Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الُُ (٢١) - التَجَادَة: ٣٢ / ٢٦-٣٠
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَنٍّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؟ أي إن في تدمير أولئك القوم بسبب
تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم لدلائل على قدرتنا، وعبراً وعظاتٍ
يعتبرون ويتعظون بها، فهلا يسمعون عظاتنا، ويتذكرون تذكيرنا لهم، سماع
تدبر واتعاظ وتفكر؟ والخلاصة: إن مساكن المهلكين دالة على حالهم.
وبعد بيان القدرة على الإهلاك، بيَّن الله تعالى القدرة على الإحياء، فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْأْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ
أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُصِرُونَ ﴾﴾ أي أو لم يشاهد هؤلاء المكذبون بالبعث
أننا قادرون على الإحياء، فنسوق الماء من السماء أو السيول إلى الأرض
اليابسة التي لا نبات فيها، فنخرج به زرعاً أخضر تأكل منه أنعامهم من التبن
والشعير والحشيش، وتتغذى منه أجسامهم، وتتقوى به أبدانهم، أفلا
يبصرون هذا بأعينهم، فيعلموا أننا قادرون على الإعادة بعد الموت، كإحياء
الأرض بعد موتها؟
ثم ذكر تعالى تساؤل المشركين عن يوم البعث والحشر، فقال:
أي ويتساءل
٢٨
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ.
:
هؤلاء الكفار عن ميعاد وقوع بأس الله وعذابه بهم استبعاداً وتكذيباً وعناداً،
قائلين: متى تنتصر علينا يا محمد، ومتى ينتقم الله لك منا، وأنت وصحبك ما
نراكم إلا مختفين خائفين ذليلين؟ إن كنتم صادقين في تهديدكم ووعيدكم على
الكفر وعبادة الأوثان.
فأجابهم الله تعالى موبخاً لهم:
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِمَنُهُمْ وَلَا هُ يُنْظَرُونَ (َ﴾ أي
قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين برسالتك: إن يوم الحكم الفاصل والقضاء
والفصل النافذ هو يوم القيامة الذي لا ينفع فيه إيمان الكافر ولا توبته، ولا

٢٤٢
الزُءُ (٢١) - التَّحْدَة: ٣٢ /٢٦-٣٠
هم يؤخرون فيه بالإعادة إلى الدنيا للتوبة والإيمان وإصلاح العمل؛ لأن
الإيمان المقبول هو الذي يكون في دار الدنيا، فلا تستعجلوه، فهو كائن حتماً.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانَظِرْ إِنَّهُم مُّنْتَظِرُونَ (٣)﴾ أي أعرض أيها الرسول
عن هؤلاء المشركين، ولا تبال بتكذيبهم، وتابع تبليغ ما أنزل إليك من ربك،
وانتظر النصر من الله الذي وعدك به، فإن الله سينجز لك ما وعدك،
وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد.
إنك أنت منتظر نصر الله، وهم منتظرون الغلبة عليك والموت أو القتل،
[الطور: ٣٠/٥٢]
كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ تَبَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ
وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة ربك، وسيجدون سوء ما
ينتظرونه فيك من عقاب الله بهم وتعذيبه إياهم في الدنيا والآخرة، وما علموا
أن الله عاصمك منهم ومؤيدك بنصره.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن إهلاك الأمم الظالمة العاتية دليل على قدرة الله ووحدانيته، وفي
ذلك عبرة للمعتبر، والمشركون الذين يشاهدون آثار الدمار والهلاك، لا
يسمعون آيات الله وعظاته فيتعظون، إذ ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع
الشيء ويفهمه، ولا قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم.
أَ - إن سوق الماء بقدرة الله إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لإحيائها
بالنبات الأخضر والزرع النضر دليل آخر على قدرة الله على الإحياء وإعادة
البشر لحياة البعث والنشور، ولكن الكفار لا يتأملون هذا بعين البصيرة ولا
يبصرون هذا بحق، فيعلمون أن الله قادر على الحشر وعلى إعادتهم إلى الحياة
يوم القيامة.

٢٤٣
الجُعُ (٢١) - السَحَدَة: ٣٢ / ٢٦ -٣٠
وفي هذين الدليلين من الإهلاك والإماتة، والإحياء والإعادة إشارة إلى أن
الضر والنفع بيد الله تعالى.
ءَّ - إن حماقة المشركين دفعتهم إلى استعجال العذاب والعقاب يوم القيامة.
ويروى أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة، فيثيب
المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى يوم
الفتح، أي هذا الحكم؟
٤ - كان الرد الحاسم على هؤلاء الحمقى أن يوم الفتح والحكم والفصل
بين المؤمنين والكفار كائن حتماً لا شك فيه ولا بدّ منه، ولكن لا ينفع فيه
الإيمان حينئذ؛ لأن الإيمان المقبول هو الذي يكون في دار الدنيا، وكذلك لا
يؤخرون بالإعادة للدنيا، ولا يمهلون للتوبة.
.6 - النتيجة المطلوبة أن الإعراض عن المكذبين بالقرآن والرسول بعد
البيانات المتكررة والبراهين المتلاحقة هو الواجب، ولينتظر نبي الله والمؤمنون
يوم الفتح وحكم الله عليهم، وتحقيق النصر، ولن يفيد الكفار المكذبين انتظار
حوادث الزمان بالنبي ◌َّ وأتباعه، فإن الله عاصمه من الناس، وناصر جنده
المؤمنين، والشعار حينئذ: انتظر عذابهم، إنهم منتظرون هلاكك؟! وهم
هالكون لا محالة.

٢٤٤
لُُ (٢١) السورة (٣٣) الأَجْزَايَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُوَّةُ الأَجْزَابِ
مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية
تسميتها:
سميت سورة الأحزاب لاشتمال الكلام فيها على وقعة الخندق أو الأحزاب
الذين تجمعوا حول المدينة، من مشركي قريش وغطفان، بالتواطؤ مع المنافقين
ويهود بني قريظة، لحرب المسلمين ومحاولة استئصالهم، كما سميت (الفاضحة)
لأنها افتضحت المنافقين، وأبانت شدة إيذائهم لرسول الله وق لقه في أزواجه
وتألبهم عليه في تلك الموقعة.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بسورة السجدة التي قبلها في وجوه التشابه بين
مطلع هذه وخاتمة تلك، فإن السورة السابقة خُتمت بأمر النبي ◌َّ بالإعراض
عن الكافرين، وانتظار عذابهم، وهذه بُدئت بأمره وَّر بالتقوى، وعدم طاعة
الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه من ربه، والتوكل عليه.
موضوعها:
موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المدنية، التي تهتم بالجانب
التشريعي للأمة، ولا سيما تنظيم الأسرة النبوية، وإبطال بعض عادات

٢٤٥
الُ (٢١) السورة (٣٣) الأَجْزَائِيَ
الجاهلية كالتبني والظهار واعتقاد وجود قلبين للإنسان، وعدم إيجاب العِدّة
على المطلقة قبل الدخول، وفرض الحجاب على نساء النبي ◌َّ ونساء
المؤمنين، وبيان خطورة أمانة التكليف.
مشتملاتها:
اشتملت هذه السورة على بعض الآداب الاجتماعية، والأحكام التشريعية
وأخبار في السيرة عن غزوتي الأحزاب وبني قريظة وعن المنافقين.
أما الآداب الاجتماعية: فأهمها آداب الدعوة إلى الولائم، والحجاب
وعدم التبرج، وتعظيم النبي 14َّ في بيته ومع الناس، والقول السديد.
وأما الأحكام الشرعية فكثيرة: منها الأمر بتقوى الله وعدم طاعة الكافرين
والمنافقين، ووجوب اتباع الوحي، وحكم الظهار، وإبطال عادة التبني وعادة
التوريث بالحلف أو الهجرة، وجعل الرحم والقرابة أساس الميراث، وتعداد
المحارم وعدد زوجات النبي ◌َّه، والصلاة على النبي ◌َّ، وفرض الحجاب
الشرعي وتطهير المجتمع من مظاهر التبرج في الجاهلية، وعدم إلزام المطلقة قبل
الدخول بالعدة، وتخيير نساء النبي وَلّه بين الفراق والبقاء معه، وتخصيص
زوجاته بمضاعفة الأجر والثواب عند الطاعة، ومضاعفة العذاب عند
المعصية، وتحريم إيذاء الله والرسول ◌َله والمؤمنين، وخطورة أمانة التكليف،
وعقاب المسيء وإثابة المحسن.
وأما أخبار السيرة: ففي السورة بيان توضيحي عن (غزوة الأحزاب) أو
(غزوة الخندق) وغزوة بني قريظة، ونقضهم العهد مع النبي ◌َّ، وكشف
فضائح المنافقين والتحذير من مكائدهم، وتهديدهم مع المرجفين في المدينة على
جرائمهم بالطرد والتعذيب، وتذكير المؤمنين بنعم الله العظمى التي أنعم بها
عليهم في وقعة الخندق بعد اشتداد الخطب عليهم، ورد كيد أعدائهم بالملائكة
والريح، حتى صار ذلك معجزة خارقة للعادة، وبيان قضة زيد بن حارثة مولى
النبي ◌َّ، وزينب بنت جحش زوج النبي ◌َّ.

٢٤٦
الدُرءُ (٢١) - الأحزاب: ٣٣ / ١-٣
الأمر بتقوى الله واتباع الوحي والتوكل على الله
﴿ يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حكيمًا
وَأَنَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
القراءات:
﴿ النَّبِىُّ﴾ :
وقرأ نافع (النبيء).
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (بما يعملون).
البلاغة:
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ أي دم على تقواه، وليتق الله المؤمنون، بأسلوب
يقصد به تنبيه بالأعلى وهو النبي على الأدنى وهم المؤمنون، فإنه تعالى إذا أمر
رسوله بالتقوى، كان المؤمنون مأمورين بها بطريق الأولى أو أنه أمر قصد به
الثبات والاستدامة على التقوى. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ فيما يخالف
شريعتك وأوامر ربك. ﴿إِنَ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي إن الله كان وما
يزال عالماً بكل شيء قبل وجوده، حكيماً فيما يخلقه. ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ
مِن رَّبِّكْ﴾ أي القرآن. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ﴾ وكِلْ أمرك إلى تدبيره. ﴿وَكَفَى

٢٤٧
الُ (٢١) - الأَخْزَابَ: ٣٣ /١-٣
بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ حافظاً لك، موكولاً إليه كل الأمور، والأمة تبع له في المذكور
کله.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أهل مكة، ومنهم
الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة دَعَوًا النبي ◌َّ أن يرجع عن قوله، على أن
يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه،
فنزلت الآيات.
وذكر الواحدي في أسباب النزول: أن الآيات نزلت في أبي سفيان وعِكْرمة
ابن أبي جهل وأبي الأعور السُّلَمي قَدِموا المدينة بعد قتال أحد، فنزلوا على
عبد الله بن أبيّ (زعيم المنافقين) وقد أعطاهم النبي وَّر الأمان على أن
يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطُعْمة بن أُبَيرق، فقالوا
للنبي وَّ، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعُزّى ومناة،
وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربَّك، فشقّ على النبي
قولهم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم،
فقال: ((إني قد أعطيتهم الأمان)) فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه،
فأمر رسول الله وَله أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
التفسير والبيان:
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا ﴾﴾ أي يا أيها الرسول محمد، داوم على تقوى الله وخف عقابه
بإطاعة أوامره واجتناب محارمه، ولا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا
تستشرهم في شيء، واحترس منهم، ولا تستجب لمطالبهم بتخصيص بعض
المجالس والأوقات لهم وطرد الضعفاء، إن الله عليم بعواقب الأمور، حكيم

٢٤٨
الزُّجُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /١-٣
في أقواله وأفعاله، فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإن أولئك الكفار
أعداؤك الذين يريدون هلاكك.
وقوله: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ نهي مؤكد لمضمون الأمر السابق،
أي اتق الله تقوى تمنعك من طاعتهم.
روي أنه لما قَدِم رسول الله وَّ المدينة، تابعه ناس من اليهود نفاقاً، وكان
يُلين لهم جانبه، ويظهرون له النصح خداعاً؛ فحذره الله منهم، ونبهه إلى
عداوتهم.
وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو
ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله مخافة عذاب الله.
ثم أكد الله تعالى وجوب امتثال أوامر الله، فقال:
﴿ وَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّيِّكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
٢
أي اعمل بمقتضى الوحي المنزل إليك من ربك من قرآن وسنة، فإن الله لا
تخفى عليه خافية، يعلم بدقة بواطن الأشياء وظواهرها، ثم يجازيكم عليها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ علة للأمر باتباع الوحي، وإشارة إلى أن التقوى
ينبغي أن تكون عن صميم قلبك، لا تخفي في نفسك تقوى غير الله.
ثم أمر تعالى رسوله بعد التزام الأوامر بتفويض الأمور إلى الله وحده،
فقال :
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ أي فوض جميع أمورك
وأحوالك إلى الله، وكفى به وكيلاً لمن توكل عليه، وأناب إليه. والمقصود أن
الله عاصمك وحسبك، فهو وحده جالب النفع لك، ودافع الضر عنك.

٢٤٩
لُ (٢١) - الأَخْزَارَ: ٣٣ /١-٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إيجاب التقوى والمداومة عليها ومتابعة طاعة الله أمر عام مفروض على
جميع البشر، سواء أكانوا أنبياء ورسلاً وملائكة أم غيرهم، إلا أن الأنبياء
والملائكة المعصومين من المعصية يؤمرون بالتقوى تعليماً وإرشاداً لغيرهم،
وتنبيهاً بالأعلى على الأدنى. ويلاحظ أن الله تعالى لم يخاطب نبيه محمداً وَلَوَ إلا
بلفظ النبوة والرسالة: (يا أيها النبي) ( يا أيها الرسول) ولم يخاطبه باسمه،
تعظيماً لشأنه، وإشادة بمقامه، وتعليماً لنا للأدب معه، مع أنه تعالى خاطب
الأنبياء بأسمائهم فقال: ﴿يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِّنَا﴾ [هود: ٤٨/١١] ﴿يَإِبَهِيمُ،
قَدْ صَدَقْتَ الرُِّيَا﴾ [الصافات: ١٠٤/٣٧-١٠٥] ﴿يَمُوسَىّ إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
[الأعراف: ٧ / ١٤٤].
بِسَلَكِتِ وَبِكَلَّمِى﴾
أَ - الأمر بالشيء نهي عن ضده، لذا منع الله سبحانه من طاعة الكافرين
من أهل مكة ونحوهم والمنافقين من أهل المدينة وأمثالهم فيما نهى عنه،
والتحذير من الميل إليهم، فإن الله عليم بكفرهم ونفاقهم، حكيم فيما يفعل
بهم، والمقصود بذلك الاحتراس من مؤامراتهم ومكائدهم وخططهم المشبوهة.
والمراد بالكافرين من أهل مكة: أبو سفيان وأبو الأعور وعكرمة. والمراد
بالمنافقين من أهل المدينة: عبد الله بن أبيّ، وطُعْمة بن أَبَيْرِق، وعبد الله بن
سعد بن أبي سرح.
ءَّ - ومن الواجب أيضاً اتباع الوحي من قرآن وسنة، وفي ذلك زَجْر عن
اتباع مراسم الجاهلية. وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع
الآراء مع وجود النص، فلا مساغ للاجتهاد في مورد النص. والخطاب للنبي
گال﴾ ولا مته.

٢٥٠
لُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /٤-٥
٤ - على المؤمن بعد اتخاذ الأسباب والوسائل أن يعتمد على الله في جميع
أحواله، فهو الذي ينفع ويمنع، ولا يضر معه معارضة أحد من البشر أو
مخالفته، وكفى بالله حافظاً لجميع الأمور والأحوال.
والخلاصة: إن الله تعالى أراد بهذه الآيات غرس العزة والكرامة في نفوس
المسلمين، والثقة بالذات، وعدم الالتفات إلى الأعداء، ومن أجل تحقيق تلك
الغايات، قررت الآيات هذه الأحكام وهي إن الله عليم بالمصلحة
والصواب، حكيم لا يأمر ولا ينهى إلا على وفق الحكمة والصواب،
فالواجب الأول: امتثال الأمر وتنفيذ النهي، والواجب الثاني: اتباع وحي
الله، فإن الله خبير بما يصلح أمور العباد، والواجب الثالث: التوكل على الله
حقاً، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وکافیه، وكفى بالله وكيلاً.
تعدد القلب والظهار والتبني
﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ
مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ فَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمَّ وَاللَّهُ يَقُولُ
اُلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ﴿ أَدْعُوهُمْ لِلَبَآَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِّ فَإِنِ لَّمْ
تَعْلَمُوْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ
أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن ◌َّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
٥
القراءات:
﴿ اَلَّتِى﴾: قرئ:
١- (اللائي) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (اللاء) قرأ البزي، وأبو عمرو، بتسهيل الهمزة مع المد والقصر.

٢٥١
لُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /٤-٥
وقرأ قالون، وقنبل بحذف الياء بعد الهمزة أيضاً، ولكن مع تحقيق الهمزة
وصلاً ووقفاً.
وقرأ ورش بحذف الياء، وتسهيل الهمزة مع المد والقصر.
﴿تُظهِرُونَ﴾: قرئ:
١- (تَظَّهُّرون) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (تَظاهرون) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (تُظَاهرون) وهي قراءة عاصم.
٤- (تَظَاهرون) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ أَخْطَأْتُمْ﴾:
وقرأ السوسي، ووقفاً حمزة (أخطاتم).
الإعراب:
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى﴾ أزواج: جمع زوج، والزوج يطلق على الذكر
والأنثى، يقال: هما زوجان، وقد يقال للمرأة: زوجة، واللغة الفصحى بغير
تاء، وهي لغة القرآن، قال تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥/٢]
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠/٢١].
و﴿الَّتِى﴾: فيه ثلاث قراءات، بإثبات الياء، وبحذفها، وبجعل الهمزة بين
بین تسهيلاً بعد حذف الياء.
و ﴿تُظَهِرُونَ﴾: يقرأ بتخفيف الظاء وتشديدها، وأصلهما: يتظاهرون.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقّ﴾ ﴿الْحَقّ﴾ منصوب على أنه مفعول به لـ ﴿يَقُولُ﴾ أو
على أنه صفة لمصدر محذوف، أي يقول القول الحق.

٢٥٢
الُزُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٤-٥
﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ﴾ ﴿مَّا﴾: إما مجرور بالعطف على ﴿مَّا﴾ في قوله:
﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ﴾ وإما مرفوع بالابتداء، أي ولكن ما تعمدت قلوبكم
يؤاخذكم به.
البلاغة:
﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ﴾ تنكير رجل للاستغراق والشمول،
وحرف الجر: لتأكيد الاستغراق، وذكر الجوف ﴿فِى جَوْفِهِ،﴾ لزيادة تصوير
الإنكار.
أَخْطَأْتُم﴾ ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿َّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ،﴾ ﴿جَعَلَ﴾ خلق، وهذا رد على
من زعم من الكفار أن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد واله.
﴿ تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ الظهار: أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو
كظهر أحد محارمه، أي أنت في التحريم علي كتحريم الأم ونحوها من المحارم.
﴿أُنَّهَتِكُمْ﴾ أي كالأمهات في التحريم، فقد كان الظهار في الجاهلية طلاقاً،
أما في الإسلام فتجب فيه الكفارة قبل الجماع .﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ﴾ جمع
دعِيّ: وهو الذي تُدَّعی بنوته، فيدعى لغير أبيه ابناً له، وكان له أحكام الابن
في الجاهلية وصدر الإسلام، وفي الواقع هو ابن غيره .﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ أي أبناء في
الحقيقة. والمراد: ما جمع تعالى الزوجية والأمومة في امرأة، ولا الدعوة والبنوة
في رجل، فكما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى تناقض: (وهو أن يكون
كل منهما أصلاً لكل القوى وغير أصل) لم يجعل الزوجة والدّعي اللذين لا
ولادة بينهما وبينه أماً ولا ابناً اللذين بينهما وبينه ولادة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى كلّ ما ذكر، و﴿قَوّلُكُم

٢٥٣
لِلُُّ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ /٤-٥
◌ِأَفْوَهِكُمْ﴾ أي مجرد قول في الظاهر، لا حقيقة له في الواقع. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ
اُلْحَقّ﴾ أي يقول ما له حقيقة مطابقة للواقع. ﴿ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ سبيل
الحق. والمراد: نفي وجود القلبين، ونفي الأمومة والبنوة عن المظاهر منها
والمتبنى.
﴿ أَدْعُوهُمْ لِلَّبَآَبِهِمْ﴾ أي لكن انسبوهم إليهم. ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾
تعليل لما سبق، و﴿أَقْسَطُ﴾ أفعل تفضيل، قصد به الزيادة مطلقاً، أي أعدل،
والمراد: البالغ في الصدق.
سبب النزول:
نزول الآية (٤):
﴿َّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ﴾: أخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: قام
النبي ◌َلّه يوماً يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا
ترى أن له قلبين، قلباً معكم وقلباً معه، فأنزل الله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن
قَلْبَیْنِ فِی جَوْفِئٍ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة: قالوا: كان
رجل يدعى ذا القلبين. قيل: إنه أبو معمر، وقيل: إنه جميل بن أسد الفهري.
وكانت الزوجة المظاهر منها كالأم، ودَعِيُّ الرجل: ابنه.
وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري مثل الذي أخرجه ابن أبي حاتم،
وزاد: وكان يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني. وأخرج عن مجاهد قال:
نزلت في رجل من بني فِهْر قال: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما
أفضل من عقل محمد رَله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّي أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمح
يقال له: جميل بن مَعْمَر الفِهْري، وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما سمع، فقالت

٢٥٤
لُُ (٢١) - الأَجْزَابَّ: ٣٣ /٤-٥
قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل
بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ﴿ فلما كان يوم بدر، وهزم المشركون
وفيهم يومئذ جميل بن مَعْمَر، تلقاه أبو يوسف وهو معلّق إحدی نعلیه بيده،
والأخرى في رِجْله، فقال له: يا أبا معمر، ما حال الناس؟ قال: انهزموا،
قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجْلك؟ قال: ما شعرت
إلا أنهما في رجلي، وعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده(١)
نزول الآية:
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَآيِهِمْ﴾: نزلت في زيد بن
حارثة، كان عند الرسول وَل﴿، فأعتقه وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي
حَله زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون:
تزوج محمد وير امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله تعالى هذه
الآية (٢)
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال: ما كنا
ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت في القرآن: ﴿آدْعُوهُمْ
لِأَبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ فقال النبي ◌َّ: أنت زيد بن حارثة بن
شراحيل.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بتقواه وطاعته والخوف منه، ونهى عن طاعة الكفار
والخوف منهم، نفى تعدد القلب عند الإنسان، وأبطل الظهار والتبني، فإذا
كان لا يجتمع في قلب إنسان الخوف من الله والخوف من غيره، فليس للإنسان
(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٠١
(٢) المرجع والمكان السابق.

1
٢٥٥
الُ (٢١) - الأَخْزَابَ: ٣٣ / ٤-٥
قلبان حتى يطيع بأحدهما ويعصي بالآخر، ولا تجتمع الزوجية والأمومة في
امرأة، ولا البنوة الحقيقية والتبني في رجل، فجمع في الآيات بين أمر معروف
حسي، وبین أمرین معنويين.
التفسير والبيان:
﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ أي إن الذات الإنسانية ووحدة
التركيب العضوي واحدة في كل إنسان، وما خلق الله لأي أحد قلبين، فليس
لأي رجل قلبان في صدره، وإنما هو قلب واحد؛ لأن القلب محل التوجيه
والإرادة والعزم، فإذا كان الإنسان مؤمناً بالله ورسوله، فلن يكون كافراً أو
منافقاً، أي إنه لا يجتمع في قلب واحد اعتقادان، ولا يجتمع اتجاهان
متضادان، یأمر أحدهما أو ینھی بنقيض ما يطلبه الآخر.
والآية كما بان في سبيل النزول ردّ على ما كانت العرب تزعم أن اللبيب
الأريب له قلبان، فقيل لأبي مَعْمر أو لجميل بن مَعْمر الفِهْري أو لجميل بن
أسد الفِهْري: ذو القلبين. والظاهر أنه أبو معمر الفِهْري جميل بن معمر الذي
اشتهر بين أهل مكة بذي القلبين لقوة حفظه.
والقلب: المضغة الصنوبرية في داخل التجويف الصدري، وهو محل
الخطرات والوساوس، ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار والإنابة،
ومحل الانزعاج والطمأنينة. والجعل: الخلق. وفائدة ذكر الجوف كفائدة ذكر
الصدر في قوله: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦/٢٢] ليحصل للسامع
زيادة التصور، والإسراع في الإنكار.
﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ﴾ أي وما جعل
الزوجات المظاهر منهن كالأمهات في الحرمة، بأن يقول الرجل لامرأته: أنت
علي كظهر أمي، فذلك كذب موجب العقوبة، كما قال تعالى: ﴿مَّا هُنَ
أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا﴾
[المجادلة: ٢/٥٨].

٢٥٦
الُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /٤-٥
وكان حكم الظهار في الجاهلية طلاقاً يفيد التحريم المؤبد، فجعل الإسلام
الحرمة مؤقتة، تزول بالكفارة (تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو
إطعام ستين مسكيناً قبل الجماع) كما جاء في أوائل سورة المجادلة، لتحريم ما
أحلَّ الله تعالی.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أي وما جعل الله الْمُذَّعى بنوتهم بالتبني أبناء
في الحقيقة، فهم أبناء آبائهم الحقيقيين، والتبني حرام، وهذا أيضاً إبطال لما
كان عليه العرب في الجاهلية وصدر الإسلام من جعل الابن بالتبني كالابن
النسبي. وقد كان النبي ◌ّ بعد إعتاق زيد بن حارثة مولاه قد تبناه قبل النبوة،
فكان يقال له: زيد بن محمد، وتبنى الخطّاب عامر بن أبي ربيعة، وأبو حذيفة
سالماً، وكثير من العرب تبنی ولد غيره.
والخلاصة: أجمع أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة.
وقد أبطل الله هذا الإلحاق الوهمي وهذا النسبِ المزعوم بهذه الآية، وبقوله
تعالى بعدئذ في هذه السورة: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:
٤٠/٣٣].
وهذا هو المقصود بالنفي، قدَّم الله له نفي أمر حسي معروف وهو ازدواج
القلب في الإنسان، ثم أردفه بنفي أمرين معنويين هما اجتماع الزوجية مع
الظهار، والتبني مع النسب، فالثلاثة باطلة لا حقيقة لها، لذا قال تعالى مؤكداً.
النفي :
﴿ذَلِكُمْ فَوَّلُكُم بِأَفْوَهِكُمْ﴾ أي ذلكم المذكور كله في الجمل الثلاث من
ادعاء وجود قلبين في صدر واحد، واجتماع الزوجية مع الظهار، والتبني مع
النسب هو مجرد قول باللسان، لا صلة له بالحقيقة، فلا تصبح الزوجة بالظهار
أمّاً، ولا المتبنى ابناً. وزيادة قوله تعالى: ﴿ِأَفْوَهِكُمْ﴾ للتنبيه على أنه قول
صادر من الأفواه فقط، من غير أن يكون له حقيقة في الواقع، كما أن زيادة
﴿فِي جَوْفِهِ،﴾ لتأكيد الإنكار وزيادة تصويره للنفوس.

٢٥٧
الُ (٢١) - الأَخْزَارَ: ٣٣ /٤-٥
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ أي والله هو الذي يقرر الصدق
والعدل، ويقول الواقع، ويرشد إلى السبيل الأقوم الصحيح والطريق
المستقيم، فدعوا قولكم، وخذوا بقوله عز وجل. ثم فصل تعالى هذا الحق
المقصود أصالة بالآية فقال:
﴿ أَدْعُوهُمْ لِأَبَآبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهَّ﴾ أي انسبوا أولئك الذين
تبنيتموهم وألحقتم نسبهم بكم إلى آبائهم الحقيقيين، فذلك أعدل في حكم الله
وشرعه، وأصوب من نسبة الابن لغير أبيه. فقوله: ﴿أَقْسَطُ﴾ أفعل التفضيل،
وهو ليس على بابه، أي لا يراد به المفاضلة بين اثنين، بل قصد به الزيادة
مطلقاً، ويجوز أن يكون على بابه على سبيل التهكم بهم.
﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ﴾ أي فإن جهل آباء
هؤلاء الأدعياء، فهم إخوانكم في الدين إن كانوا قد أسلموا، وهم مواليكم
في الدين أيضاً أي أنصاركم، إن كانوا عتقاء مُحَرَّرين، فينادى الواحد منهم:
يا أخي أو يا مولاي، لذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى حذيفة. جاء في
الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن أبي ذر: ((ليس من رجل ادّعى لغير
أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر)) قال ابن كثير: هذا تشبيه وتهديد ووعيد أكيد في
التبري من النسب المعلوم.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي
لا إثم عليكم بنسبة بعضهم إلى غير أبيه خطأ قبل النهي، أو بعده نسياناً أو
سبق لسان، أو بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن الله قد وضع الحرج في
الخطأ ورفع إثمه، كما قال تعالى: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾.
[البقرة: ٢٨٦/٢] وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله وَ ل قال: ((قال الله عز
وجل: قد فعلت)). وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه
قال: قال رسول الله والر: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد

٢٥٨
لِزُعُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ /٤-٥
فأخطأ فله أجر)) وفي الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن أبي ذر: ((إن الله
تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
لا إثم في الخطأ، ولكن الإثم على من تعمد الباطل، فنسب الابن أو البنت
إلى غير الأب المعروف، فتلك معصية موجبة للعقاب. ولا إثم ولا تحريم فيما
غلب عليه اسم التبني كالمقداد بن عمرو، فإنه غلب عليه نسب التبني، فيقال
له: المقداد بن الأسود، والأسود: هو الأسود بن عبد يغوث، كان قد تبناه في
الجاهلية، فلما نزلت الآية، قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك بقي
الإطلاق علیه.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه قال في الآية: ((لو دعوتَ رجلاً
لغير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمدت
وقصدت دعاءه لغير أبيه)).
وأخرج الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى بعث
محمداً وَله بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم
رسول الله ﴿ه ورجمنا بعده. ثم قال: قد كنا نقرأ: ((ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه
كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)) وأن رسول الله وَ ليل قال: ((لا تُطروني كما
أطري عيسى ابن مريم عليه السلام، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبده ورسوله))
وربما قال معمر: ((كما أطرت النصارى ابن مريم)).
وروى أحمد في حديث آخر: ((ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب،
والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم)).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَّحِيمًا﴾ أي وكان الله وما يزال ساتراً لذنب المخطئ،
والمتعمد إذا تاب، رحيماً بهما فلا يعاقبهما، فمن رحمته أنه رفع الإثم عن
المخطئ، وقبل توبة المسيء عمداً.

٢٥٩
اِلُ (٢١) - الأَخْزَارَ: ٣٣ /٤-٥
قصة زيد بن حارثة في السيرة والسنة النبوية:
أخرج الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر رضي الله
عنهما: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله سيو ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد
حتى نزل القرآن: ﴿آدْعُوهُمْ لِبَابِهِمْ﴾ فقال النبي ◌َّ: أنت زيد بن حارثة بن
شَراحيل. وقد سُبي من قبيلته ((كَلْب)) وهو صغير.
وكان من أمره ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني
مَعْن من بني ثعل من طَيّ، فأصيب في نَهْب من طيّ، فقدِم به سوق عكاظ،
وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها، فأوصته عمته خديجة
أن يبتاع لها غلاماً ظريفاً إن قدر عليه، فلما قدم وجد زيداً يباع فيها، فأعجبه
ظَرْفه، فابتاعه، فقدم به عليها، وقال لها: إني قد ابتعتُ لكِ غلاماً ظريفاً
عربياً، فإن أعجبك فخذيه، وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني، فلما رأته خديجة
أعجبها، فأخذته.
فتزوجها رسول الله وَ﴿ه وهو عندها، فأعجبَ النبيَّ وَّ ظَرْفه، فاستوهبه
منها، فقالت: أهبه لك، فإن أردتَ عتقه، فالولاء لي، فأبى عليها عليه
الصلاة والسلام، فوهبته له، إن شاء أعتق، وإن شاء أمسك.
قال: فشبَّ عند النبي وَِّ، ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام،
فمرّ بأرض قومه، فعرفه عمه، فقام إليه، فقال: من أنت يا غلام؟ قال:
غلام من أهل مكة، قال: من أنفسهم؟ قال: لا، قال: فحرٌّ أنت أم مملوك؟
قال: بل مملوك، قال: لمن؟ قال: لمحمد بن عبد المطلب، فقال له: أعربي
أنت أم عجمي؟ قال: عربي، قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب، قال: من
أي كلب؟ قال: من بني عبد وُدّ، قال: ويحك، ابن من أنت؟ قال: ابن
حارثة بن شراحيل. قال: وأين أُصبتَ؟ قال: في أخوالي، قال: ومن
أخوالك؟ قال: طي، قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدى، فالتزمه، وقال:
ابن حارثة.

٢٦٠
لِلُءُ (٢١) - الأَخْزَابَ: ٣٣ /٤-٥
ودعا أباه، فقال: يا حارثة، هذا ابنك، فأتاه حارثة، فلما نظر إليه
عرفه، قال: كيف صُنْع مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده، فركب
معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله وَّله، فقال له
حارثة: يا محمد، أنتم أهل حَرَم الله وجيرانه وعند بيته، تفكّون العاني،
وتطعمون الأسير، ابني عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فإنك ابن
سيد قومك، وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت، فقال رسول الله وعليه :
أعطيكم خيراً من ذلك، قالوا: وما هو؟ قال: أُخيِّره، فإن اختاركم فخذوه
بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه.
فقالوا: جزاك الله خيراً، فقد أحسنت. فدعاه رسول الله وَلّة، فقال: ((يا
زيد، أتعرف هؤلاء))؟ قال: نعم. هذا أبي وعمي وأخي، فقال ◌َّ: ((فهم
من قد عرفتهم، فإن اخترتهم، فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من تعلم)).
فقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً، أنت معي بمكان الوالد والعم،
قال: أبوه وعمه: أيا زيد، أتختار العبودية؟ قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل،
فلما رأى رسول الله وَ ل حرصه عليه، قال: ((اشهدوا أنه حر، وأنه ابني يرثني
وأرثه)) فطابت نفس أبيه وعمه، لما رأوا من كرامة زيد عليه وَّر، فلم يزل في
الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿أَدْعُوهُمْ لَّبَآِبِهِمْ﴾ فَدُعي زيد
ابن حارثة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - أعلم الله عز وجل أنه لا أحد بقلبين، وإنما هو قلب واحد، فإما فيه
إيمان وإما فيه كفر، ولا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال،
والإنابة والإصرار.
وفي هذا رد على بعض أهل مكة الذين كانوا يقولون: إن لي في جوفي
قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد والمؤ.