Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الُعُ (٢١) - الروضِ: ٣٠ /٢٠-٢٧
وتقاسيم الوجه وغير ذلك، فلا تكاد ترى أحداً إلا وأنت تفرّق بينه وبين
الآخر، وليست هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين، فلا بدّ من
فاعل، ولا فاعل إلا الله تعالى. وهذا من أدلّ الأدلة على وجود المدبر البارئ.
٤ - الدليلان الرابع والخامس:
العرضيات الطارئة للإنسان: وهي النوم بالليل والحركة طلباً للرزق
بالنهار، وإظهار البرق والرعد تخويفاً من الصواعق، وطمعاً في إنزال الغيث
النافع، وإنزال المطر فعلاً من السحاب لإحياء الزرع والشجر وإنبات النبات
وتغذية منابع الماء ومصادر الثروة المائية.
ة - الدليل السادس:
إقامة السماء والأرض وإمساكهما بقدرته وتدبيره وحكمته، فيمسك تعالى
السماء بغير عمد لمنافع الخلق، كيلا تسقط على الناس، ويحفظ الأرض
الدائرة المتحركة بأهلها من غير وتد، وفي حال من التوازن، دون تعارض ولا
تصادم بينها وبين بقية الكواكب الثابتة والسيارة، حتى ينتهي أجل الدنيا،
وحينئذ يحدث البعث، فإن الذي خلق هذه الأشياء قادر على أن يبعث
المخلوقات من قبورهم، والمراد من قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا
أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا انتظار، كما يجيب الداعيَ
الْمُطَاعَ مَذْعوُّه.
٩ - النتيجة المقررة لما سبق من إثبات الوحدانية التي هي الأصل الأول،
وإثبات القدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر: أن الله جميع من في
السماوات والأرض خلقاً وملكاً وعبيداً وتصرفاً، كلّ له طائعون طاعة
انقياد، وأن الله تعالى هو مبدئ الخلق وهو معيده مرة أخرى، كما قال: ﴿إِنَّهُ
هُوَ بُدِىُ وَبُعِيدُ
(٣) [البروج: ١٣/٨٥]، والإعادة أمر هيِّن على الله، والبدء
والإعادة سواء في قدرة الله تعالى.

٨٢
الجُزُ (٢١) - الشُوفِنْ: ٣٠ / ٢٨-٢٩
وإذا ثبتت القدرة العظمى لله في كل شيء، وثبتت الوحدانية، فلله الصفة
العليا في السماوات والأرض: وهي أنه لا إله إلا هو ولا ربَّ غيره، وتلك
صفة الوحدانية، وأنه متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقصان، ليس كمثله
شيء، وهو السميع البصير، القوي الغالب الذي لا يعجزه شيء، الحكيم في
صنعه وتدبير خلقه، وما أراده جلّ وعزّ كان.
دعاء الأرق:
إن النوم بفضل الله وتيسيره كما قال: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُمُ بِلَيْلِ﴾ وقد
روى الطبراني عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أصابني أرَقٌ من الليل،
فشكوت ذلك إلى رسول الله و الله فقال: ((قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت
العيون، وأنت حيٍّ قيوم، يا حيُّ يا قيومُ أنم عيني، وأهدئ ليلي». فالحمد لله
الذي جعل راحة الإنسان بفضله وقدرته، لا بالطبيعة والعادة، فلولا إلقاء
النوم على الإنسان ليلاً أو نهاراً، لما تمكن من متابعة جهده وعمله في النهار.
إثبات الوحدانية من واقع البشر
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ
فِي مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (®
بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن
٢٩
يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
المفردات اللغوية:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ جعل لكم أيها المشركون مثلاً كائناً منتزعاً
من أحوال أنفسكم التي هي أقرب الأمور إليكم. والمثل: الصفة الغريبة التي
تشبه المثل في الغرابة . ﴿هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ أي من مماليككم

٨٣
المُرُ (٢١) - الُوفِنْ: ٣٠ / ٢٨-٢٩
وعبيدكم . ﴿مِّنْ شُرَكَآءَ﴾ لكم . ﴿فِى مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ من الأموال وغيرها.
﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾ أي فتكونون أنتم وهم فيه سواء في إمكان التصرف فيه،
يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم.
ومن الأولى: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ للابتداء، والثانية: ﴿مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
للتبعيض، والثالثة: ﴿مِّن شُرَكَآءَ﴾ مزيدة لتأكيد الاستفهام المقصود به
النفي.
﴿تَّخَافُونَهُمْ﴾ أي تخافون أن يستقلوا بالتصرف فيه. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾
أي كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض. والمعنى: ليس مماليككم شركاء
لكم في أموالكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلْأَيَتِ﴾ أي مثل ذلك التفصيل نبين الآيات بالتمثيل
الموضح للمعاني . ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون، يستعملون عقولهم في تدبر
الأمثال. ﴿ظَلَمُواْ﴾ بالإشراك. ﴿بِغَيْرِ عِلَّمِ﴾ جاهلين لا يردعهم شيء.
﴿فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي فمن يقدر على هدايته؟ والمعنى: لا أحد
يهديهم . ﴿وَمَا هُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم من آفاتها،
أي: وليس لهم منقذ من قدرة الله.
سبب النزول:
أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لَبَّيْكَ اللهم
لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملَك، فأنزل الله:
﴿هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
التفسير والبيان:
من أسلوب القرآن المتميز تصوير المعنويات بصور المحسوسات، وضرب
الأمثال الواقعية تقريباً للأذهان، وإمعاناً في الإقناع، وهذا مثل ضربه الله

٨٤
الجزءُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ / ٢٨-٢٩
تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك
معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا
يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما
ملك.
والقصد من هذا المثل إثبات الوحدانية، وهدم الشرك والوثنية، فقال
تعالی:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاَ مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُّكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ
فِي مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءُ تَّخَافُونَهُمْ كَحِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي جعل الله
ج
لكم مثلاً تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم، ومنتزع من أحوالكم ومشاعركم
التي تسيطر عليكم، وقريبة منكم قرباً ملازماً، لإثبات وحدانية الله تعالى،
والإقلاع عما أنتم فيه من عبادة الأوثان والأصنام.
ذلك المثل: هو هل ترضون أن يكون لكم أيها المشركون شركاء في
أموالكم؟ وهؤلاء الشركاء هم عبيدكم يساوونكم في التصرف فيها، وأنتم
وهم في المال سواء، تخافون أن يقاسموكم الأموال؟!
وإذا كنتم تأنفون من ذلك، ولا ترضونه لأنفسكم، فكيف تجعلون لله
الأنداد من خلقه، وتجعلون عبيده شركاء له؟!
والمعنى المقصود: أن أحدكم يأنف من ذلك أي بأن يساويه عبده في
التصرف في أمواله، فكيف تجعلون لله الأنداد الأشباه من خلقه؟!
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢/١٦] أي من
البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، وجعلوها بنات لله،
وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى، ظلّ وجهه مسوداً وهو كظيم، فهم يأنفون
من البنات وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم،
فهذا أغلظ الكفر.

٨٥
لُرُ (٢١) - الحروفِزْ: ٣٠ / ٢٨-٢٩
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك التفصيل
والتبيان في إلزام الخصم الحجة القوية، نفصل الآيات ونوضحها لقوم
يستعملون عقولهم ويتأملون فيما يقال لهم ويذكر من الأدلة المنطقية والحجج
الإقناعية.
﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَهْوَاءَ هُم بِغَيْرِ عِلَّمِ﴾ أي ولكن هؤلاء المشركين
الذين ظلموا أنفسهم اتبعوا أهواءهم جهلاً منهم، ولم يحكّموا عقولهم، في
عبادتهم الأنداد بغير مستند من عقل أو نقل، وساروا على غير هدى ولا علم
ولا بصيرة.
﴿فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ أي إذا كان أمر هؤلاء
الناس المشركين كذلك، فلا أحد يهديهم ويوفقهم إلى الحق، بعد أن اختاروا
الكفر، وفقدوا الاستعداد للإيمان، وصار الشرك طبعاً لهم، وخلقوا ميالين
بالفطرة إليه، والله عالم بهم وبشأنهم قبل خلقهم، فصاروا معتمدين على
أنفسهم، ولا ناصر لهم ينقذهم من بأس الله ولا مجير لهم من عذابه وشدید
انتقامه إذا أحدق بهم؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - الشركة بين المتفاوتين في الدرجة أو الطبقة مرفوضة في واقع الأمر
وعادة الناس، وهي باطلة غير قائمة فعلاً بين العبيد والسادة فيما يملكه
السادة، وإذا كان الخلق كلهم عبيداً متساوين لله تعالى، فيبطل أن يكون شيء
من العالَم شريكاً لله تعالى في شيء من أفعاله.
وهذه الآية تنفي جميع محاسن العبادة عن غير الله تعالى، إذ لا ملك لهم فلم
يصلحوا للشركة، ولا عظمة لهم حتى يُعبدوا لعظمتهم، ولا يرتجى منهم

٨٦
الجُرُ (٢١) - الشروف: ٣٠/ ٣٠-٣٢
منفعة حتى يعبدوا لنفع، وليس لهم قوة وقدرة؛ لأنهم عبيد، والعبد المملوك
لا يقدر على شيء.
أَ - إذا ثبت أنه لا يجوز ولا يعقل أن يشارك المملوك مالكه، فلا يجوز أن
يكون المخلوقون المملوكون لربهم شركاء له، ولكن الذين أشركوا تجاوزوا هذا
المنطق، واتبعوا بعبادتهم الأصنام أهواءهم من غير دليل علمي، وقلده! فقط
الأسلاف في ذلك.
٢ - هؤلاء المشركون الذين اختاروا الشرك والكفر أضلهم الله، فلا هادي
لهم، كما لا هادي لكل من أضله الله تعالى، وهم أيضاً مخذولون فاقدو
النصرة من أحد، ولا منقذ لهم من قدرة الله، ولا مجير، ولا حيلة لهم بالهرب
من عذاب الله ولا محيد لهم عنه.
الأمر باتباع الإسلام دين الفطرة والتوحيد
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ
◌ِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ الْدِيْنُ الْقَبِّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
مِنَ
٣١
الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٣٢
القراءات:
﴿فِطْرَتَ﴾:
رسمت بالتاء، فوقف بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿فَرَّقُواْ﴾:

٨٧
الجُزْءُ (٢١) - الروفِنْ: ٣٠ / ٣٠-٣٢
وقرأ حمزة والكسائي (فارقوا).
الإعراب:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب بتقدير فعل، أي اتبع فطرة الله، دلّ عليه قوله
تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ﴾ أي اتبع الدين، أو منصوب على المصدر،
تقديره: فطر الله الخلق فطرة، أو منصوب على الإغراء.
﴿إِلَيْهِ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿فَأَقِمْ﴾. وإنما جمع حملاً على
المعنى؛ لأن الخطاب للرسول وَله، والمراد به أمته، مثل قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا
النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١/٦٥].
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ﴾ بدل بإعادة الجار، أي بدل من المشركين.
البلاغة:
﴿فَقِمُ وَجْهَكَ﴾ من إطلاق الجزء وإرادة الكل، أي توجه إلى الله بكليتك.
El
٩٠
التی
ظَرَتَ اللهِ
@ بينهما جناس اشتقاق.
١
فطـ
المفردات اللغوية:
﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ﴾ أي اتبع الدين وأخلص فيه وأقبل على الإسلام
واثبت عليه يا محمد ومن تبعك. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً إلى الاستقامة، تاركاً طرق
الضلالة. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ خلقة الله التي خلق الناس
عليها من الشعور بالعبودية لله تعالى، وقبول الحق وإدراكه . ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ﴾ لا ينبغي لأحد أن يغير فطرة الله وخلقه، وليس لكم أن تبدلوا دينه بأن
تشركوا . ﴿ذَلِكَ الْدِيْرُ الْقَيِّمُ﴾ أي ذلك الدين المأمور باتباعه أو الفطرة
بمعنى الملة هو الدين المستقيم أو المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو
توحيد الله . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي أغلب الناس، مثل

٨٨
الُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ /٣٠-٣٢
كفار مكة حين نزول الوحي لا يعلمون توحيد الله تعالى واستقامة الدين،
لعدم تدبرهم وتفكرهم.
﴿مُنِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، والتزام ما أمر
به واجتناب ما نهى عنه. ﴿ وَأَتَّقُوهُ﴾ أي أقيموا الدين واتبعوه وخافوا الله؛ لأن
الخطاب للرسول وَله والأمة معه، غير أن الآية صدرت بخطاب رسول الله
وَ﴿ تعظيماً له. ﴿فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ﴾ أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف
أهوائهم، وقرئ: فارقوا، أي تركوا دينهم الذي أمروا به.
﴿ِشِيَعًّا﴾ فِرَقاً، تشايع كل فرقة إمامها الذي قرر لها دينها وأصَّله، أي
وضع أصوله . ﴿كُلَّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي كل حزب منهم بما عندهم
مسرورون.
المناسبة:
بعد بيان أدلة الوحدانية والقدرة الإلهية على كل شيء ومنه الحشر والبعث،
وبعد توطين عزيمة الرسول 18 على الاعتزاز بدعوته وعدم الاهتمام بموقف
المشركين منها، وترك الالتفات إليهم، أمر الله تعالى بمتابعة دين الإسلام،
والثبات عليه، والإخلاص في العمل الذي اشتمل عليه؛ لأنه فطرة الله التي
أودع النفوس والعقول عليها، والاعتراف بمضمونها، والشعور الصافي
بمدلولها.
التفسير والبيان:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي إذا
تبين الحق في الاعتقاد والدين بدلائله السابقة، وبطل الشرك ومعالمه، فاتبع
الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك الله لها،
وأكملها لك، وهو دين الفطرة السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه خلقهم

٨٩
الجُزُ (٢١) - الشُّومِنْ: ٣٠ /٣٠-٣٢
على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، وكن بذلك مائلاً عن الأديان الباطلة
إلى الدين الحق. وهذا أمر للنبي وَلهوأمرٍ لأمته أيضاً. وتلك الفطرة كما قال.
تعالى: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَّ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢/٧] وكما
قال النبي ◌ّ في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه مسلم وأحمد: ((إني
خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشیاطین عن دينهم)) وفي حديث آخر رواه
البخاري ومسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان
يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تُنْتَج البهيمة جمعاء(١)، هل تُحسُّون فيها
من جَدْعاء(٢)).
فكل من الآيتين والحديثين دليل على نقاوة أصل الخلق، وأن الله تعالى فطر
خلقه على معرفته وتوحيده، وعلى الإسلام الصافي، ثم طرأ على بعضهم
الأديان الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية.
وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله. وقدر
فعل الخطاب للجماعة لقوله: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ﴾.
﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي لا ينبغي لأحد أن يبدّل أو يغير فطرة الله أي
الخلقة الأصلية والملة السليمة، وهو خبر في معنى النهي أو الطلب، أي لا
تبدلوا خَلْق الله ودينه بالشرك، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله
عليها. وهذا دليل على سلامة الخلقة العقدية، ونقاوة العقل البشري في أصل
التكوين والوجود، ثم يحدث التغيير بتأثيرات البيئة من أهواء وعلوم ومعارف
زائغة، وموروثات باطلة وتقليد مستمر للأسلاف، دون إعمال الفكر وتكوين
الاعتقاد بالنظرة المستقلة الصائبة، ولو ترك الإنسان وشأنه لما اختار غير
الإسلام ديناً؛ لأنه دين الفطرة والعقل.
(١) مستوية كاملة لا نقص في شيء من بدنها.
(٢) مقطوعة الأذن أو الأنف.

٩٠
الزُرُ (٢١) - الحروفِنْ: ٣٠/٣٠-٣٢
﴿ذَلِكَ الْدِينُ اُلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك
المأمور به من اتباع ملة التوحيد والتمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين
المستقيم الذي لا عِوَج فيه ولا انحراف.
غير أن أكثر الناس لا يعرفون ذلك حق المعرفة، فهم ناكبون عنه، لعدم
إعمال فكرهم والإفادة من العلم الصحيح والبراهين الواضحة الدالة عليه،
ولو فكروا وعقلوا وعلموا حق العلم، لما عدلوا عن ملة التوحيد وشريعة
الإسلام وهدیه.
مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أي اتبعوا دين الله، مقبلين عليه، راجعين إليه، وإذا أقبلتم عليه وتركتم
الدنيا، فلا تأمنوا فتتركوا عبادته، بل خافوه وداوموا على العبادة، وراقبوه
فلا تفرطوا في طاعة، ولا ترتكبوا معصية، وأقيموا الصلاة، أي داوموا على
إقامتها كاملة الأركان مستوفية الشروط، قائمة على الخشوع وتعظيم الله عز
وجل، ولا تكونوا بعد الإيمان من المشركين به غيره، فلا تقصدوا بذلك غير
الله، أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه،
والعبادة الخالصة هي كما جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن عمر:
((اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
وروى ابن جرير عن یزید بن أبي مريم قال: مرَّ عمر رضي الله عنه بمعاذ بن
جبل، فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن المنجيات:
الإخلاص، وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي
الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وأوصاف المشركين هي:
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
أي من المشركين الذين فرقوا دينهم أي اختلفوا فيما يعبدونه على
٣٢

٩١
الجُرَعُ (٢١) - المُوفِنْ: ٣٠ /٣٠-٣٢
حسب اختلاف أهوائهم، وبدلوا دين الفطرة وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا
ببعض، وصاروا فرقاً مختلفة كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان
وسائر أهل الأديان الباطلة، كل فرقة منهم تفرح بما عندها وتسرّ وتعجب،
وتزعم أن الصواب في جانبها، مع أنهم على الباطل الذي يناقض الحق الذي
أراده الله واختاره ديناً لعباده.
وهذا يشمل أيضاً اختلاف الأمة الإسلامية، اختلفوا بينهم على مذاهب
شتى في الاعتقاد والعمل، كلها ضلالة، إلا واحدة، وهم أهل السنة
والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وَ الر، وبما كان عليه الصدر
الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، كما روى الحاكم في مستدركه
أنه سئل وَلّر عن الفرقة الناجية منهم، فقال: ((من كان على ما أنا عليه اليوم
وأصحابي».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - الإسلام دين الفطرة والتوحيد، فهو دين يلائم أصل الفطرة السوية
التي فطر الله الناس عليها.
وفطرة الله هي التوحيد، فإن الله خلق الناس موحدين مقرّين بوجود ربهم
وبوحدانيته، حيث أخذهم من ظهر آدم في عالم الذر، وسألهم: ﴿أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ﴾ فقالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ٧/ ١٧٢].
أَ - أمر الله تعالى باتباع دين الفطرة النقية؛ لأنه دين التوحيد، والدين
المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو دين الإسلام، وحذر من تبديله
وتغييره، فلا يصح تبديل دين الله، قال البخاري: قوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ
﴾: لدين الله، خلق الأولين، دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام.

٩٢
لُ (٢١) - المُوفِنْ: ٣٠/٣٠-٣٢
كما حذر الله تعالى من الميل لأي دين آخر غير ملة الإسلام، بقوله:
﴿حَنِيفًا﴾ معناه معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة.
◌َّ - إن أكثر الناس لا يتفكرون، فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً، وإلهاً قديماً
سبق قضاؤه ونَفَذ حكمه، وأن الإسلام هو الدين المستقيم.
٤ - أمر الله تعالى بالإنابة إليه، أي بالرجوع إليه بالتوبة والإخلاص،
والإقبال عليه، وإطاعته، والتوبة إليه من الذنوب.
وأمر أيضاً بالتقوى، أي بالخوف من الله وامتثال ما أمر به، وبإقامة
الصلاة تامة كاملة مشتملة على الخشوع ومحبة الإله المعبود، وحذر من اقتران
العبادة بالشرك، فأبان أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص، فلذلك قال:
﴿ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمراد إخراج العبد عن الشرك الخفي، أي لا
تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا تطلبوا به إلا رضاء الله.
٥ - لقد غيَّر الناس دين الفطرة، وجعلوا أدياناً وآراء متناقضة، وذلك
يشمل المشركين: عبدة الأوثان، واليهود والنصارى، والمسلمين أهل القبلة
أصحاب الأهواء والبدع، كل حزب بما عندهم مسرورون معجبون؛ لأنهم لم
يتبينوا الحق، وعليهم أن يتبينوه.

٩٣
الُ (٢١) - الشروقِنْ: ٣٠ /٣٣-٣٧
سوء حال بعض الناس بالرجوع إلى الله أحياناً
ثم الشرك والنكول
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌ دَعَوْاْ رَهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم ◌ِنْهُ رَحْمَةً إِذَا
فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وَإِذَاَ أَذَقْنَا
أَمَ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَئًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ
النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
٣٦
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣١
القراءات:
﴿ يَقْنَطُونَ﴾:
وقرأ أبو عمرو، والكسائي (يَقْنِطون).
الإعراب:
﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴿سُلْطَئًا﴾: قيل: هو جمع (سليط) كرغيف
ورُغفان، وقفيز وقُفْزان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، فمن ذكّر فعلى معنى
الجمع، ومن أنثه فعلى معنى الجماعة. والأصح أن السلطان: الحجة، وتكلُّمه
مجاز كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الدلالة.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿وَإِن﴾: شرطية،
وجوابها قوله: ﴿إِذَا﴾ بمنزلة الفاء، وصارت ﴿إِذَا﴾ بمنزلة الفاء؛ لأنها لا
يُبتدأ بها، كما لا يبتدأ بالفاء، بسبب أنها للمفاجأة. وإنما يبتدأ بـ (إذا) إذا كان
فيها معنى الشرط. و﴿هُمْ﴾: مبتدأ، و﴿يَقْنَطُونَ﴾: خبره. و﴿إِذَا﴾ خبر آخر،
تقديره: وبالحضرة هم قانطون.

٩٤
الجُزء (٢١) - الشروفِزْ: ٣٠ /٣٣-٣٧
البلاغة:
( يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرٌّ﴾ بينهما طباق.
فَتَمَتَّعُواْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ أي المشركين كفار مكة وأمثالهم. ﴿ضُرْ﴾ شدة وبلاء.
﴿ُنِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه دون غيره. ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً﴾ أي
خلاصاً من تلك الشدة . ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي فاجأ فريق منهم
الإشراك بربهم.
﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ اللام فيه لام العاقبة أو الصيرورة، مثل
آية ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨/٢٨] وقيل: للأمر بمعنى التهديد.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم.
﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار. (سُلْطَئًا﴾ حجة وكتاباً. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تكلم
دلالة، فهو مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، ومعناه الدلالة والشهادة،
كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. ﴿بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ﴾ أي يأمرهم
بالإشراك.
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ فئة من الكفار. ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة من صحة وسعة.
﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ فرح بطر، أي بطروا بسببها. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ شدة. ﴿بِمَا فَدَّمَتْ أَبْدِيِهِمْ﴾
أي بشؤم معاصيهم . ﴿يَقْنَطُونَ﴾ ييأسون من الرحمة. ومن شأن المؤمن أن يشكر
عند النعمة، ويرجو عند الشدة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ﴾ أو لم يعلموا. ﴿يَبْسُطُ﴾ يوسع. ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ امتحاناً.
﴿ وَيَقْدِرٌ﴾ يضيق لمن يشاء ابتلاء . ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بربهم،
فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة.

٩٥
الُ (٢١) - الروضْ: ٣٠ /٣٣-٣٧
المناسبة:
بعد بيان التوحيد والاستدلال عليه عقلاً وبالمثال، أبان الله تعالى حال
فئتين من الناس: الأولى - بعض المشركين الذين يتضرعون إلى الله وقت
الشدة، ويشركون به الأوثان والأصنام وقت الرخاء. والثانية - بعض الكفار
أو المشركين غير المذكورين سابقاً الذين تكون عبادتهم الله للدنيا، إن أوتوا
منها رضوا، وإن مُنِعوا منها سَخِطوا وقَنِطوا.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذَا مَسَ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مُنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم ◌ِنْهُ رَحْمَةً إِذَا
فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (®﴾ أي إذا أصاب الناسَ عادة شدة أو بلاء من
مرض أو قحط أو تعرض للخطر في جو أو بحر أو بر ونحو ذلك من حالات
الاضطرار، لجؤوا إلى الله يدعونه وحده لا شريك له، وتضرعوا إليه
واستغاثوا به مقبلين عليه، راجعين إليه، حتى إذا كشف عنهم البلاء وأسبغ
عليهم النعمة، فاجأ فريق منهم في حالة الاختيار، يُشركون بالله، ويعبدون
معه غيره من الأوثان والأصنام.
فهم انتهازيون نفعيون يؤمنون بالله، ويدعونه دون سواه وقت المصلحة أو
الحاجة الشديدة، ثم يتنكرون لربهم، ويعرضون عنه حال السراء والرخاء، بل
ويشركون به سواه، وهذا مبعث العجب والاستغراب.
﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، أي ليؤول أمرهم إلى الكفر
بنعمة الله، وجحود فضله وإحسانه. ورأى بعضهم أن الفعل فعل أمر
للتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:
٢٩/١٨] وكالأمر بعده:
﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الأمر للتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ

٩٦
الُرُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ /٣٣-٣٧
مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١] أي استمتعوا أيها المشركون بمتع الدنيا ورخائها،
فمتاعها قصير زائل، فسوف تعلمون عقابي وشدة عذابي في الآخرة على كفركم
في الدنيا. قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب، لخفت منه، فكيف
والمتوعّد هاهنا هو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ؟!
ثم أنكر الله تعالى على المشركين فيما اختلفوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا
حجة، فقال:
(®)) أي أأنزلنا
﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًّا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ
عليهم في عبادة الأوثان حجة وكتاباً فيه تقرير ما يفعلون، وينطق أو يدل
ويشهد بشركهم؟! وهذا استفهام إنكاري معناه أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم
ينزل الله عليهم كتاباً بما يقولون، ولا أرسل رسولاً، وإنما هو شيء
اخترعوه، وفي ضلالتهم يترددون.
وبعد أن بَيَّن الله تعالى حال المشرك الظاهر شركه، بَيَّن حال المشرك الذي
دونه، وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه منها رضي، وإذا منعه سخِط
وقنط، فقال :
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا
هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ أي إذا أنعم الله على بعض الناس نعمة بطر بها، كما قال:
﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِعٌ فَخُورُ﴾ [هود: ١٠/١١] أي يفرح في نفسه،
ويفخر على غيره؛ وإذا أصابته شدة أو شر قنِط وأيس من رحمة الله وسخِط؛
لأن إصابته بالسيئة كان بسبب شؤم معصيته.
ويلاحظ أنه تعالى لم يذكر عند النعمة سبباً لها لتفضله بها، وذكر عند
العذاب سبباً تحقيقاً للعدل.
وهذا إنكار على الإنسان وطبيعته، لكن في آية أخرى عقب آية هود المتقدمة

٩٧
الُرُ (٢١) - المُوفِ: ٣٠ /٣٣-٣٧
﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
استثنى تعالى المؤمنين الصابرين فقال:
[هود: ١١/١١] أي الذين صبروا في الضراء وعملوا الصالحات، كما ثبت في
الصحيح عند أحمد ومسلم عن صهيب: ((عَجَباً للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء
إلا كان خيراً له، إن أصابته سَرّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء
صبر، فكان خيراً له)).
ثم نبههم تعالى إلى ما يطرد اليأس والقنوط، فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ﴾ أي ألم يعلموا ويشاهدوا
أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحاناً، بغض النظر عن وجود صفة
الكفر، ويضيق الرزق على من يشاء ابتلاء، ولو مع وجود الإيمان وصالح
الأعمال، فالله هو المتصرف الفاعل للأمرين بحكمته وعدله، يوسع على قوم،
ويضيق على آخرين، دون نظر إلى صفتي الإيمان والكفر؛ لأن الدنيا لا تساوي
عند الله جناح بعوضة، والمؤمن: هو الراضي بقضاء الله وقدره، ولا ييأس من
رحمة الله، فإنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في ذلك المذكور من سعة الرزق
وإقتاره لدلالة واضحة على الإيمان الصادق، وحجة للمؤمن المصدق بوحدانية
الله وقدرته تجعله يفوض الأمر إلى الله وحده.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
اً - إن حال فريق من المشركين أو الكفار مَدْعاة للعجب، فهم يتركون
الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، وتراهم لا يثبتون على وتيرة
واحدة، فإذا مسَّهم ضرّ من مرض أو شدة، دعوا ربهم، أي استغاثوا به في
كشف ما نزل بهم، وأقبلوا عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج
عندها، وإذا أنعم الله عليهم بنعمة أو عافية أشركوا به في العبادة.

٩٨
الُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ /٣٨-٤٠
اً - إن مصير هؤلاء هو ملازمة الكفر، وقد هددهم الله وأوعدهم على
تمتعهم بمتع الدنيا، ثم يجدون جزاءهم العادل في عالم الآخرة.
◌َ - لا حجة ولا برهان للكافرين على كفرهم، فالله لم ينزل عليهم في شأن
إقرار كفرهم كتاباً ولا أرسل رسولاً، ولم يسوغ ذلك في أي وثيقة يعتمدون
عليها.
٤ - أنكر الله تعالى على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه ووفقه، حيث
إنه يفرح ويبطر حال الخصب والسعة والعافية وغيرها من النعم، وييأس
ويقنط من الرحمة والفرج حال البلاء والعقوبة، بما عمل من المعاصي. أما
المؤمن فيشكر عند الرخاء، ويصبر عند البلاء.
٥ - الله تعالى وحده هو المتصرف في أرزاق العباد، فيوسع الخير في الدنيا
لمن يشاء أو يضيق، على وفق الحكمة والعدل، فلا يصح أن يكون الفقر سبباً
للقنوط، ولا ينبغي أن يكون الغنى سبباً للبطر، فكل من الغنى والفقر من الله
تعالى، وعلى المؤمن الموحد تفويض أمر الرزق إلى الله سبحانه.
الترغيب بالنفقة وأنواع العطاء وضمان الرزق
وإثبات الحشر والتوحيد
﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيِلَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَيْهَ
اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَآ ءَيْتُم مِّن رِّبًّا لِيَرْبُواْ فِىّ أَمَوَلِ النَّاسِ فَلَا
يَرْبُواْ عِندَ اللّهِ وَمَآ ءَانَيْتُم مِّن ذَكَوْمٍ ثُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
اللَّهُ الَّذِى خَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ هَلْ مِن شُرَّكَابِكُم مَّن
١٣٩
يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
٤٠
القراءات:
{وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا)

٩٩
الجُرُ (٢١) - الُوْفِرْ: ٣٠ / ٣٨-٤٠
وقرأ ابن كثير (وما أتيتم من رباً).
لِيَرْبُواْ﴾:
وقرأ نافع (لِّرْبُوا).
﴿ يُشْرِكُونَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (تشركون).
البلاغة:
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة.
﴿اللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ سجع مرضّع.
المفردات اللغوية:
﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أعط القريب حقه من صلة الرحم والبرّ به،
واحتج به الحنفية على وجوب النفقة للمحارم . ﴿ وَاَلْمِسْكِينَ﴾ هو المحتاج وهو
الْمُعْدِمِ الذي لا مال له . ﴿ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر المحتاج إلى المال، وإيتاؤهما:
إعطاؤهما ما وُظّف لهما من الزكاة. والخطاب للنبي وََّ، وأمته تبع له في ذلك.
﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَيْهَ اللَّهِ﴾ ثوابه بما يعملون أو ذاته أو جهته قاصدين إياه
بمعروفهم خالصاً. ﴿اَلْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون.
﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا﴾ أي ما فعلتم من ربا، وهو الزيادة، والمراد بها الهبة
أو الهدية التي يقصد بها الوصول إلى أكثر منها . ﴿لِيَرَّبُواْ فِىِّ أَمْوَلِ النَّاسِ﴾
المعطين أي يزيد . ﴿فَلَا يَرْبُوْ عِندَ اللَّهِ﴾ لا يزكو عنده، ولا يبارك فيه، ولا
ثواب فيه للمعطين.
﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَكَوْمٍ﴾ أي صدقة. ﴿اُلْمُضْعِفُونَ﴾ ثوابهم بما أرادوه، أي
يضاعف الله لهم الثواب، مأخوذ من (أضعف) إذا صار ذا ضِعْف.

١٠٠
الجُزءُ (٢١) - المُروفِزْ: ٣٠ / ٣٨-٤٠
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أنه هو الباسط الرازق لمن يشاء والقابض له، وجعل في
ذلك آية للمؤمن، أردفه بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان لذوي
الحاجة، فإن الله إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق، وإذا قَدَر وقتَر لا يزداد
بالإمساك، ولأن من الإيمان الشفقة على خَلْق الله من قريب أو مسكين وابن
سبیل.
التفسير والبيان:
﴿فَقَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ﴾ يأمر الله تعالى بإعطاء
هؤلاء، فيقول: فأعط أيها الرسول ومن تبعك من أمتك المؤمنين ذوي القرابة
حقهم من صلة الرحم والبرّ بهم والإحسان إليهم؛ لأنهم جزء من رابطة الدم
والنسب، فكانوا أحق الناس بالتواصل والتزاور والشفقة، وأعط الحق أيضاً
للمسكين الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، ومثله
المسافر البعيد عن ماله المحتاج إلى نفقة وحوائج السفر. وسرعة المواصلات لا
تستأصل حاجة هذا المسافر، وإنما تقلل من المبلغ المالي الذي يحتاج إليه.
وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا
كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. والظاهر أن الحق ليس الزكاة، وإنما
يصير حقاً بالإحسان والمواساة. وقدم ذا القربى على المسكين وابن السبيل
للاهتمام به؛ لأن برّه صدقة وصلة.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَِّينَ يُرِيدُونَ وَحْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي إن
الإيتاء أو الإعطاء لمن ذكر خير في ذاته لمن يقصدون بعملهم وجه الله خالصاً،
أي يطلبون ذاته أو جهته أو ثوابه ورضوانه يوم القيامة، دون أن يفعلوا ذلك
رياء ولا سمعة وشهرة، وأولئك هم المفلحون الفائزون في الدنيا والآخرة.