Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
الزُعُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٨٣-٨٤
﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ أي من جاء بالخصلة الحسنة يوم القيامة،
فله خير منها ذاتاً ومقداراً وصفة، فثواب الله خير من حسنة العبد، الله
يضاعفه أضعافاً كثيراً، فضلاً من الله ورحمةً وإحساناً.
﴿ وَمَنْ جَآءَ بِالسَِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّبِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ أي ومن أتى بالفعلة القبيحة المنكرة شرعاً وعقلاً وعرفاً صحيحاً
مقبولاً، فلا يجزى عليها إلا مثلها رحمةً وعدلاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَّءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
٩٠
[النمل: ٢٧ /٩٠] .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الآتي:
اً - الجنة ونعيمها والعاقبة المحمودة للمؤمنين المتقين المتواضعين الذين
لا يقصدون رفعةً وتكبراً على الإيمان والمؤمنين، ولا فساداً بعمل المعاصي
وأخذ المال بغير حق، وذلك من لم يكن مثل فرعون وقارون. وكان عمر بن
عبد العزيز رضي الله عنه يردد هذه الآية حتى قبض.
وقوله: ﴿عُوَّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ دليل على أن كل واحد من العلوّ
والفساد مقصود، لا مجموعهما. والعلو: الرفعة والتكبر. والفساد: يعم كل
أنواع الشر.
أَ - من أتى بالخصلة الحسنة، ومنها: لا إله إلا الله، فله خير منها، ومن
جاء بالفعلة السيئة، ومنها الشرك فيعاقب بما يليق بعمله.
وهذا من فضل الله العظيم ورحمته بالناس أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها،
ويجزي بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والله
يضاعف لمن يشاء.

٥٤٢
الجزءُ (٢٠) - القضَص: ٨٥/٢٨-٨٨
قصص النبي ◌َ* وأصحابه مع قومه
﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَّاذُكَ إِلَى مَعٍَّ قُل رَّبِيّ أَعْلَمُ مَن جَآءَ
بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينِ ﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ
إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيرًا لِلْكَفِرِينَ ﴿ وَلَا يَصُدُّنَكَ عَنْ ءَإِيَتِ
اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَأَدْعُ إِلَى رَبِكٌَ وَلَا تَكُونَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَلَا
٨٧
تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَةٌّ لَهُ الْحُكْرُ
١٨
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
القراءات:
الْقُرْءَانَ
وقرأ ابن كثير، ووقفاً حمزة (القران).
﴿َّ أَعْلَمُ
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ربيَ أعلم).
الإعراب:
﴿أَعْلَمُ مَن ◌َجَآءَ﴾ ﴿مَن﴾: في موضع نصب بفعل مقدر دل عليه ﴿أَعْلَمُ
وتقديره: يعلم من جاء بالهدى، كقوله: ﴿أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِةِ﴾
[الأنعام: ١١٧/٦] أي يعلم من يضل، ووجب التقدير لامتناع الإضافة.
﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ ﴿وَجْهَةٌ﴾: مستثنى منصوب. ويجوز فيه
الرفع على الصفة، وتكون ﴿إِلَا﴾ بمعنى غير، مثل: قام القوم إلا زيد،
بالرفع على الوصف، كقولهم: قام القوم غير زيد، وكقول الشاعر:

٥٤٣
لُرُ (٢٠) - القضَض: ٢٨/ ٨٥-٨٨
وكل أخ مفارقُه أخوه لعمرُ أبيك إلا الفرقدان
أي غيرَ الفرقدين.
البلاغة:
﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل، أي ذاته
المقدسة.
المفردات اللغوية:
﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ أنزله عليك، وأوجب عليك تلاوته وتبليغه
والعمل بما فيه ﴿لَرَادُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾ أي بلدة مكة، فكأن الله تعالى وعده وهو
بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظافراً منتصراً، علماً
بأن السورة مكية. وقيل: المعاد: هو المقام المحمود الذي وعده ربه أن يبعثه فيه
يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة.
﴿أَعْلَمُ مَنْ جَآءَ بِالْهُدَى﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى عالم، و﴿مَن﴾ منتصب بفعل
يفسره: أعلم، أي فالنبي هو الجائي بالهدى، جواباً لقول كفار مكة: إنك في
ضلال، والحقيقة أنهم في ضلال ﴿اَلْكِتَبُ﴾ القرآن ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ أي لكن
ألقي إليك رحمة من ربك، أي لأجل الترحم ﴿ظَهِيرًا﴾ معيناً وناصراً
﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ على دينهم الذي دعوك إليه، بمداراتهم، والتحمل منهم،
والإجابة إلى طلبهم.
يَصُدُّنَكَ﴾ أصله: ولا يصدونك، حذفت نون الرفع للجازم، والواو
الفاعل؛ لالتقائها مع النون الساكنة ﴿عَنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ أي عن قراءتها والعمل
بها. ﴿َبَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ﴾ أي لا ترجع إليهم في ذلك ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكٌَ﴾
أي وادع الناس إلى توحيده وعبادته ﴿وَلَا تَكُونَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعانتهم،
علماً بأنه لم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه ﴿ وَلَا تَدْعُ﴾ تعبد﴿هَالِكُ﴾ معدوم ﴿إِلَّا

٥٤٤
لِلِزُعُ (٢٠) - القَضَض: ٨٥/٢٨-٨٨
وَجْهَةٌ﴾ إلا ذاته ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ ﴿ وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ﴾ النشور من
قبور کم.
سبب النزول:
نزول الآية (٨٥):
﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما خرج النبي
وَلجر من مكة، فبلغ الجُحْفة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاذُكَ إِلَى مَعٍَّ﴾
وقال مقاتل: إنه 18 خرج من الغار - غار ثور حين الهجرة - وسار في
غير الطريق، مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق، ونزل بالجُخْفة بين
مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة، واشتاق إليها، وذكر مولده ومولد
أبيه، فنزل جبريل عليه السلام، وقال له: تشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال
وَّليه: نعم، فقال جبريل عليه السلام: فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآَذُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾ يعني إلى مكة ظاهراً عليهم. قال الرازي:
وهذا المعنى أقرب؛ لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه، وفارقه وحصل العود،
وذلك لا يليق إلا بمكة، وإن كان سائر الوجوه محتملاً، لكن ذلك أقرب(١).
المناسبة:
قال الرازي أيضاً: ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة، واستقصى
في ذلك، شرح له ما يتصل بأحواله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ.
الْقُرْءَانَ لَرََّذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾(٢).
(١) تفسير الرازي: ٢١/٢٥
(٢) المرجع والمكان السابق.

٥٤٥
الُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٨٥-٨٨
وهذا يعني أن الله تعالى بعد أن قصَّ في هذه السورة على رسوله قصص
موسى مع فرعون، وقصص قارون مع قومه بني إسرائيل، وبيَّن هلاك كل من
الطاغيتين، أعقبه بذكر قصص النبي وَلّ وأصحابه مع قومه، وإخراجهم أو
تهجيرهم إياه من مكة، ثم عوده إليها ظافراً منتصراً، متابعاً دعوته إلى عبادة
الله وتوحيده.
التفسير والبيان
يأمر الله رسوله بإبلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ويخبره بأنه
سيرده إلى معاد فقال:
﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآَذُكَ إِلَى مَعَاٍَّ﴾ أي إن الله الذي
أوجب عليك العمل بالقرآن وافترض عليك أداءه إلى الناس، لرادك إلى بلدك
الحبيب: مكة فاتحاً ظافراً منتصراً، بعد خروجك منها مهاجراً. وكان هذا هو
الفتح الأعظم الذي تم به الاستيلاء على معقل الكفر والوثنية، وتحطيم
الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة.
وهو وعد صادق منجز من الله لرسوله، حينما كان في مكة في طريقه إلى
المدينة، فاطمأن لذلك وهدأت نفسه، قال المحققون: وهذا أحد ما يدل على
نبوته: لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر، فيكون معجزاً.
ولما وعد الله تعالى رسوله الرد إلى معاد أمره أن يقول للمشركين (كفار
مكة) توبيخاً لهم حينما اتهموه بأنه في ضلال القول الآتي
﴿ قُل رَّبِ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ أي قل أيها
الرسول لمن خالفك وكذبك من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم:
الله تعالى العالم البصير الذي يعلم الغيب والشهادة هو عالم بالمهتدي مني
ومنكم، وعالم بالضال ضلالاً بيناً ظاهراً، وعالم بمن جاء بالهدى - يعني

٥٤٦
الجُعُ (٢٠) - القصص: ٨٥/٢٨-٨٨
نفسه وَلي - وهو القرآن، وبما يستحقه من الثواب في معاده وإعزازه بالإعادة
إلى مكة، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في
الدنيا والآخرة، فينصر المؤمن، ويخذل الكافر.
ثم قال تعالى مذكراً نبيه نعمته العظيمة عليه وعلى الناس إذ أرسله إليهم:
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكٌَ﴾ أي وما
كنت أيها النبي تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل إليك، وأن القرآن
ينزل على قلبك، فتعلم به أخبار الماضين، وتعرف منه دستور الحياة، وتشريع
المجتمع الذي فيه سعادتهم ونجاتهم، ولكن إنما أنزل ربك الوحي عليك وألقى
عليك الكتاب، رحمةً منه بك وبالعباد بسببك. وبناء عليه كلفه ربه بأمور خمسة
هي :
أَ - ﴿فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيْرًا لِلْكَفِرِينَ﴾ أي فلا تكن معيناً للكفار بأي حال،
ولكن فارقهم وخالفهم، وكن عوناً للمسلمين، والله مؤيدك وحافظك.
◌َ - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكٌَ﴾ أي ولا تلتفت إلى
هؤلاء المشركين، ولا تتأثر بهم ولا لمخالفتهم لك، ولا تركن إلى قولهم،
فيصدُّوك عن اتباع آيات الله المنزلة إليك، وبتليغها للناس، فإن الله معك،
ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، كما قال تعالى:
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَّغْتَ رِسَالَتَهُّ وَاَللَّهُ
يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧/٥].
◌َ - ﴿وَدْعُ إِلَى رَبِّكٌ﴾ أي وادع إلى عبادة ربك وحده لا شريك له، وبّغ
دينه، وأعلن رسالته دون تردد ولا خوف ولا تمهل. وهذا أمر بالصدع أو
الجهر بالدعوة، وفيه تشدد بدعوة الكفار والمشركين، ولكن في مظلة الأمن
والسلام، والمهادنة والموادعة.
٤- ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي واحذر أن تكون مع الذين أشركوا

٥٤٧
الُ (٢٠) - القَضَصَ: ٢٨/ ٨٥-٨٨
بربهم، فجعلوا له شريكاً ونداً، فتكون من الهالكين؛ لأن من رضي بطريقتهم
کان منهم.
وهذا النهي عن مظاهرة المشركين ونحو ذلك من باب إلهاب الحماس،
وتهيج العاطفة، وإثارة الغيرة على استقلال دين التوحيد وعبادة الله.
ثم فسر ذلك بقوله :
٥-﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ولا تعبد مع الله إلهاً
آخر، ولا تدع في أي عمل من الأعمال إلهاً غير الله؛ لأنه لا تليق العبادة إلا
له، ولا جدوى في الدعاء لغيره، ولا تنبغي الألوهية إلا لعظمته، ولا معبود
يستحق العبادة سواه، كما قال: ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَتَّخِذَّهُ
[المزمل: ٩/٧٣] أي فاتخذه وكيلاً في أمورك، وهو نعم الوكيل.
وَكِيلًا
وهذا وإن كان واجباً على الكل، إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل
التعظیم.
ثم يبَّن الله تعالى صفات الألوهية التي تفرد بها فقال:
أولاً - ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ أي كل من في الوجود فانٍ إلا ذات
الله المقدسة، فهو الدائم الباقي، الحي القيوم، الذي يميت الخلائق ولا يموت،
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ
٢٦
كما قال سبحانه: ﴿ كُلَّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
١٣٧
• [الرحمن: ٢٦/٥٥-٢٧]. وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَله: ((أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل))
ومقتضى هذا أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه
الأول والآخر، الذي هو قبل كل شيء، وبعد كل شيء.

٥٤٨
الجُزءُ (٢٠) - القَضَصِ: ٨٥/٢٨-٨٨
ثانياً - ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي له الملك والتصرف والقضاء النافذ في الخلق، ولا
معقب لحكمه.
ثالثاً - ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي مصير جميع الخلائق إليه، فإليه ترجعون يوم
معادكم، فيجزيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
ا - ختم الله تعالى سورة القصص ببشارة نبيه محمد وَ له برده إلى مكة، قاهراً
لأعدائه، فاتحاً البلد الحرام، مكسراً الأصنام، معلناً انتهاء عهد الشرك
والوثنية، رافعاً راية التوحيد إلى الأبد بأنه ﴿لَآَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وهذا إشارة إلى
الهجرة وإلى فتح مكة أيضاً.
أَ - يستخدم القرآن أحياناً أسلوب اللين والحكمة وإثارة الانتباه والتفكير
في حقيقة دعوة الإسلام، فلا يحسم الأمر ليترك سبيلاً للمناقشة والأخذ
والرد، وهذا من فنون السياسة الرفيعة المستوى، لذا أمر الله نبيه أن يقول:
﴿قُل زَبِيّ أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ أي قل لكفار مكة
وأمثالهم إذا قالوا: إنك لفي ضلال مبين: ربي هو العالم بالمهتدي والضال:
أنا أم أنتم.
◌َّ- لا علم لأحد، ولا علم لرسوله أن الله تعالى يرسله نبياً رسولاً إلى
الخلق أجمعين، وينزل عليه القرآن نوراً وهدىً ونبراساً ودستوراً للحياة
وتشريعاً خالداً صالحاً على الدوام للإنسانية جمعاء.
ولكن رحمة الله برسوله وبعباده اقتضت إرسال الرسول، وإنزال القرآن
حكماً عدلاً وقولاً فصلاً.

٥٤٩
المُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٨٥-٨٨
٤- كُلّف الرسول وَليل بخمسة أمور: ألا يكون عوناً ولا مساعداً للكافرين
في جميع الأحوال، وأن يمضي في تبليغ رسالة ربه وأمره وشأنه دون أن تمنعه
أقوال الكفار وكذبهم وأذاهم عن مواصلة الطريق في الدعوة إلى الله، وأن
يعلن الدعوة إلى توحيد الله، وألا يكون مع المشركين؛ لأن من رضي بطريقتهم
كان منهم، وألا يعبد مع الله إلهاً غيره، فإنه لا إله إلا هو، وهذا نفي لكل
معبود وإثبات لعبادة الله تعالى.
6- وصف الحق تعالى نفسه بصفات ثلاث: هي كل شيء في الوجود هالك
فانٍ غير الله تعالى، وله الحكم النافذ في الدنيا والآخرة، وكل المخلوقات
راجعة إليه للحساب والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.
وهذا يعني: ليس كل شيء هالكاً من غير رجوع، بل كل شيء هالك، وله
رجوع إلى الله تعالى.

٥٥٠
الُ (٢٠) السورة (٢٩) الجَنْكُبُوتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْرَةُ الْجِنْكُتِ
مكية وهي تسغ وستون آية
تسميتها:
سميت سورة العنكبوت؛ لأن الله تعالى شبَّه الذين اتخذوا الأصنام وغيرها
آلهة بالعنكبوت التي اتخذت بيتاً ضعيفاً واهناً، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [الآية: ٤١].
موضوعها:
موضوع السورة كسائر السور المكية تقرير أصول العقيدة وهي الوحدانية،
والرسالة والبعث والجزاء، وتثبيت الإيمان في القلوب في جميع الأحوال،
وبخاصة وقت الابتلاء والمحنة، فافتتحت بالإخبار عن فتنة الإنسان، وختمت
بالحديث عن هداية المجاهدين نفوسهم إلى أقوم السبل ونصرة الله لهم.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها في بيان أمثلة واقعية من الصراع بين الحق
والباطل، وبين الضعف والقهر، وبين أثر الصمود والصبر على الإيمان وأثر
الانسلاخ منه، ففي سورة القصص ذكر الله تعالى استعلاء فرعون وجبروته،
وتفريقه الناس شيعاً، واستضعافه بني إسرائيل بذبح أبنائهم واستحياء

٥٥١
إِلُعُ (٢٠) السورة (٢٩) الجِنكُبُوتِ
نسائهم، ونجاة موسى عليه السلام مع قومه، ونصره على الطغاة وإغراقهم،
كما ذكر الله قصة قارون الباغية وعقابه بالخسف.
وفي هذه السورة ذكر الله قصة المسلمين في مكة الذين فتنهم المشركون عن
دينهم، وعذبوهم على الإيمان بنحو أقل من تعذيب فرعون بني إسرائيل، حثاً
لهم على قوة التحمل والصبر، وتسلية لهم بما وقع لمن قبلهم، ثم ذكر نجاة نوح
عليه السلام في سفينته مع جند الإيمان، وإغراق قومه الذين كذبوه.
كما أن بين السورتين تشابهاً في الإشارة إلى موضوع الهجرة، ففي خاتمة
القصص الإشارة إلى هجرة النبي وَ له: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ
لَرَّاذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ وفي خاتمة هذه السورة الإشارة إلى هجرة المؤمنين: ﴿يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ
﴾ [العنكبوت: ٥٦/٢٩].
وكذلك يوجد ارتباط بين السورتين في تحديد الغاية والغرض، ففي سورة
القصص بيان العاقبة المحمودة للمتقين المتواضعين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوًّا فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ
٨٣
[القصص: ٨٣/٢٨] وفي هذه السورة تقرير العاقبة الحسنة للمؤمنين الذين يعملون
الصالحات: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن
[العنكبوت: ٥٨/٢٩] .
٥٨
تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيَأْ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
ثم إنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَمْ﴾
وأعقبه بما يبطل قول منكري الحشر: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ﴾ رد في مطلع
هذه السورة على منكري الحشر القائلين: لا فائدة في التكاليف إذ لا مرجع
بعد الهلاك والزوال، ومضمون الرد أن للتكليف فائدة وهي أن يثيب الله
الشكور ويعذب الكفور.
مشتملات السورة:
اشتملت هذه السورة على ما يأتي:

٥٥٢
الُ (٢٠) السورة (٢٩) الجِنْكُبُوتِ
اً - إعلان اختبار المؤمنين على الشدائد والمحن في الدنيا، وبيان فائدة جهاد
النفس، ومعرفة مدى صلابة الإيمان وقت الشدة، فالمؤمن هو المجاهد الصابر
الذي لا يلين أمام الأحداث الجسام، ويظل ثابت العهد كالطود الشامخ دون
أن يتزحزح عن إيمانه وعقيدته، وأما مهتز الإيمان أو المنافق، فيُظهر الإيمان
أحياناً، ولكنه لا يتحمل الأذى في سبيل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا
◌ِلَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ وحينئذ يعلم الله
المؤمنين علم انكشاف وإظهار كما يعلم المنافقين، لكنه سبحانه عالم بذلك
سلفاً.
أَ- الحديث عن محنة الأنبياء التي هي أشد وأصعب من محنة المؤمنين، فقد
قص الله على رسوله وعلى المؤمنين قصة نوح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب،
وهود، وصالح، وموسى، وهارون، ليعلموا أن الله نصرهم، وأهلك
أقوامهم: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَتْبِهِ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ
أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَاً﴾
[العنكبوت: ٤٠/٢٩].
◌َّ- محاجة المشركين بضرب الأمثال لهم تقريعاً وتوبيخاً، ومحاجة أهل
الكتاب بالحسنة واللين والحكمة.
٤- إثبات نبوة محمد وَله بمعجزة إنزال القرآن عليه علماً بأنه أمي لا يقرأ
ولا يكتب، وتفنيد بعض شبهات المشركين في نبوته، واستعجالهم العذاب
المحقق نزوله بهم.
٥- الإذن للمؤمنين بالهجرة من ديارهم فراراً بدينهم من الفتن، وترغيبهم
بالصبر، وإبعاد خوف الموت عن نفوسهم؛ فإن الموت محقق في كل مكان
وزمان، وتبشيرهم بالعاقبة الحسنة إذا عملوا الصالحات، وزهدوا في الدنيا؛
لأن الدار الآخرة هي دار الحياة الباقية الحقة.

٥٥٣
لُعُ (٢٠) - الجنكُوتِ: ٢٩ /١-٧
أَ- اعتراف المشركين بأن الله هو خالق السماوات والأرض وأنه هو
الرازق، وأنه كاشف الضر والمنجي من المخاطر، وذلك يتضمن الحديث عن
الأدلة والبراهين على القدرة والوحدانية في هذا الكون الفسيح.
لاً- الامتنان على أهل مكة بإقامتهم في الحرم الامن، مع خوف من
حولهم، ثم كفرهم بهذه النعمة وغيرها بالإشراك بالله، وتكذيب رسوله، وهو
غاية الظلم.
٨- بيان جزاء المؤمنين الذين صبروا أمام المحن والشدائد، وجاهدوا في
سبيل الله بالنفس والمال، واجتازوا المحنة بأمان وسلام.
اختبار الناس وجزاؤهم
﴿الَّ ﴿َ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
٢
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ أَلْكَذِبِينَ ﴿ أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ
لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ (®َ وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ
لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِرَةَ
٧
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الإعراب:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُواْ ءَمَنَا﴾ ﴿أَنْ يُتْرَكُواْ﴾: منصوب بـ
﴿حَسِبَ﴾ سدَّ مسد مفعوليها. و﴿أَن يَقُولُواْ﴾: في موضع نصب بتقدير حذف
حرف الجر، أي أن يقولوا.
﴿يَسْبِقُونَأْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾: إما في موضع رفع بمعنى: ساء
الشيء أو الحكم حكمهم، وإما في موضع نصب بمعنى ساء شيئاً أو حكماً
يحكمون.

٥٥٤
الجُزُ (٢٠) - الْجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
البلاغة:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ﴾ استفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار.
﴿صَدَقُواْ﴾ ﴿اَلْكَذِبِينَ﴾ بينهما طباق.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَنَّ﴾ التأكيد بإن واللام؛ لأن المخاطب منكر.
﴿ وَهُوَ اُلسَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل.
المفردات اللغوية:
﴿الّ (4) هذه الحروف الهجائية تنبيه على إعجاز القرآن، ووقوع
الاستفهام بعدها دليل على استقلالها بنفسها ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ أظن الناس،
والاستفهام إنكاري، وتدخل (حَسِبَ) على الجملة للدلالة على جهة ثبوتها
﴿أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أي أحسبوا تركهم غير مفتونين،
لقولهم: آمنا، بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف، كالهجرة والجهاد ومقاومة
الشهوات والقيام بالطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، ليتميز
المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر عليه
عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في
العذاب ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون ويمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم
بالتعرض للشدائد.
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ﴾ أي إن ذلك سنة قديمة، جارية في الأمم
كلها، فلا ينبغي أن يتوقع خلافه ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ
الگذپینَ﴾ أي لیظهرن صدقهم و کذب المكذبين، وینوط به ثوابهم وعقابهم،
وهذا تعلق حالي وعلم مشاهدة يتميز به الفريقان، ولا ينافي تعلق علم الله
القديم بكل شيء، فهو عالم بما خلق قبل الخلق.
﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الكفر والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب

٥٥٥
لِلُعُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
والأعضاء ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ يفوتونا فلا ننتقم منهم، أي الفوت عن الجزاء على
مساويهم ﴿سَآءَ﴾ بئس الحكم هذا ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾ الذي يحكمونه، أي قبح
حكمهم أنهم يهربون منا . ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ﴾ أي يأمل ويطمع في لقائه
وثوابه وجزائه في الجنة، وقيل: يخاف لقاءه: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اُللَّهِ لَتٍّ﴾ أي فإن
الوقت المحدد للقائه أو هو الموت لجاءٍ لا محالة، فليستعد له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾
لأقوال العباد ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم.
﴿وَمَنْ جَهَدَ﴾ نفسه بالصبر على الطاعة والكف عن الشهوات، وبذل
جهده في مقاومة الأعداء بالنفس أو المال ﴿فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهَِّ﴾ فإن منفعة
جهاده له ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ اْلْعَلَمِينَ﴾ عن الإنس والجن والملائكة، وعن
عبادتهم، فلا حاجة به إلى طاعتهم، وإنما كلف عباده رحمة بهم ومراعاة
لصلاحهم ﴿لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ بعمل الصالحات فيسقط عقابها بثواب
الحسنات ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وهو الصالحات، و﴿أَحْسَنَ﴾
إما بمعناه أو بمعنى حسن، وهو منصوب بنزع الخافض: الباء، والمعنى
لنجزينهم بأحسن جزاء لأعمالهم، وهو أن يجازي الحسنة الواحدة بالعشر
وزيادة.
سبب النزول:
روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين، وقيل: في
عمار، وقد عذب في الله، أخرج ابن سعد عن عبد الله بن عبيد بن عمير،
قال: نزلت في عمار بن ياسر إذا كان يعذب في الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿الّ
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ﴾ الآية قال: أنزلت في أناس كانوا بمكة، وقد
١
أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله وَ له من المدينة أنه لا يقبل
منكم حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فتبعهم المشركون،

٥٥٦
الُهُ (٢٠) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنه قد نزل فيكم كذا وكذا،
فقالوا: نخرج، فإن اتَّبَعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم،
فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدٍ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل: ١١٠/١٦].
وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن قتادة قال: أنزلت ﴿الَّمَ جَ أَحَسِبَ
النَّاسُ﴾ في أناس من أهل مكة خرجوا، يريدون النبي ◌َّ، فعرض لهم
المشركون، فرجعوا، فكتب إليهم إخوانهم بما نزل فيهم، فقتل من قتل،
وخلص من خلص، فنزل القرآن: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاً وَ إِنَّ
[العنكبوت: ٦٩/٢٩].
٦٩
اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب، كان أول قتيل من
المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله، فقال النبي بَيِّ
يومئذ: ((سيد الشهداء مِهْجَع، وهو أول من يُدعى إلى باب الجنة من هذه
الأمة)) فجزع عليه أبواه وامرأته، فنزلت: ﴿الَّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ﴾
الآية.
التفسير والبيان :.
﴿الّمَ (4) هذه الحروف المقطعة بدئ بها لتنبيه السامع وطلب إصغائه
وإشعاره بإعجاز القرآن الدال على كونه كلام الله الحكيم الخبير.
وقد لاحظ الرازي(١) أن كل سورة في أوائلها حروف التھجي بدئت بذكر
﴿ ذَلِكَ
الكتاب أو التنزيل أو القرآن، كأوائل سورة البقرة ﴿الم
نَزَّلَ عَلَيْكَ
لِلْكِتَب وآل عمران ﴿الَّـ جَ اللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ
(١) تفسير الرازي: ٢٦/٢٥ وما بعدها.

٥٥٧
لُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
كِتَبُ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ ويس ﴿يَسّ
اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ﴾ والأعراف ﴿الْمَصّ
وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ (٤) وص ﴿صََّ وَالْقُرْءَانِ﴾ وق ﴿فَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ
(4)، والحواميم (غافر أو المؤمن، وفصلت أو السجدة، والشورى) إلا
ثلاث سور: سورة مريم والعنكبوت، والروم.
وقد حصل التنبيه في القرآن بغير حروف التهجي التي لا يفهم معناها،
كقوله تعالى في أول سورة الحج: ﴿يَأْتُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ
السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ (3) وفي أول سورة الأحزاب: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾
وفي أول سورة التحريم: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَّ﴾
والسبب في بدء هذه السورة بهذه الحروف، وليس فيها الابتداء بالقرآن أو
الكتاب هو الإشارة إلى مبدأ التكليف، وجميع التكاليف فيها ثقل على النفس،
فبدئ بحروف التنبيه للفت النظر إلى خطورة ما يلقى بعدها.
١)﴾ أي أَظَنَّ
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (إ
الناس بعد خلقهم أن يتركوا بغير اختبار بمجرد قولهم: آمنا بالله ورسله، وهم
لا يمتحنون بمشاق التكاليف كالهجرة والجهاد في سبيل الله، ومقاومة
الشهوات، ووظائف الطاعات والفرائض المالية والبدنية من صلاة وصيام
وحج وزكاة ونحوها، والتعرض للمصائب في الأنفس والأموال والثمرات،
ليتميز المؤمن المخلص من المنافق، والراسخ في الدين من المضطرب فيه،
ونجازي كل واحد بحسب عمله.
وهذا استفهام إنكار، معناه أن الله تعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين
بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: ((أشدُّ الناس
بلاءً: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب
دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد له فى البلاء)).
ونظير هذه الآية قوله. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ

٥٥٨
لُعُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
﴿أَمْ
[آل عمران: ٣/ ١٤٢] وقوله سبحانه :
جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ
حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنََّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ
الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّةُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ الَّهِ أَلَا إِنَّ
(٧٤)﴾ [البقرة: ٢١٤/٢].
نَصْرَ اُللَّهِ قَرِہِبُ
وقد بينت أن هذه الآية نزلت في بعض المؤمنين في مكة، الذين كان كفار
قريش يعذبونهم على الإسلام ويؤذونهم بأشد أنواع الإيذاء، كعمار بن ياسر
وأمه شَيَّة وأبيه ياسر، وعيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلَمة بن
هشام.
ويظهر أن التعرض للأذى باقٍ في أمة محمد ◌َ ل# ما دام هناك إسلام يمثل
جوهر الحق، وعقيدة صحيحة تتحدى تيارات الإلحاد والكفر والعلمانية
وأوضار الوثنية في كل أنحاء الأرض، وما دام قرآن مجيد يحافظ على وجود
المسلمين، ويتلى في كل مكان. ولن تفلح قوى الشر في إخفات صوت
الإسلام، ودفن صرح التدين، وتصفية جند الإيمان بالله عز وجل، قال ابن
عطية: وهذه الآية، وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال،
فهي باقية في أمة محمد وَلّه، موجود حكمها بقية الدهر، لأن الفتنة من الله
تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك.
وليس الافتتان والإيذاء بدعاً بين المسلمين، وإنما هو سنة الله الدائمة في
خلقه في الماضي والحاضر والمستقبل، لذا قال تعالى تسلية لهم: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا
أي وتالله
٣
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ
لقد امتحنا واختبرنا المؤمنين السابقين، بل والأنبياء القدامى بأنواع عديدة من
الشدة والمشقة والضرر، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَِّن مِّن نَّبِيٍّ فَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ
كَثِيرُ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُ
[آل عمران: ١٤٦/٣] .
الصَّبِرِينَ (

٥٥٩
لُعُ (٢٠) - الجُنْكُبُوتِ: ٢٩ / ١-٧
والهدف من الاختبار أن يعلم الله علم ظهور وانكشاف، أي يظهر الذين
صدقوا في دعوى الإيمان، ممن هو كاذب في قوله ودعواه، وسيجازي كل
واحد بما قدَّم. والله يعلم سلفاً ما كان وما يكون وما لم يكن، ولو كان كيف
يكون، بإجماع أهل السنة والجماعة، لذا قال ابن عباس في مثل قوله تعالى:
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا لنرى؛ لأن الرؤية تتعلق بالموجود والعلم أعم من الرؤية،
فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.
ويلاحظ أنه قال في حق المؤمنين: ﴿الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ بصيغة الفعل، أي
وجد منهم الصدق، وقال في حق الكافرين: ﴿اَلْكَذِبِينَ﴾ بصيغة اسم الفاعل
الدالة على الثبات والدوام. هذا فضلاً عن أن الاختلاف في اللفظ أدل على
الفصاحة.
وقد ورد في السنة الصحيحة أخبار ونماذج من تعذيب المؤمنين قبل
الإسلام، روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خبَّاب بن الأرتّ قال:
(شكونا إلى رسول الله وَ لّل، وهو متوسِّد بُرْدة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا
تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:
قد كان من قَبْلكم يؤخذُ الرجل، فيُحفر له في الأرض، فيجعل فيها،
فيجاء بالمِنْشَار فيوضعُ على رأسه، فيجعلُ نصفين، ويُشَط بأمشاط الحديد
لحُمُه وعظمُه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله لَيَتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير
الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئبَ على غنمه،
ولكنكم تستعجلون)) .
وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: ((دخلت على النبي ◌َّ، وهو
يُوعَك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرَّه بین یدي فوق اللحاف، فقلت: يا
رسول الله ما أشدّها عليك !! قال: إنا كذلك يُضعَّف لنا البلاء، ويُضَعَّف لنا
الأجر، قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، قلت: ثم

٥٦٠
الزُعُ (٢٠) - الجِنكُوتِ: ٢٩ /١-٧
من؟ قال: ثم الصالحون أن كان أحده ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء
يُحُوبها(١)، وأن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، كما يفرحُ أحدكم بالرخاء)).
والخلاصة: إن الحياة ميدان كفاح وجهاد وشقاء وعناء، وكلما عظمت
المسؤولية عظم قدر المسؤول، وكلما أهملت المسؤولية أو التبعة أهمل
المسؤول، فالتكليف دليل التكريم، وهو رمز الشخصية وإثبات الذات، ولا
طعم للحياة دون عمل وتكليف؛ لأن لذة الحياة ومتعتها أن يعمل الإنسان
لغاية وهدف معين، وإلا كان الأمر عبثاً موقعاً في السأم والحيرة، فالحمد لله
على التكليف، والشكر له على الابتلاء والاختبار، ليتميز العامل من العابث،
والملتزم المتقن من المتسيب الذي لا يبالي بشيء.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (®َ﴾ أي
بل أظن الذين يقترفون المعاصي أن يفوتونا فلانجازيهم؟ لن يفلتوا من عذابنا،
بئس ما يظنون، وبئس الحكم ما حكموا بأن يعصوا ويخالفوا أمر الله، ولا
يعاقبون، إنه حكم مغلوط سَيِّئ رديء، يتنافى مع مقتضى العقل والشرع
والعدل.
قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل والأسود، والعاص بن
هشام، وعتبة والوليد بن عتبة، وعقبة ابن أبي مُعَيط، وحنظلة بن أبي سفيان،
والعاص بن وائل.
وبعد بيان أن من ترك التكليف عُذّب، بيّن سبحانه أن من آمن بالآخرة
وعمل لها، يجد ثواب عمله فقال:
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (جَ﴾ أي
من كان يتوقع الخير ويطمع ويأمل في ثواب الله الجزيل في الدار الآخرة،
(١) وفي الجامع الصغير للسيوطي: ((يجوبها)) أي يخرقها ويقطعها، وهو أولى.