Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
اِلُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ / ٨٧-٩٠
﴿ وَمَن جَاءَ بِالسَّبِئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُمْ
تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي ومن أشرك بالله وارتكب المعاصي، ومن لقي الله مسيئاً لا
حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه، فيلقى في النار،
ويقال لهم أي للكفار والعصاة: هل هذا إلا جزاء عملكم في الدنيا من شرك
ومعصية؟
ويلاحظ أن هذه الآيات كلها في قمة البلاغة والفصاحة والإيجاز المفيد
معاني عديدة متلاحقة، قال الزمخشري: فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن
تنظيمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحُجزة
بعض، كأنما أُفرغ إفراغاً واحداً، ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس
الشَّقاشق(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن نفخ إسرافيل في الصور نفخة مرعبة وهي النفخة الأولى ونفخة
الصعق يموت من رُعبها الخلائق كلهم إلا من شاء ربك من الملائكة أو الناس.
وهي العلامة الثانية لقيام القيامة.
قال القرطبي: والصحيح في الصور: أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل.
قال مجاهد: كهيئة البوق. والصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان، لا
ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما ترجع إلى نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان
لهما، أي فزعوا فزعاً ماتوا منه، ثم تأتي نفخة البعث وهي النفخة الثانية التي
يحيا بها العباد ليجتمعوا في أرض الجزاء(٢).
(١) الكشاف: ٤٦٣/٢، والشقاشق: الخطباء الماهرون في الكلام، جمع شِقْشِقة وهي في الأصل
لهاة البعير.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٤٠/١٣

٤٠٢
الُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٨٧-٩٠
ولا يتخلف أحد من الخلائق من عهد آدم إلى قيام الساعة عن المثول حياً
أمام الله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ أي ذليلين صاغرين.
أَ- وبعد قيام القيامة وبعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق يحدث تسيير
الجبال من أماكنها، ثم تتلاشى وتتبدد كالعهن، أي الصوف المندوف. يقال:
إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض
منها، وإبراز ما كانت تواريه؛ فأول الصفات: الاندكاك، وذلك قبل
الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالْمُهْل (أي
الزيت المذاب) وقد جمع الله بينهما فقال: ﴿يَوْمَ تَكُنُ السَّمَآءُ كَالْهُلِ ﴿ وَتَكُونُ
[المعارج: ٨/٧٠-٩] . والحال الثالثة: أن تصير كالهباء،
الْجِبَالُ كَلْعِهْنِ
وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن. والحال الرابعة: أن تنسف، والحال
الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعاً في الهواء كأنها
غبار، والحال السادسة: أن تكون سراباً(١).
◌َ- إن تغيير معالم الأرض من جبال وغيرها، وتبديد السماوات وغير
ذلك من فعل الله الذي أتقن بصنعه كل شيء، وأودع فيه من الحكمة ما أودع.
٤ - الناس صنفان يوم القيامة: سعداء وأشقياء، فالسعداء: هم المؤمنون
الذين عملوا الأعمال الصالحة، وهؤلاء لهم الثواب الجزيل، والأمن من
عذاب الله. والأشقياء: هم الكفار والمشركون والعصاة الذين ارتكبوا في
الدنيا السيئات، وهؤلاء يطرحون في النار على وجوههم، ويقال لهم: هل
هذا إلا جزاء أعمالكم؟
والثواب الممنوح من الله للسعداء وهو الخير اسم جنس، فسر بمضاعفته
بعشرة أمثاله في آية أخرى، فإن الله تعالى يعطي بالحسنة الواحدة عشراً، أما
(١) المرجع السابق: ٢٤٢ -٢٤٣

٤٠٣
الُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ / ٩١ -٩٣
جزاء السيئة فلا يضاعف فقال: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (ِيَا﴾
[الأنعام: ١٦٠/٦] .
الاشتغال بعبادة الله وحمده وتلاوة القرآن
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَّ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى
لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَأْ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿﴿ وَقُلِ الْحَمَّدُ لِلَّهِ سَيُرِكُمْ ءَايَتِهِ،
٩٣
فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿اَلْقُرْءَانٌ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
﴿تَعْمَلُونَ﴾ : قرئ:
١- (تعملون) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص.
٢- (يعملون) وهي قراءة الباقين.
المفردات اللغوية:
﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ مكة، وتخصيصها بهذه الإضافة: إضافة ﴿رَبَّ﴾ إليها
تشريف لها وتعظيم لشأنها .﴿ الَّذِى حَرَّمَهَا﴾ أي الله الذي جعلها حرماً أمناً لا
يسفك فيها دم الإنسان، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى
خلاها (عشبها الرطب) وذلك من نعم الله على قريش حيث رفع عن بلدهم
العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب، وقرئ: التي حرمها.

٤٠٤
لِمُعُ (٢٠) - التَمْلِ: ٢٧ / ٩١-٩٣
﴿وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ﴾ أي له تعالى كل شيء خلقاً وملكاً، فهو ربه وخالقه
ومالكه . ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لله بتوحيده، أي المنقادين الثابتين على ملة الإسلام.
﴿ وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ﴾ أي وأن أواظب على تلاوته لينكشف لي حقائقه في تلاوته
شيئاً فشيئاً، وأتلوه أيضاً عليكم تلاوة الداعية إلى الإيمان. ﴿لِنَفْسِهِ﴾
لأجلها، فإن ثواب اهتدائه له . ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى
﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوفين قومهم من عذاب الله، فليس علي
إلا التبليغ.
﴿اَلْحَمَّدُ لِلَّهِ﴾ على نعمة النبوة أو على ما علمني ووفقني للعمل به . ﴿سَيُرِيكُمْ
ءَئِهِ، فَتَعْرِفُونَهَا﴾ يريكم آياته القاهرة في الدنيا كوقعة بدر، أو في الآخرة،
فتعرفون أنها آيات الله، ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. ﴿ وَمَا رَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ أي إنما يمهلهم لوقتهم، فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن
أعمالكم.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أحوال المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة، وصفة
أهل القيامة من الثواب والعقاب، أمر رسوله بهذه الخاتمة اللطيفة بأن يقول
للمشركين هذه المقالة، مبيناً لهم أنه قد أتم أمر الدعوة، وقد كملت، ولم يبق
عليه إلا الاشتغال بعبادة الله وحده لا شريك له، وبحمده وشكره على نعمه
العظمى، وبتلاوة القرآن، أي إن مهمة إعلان الدعوة من جانبه انتهت، وبقي
عليهم التفكير في الاستجابة لهذه الدعوة، وتدبر آي القرآن التي تكفي في
إرشادهم، وإنها إن لم تفدهم فقد أفادته، فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم
عنها، فإني مصرٌّ عليها، غير مرتاب فيها.

٤٠٥
الُرُ (٢٠) - النَضْلِ: ٢٧ /٩١-٩٣
التفسير والبيان:
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ اٌلْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا﴾ أي قل لهم أيها
الرسول: إنما أمرت أن أعبد رب مكة التي حرمها على الناس، فجعلها شرعاً
وقدراً حَرَماً آمناً، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها
صيد، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر طيرُها، ولا يُخوَّف فيها خائف، يجبى
إليها ثمرات الدنيا من كل ناحية.
وخص مكة بالذكر تشريفاً لها؛ لأن أول بيت وضع للعبادة كان فيها، كما
الَّذِىّ أَطْعَبَهُم مِّن جُوعِ
قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا اُلْبَيْتِ
وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾ [قريش: ٣/١٠٦-٤]. وفي هذا توبيخ لأهل مكة على
ترك عبادة الله، والاتجاه نحو عبادة الأصنام.
ونظير الآية: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شَكٍ مِّنْ دِينِ فَلَآ أَعْبُدُ الَّذِينَ
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّنَكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤/١٠].
وقد أبان النبي ◌َّ مظاهر تحريم مكة، روى البخاري ومسلم في
صحيحيهما عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَل يوم فتح مكة: ((إن هذا
البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم
القيامة، لا يُعْضَد شوكه، ولا يُنقَّرُ صيده، ولا يُلْتَقط لُقطته إلا من عَرَّفها،
ولا يُختلى خلاها)) أي عشبها الرطب.
﴿وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ﴾ أي له تعالى كل شيء خَلْقاً وملكاً وتصرفاً، دون أي
شريك، وهذا من عطف العام على الخاص، أي هو رب هذه البلدة، ورب
كل شيء ومليكه، لا إله إلا هو.
﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي وأمرني ربي أن أكون من الموحّدين،
المخلصين، المنقادين لأمره، المطيعين له.

٤٠٦
لُ (٢٠) - التَعْلِّ: ٢٧ /٩١ -٩٣
﴿ وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ﴾ أي وأمرني ربي أن أتلو القرآن على الناس، وأن أتلوه
وحدي ليل نهار، لتتكشف لي أسراره، وأتعرف دائماً على أدلة الكون المودعة
في آیاته، فيزداد إيماني، وتشرق نفسي.
﴿فَمَنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهٌِّ﴾ أي فمن اهتدى إلى الحق والإيمان فإنما
يهتدي لأجل نفسه، ومن آمن برسالتي واتبعني فقد رشد، وأمن عذاب ربه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي ومن ضل وأخطأ طريق الحق
والإيمان والرشاد، وكذب بدعوتي وبما جاءني من عند الله وهو القرآن، فعليه
وزر ضلاله، وإنما أنا من المنذرين المخوفين قومهم عذاب الله، وليس علي إلا
الإنذار والتبليغ، وقد أديت المهمة وأبلغتكم ما يوحى إلي، وخلصت من
العهدة، وحسابكم على الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا
اَلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠/١٣] وقال: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢/١١].
﴿ وَقُّلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِكُمْ ءَئِهِ، فَعْرِفُونَهَا﴾ أي وقل أيها الرسول: لله الحمد
الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولله الحمد على
ما أنعم علي من نعمة النبوة وعلى ما علّمني ووفقني لتحمل أعباء الرسالة
والعمل بما أنزل علي، وإنه سبحانه سيريكم آياته الدالة على عظمته وحكمته
وقدرته وأمارات عذابه وسخطه، ويتبين لكم صدق دعوتي، فتعرفون كل
ذلك، ولكن حين لا ينفعكم الإيمان.
ونظير الآية: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِىِ الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
جَ﴾ [فصلت: ٤١ /٥٣].
اُلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وما الله بغافل عما يعمله المشركون وغيرهم،
بل هو شهيد على كل شيء، ولكن يؤخر عذابهم إلى أجل على وفق إرادته
وحكمته، وهذا تقرير لما سبق من الوعد والوعيد، وتبشير للنبي بأن الله ناصره
ومخزي أعدائه الكافرين.

٠٠
الُزُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ / ٩١-٩٣
٤٠٧
روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رسول الله وَ له قال: ((يا أيها الناس لا
يَغْتَرَنَّ أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلاً شيئاً لأغفل البعوضة والْخَرْدلة
والذرّة)). وروى أيضاً عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مُغْفلاً شيئاً
لأغفل ما تُعْفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أُمر النبي ◌َّله ومثله أمته في هذه الآيات بأوامر ثلاثة هي:
اً - تخصيص الله وحده بالعبادة دون اتخاذ شريك له، ووصف الله نفسه
بأمرین :
أحدهما - أنه رب هذه البلدة أي مكة، واختصها من بين سائر البلاد
بإضافة اسمه إليها؛ لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة
تعظيم لها، دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.
وقد حرمها لتحريمه فيها أشياء على من يحج، ولأن اللاجئ إليها آمن،
ولأنه لا ينتهك حرمتها إلا ظالم، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها.
والثاني - ﴿وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ﴾ خلقاً وملكاً وتصرفاً، فهو خالق لجميع
النعم، ومالك جميع من في الكون، ومتصرف بملكه كما يشاء، جلَّ جلاله.
أَ - أن يكون من المسلمين: أي المنقادين لأمره، الموحِّدين له.
٢- أن يتلو القرآن، أي يقرأه لنفسه وعلى الناس لتبليغهم إياه. فمن اهتدى
في هذه الأصول الثلاثة المقررة في هذه السورة وهي التوحيد والحشر والنبوة
فله ثواب هدايته، ومنفعة اهتدائه راجعة إليه، ومن ضل أو انحرف عن هذه
الأصول، فما على الرسول وَله إلا البلاغ المبين، وما هو إلا رسول منذر من
جملة المنذرين، أي المخوفين قومهم من العذاب.
٠

٤٠٨
لِجُ (٢٠) - التَّهُلِ: ٩١/٢٧-٩٣
ثم ختم تعالى السورة بهذا التوجيه الحميد لرسوله وَ له ولكل مؤمن وهو أن
يحمد الله على نعمه وعلى هدايته، والله تعالى سيري خلقه آياته في أنفسهم وفي
غيرهم، فيعرفون بها دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسهم وفي السماوات وفي
وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
الأرض، كقوله تعالى: ﴿وَفِى الْأَرْضِءَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ (9)
[الذاريات: ٢٠/٥١-٢١].
٢١
والله شهيد على كل شيء، وليس هو بغافل عما يعمله الخلائق أجمعون،
فيجازيهم على أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

٤٠٩
الُ (٢٠) السورة (٢٨) القَصَصّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ القَصَصِ
مكية وهي ثمان وثمانون آية
تسميتها:
سميت سورة (القصص) لما فيها من البيان العجيب لقصة موسى عليه
السلام من حين ولادته إلى حين رسالته، التي يتضح فيها أحداث جسام، برز
فيها لطف الله بالمؤمنين وخذلانه الكافرين. ثم ذكر فيها قارون من قوم موسى
المشابهة للقصة الأولى في تقويض أركان الطغيان، طغيان السلطة عند فرعون،
وطغيان المال عند قارون.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لسورتي النمل والشعراء في أنها تفصيل لما أوجز
فيهما من قصة موسى عليه السلام، مبتدئاً ببيان استعلاء فرعون وظلمه،
وذبحه أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم، خوفاً عليه
من الذبح، ثم انتشال فرعون له وتربيته في قصره عنده إلى سن الشباب، حيث
حدثت حادثة قتله القبطي، التي استوجبت فراره من مصر إلى مدين، وزواجه
بابنة شعيب عليه السلام، ثم مناجاته ربه وبعثه إياه رسولاً، وما تبع ذلك.
كذلك فصلت هذه السورة موقف القرآن من توبيخ المشركين على إنكارهم
يوم القيامة، من خلال الإخبار بإهلاك الكثيرين من أهل القرى بسبب
ظلمهم، والتساؤل عن شركاء الله يوم القيامة وما يدور بينهم وبين عبدتهم من

٤١٠
الجُزْءُ (٢٠) السورة (٢٨) القَصَصِ
نقاش انتهى بتبرئهم من عبادتهم، وإيراد الأدلة المتضافرة لإثبات قدرة الله على
الخلق والإيجاد والبعث والإعدام.
كما أن هناك ربطاً من وجه آخر بين سورتي النمل والقصص، فقد أوجز
هنا ما فُصِّل في السورة المتقدمة من إهلاك قوم صالح وقوم لوط، ومن بيان
مصير من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة.
ما اشتملت عليه السورة:
تلتقي هذه السورة مع ما سبقها من سورتي الشعراء والنمل في بيان أصول
العقيدة: التوحيد والرسالة والبعث في ثنايا قصص الأنبياء، وإيضاح الأدلة
المثبتة لهذه الأصول في قضايا الكون وعجائبه البديعة ونظمه الفريدة.
وكان الطابع الغالب على هذه السورة تبيان قصة موسى مع فرعون التي تمثل
الصراع بين طغيان القوي وضعف الضعيف، لكن الأول على الباطل والثاني
على الحق، وأعوان الباطل هم جند الشيطان وأعوان الحق هم جند الرحمن.
كان فرعون معتمداً على سلطانه وقوته وثروته، فطغى وبغى، واستعبد
شعب بني إسرائيل، وزاد في غلوه أنه ذبح الأبناء، واستحيا النساء، وادعى
الربوبية ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨/٢٨] وأفسد في
الأرض.
واستوجب ذبح الأطفال إلقاء موسى في اليم، والتقاط آل فرعون له، ثم
رده إلى أمه، ثم تربيته في قصر فرعون، إلى أن بلغ أشده وصار رشيداً قوياً،
فقتل قبطياً قتلاً خطأ، فهرب من مصر إلى أرض مدين، فتزوج بابنة شعيب
عليه السلام، ومكث راعياً ماشيته عشر سنين، ثم عاد إلى مصر، فناجى ربه
في الطور، وأيده الله بمعجزات أهمها معجزة العصا واليد، فبلغ رسالة ربه،
لكن كذبه فرعون وقومه علواً واستكباراً، فأغرقهم الله في البحر.
١

٤١١
الجُزءُ (٢٠) السورة (٢٨) القَصَصِ
وذلك شبيه بإنكار قريش نبوة الرسول محمد محمد مع ما جاءهم به من
الحق، فوصفوه بالسحر المفترى، وتنكروا للإيمان برسالته بأعذار واهية،
فأنذرهم القرآن بعذاب مماثل لقوم فرعون، وأبان لهم أن الله لا يعذب قوماً
إلا بعد إرسال رسول إليهم، وأن الرسول باختيار الله تعالى لا بحسب أهواء
المشركين، وأن آلهتهم المزعومة ستتبرأ من عبادتهم يوم القيامة، وأن الله هو
الإله الواحد الذي لا شريك له، وأنه القادر على بعث الأموات، كما قدر
على بدء الخلق، وإيجاد تعاقب الليل والنهار. وسيشهد الأنبياء على أممهم
بتبليغ رسالات ربهم، وقد آمن جماعة من أهل الكتاب، وسيعطون أجرهم
مرتين، وأن الهداية بيد الله تعالى، لا بيد رسوله، فلن يتمكن من هداية من
أحب.
وأعقب ذلك بقصة مشابهة هي قصة قارون من قوم موسى واعتماده على
طغيان الثروة والمال كاعتماد فرعون على طغيان السلطة والحكم، فكان مصيره
أشأم من مصير فرعون وهو الخسف به وبداره الأرض، فما كان له من فئة
ينصرونه وما كان من المنتصرين.
وكل من خبر القصتين برهان قاطع على صحة نبوة محمد وهير؛ لأنه لم يكن
حاضراً معهم، ولم يتعلم ذلك من معلم.
وختمت القصتان بإعلان مبادئ:
أولها - أن ثواب الآخرة يكون للذين لا يريدون علواً في الأرض أو
فساداً.
وثانيها - أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو طريق السعادة الموجب لمضاعفة
الحسنات ومقابلة السيئات بجزاء واحد، وتحقيق النصر لرسول الله وَ ل على
أعدائه، وعودته إلى مكة فاتحاً بعد تهجيره منها.

٤١٢
الُ (٢٠) - القَضَصِ}: ١/٢٨-٦
وثالثها- بيان نهاية العالم كله وهي الهلاك الشامل، وانفراد الله تعالى
بالبقاء والدوام، والحكم والحساب، ورجوع البشر كافة إليه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ونحوها: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
وَيَبْقَى
وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَاِ
﴾ [الرحمن: ٢٦/٥٥-٢٧].
قصة موسى عليه السلام
- ١ -
نصرة المستضعفين
نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَبَإٍ مُوسَى
ج ◌ِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ
طسمّ
وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَ فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا
شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُدَيِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَخِى نِسَآءَ هُمَّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
ـا وَذُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِى الْأَرْضِ وَنَجْمَلَهُمْ أَبِغَّةً
اَلْمُفْسِدِینَ
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِينَ ﴾
وَثُمَكِّنَ لَهُمْ فِ اٌلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ
القراءات:
﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ويَرى فرعونُ وهامانُ وجنودُهما).
الإعراب:
﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ ﴿أَهْلَهَا﴾ و﴿شِيَعًا﴾ مفعولا ﴿وَجَعَلَ﴾؛ لأنه
بمعنی (صیّر).
﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ الجملة حال من فاعل ﴿وَجَعَلَ﴾ أو صفة ﴿شِيَعًا﴾ أو
استئناف كلام جديد. و﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ بدل منه.

٤١٣
الجُزُرُ (٢٠) - القَضَص: ١/٢٨-٦
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَبِغَّةً﴾ الهاء والميم وأئمة مفعولا (جعل) لأنه بمعنى (صيّر).
﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ فرعون
وما عطف عليه: مفعول أول لـ ﴿وَثُرِىَ﴾ وهو من رؤية البصر، وهو في
الأصل يتعدى إلى مفعول واحد، فلما تعدى بالهمزة صار متعدياً إلى
مفعولين، والمفعول الثاني هو: ﴿مَا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾.
البلاغة:
الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبة
﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ
القرآن في الكمال.
﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾ ﴿وَنُرِيدٌ﴾ حكاية حال ماضية
لاستحضار تلك الصورة في الذهن؛ لأن ذلك معطوف على جملة ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ
عَلَ فِى الْأَرْضِ﴾ من حيث إنهما واقعان تفسيراً للنبأ. وإرادة المنة بخلاصهم من
فرعون هي في المستقبل، فلا يمنع ذلك إرادة استضعافهم في الماضي، ولما كانت
الإرادة الأولى قريبة الوقوع من الثانية جعلت كالمقارنة لها.
المفردات اللغوية:
﴿طسّمَ ﴾﴾ تقرأ: طا، سين، ميم، بمد السين والميم وإدغام النون في
الميم. وهذه الحروف المقطعة وأمثالها كما بينا مراراً للتنبيه على إعجاز القرآن
الكريم، والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركب من
أمثال هذه الحروف الهجائية، فكون العرب أساطين البيان، وفرسان الفصاحة
والبلاغة، عجزوا عن معارضته، دليل على أنه فوق مستوى البشر. وأنه من
لدن حكيم حميد، إله الكون أجمعين. ﴿تِلْكَ﴾ هذه الآيات. ﴿عَيَتُ اُلْكِنَبِ﴾
الإضافة بينهما بمعنى (من) . ﴿اَلْمُبِينِ﴾ المظهر الحق من الباطل.
﴿نَتْلُواْ﴾ نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى (ننزله) مجازاً. ﴿نََّا﴾

٤١٤
لِلْجُرُ (٢٠) - القَضَض: ١/٢٨-٦
خبر مهم، ﴿مِن نَّبٍَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ معناه بعض نبئهما. ﴿بِالْحَقِّ﴾ الصدق.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأجلهم، وخص المؤمنون؛ لأنهم المنتفعون به. ﴿عَلَا﴾
تجبر واستكبر، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر:
استئناف مبين لذلك البعض، أي بعض خبر موسى وفرعون. ﴿شِيَعًا﴾ فرقاً
وأصنافاً يستخدمهم في أعماله من بناء وحفر وحرث ونحو ذلك من مشاق
الأعمال، ويؤلب بعضهم على بعض، زارعاً بينهم العداوة والبغضاء حتى لا
يتفقوا. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ يجعلهم ضعفاء مقهورين. وهم بنو إسرائيل .﴿ يُذَبِّحُ
أَبْنَاءَ هُمْ﴾ المولودين . ﴿ وَيَسْتَخِى نِسَآءَهُمْ﴾ يبقي نساءهم أحياء، وسبب هذا
الفعل أن كاهناً قال لفرعون: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على
يده، وذلك كان من غاية حمقه، فإنه لو صدّق لم يندفع الأمر بالقتل، وإن
كذب فما الداعي لما فعل؟
﴿إِنَُّ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بالقتل وغيره، فاجتراً على قتل خلق كثير من
أولاد الأنبياء لتخيل فاسد .﴿أَن ثَّمُنَّ﴾ نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه.
﴿أَبِغَّةً﴾ قادة يقتدى بهم في الخير في أمر الدين والدنيا . ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ
اَلْوَرِئِينَ﴾ ملك فرعون وقومه﴿ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ أرض مصر والشام،
والتمكين: يراد به هنا التسلط على أرض مصر والتصرف فيها.﴿وَهَمَنَ﴾
وزير فرعون. ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم
علی یدیه.
التفسير والبيان:
﴿طسّمْ ﴾) بَيَّنت المراد بهذه الحروف في المفردات.
)﴾ أي هذه آيات من الكتاب الواضح
٢
﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِنَبِ اُلْمُبِينِ
الجلي الكاشف لحقائق أمور الدين، وما كان وما يكون.
(نَثْلُواْ عَلَيْكَ مِن تَبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)
أي

٤١٥
الخُ (٢٠) - القَضَص: ١/٢٨-٦
نذكر لك الأمر على ما كان عليه حقاً وصدقاً كأنك تشاهد، وكأنك حاضر،
من أجل قوم يصدقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربك، فتطمئن به قلوبهم،
كقوله تعالى: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣/١٢].
وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شيئاً أو بعضاً من قصة موسى وفرعون،
للعبرة والعظة، وإقامة الدليل على صدق نبوة محمد رَله، وأن هذا القرآن
العظيم وحي يوحى، وليس من وضع البشر.
....
وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن القرآن للناس أجمعين للإشارة إلى أن
الانتفاع به لا يكون إلا لمن صدق بأنه كلام الله المنزل على نبيه محمدداخله.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي إن فرعون ملك مصر تجبر في أرضها
واستكبر، وبغى وطغى وقهر أهلها.
﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي جعل أبناء مصر فرقاً وأحزاباً مختلفة، وسخر
كل طائفة في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك من أمور دولته، وبذر
بينهم بذور الفتنة والعداوة والبغضاء، حتى لا يتفقوا، أخذاً بسياسة
المستعمر: ((فرِّق تسد)) .
وهذا مضاد لسياسة الإسلام - بالمعنى العام - والهدي الإلهي كله القائم
على التأليف والتجميع على قلب واحد، وإشاعة روح المحبة والتسامح والود
والوئام والصفاء بين الرعية، وهذا في الواقع هو المبدأ الأمثل الذي يريح
الحاكم، ويقوّي الأمة، ويبني أمجادها، ويحقق لها الانتصارات المتلاحقة.
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ أي يجعل جماعة منهم أذلة مقهورين، وهم بنو
إسرائيل. ومظاهر الاستضعاف هي:
﴿ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَخِى نِسَآءَهُمْ﴾ أي يقتل مواليدهم الذكور، ويُبقي
إناثهم أحياء، إهانة لهم واحتقاراً، وخوفاً من وجود غلام منهم كان فرعون

٤١٦
لالِجُرُ (٢٠) - القَضَصِ: ١/٢٨-٦
وأهل مملكته قد تخوفوا من ظهور غلام منهم يكون سبب هلاكهم وذهاب
دولتهم على يديه؛ وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل
يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجّمون له ذلك، أو رأى رؤيا، فعبِّرت
کذلك.
قال الزجّاج: العجب من حمقه، لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا
ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر،
فيقتل بلا ذنب، وينشر الرعب والإرهاب بلا مسوغ، وهذا شأن الظلمة
العتاة الذين يستبد القلق والاضطراب في نفوسهم، فيرتكبون مثل هذه
الفظائع. ولو شعروا يوماً أو أكثر بالطمأنينة والراحة، ونشر عليهم الإيمان
أجنحته وظلاله الوادعة، لعاشوا في استقرار وأمان، ولم يعيثوا في الأرض
فساداً ولما احتاجوا إلى مثل هذا العسف والظلم المؤذن بدمارهم.
وبعد أن ذكر تعالى هذه الصفات الخمس الذميمة للعتاة وهي الاستعلاء في
الأرض، والاستضعاف، وقتل الأبناء، وإبقاء الإناث، والإفساد، ذكر في
مقابلها خصائص خمساً للمستضعفين من بني إسرائيل وهي: إنقاذهم من
الظلم، وجعلهم القادة بعد فرعون وقومه، وجعلهم ورثة مصر والشام،
وجعل السلطة لهم فيها، وإظهار ما كان يحذره فرعون وهامان وجنودهما من
دمارهم وذهاب ملكهم على يد بني إسرائيل، فقال تعالى:
اَ - ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي وأردنا التفضل
والإنعام على المستضعفين من بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون وأذلهم
بتخليصهم من بأسه، وإنقاذهم من ظلمه.
وتساءل الزمخشري بقوله: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن
عليهم، وإذا أراد الله شيئاً كان، ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ ثم أجاب عنه بأنه

٤١٧
اِلُ (٢٠) - القَضَص: ١/٢٨-٦
لما كانت منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع، جعلت إرادة
وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
◌َ - ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً﴾ أي ونجعلهم قادة وولاة وحكاماً متقدمين في الدين
والدنيا.
٣ - ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِينَ﴾ الذين يرثون ملك فرعون وأرضه وما في يده،
كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ
وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧/٧] وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ
(99)﴾ [الشعراء: ٥٩/٢٦].
وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ
٤- ﴿ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي نجعل لهم السلطة وإنفاذ الأمر وإطلاق
الأيدي في أرض مصر والشام.
٥- ﴿وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ أي
نجعلهم يبصرون ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود
من بني إسرائيل. وقد أنفذ الله أمره، وحقق حكمه، بأن جعل دمار فرعون
وقومه على يد من رباه وأنشأه على فراشه وفي داره، وعلى سفرته وطعامه بعد
أن جعله الله رسولاً وأنزل عليه التوراة؛ ليعلم أن رب السماوات والأرض
هو القاهر الغالب على أمره، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
والواضح أن هذه الخصائص تكون ما دام بنو إسرائيل عاملين بأصل
شريعتهم وبكتابهم المنزل غير المبدل ولا المحرف، والذي فقد ولم يعد له
وجود، ومضمون التوراة في الوضع الأصلي يلتقي مع مضمون القرآن، فإذا
ما انحرفوا عن العقيدة الصحيحة والشريعة المنزلة، زالت عنهم هذه
الخصائص.

٤١٨
الجُزُرُ (٢٠) - القَضَض: ١/٢٨-٦
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين من الآيات ما يأتي:
اً - القرآن العظيم أبان الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص
الأنبياء، ونبوة محمد بَّه، ولا ينتفع من هديه إلا القوم المصدقون به، الذين
يعلمون أنه من عند الله.
٣ - يجب اجتناب الاستعلاء في الأرض، والتعزز بكثرة الأتباع، وهما من
سيرة فرعون وقارون. وكانت قصتهما حجة على مشركي قريش وأمثالهم،
فكما أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، فكذلك قرابة قريش لمحمد
٢- كان علو فرعون وتجبره من كفره، وكانت ممارسات ظلمه وعتوه كثيرة
متنوعة، فكان يستذل طائفة من بني إسرائيل، يذبح أطفالهم الذكور، ويترك
الإناث أحياء، إهانة لهم واحتقاراً، وكان من البغاة المفسدين في أرض دولته.
والظلم والكبرياء سبيل الدمار والهلاك، فأهلكه الله، ونجَّى بني إسرائيل من
العسف والطغيان.
٤- كافأ الله المستضعفين من بني إسرائيل، وشأنه دائماً الرفق بالضعفاء،
فأنقذهم من بأس فرعون، وجعلهم ولاة وملوكاً، كما قال تعالى:
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠/٥]، وورَّثهم ملك فرعون فسكنوا مساكن
القبط المصريين، كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ
إِسْرَةِ يلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧/٧]، وأقدرهم على أرض مصر والشام
وأهلها، فاستولوا عليها، وأراد أن يري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا
يخافون من تدمير ملكهم على يد مولود من بني إسرائيل، فلم يُفده قتل الألوف
من الأولاد الأبرياء، وتحقق مراد الله تعالى، فهو النافذ الحكم والسلطان على
الإطلاق.

٤١٩
لُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٧-١٤
- ٢ -
إلقاء موسى في اليم بعد ولادته
وإرضاعه والبشارة بنبوته
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَّةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلِّقِيهِ فِى الْيَرِّ وَلَا
فَاَلْنَقَطَهُ وَ ءَالُ
تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ
وَقَالَتِ أُمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّىِ وَلَكَ لَا نَقْتُلُهُ عَسَى أَنْ
خَطِعِينَ
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَدِغًا إِن
يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦)
١٠
كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَحَرَّمْنَا
وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَّ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُم
فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُقِهِ، كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ
نَصِحُونَ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَأُسْتَوَ ءَانَيْنَهُ
١٤
◌ُكْمًا وَعِلْمَأْ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
القراءات:
﴿وَحَزَنًا﴾: قرئ:
١- (وَحُزْناً) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (وحَزَناً) - بفتح الحاء، وهي لغة قريش - وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ﴾:
وقف بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.

٤٢٠
الجزءُ (٢٠) - القَضَص: ٧/٢٨-١٤
ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
فَالْنَقَطَهُ: عَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ﴾ اللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ يسميها
البصريون لام العاقبة، أي كان عاقبة التقاطهم العداوة والحزن، وإن لم يكن
التقاطهم له لهما. ويسميها الكوفيون لام الصيرورة، أي صار لهم عدواً
وحزناً، وإن التقطوه لغيرهما.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، أي هو قرة عين، وإما مبتدأ،
وخبره: ﴿لَا نَقْتُلُوُهُ﴾.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الجملة حال من الملتقطين.
﴿إِن كَادَتْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنها.
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ إما جمع شدّة كنعمة وأنعُم، وإما جمع شَدّ، نحو قدّ وأقُدّ،
وإما واحد مفرد، وليس في الأسماء المفردة ما هو على وزن أفعُل إلا ((أصبُغ)) و
((آجُر)) و ((أَيُمن)) وأنُك: هو الرصاص المذاب الخالص.
البلاغة:
﴿إِنَّا رَآَذُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ عبر بالجملة الاسمية عن
الفعلية: سنرده ونجعله، للاعتناء بالبشارة؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت
والاستمرار.
﴿لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ استعارة، شبه ما ألقى في قلبها من الصبر
بربط الشيء خشية ضياعه، مستعيراً لفظ الربط للصبر.
﴿لَا نَقْتُلُوُهُ﴾ خاطبت امرأة فرعون زوجها بصيغة الجمع بدل صيغة المفرد
((لا تقتله)) للتعظيم.