الله في بيوت يتلى فيها
القرآن والحكمة وهي كلمات النبي وَطّ، والأمر بالتفكير فيها، والاتعاظ
بمواعظ الله تعالى، وإحسان الأفعال، وحفظ أوامر الله تعالى ونواهيه،
وإخبار الناس وتبليغهم بها ليعملوا بها ويقتدوا.
وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدِّين.
قال ابن العربي: في هذه الآية مسألة بديعة، وهي أن الله تعالى أمر نبيه عليه.
الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن، وتعليم ما علّمه من الدين،
فكان إذا قرأه على واحد أو ما اتفق، سقط عنه الفرض، وكان على من سمعه
أن يبلّغه إلى غيره، ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان عليه إذا علَّم
ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس، فيقول لهم: نزل كذا، ولا كان كذا، ولا
يلزم أن يبلّغ ذلك الرجال(١).
(١) أحكام القرآن: ١٥٢٧/٣
٣٣٧
الجُزُ (٢٢) - الأَخْزَا: ٣٣ / ٣٥
المساواة بين الرجال والنساء في ثواب الآخرة
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَيِنِينَ وَالْقَلِنَتِ وَالصَّدِقِينَ
وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ
وَالصَّمِينَ وَالصَِّمَتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَاتِ وَالذَّكِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّكِرَتْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
٣٥
الإعراب:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الآية: كله منصوب بالعطف على اسم
﴿إِنَّ﴾، وخبرُها: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةَ﴾. وقوله: ﴿وَالذَّكِرَتِ﴾ حذف منه
المفعول، وكذلك: ﴿وَالْحَفِظَتِ﴾ حذف مفعوله، وتقديره: والذاكرات الله،
والحافظات فروجهن، فحذف المفعول لدلالة ما تقدم عليه. وعطف الإناث
على الذكور لاختلاف الجنسين، وأما عطف الصنفين على الصنفين فمن عطف
الصفة على الصفة بحرف الجمع، لتغاير الوصفين، وكأن معناه أن الجامعين
والجامعات لهذه الطاعات لهم مغفرة.
البلاغة:
﴿وَالْذَّكِرَتِ﴾ ﴿وَالْحَفِظَتِ﴾ فيهما إيجاز بالحذف، حذف المفعول لدلالة
السابق عليه، أي والذاكرات الله، والحافظات فروجهن.
﴿ أَعَدَّ اُللَّهُ لَهُمْ﴾ من باب التغليب؛ لأنه إذا اجتمع الذكور والإناث،
غلّب الذكور، ثم أدرجهم في الضمير.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله الآتين
٣٣٨
للهُعُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٣٥
بأركان الإسلام، والإسلام: الانقياد والخضوع لأمر الله. ﴿ وَاُلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ المصدقين بأركان الإيمان، والإيمان: التصديق بما جاء عن الله من
أمر ونهي. ﴿ وَالْقَئِنِينَ وَالْقَِشَتِ﴾ الخاضعين لله المداومين على الطاعة،
والقنوت: الطاعة في سكون. ﴿وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ﴾ في القول والعمل.
﴿ وَالصَِّرِينَ وَالصَِّرَتِ﴾ على الطاعات وعن المعاصي، فالصبر: تحمل المشاق
على المكاره والعبادات والبعد عن المعاصي . ﴿ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَاشِعَتِ﴾
المتواضعين الله بقلوبهم وأعضائهم، والخشوع: السكون والطمأنينة.
﴿وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ﴾ بما وجب في مالهم. ﴿ وَالصَِّمِينَ وَالصَِّمَتِ﴾
الصوم المفروض في رمضان وغيره من النذور وكفارات الأيمان والقتل الخطأ.
{وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاْخَفِظَتِ﴾ عن الحرام. ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًاً
وَالذَِّرَبِ﴾ بقلوبهم وألسنتهم. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً﴾ هيأ لهم مغفرة تمحو
ذنوبهم، وهي ما اقترفوا من الصغائر؛ لأنهن مُكَفَّرات. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على
طاعتهم: وهو نعيم الآخرة.
سبب النزول:
أخرج الترمذي وحسَّنه عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي
فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يُذْكَرن بشيء، فنزلت:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس قال: قالت النساء: يا
رسول الله، ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات، فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الآية.
وأخرج ابن سعد عن قتادة قال: لما ذَكَر أزواج النبي وَّر، قالت النساء:
لو كان فينا خير لذكرنا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الآية.
وأخرج الإمام أحمد والنسائي وابن جرير عن عبد الرحمن بن شَيْبة قال:
٣٣٩
◌ِلُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ /٣٥
سمعت أم سَلَمة رضي الله عنها زوج النبي ◌ُّ تقول: قلت للنبي وَّ: ما لنا لا
نُذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرُعني منه ذات يوم إلا ونداؤه
على المنبر، قالت: وأنا أُسرِّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حُجْرتي
- حجرة بيتي - فجعلت شَمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: ((يا أيها
الناس، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾))
إلى آخر الآية.
المناسبة:
بعد أمر نساء النبي ◌َّر ونهيهن عن الأمور السابقة، وبيان ما يكون لهن من
ثواب، أبان الله تعالى ما أعدّ للمسلمين والمسلمات من المغفرة والثواب
العظيم في الآخرة.
التفسير والبيان:
هذه الآية وعد للرجال والنساء على الطاعة، والاتصاف بهذه الخصال،
ذكر الله تعالى فيها عشر مراتب إشارة إلى ما يجب أن يكونوا عليه، دون اتكال
نساء النبي على صحته وملازمته وقربهن منه:
اً - الإسلام والانقياد لأمر الله واتباع أحكام الدين قولاً وعملاً.
٣ - الإيمان والتصديق التام بما جاء عن الله من شرائع وأحكام وآداب.
وهذا دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وأن الأول أخص من الثاني،
فالإيمان: هو الاعتقاد والتصديق الكامل مع العمل الصالح، والإسلام قول
وعمل بالفعل؛ قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنًا قُل لَّمَّ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ
أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤/٤٩] . وفي الصحيحين:
((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن)) فيسلبه الإيمان، ولا يلزم منه كفره
بإجماع المسلمين، فدلَّ على أن الإيمان أخص من الإسلام.
٣٤٠
الْجُ (٢٢) - الأَخْزَابَ: ٣٣ /٣٥
◌َّ - القنوت: وهو دوام العمل الصالح، والطاعة في سكون، كما قال
تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ
رَبِّهِعٌ﴾ [الزمر: ٩/٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ
قَنِئُونَ
﴾ [الروم: ٢٦/٣٠]. وقال عز وجل: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى
٢٦)
(١٤)﴾ [آل عمران: ٤٣/٣].
وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ
ويلاحظ التدرج بين هذه المراتب، فالإسلام: إسلام الظاهر من النطق
بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع
إليه سبيلاً، ثم يأتي بعده مرتبة يُرتقى إليها وهو الإيمان الذي هو الإذعان
والتصديق الباطني في القلب، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر وبالقدر خيره وشره، ثم ينشأ عن مجموعهما القنوت الذي هو السكون
والخشوع في الطاعة وأداء العبادة.
◌َ - الصدق في القول والعمل، وهو خصلة محمودة، وعلامة على الإيمان،
كما أن الكذب أمارة على النفاق، فمن صَدَق نجا، وفي الحديث الصحيح عند
أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن ابن مسعود: ((عليكم
بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البِرّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وما يزال
الرجل يصدُق ويتحرّى الصدق حتٍ، يكتب عند الله صِدّيقاً، وإياكم
والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما
يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب، حتى يُكتب عند الله كَذَّاباً)) . لذا كان
بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرّب عليه كذبة لا في الجاهلية ولا في
الإسلام.
وهذه المرتبة تلي القنوت، فإن من آمن وعمل صالحاً كمل، فيكمّل غيره،
ويأمر بالمعروف، وينصح أخاه بصدق.
٥ - الصبر على المصائب، وتحمل المشاق في أداء العبادات وترك المعاصي،