Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
لُ (٢١) السورة (٣٢) التََّجَدَة
مشتملاتها:
افتتحت السورة بتقرير كون القرآن العظيم بلا أدنى شك هو كتاب الله
المنزل على رسوله وَل﴿، وإثبات رسالة النبي ◌َّة، وإبطال مزاعم المشركين بأن
الرسول افترى هذا القرآن، وبيان أنه لم يأتهم رسول مثله قبله.
ثم أوردت السورة أدلة وحدانية الله وقدرته من تدبيره الكون، وخلقه
الإنسان ورعايته له في أطواره التي يمر بها، ثم بعثه الخلق مرة أخرى ليوم
مقداره ألف سنة مما تعدّون، بأسلوب يرد على إنكار المشركين البعث
والنشور، لظنهم بسبب عجزهم أن التفتت إلى ذرّات مبعثرة مشتتة يحيل بعدئذ
تجمعها وإعادتها إلى خَلْق جدید.
ثم وصفت السورة حال المجرمين الكافرين وحال المؤمنين الطائعين لله،
فالأولون تلبسهم الذلة والمهانة، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحاً،
ويذوقون العذاب الأليم. والمؤمنون لا تفارقهم في الدنيا الطاعة في الليل
والنهار، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً، وينفقون أموالهم في مرضاة الله، ولهم
في الآخرة جزاء عملهم الثواب الجزيل، والفضل العظيم الذي تقرُّ به
أعينُهم، وجنات المأوى والاستقرار والخلود.
وعقّبت السورة على حال هذين الفريقين باستبعاد التسوية بينهما؛ إذ لا
يعقل مكافأة العصاة كمكافأة الطّائعين.
.. ثم ختمت السورة بتقرير ما بدأت به، فذكرت الرسالة، وأبانت الهدف من
إنزال التوراة على موسى عليه السلام، وهو هداية بني إسرائيل، تنبيهاً على
وجه الشبه بين رسالة محمد ورسالة موسى عليهما الصلاة والسلام.
ثم ذكرت التوحيد والقدرة وأقامت البرهان عليهما بإهلاك الأمم الظالمة في
الماضي، وأخيراً أكدت حدوث الحشر الذي استبعد الكفار حصوله .. .
٠

٢٠٢
الُ (٢١) - التَادَة: ٣٢ /١ -٣
فصار مطلع السورة ومضمونها وخاتمتها إثبات أصول العقيدة وهي كما
ذكرت: التوحيد، والرسالة، والبعث.
إثبات النبوة (الرسالة)
تَزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ
﴿الرّ
أَفْتَرَنَهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنَهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ
٣
يَهْتَدُونَ
الإعراب:
﴿تَزِلُ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ﴿تَزِيلُ﴾: مبتدأ، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾:
خبره. ويجوز جعل ﴿تَزِيِلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل الكتاب،
ويجوز أن يكون ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿اَلْكِتَبِ﴾
و﴿مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ خبر المبتدأ، و﴿مِن﴾: متعلقة بالخبر المحذوف. وإذا
جعلت ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر المبتدأ كانت ﴿مِن﴾ متعلقة بـ ﴿تَنِيلُ﴾ و﴿مِن رَّبِّ
اُلْعَلَمِينَ﴾ خبراً ثانياً.
المفردات اللغوية:
﴿الّرّ ®) هذه الحروف الهجائية المقطعة سيقت كما بان سابقاً للتحدي
والتنبيه على إعجاز القرآن . ﴿تَزِلُ اَلْكِتَبِ﴾ أي إنزال القرآنِ، أو المنزَّل.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه. ﴿أَمْ﴾ بل. ﴿يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ﴾ أي يقول
المشركون اختلقه محمد 0 من عند نفسه، منكرين كونه من رب العالمين. ﴿بَلْ
هُوَ اُلْحَقُّ﴾ أي إن القرآن هو الحق الثابت المنزل من الله. ﴿مَّآ أَتَنُهُم﴾ ﴿مَّآ﴾
نافية. ﴿نَذِيرٍ﴾ منذر. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك.
قال في الكشاف وأوجز البيضاوي كلامه: إنه تعالى أشار أولاً إلى إعجاز

٢٠٣
لُعُ (٢١) - السَدَة: ٣٢ /١-٣
القرآن، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه،
ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكاراً له وتعجباً منه،
فإن ﴿أَمْ﴾ منقطعة(١)، ثم أضرب عنه إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله، وبيَّن
المقصود من تنزيله، فقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمَّا مَّآ أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إذ
كانوا أهل الفترة، لعلهم يهتدون بإنذارك إياهم.
التفسير والبيان:
(ج) افتتحت
﴿الّ ﴿﴿ تَزِيِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
هذه السورة بهذه الأحرف كغالب السور المكية لبيان إعجاز القرآن وعظمته،
والرد على المشركين المنكرين نزوله من عند الله، والمكذبين برسالة النبي صل.
هذا القرآن العظيم لا شك في أنه منزل من عند الله على قلب محمد ێو، فليس
بسحر ولا شعر ولا سجع كاهن، وإنما هو كلام رب العوالم جميعهم من إنس
وجنّ، وذلك ردّ على قولهم: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى
﴾ [الفرقان: ٥/٢٥].
۵
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (
﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَآ أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ
مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) أي بل إنهم يقولون زوراً وبهتاناً: اختلقه
وافتعله محمد من عنده، فردّ الله عليهم: بل هو الحق الثابت أي هو حق من
الله ربه، أنزله إليك لتخوف وتنذر به قوماً - أي قريشاً ونحوهم - بأس الله
وعذابه إن كفروا وعصوا، علماً بأنه لم يأتهم نذير قبلك، فتُبين لهم طريق
الرشاد، ولعلهم يهتدون بإنذارك إياهم.
وهذا إثبات لرسالة محمد ◌ّيخير وبرهان واضح على صدقه، وردّ لقول
(١) هذه ﴿أَمْ﴾ المنقطعة التي تقدّر بمعنى: بل وألف الاستفهام، أي بل أيقولون؟! وهي تدل
علی خروج من حدیث إلی حدیث.

٢٠٤
الزُعُ (٢١) - التَجَدَة: ٣٢ /٤-٩
المشركين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونَ)
[الفرقان: ٤/٢٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات أن القرآن الكريم كلام الله الذي لا شك فيه أنه من عند
الله، فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين، كما يزعم
المشركون الأفاكون الوثنيون، والكفار المتعصبون لدين سابق.
وبعد أن أثبت الله تعالى أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب
فيه، أضرب عن ذلك (أي انتقل) إلى قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَئُهُ﴾ ثم كذبهم
في دعوى الافتراء.
ثم بَيَّن الله تعالى مهمة القرآن والنبي ◌ّ وهي إنذار الكافرين عذاب الله،
ومنهم قريش، قال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿قَوْمًا﴾ يعني قريشاً، كانوا أمَّة
أمّية لم يأتهم نذير من قبل محمد ێ.
دلائل التوحيد والقدرة الإلهية
﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى
يُدَبِّرُّ الْأَمْرَ مِنَ
٤
الْعَرْشِّ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَّعَ أَفَلاَ نَتَذَكَّرُونَ
السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾َ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ
خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ فَهِينٍ
ثُمَّ سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحٍِّ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ
فَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
القراءات:
خَلَقَةٌ﴾: قرئ:

٢٠٥
الُ (٢١) - التَّجَدَة: ٣٢ /٤-٩
١- (خَلَقَه) وهي قراءة نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (خَلْقَه) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
مِلے
كُلَّ شَىْءٍ خَلَفَهُ﴾ خلق: فعل ماض، وموضع الجملة إما النصب صفة
لكل، وإما الجر صفة لشيء، ومعناه: أحسن كلَّ شيء مخلوق له. ومن قرأ
بسكون اللام جعله بدل اشتمال أي بدلاً من قوله تعالى: ﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ أو
مفعولاً ثانياً لـ ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى أفهم فيتعدى إلى مفعولين.
[مِن وَلِيٍّ﴾ من زائدة لتأكيد النفي، أي ليس لكم ناصر مطلقاً.
البلاغة:
﴿ اَلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ بينهما طباق.
فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن
وَجَعَلَ
يقال: وجعل له فعدل إلى ضمير الجماعة، مراعاة لخطاب الإنسان الذي صار
خیاً بنفخ الروح فيه مع ذريته.
المفردات اللغوية:
﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من الأحد إلى الجمعة، والأيام: جمع يوم، وهو عند
العرب جزء من اليوم، ويراد به لغة: الوقت. ﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش:
أعظم المخلوقات، وهو لغة: سرير الملك، والاستواء عليه: هو شيء يليق بالله
عز وجل دون حصر ولا كيف ولا تحديد بجهة معينة . ﴿مَا لَكُم﴾ أيها الكفار
وغيركم. ﴿مِّن دُونِهِ،﴾ من غيره. ﴿مِن وَلِيٍ﴾ أي ناصر. ﴿وَلَا شَفِيَعْ﴾ يشفع
بکم ليدفع العذاب عنكم. والمعنى: ليس لكم غیر الله ناصر ولا شفیع، بل هو
الذي يتولى مصالحكم، وينصركم في مواطن النصر، ﴿أَفَلَا نَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ
الله فتؤمنوا؟!

٢٠٦
لُ (٢١) - التَجَدَة: ٣٢ /٤-٩
﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي يدبر أمر الدنيا مدة بقائها،
وينظم شؤونها وأحوالها الواقعة فيها تدبيراً وتنظيماً شاملاً مبتدئاً من السماء
ومنتهياً إلى الأرض. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ثم يصعد إليه ويرجع الأمر والتدبير
ويثبت في علمه. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا، أي
يصعد إليه في برهة من الزمان متطاولة وهو يوم القيامة، وتقديره بألف سنة
لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة
مكتوبة، يصليها في الدنيا، كما جاء في الحديث الثابت . ﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ﴾ أي ذلك الخالق المدبر يدبر الكون على وفق الحكمة، وعلى وفق
علمه الشامل الذي يعلم ما غاب عن الخلق وما حضر، المنيع في ملكه،
الغالب على أمره، الرحيم بأهل طاعته وتدبيره أمر العباد. قال البيضاوي:
وفيه إيماء إلى أنه تعالى يراعي مصالح الناس تفضلاً وإحساناً.
﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَفَهُ﴾ أي أتقن ما خلقه، موفراً له كل ما يحتاجه
على وفق الحكمة والمصلحة. ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنَسَنِ﴾ يعني آدم ﴿نَسْلَهُ﴾ ذريته،
سميت به؛ لأنها تنسل منه أي تنفصل . ﴿مِن سُلَلَةٍ﴾ نطفة. ﴿مِّن ◌َّآءٍ شَهِينٍ﴾
ممتهن ضعيف، وهو النطفة.﴿ثُمَّ سَوَّهُ﴾ قوَّمه بتصوير أعضائه على ما
ينبغي وأنَّه. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِدٍ﴾ أضافه إلى نفسه تشريفاً، وإشعاراً بأنه
خلق عجيب، وأن له شأناً، والمعنى: جعله حياً حساساً بعد أن كان جماداً.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ لذريته. ﴿السَّمْعَ﴾ أي الأسماع. ﴿ وَاُلْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾
خصص هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا . ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾
تشكرون شكراً قليلاً، و﴿مَا﴾ زائدة مؤكدة للقلة.
المناسبة:
بعد ما أثبت الله تعالى صحة الرسالة، ذكر ما يجب على الرسول من الدعوة
إلى توحيد الله، وزوده بما يحتاجه من إقامة الأدلة والبراهين على ذلك، لإنجاح
مهمته.

٢٠٧
لُرُ (٢١) - السَّجَادَة: ٣٢ /٤-٩
التفسير والبيان:
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي إن الله
تعالى هو خالق الأشياء، فخلق السماوات والأرض وأبدعهما وفطرهما وما
بينهما لا على مثال سابق، في مدة ستة أيام، أي في أجزاء ستة من الوقت،
ليست هي الأيام المعروفة؛ لأنه قبل خلقها لم يكن ليل ولا نهار. وقال الحسن
البصري: ((من أيام الدنيا)) ولو شاء لخلقها بلمح البصر، ولكن أراد أن يعلّم
عباده التأني في الأمور.
﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي استولى على ملكه يدبر أمره ويحكم شأنه، أو
استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته على العرش الذي هو أعظم المخلوقات،
من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا يحدّه زمان ومكان، ولا تدركه الأبصار إدراك
إحاطة وشمول، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.
﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعَ﴾ أي ليس لكم أيها الناس، ولا سيما
الكفار من غير الله ناصر يدفع عنكم عذابه ويلي أموركم، ولا شافع يشفع
لكم عنده إلا بإذنه، بل هو المالك المطلق لكل شيء، فيتولى ما فيه المصلحة،
ويدبر الأمور، دون تدخل من أحد، ولا حاجة لأحد؛ لأنه وحده القادر على
كل شيء، والمهيمن على جميع الأشياء.
﴿ أَفَلَ نَتَذَكَّرُونَ﴾؟ أي أفلا تتدبرون وتتعظون، فتؤمنوا بالله وحده لا
شريك له. ولا نظير ولا وزير، ولا عديل له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
والمراد: حمل الناس على الإيمان بالله إلهاً ورباً، يعبد وحده، ويطاع لذاته،
فهو المستعان على كل أمر، وهو المانع من السوء، والجالب للخير والنفع،
والمحقق للمصلحة، دون حاجة لأحد ولا لشيء، لذا قال مبيناً الأمر بعد بيان
الخلق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَآلْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤/٧].

٢٠٨
الُعُ (٢١) - التَّجَادَة: ٣٢ /٤-٩
( يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ لَُّّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي يدبر أمر الكون
كله في العالم العلوي والسفلي، ثم يصعد إليه أثر الأمر وتنفيذه بواسطة
الملائكة، وهذا تمثيل لعظمة الله وامتثال المخلوقات جميعاً لمراده وتدبيره،
كالحاكم المطلق الذي يُصدر أوامره، ثم يتلقى من أعوانه ما يدل على تنفيذها.
﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي ترفع الأمور الحاصلة
في الدنيا صغيرها وكبيرها إلى الله تعالى يوم القيامة ليفصل فيها ويحكم في
شأنها، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا التي نعدّها في هذه الحياة.
والمراد بالألف: الزمن المتطاول الذي هو في لغة العرب أقصى نهاية العدد.
وفي موضع آخر وصف الله تعالى مقدار هذا اليوم بخمسين ألف سنة: ﴿في
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٧٠/ ٤] قال القرطبي: المعنى أن الله
تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس،
والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر.
وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام؛ فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره
خمسون ألف سنة(١).
﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي المدبر لهذه الأمور
هو العالم بجميع الأشياء، يعلم ما يغيب عن الأبصار، مما يجول في خلجات
النفس، وما لا تدركه العين المجردة، ويعلم ما هو مشاهد تعاينه الأبصار،
وهو العزيز الذي قد عزَّ كل شيء، فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب،
القوي الشديد في انتقامه ممن كفر به وأشرك معه غيره، وكذب رسله، وهو
الرحيم بعباده المؤمنين الطائعين القانتين التائبين الذين يعملون الصالحات،
يرحمهم في تدبير شؤونهم في الدنيا وفي الآخرة.
(١) تفسير القرطبي: ٨٨/١٤
٠

٢٠٩
الُ (٢١) - المَجْدَة: ٣٢ /٤-٩
.. وبعد إثبات الوحدانية بالآفاق من خلق السماوات والأرض، ذكر تعالى
الدليل الدال عليها من الأنفس، فقال:
﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ (٣) أي إن
ذلك المدبر للأمور العليم الخبير القوي الرحيم هو الذي أحسن خلق الأشياء
وأتقنها وأحكمها، وبدأ خلق أبي البشر آدم من طين، والطين مكوَّن من ماء
وتراب.
وكذلك يعتمد الإنسان في تكوينه وبقاء حياته على الطين؛ لأن المني ناشئ
من الغذاء، والغذاء إما من الحيوان وإما من النبات، وكلاهما يعتمد على ما
تخرجه الأرض الترابية.
﴿ثُمَّ جَعَلُ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّهِ مَّهِينٍ
أي ثم جعل ذرية الإنسان
٨
يتناسلون من امتزاج نطفة الرجل بماء المرأة الذي فيه البويضة التي تتلقح
بنطفة الرجل، فيتم التوالد والتناسل وبقاء النوع الإنساني من خلاصة من ماء
ضعيف ممتهن عادة وهو المني.
﴿ثُمَّ سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهٌ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾
أي ثم بعد خلقه من تراب جعله سوياً مستقيماً، فقوَّم أعضاءه، وعَدَّهًا،
وأتمها، ونفخ فيه الروح التي هي من أمر الله والتي لا يعرف حقيقتها إنسان،
فبدأ يتحرك وينمو، وأنعم عليكم بالحواس مفاتيح المعرفة وصمامات
الأمان، فمنحكم السمع الذي تسمع به الأصوات، والأبصار التي تبصر بها
المرئيات، والعقول التي تفكرون بها، وتميزون بين الخير والشر، والحق
والباطل.
وهكذا يلاحظ التدرج في الخلقة وأطوار الإنسان، فهو ينشأ أولاً من مادة
هي الطين اللازب، ثم تصبح هذه المادة ذات إفرازات حية، يتم بها تكوين
الجنين، ثم تتحرك المادة بالروح التي هي من الحق تعالى، فيصبح خلقاً جديداً
سوياً في أحسن تقويم، فتبارك الله أحسن الخالقين.

٢١٠
الُ (٢١) - التَجَدَة: ٣٢ /٤-٩
﴿فَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي إنكم أيها الناس لا تقابلون هذه النعم بالعرفان
والوفاء، والشكر والامتنان، وإنما تشكرون ربكم قليلاً على هذه النعم التي
رزقكم الله تعالى، باستعمال تلك الحواس في طاعة الله واتباع مرضاته ..
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - هناك دلائل كثيرة على توحيد الله وكمال قدرته ليسمعوا القرآن
ويتأملوه، منها إبداع السماوات والأرض وإيجادها بعد العدم، وبعد أن لم
تكن شيئاً، في أجزاء من الزمن الله أعلم بمقدارها، وقد قرّبها لعقولنا وعبر
عن طولها بقوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الأيام الستة، فقال ابن عباس: إن
اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض مقداره ألف سنة
من سِتِيّ الدنيا.
وقال الضحاك: في ستة آلاف سنة؛ أي في مدة ستة أيام من أيام الآخرة.
أَ - والاستواء على العرش استواء یلیق بجلال الله وکماله دون تحديد ولا
حصر، وهو الأصح أو التمكن والسلطة على الكون المخلوق حاصل مع خلق
السماوات والأرض، فليست ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، وإنما هي بمعنى الواو.
٣ - إن الله عز وجل ولي المؤمنين الذي يتولى مصالحهم وناصرهم
وشفيعهم، فإذا تجاوز الناس رضاه لم يجدوا لأنفسهم ولياً، أي ناصراً
ينصرهم ولا شفيعاً يشفع لهم، وعليه، ليس للكافرين من ولي يمنع عنهم
العذاب، ولا شفيع يتوسط لهم فيرفع عنهم العقاب.
فهل من متذكر معتبر في قدرة الله ومخلوقاته؟!

٢١١
الُعُ (٢١) - التَدَة: ٣٢ /٤-٩
٤ - ويأتي الأمر بعد الخَلْق، للدلالة على عظمة الله، فإن نفاذ أمر الله في
الكون دليل على عظمته، لذا كان الأمر والتدبير في الكون وإنزال القضاء
والقدر، ونفاذ هذا التدبير من مظاهر عظمة الله تعالى، ومجموع هذه الأوامر
النافذة كلها عائد إلى الله يوم القيامة، فقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ معناه يرجع
ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا، ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
مِّعَّا تَعُدُّونَ﴾ هو يوم القيامة، وقد يكون لشدة أهواله وبحسب أحوال بعض
الناس في مدة مقدارها خمسون ألف سنة، كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ
وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ (٣)﴾ [المعارج: ٤/٧٠].
ورأى الزمخشري في الكشاف أن المراد من الأمر: المأمور به من الطاعات
والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض، ثم يصعد إليه المأمور
خالصاً في مدة متطاولة لقلة عمال الله والخلّص من عباده وقلة الأعمال
الصاعدة؛ لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص، ثم يثبت ذلك الأمر الصاعد
ويصير إلى الله في كل وقت إلى أن تبلغ المدة آخرها في يوم القيامة الذي هو من
أيام الله، ويوم الله كألف سنة، ثم يدبر الله أيضاً الأمر ليوم آخر، وهلم جراً
إلى أن تقوم الساعة (١).
٥ - الله تعالى في خلقه وتدبيره وحسمه أمر الدنيا بالقيامة يعلم ما غاب عن
الخلق وما حضرهم، فلا تفوته مصلحة، ولا تخفى عليه خافية من أعمال
المخلوقات. وفي هذا الكلام معنى التهديد والوعيد، يراد به أن أخلصوا
أفعالكم وأقوالكم، فإني أجازي عليها.
٦ - لله القدرة البالغة التي لا توصف عظمتها وحدودها، فقد خلق أصل
الإنسان من طين، ثم جعل ذريته يتناسلون كذلك من ماء ممتهن ضعيف، ثم
أكمله وأتمه وعدّله ونفخ فيه الروح، وخلق فيه حواس السمع والبصر والعقل
(١) الكشاف: ٥٢٢/٢ - ٥٢٣

٢١٢
لِلُ (٢١) - السَّجَدَة: ٣٢ / ١٠-١٤
أدوات المعرفة ووسائل إدراك الحق والهدى، وتلك نعم عظمى تستحق الشكر
والوفاء بالمعروف، لكن أكثر الناس كافرون لا يشكرون، وقليل من عباده
الشكور.
ويلاحظ أن الترتيب في السمع والأبصار والأفئدة على مقتضى الحكمة؛
لأن الإنسان يسمع أولاً الأمور فيفهمها، ثم يبصر الأمور، ثم يحصل له بعد
السمع والبصر الإدراك التام والذهن الكامل، فيستخرج الأشياء مما سمع
ورأی.
وسبب ذكر السمع مصدراً، والأبصار والأفئدة اسماً، فجمع الأبصار
والأفئدة ولم يجمع السمع: هو لحكمة هي أن الإنسان لا يسمع في زمان واحد
كلامين على وجه يضبطهما، ولا اختيار لمحل السمع وهو الأذن، ويدرك في
زمان واحد صورتين فأكثر بالعين ويعيهما ويستبينهما في القلب، ولمحل البصر
وهو العين شبه اختيار، فإنها تتحرك إلى جانب مرئي دون غيره، وكذلك
الفؤاد محل الإدراك له نوع اختيار، فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة،
وفي الأبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة.
إثبات البعث وحال الكفار يوم القيامة
﴿ وَقَالُواْ أَِذَا ضَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ أَِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ بَلْ هُم ◌ِلِقَاءِ رَبِهِمْ كَفِرُونَ
قُلْ يَنَوَقَّنكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
١٠
وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا
نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَ نَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَهَا وَلَكِنْ حَقَّ
الْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
فَذُوقُواْ بِمَا
١٣
نَسِلِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُمْ
تَعْمَلُونَ

٢١٣
اِلُحُ (٢١) - التَادَة: ٣٢ / ١٠-١٤
القراءات:
﴿أَهِذَا ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ أَِنَا﴾: قرئ:
١- (أئذا ضللنا في الأرض إنَّا) وهي قراءة نافع، والكسائي.
٢- (إذا ضللنا في الأرض أثنا) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (أئذا ضللنا في الأرض أَئِنَّا) وهي قراءة الباقين.
[شِلْنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شينا).
الإعراب:
﴿أَعِذَا ضَلَلْنَا﴾ ﴿أَِذَا﴾: ظرف متعلق بفعل مقدر، تقديره: أنبعث إذا
ضللنا في الأرض، أي غبنا وبلينا.
﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴿إِذِ﴾ تتعلق بـ (تَرَى﴾ و﴿اَلْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، وناکسو
رؤوسهم: خبره، و﴿رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا﴾ تقديره: يقولون: ربنا أبصرناً، فحذف
القول، كما هو المعتاد الكثير في كلام العرب.
البلاغة:
﴿أَعِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ أَمِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكاري بقصد
الاستهزاء.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ فيه إضمار تقديره: يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ تقديم الجار والمجرور للاختصاص، أي إليه لا
إلى غيره مرجعكم يوم القيامة.

٢١٤
◌ِلُ (٢١) - التَجَدَة: ٣٢ / ١٠-١٤
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ حذف جواب ((لو)) للتهويل. أي لرأيت أمراً
مهولاً.
﴿نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ﴿إِنَّا نَسِينَكُمْ﴾ بينهما مشاكلة: وهي
الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، فإن الله تعالى لا ينسى، وإنما المراد
نترككم في العذاب ترك الشيء المنسي.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالُواْ﴾ أي منكرو البعث. ﴿ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ غبنا فيها وبلينا
وهلكنا، بأن صرنا تراباً مختلطاً بتراب الأرض لا نتميز منه . ﴿أَِنَّا لَفِى خَلْقٍ
جَدِيدٍ﴾ أي أنبعث أو يجدد خلقنا، والقائل أبي بن خَلَف، وإسناده إلى جميعهم
الرضاهم به. وهو استفهام إنكار غرضه الاستهزاء. ﴿بَلّ هُم بِلِقَاءِ فَتِهِمْ
كَفِرُونَ﴾ أي بل هم بالبعث جاحدون.
﴿قُلْ﴾ لهم. ﴿ يَوَقَّكُمْ مَّلَكُ اُلْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي يقبض أرواحكم
مَلَك الموت، حتى لا يبقى أحد منكم . ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي تعودون
أحياء للحساب والجزاء، فيجازيكم ربكم بأعمالكم. ﴿اَلْمُجْرِمُونَ﴾
الكافرون. ﴿نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ خافضوها ومطأطئوها حياء وخزياً. ﴿ رَبَّنَآَ
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي يقولون: يا ربنا أبصرنا ما وعدتنا من البعث وسمعنا منك
تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه . ﴿فَأَرْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا لنعمل صالحاً فيها.
﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآن، ولم يبق لنا شك بما شاهدنا، ولكن لا ينفعهم ذلك،
ولا يرجعون. وجواب ﴿وَلَوْ تَرَىّ﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمراً فظيعاً
مهولاً.
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ أي ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل
الصالح بالتوفيق له والاختيار من النفس . ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِّ﴾ أي ثبت
قضائي وسبق ﴿اَلْجِنَّةِ﴾ الجن. ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِبِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي

٢١٥
الزُّعُ (٢١) - السَجَادَة: ٣٢ /١٠-١٤
تقول لهم خزنة النار إذا دخلوها: ذوقوا العذاب بترككم الإيمان باليوم
الآخر، فهذا سبب العذاب . ﴿إِنَّا نَسِينَكُمْ﴾ تركناكم في العذاب ترك
المنسي.﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي عذاب جهنم الدائم. ﴿بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر وتكذيب الرسل. وقد كرّر الأمر للتأكيد. وفي التعليل
بأمرين: وهما الأفعال السيئة من التكذيب والمعاصي، وترك التفكر في أمر
الآخرة دلالة على أن كلاً منهما يقتضي ذلك.
المناسبة:
بعد بيان الوحدانية ودليلها في قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ﴾ وبيان الرسالة وبرهانها في قوله سبحانه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنَهُم
مِّنْ تَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أخبر الله تعالى عن البعث وطريق إثباته للردّ على
المشركين المنكرين له، وهذا على عادة القرآن كلما ذكر أصلين من أصول
الاعتقاد الثلاثة ذكر الأصل الثالث، وهو هنا الحشر في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ
أَِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾
التفسير والبيان:
﴿ وَقَالُواْ أَهِذَا ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ أَِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ ؟ أي يخبر الله تعالى
عن المشركين الذين استبعدوا المعاد حيث قالوا: أئذا صارت أجسامنا تراباً في
الأرض، أيمكن أن نعود خلقاً جديداً بعد تلك الحال؟!
.وهذا الاستبعاد إنما هو بتقديرهم وقياسهم حيث قاسوا قدرة الله على
قدراتهم، فهم يرون أن البعث بعيد بالنسبة إلى قدراتهم العاجزة، لا بالنسبة
إلى قدرة الإله الخالق الذي بدأهم وخلقهم من العدم، والذي أمره إذا أراد
شيئاً أن يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولهذا قال تعالى منكراً قياسهم وآراءهم:
﴿بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِهِمْ كَفِرُونَ﴾ أي إن هؤلاء المشركين لم ينكروا قدرة الله على

٢١٦
الزُُّ (٢١) - السَدَة: ٣٢ / ١٠-١٤
ما يشاء فحسب، بل تجاوزوا ذلك إلى إنكار البعث، فهم جاحدون لقاء ربهم
يوم القيامة للحساب والجزاء.
فردّ الله عليهم بقوله:
قُلْ يَنَوَقَّنكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكَلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
﴾ أي قل للمشركين يا محمد: إن ملك الموت المؤكَّل بقبض الأرواح
يقبض أرواحكم في الوقت المحدد لانتهاء الأجل، ثم في نهاية الدنيا بعد الموت
ستعودون أحياء كما كنتم قبل الوفاة، وذلك يوم المعاد وبعد القيام من
القبور، للحساب والجزاء، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وهذا إثبات للبعث مع التهديد والوعيد، وبيان أن القادر على خلق الناس
أول مرة قادر على إحيائهم مرة أخرى.
· ثم أخبر الله تعالى عن حال المشركين حين معاينة البعث والحساب يوم
القيامة فقال :-
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (4) أي ولو تشاهد أيها الرسول حين
يقوم هؤلاء المشركون بين يدي ربهم خافضي رؤوسهم من الحياء منه والخزي
والعار لرأيت عجباً وأمراً فظيعاً، فتراهم يقولون: ربَّنا نحن الآن نسمع قولك
ونطيع أمرك، لقد أبصرنا الحشر وسمعنا تصديقك للرسل فيما كذبناهم فيه،
فارجعنا إلى دار الدنيا نعمل ما يرضيك من صالح الاعتقاد والقول والعمل،
فهم يلومون أنفسهم حين دخول النار، كما أخبر تعالى عنهم: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا
®﴾ [الملك: ١٠/٦٧]. قال الزجاج في
تَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ﴾ المخاطبة للنبي ◌َّو مخاطبة لأمته.
وإنا الآن قد أيقنا بوحدانيتك، واستحقاقك العبادة دون غيرك، وتحققنا
أن وعدك بالبعث حق ولقاءك حق، وأنك القادر على الإحياء والإماتة.

٢١٧
لُعُ (٢١) - التَّجَدَة: ٣٢ / ١٠-١٤
!
ولكن الله يعلم أنه لو أعادهم إلى الدنيا، لكانوا فيها كفاراً كما كانوا،
يكذبون بآيات الله، ويخالفون رسله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا
٢٧
الَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْلَنَا نُرَهُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ
كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُوْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
٢٧/٦-٢٨].
(د) [الأنعام:
وقال تعالى هنا :
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ أي ولو أردنا أن نوفق كل نفس
ونلهمها الهداية إلى الإيمان والعمل الصالح لفعلنا، كما قال تعالى في آية
أخرى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَنْ فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩/١٠].
ولكن حكمتنا قضت ترك أمر الإيمان والعمل الصالح للاستعدادات
والخيار، دون الإكراه والاضطرار، كما قال سبحانه:
﴿ وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
أي ولكن ثبت قضائي، وسبق أنه لا بدّ من ملء جهنم من صنفي الجن
والإنس الذين هم أهل لها بحسب استعدادهم وسوء اختيارهم، وفحش
اعتقادهم وعملهم، فهم الظالمون أنفسهم، وقد علم الله مسبقاً قبل خلقهم أن
مآلهم إلى النار، فحقَّ الوعيد، وحق الجزاء . .
لذا استحقوا أيضاً التوبيخ، فقال تعالى:
﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ، وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ:
ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم بيوم القيامة، واستبعادكم: وقوعه،
وتناسيكم له، وعملكم عمل الناسي له، لذا فإنا سنعاملكم معاملة الناسي؛
لأنه تعالى لا يتسى شيئاً، ولا يضل عنه شيء، وهذا ما يسمى بأسلوب المقابلة

٢١٨
◌ِلُ (٢١) - السَادَة: ٣٢ / ١٠-١٤
أو المشاكلة، مثل قوله: ﴿وَقِيْلَ اُلْيَوْمَ نَسَنَكُمْ كَمَا نَسِيْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:
٣٤/٤٥] وقوله: ﴿وَجَزَّؤُأْ سِيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢].
ويقال لهم أيضاً على سبيل التأكيد: وذوقوا عذاب النار الدائم الذي
تخلدون فيه بسبب كفركم وتكذيبكم وسوء أعمالكم، كما قال تعالى:
جَ إِنَّهُمْ
جَزَآءَ وِفَاقًا.
٢٥
إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا
٢٤
يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا
وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ
٢٨
وَكَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا كِذَّابًا
[النبأ: ٢٤/٧٨-٣٠].
٣٠
فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (
كِتَبًا
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - أنكر المشركون البعث؛ لأنهم قاسوا قدرة الله الخالق على قدرة العبد
المخلوق العاجز، فقالوا: أئذا هلكنا وصرنا تراباً تُخلق بعد ذلك خلقاً جديداً؟
أَ - الحقيقة أن المشركين لا يجحدون قدرة الله تعالى بالإعادة؛ لأنهم
يعترفون بقدرته، ولكنهم اعتقدوا ألا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله
تعالی.
٣ - من مظاهر قدرة الله سبحانه أنه المميت الذي يتوفى الأنفس ويقبض
الأرواح عند انتهاء آجالها، وأن مَلَك الموت واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله
يتصرف كل تصرفه بأمر الله تعالى وبخلقه واختراعه، فيخلق الله علی یدیه قبض
الأرواح، ذكر ابن عطية حديثاً أن ((البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون مَلَك
الموت)) كأنه يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم، فالله هو الفاعل حقيقة،
والملك واسطة ووكيل، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾
[الزمر: ٤٢/٣٩] وقال سبحانه: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢/٦٧] وقال
عز وجل: ﴿يُحٍِ وَيُمِيتُ﴾ [آل عمران: ١٥٦/٣] فملك الموت يقبض، والأعوان

٢١٩
لِلُ (٢١) - التَجْدَة: ٣٢ / ١٠-١٤
يعالجون، والله تعالى يُزْهق الروح، لكنه لما كان مَلَك الموت متولّي ذلك
بالوساطة والمباشرة، أضيف التوفّي إليه، كما أضيف الخَلْق للمَلَك.
روي أن مَلَك الموت لما وكله الله تعالى بقبض الأرواح قال: ((ربّ جعلتني
أُذْكَر بسوء، ويشتمني بنو آدم، فقال الله تعالى له: إني أجعل للموت عللاً
وأسباباً من الأمراض والأسقام ينسبون الموت إليها، فلا يذكرك أحد إلا
بخير)).
٤ - استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿ؤُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي بقبض الأرواح
على جواز الوكالة.
٥ - إن حال المشركين يوم القيامة يدعو للعجب، فهم عند، محاسبة ربهم
وجزاء أعمالهم خافضو الرؤوس من الحياء والندم، والخزي، والذل والغم
والحزن، ويقولون: ربَّنا أبصرنا ما كنا نكذب، وسمعنا ما كنا ننكر، فارجعنا
إلى الدنيا نعمل العمل الصالح الذي يرضيك، إنا مصدّقون بالبعث وبالذي
جاء به محمد وَل أنه حق.
قال سفيان الثوري: فأكذبهم الله تعالى، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُواْ
عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨/٦].
وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: لما قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا
نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ردّ عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ شِتْنَا لَيْنَا كُلَّ نَفْسِ
هُدَنِهَا﴾ يقول: لو شئتُ لهديتُ الناس جميعاً، فلم يختلف منهم أحد ﴿ وَلَكِنْ
حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي حق القول.
مني لأعذبنّ من عصاني بنار جهنم، وعلم الله تعالى أنه لو رَدَّهم لعادوا.
وهذه الهداية: معناها خَلْق المعرفة في القلب. وتأويل المعتزلة: ولو شئنا
لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة، لكن لا يحسن منه فعله؛ لأنه

٢٢٠
الزُ (٢١) - التَجَادَة: ٣٢ / ١٠-١٤
ينقض الغرض المجْرَى بالتكليف إليه، وهو الثواب الذي لا يُستحق إلا بما
يفعله المكلف باختياره.
وقالت الإمامية في تأويلها: إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في
الآخرة ولم يعاقب أحداً، لكن حق القول منه أنه يملأ جهنم، فلا يجب على الله
تعالى عندنا هداية الكل إليها؛ قالوا: بل الواجب هداية المعصومين، فأما من
له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله. وفي جواز ذلك منع؛ لقطعهم
بأن المراد: هداها إلى الإيمان.
وللإمامية جواب آخر: هو أن هداية الله سبحانه بالإلجاء والإجبار
والإكراه ممنوعة، والمراد الهداية إلى الإيمان والطاعة بالاختيار، حتى يصح
التكليف، فمن شاء الله آمن وأطاع اختياراً، لا جبراً، قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ
١١٢٨ [التكوير: ٢٨/٨١] وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ
شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ
سان: ٢٩/٧٦] ثم عقّب هاتين الآيتين بقوله
أَّخَذَ إِلَ رَیِهِ، سَبِيلًا
تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠/٧٦] فوقع إيمان المؤمنين
بمشيئتهم، ونفى أن يشاؤوا إلا أن يشاء الله.
وتوسط أهل السنة فلم يقولوا بالإجبار كالمجبرة، ولا بالاختيار المطلق
كالقدرية، وخير الأمور أوساطها، وقالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه
وبين ما اخترناه، كالتفرقة بين حركة الارتعاش غير الإرادية وحركة
الاختيار، وسموا هذه المنزلة الوسطى كَسْباً، وأخذوا هذه التسمية من كتاب
الله العزيز، وهو قوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَّهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ﴾ [البقرة:
٢٨٦/٢].
٦ - يقال للمجرمين يوم القيامة على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا العذاب
بسبب تكذیبکم رسل الله، وإنکارکم البعث، وترککم العمل له کالناسین،
والله يعاملكم معاملة الناسي والمنسيين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وذوقوا