Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ اِلُ (١٩) - التَّخْلِ: ٢٧ /٢٩-٣٧ أَ - النهي عن الترفع الذي يحجب وصول الحق إلى النفوس، والنهي عن الانقياد للأهواء. ◌َّ - الأمر بالإسلام الجامع لأصول الفضائل، أو الأمر بالانقياد والطاعة لأمر سليمان. قال العلماء: لم يكتب أحد: بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام. وبه ثبت أن هذا الكتاب على وجازته جامع كل مالا بد منه من أمور الدين والدنيا. ثم استشارتهم في شأن الرد على الكتاب، وهذا من الحكمة والديمقراطية ونبذ الاستبداد: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَّا حَتَّى ) أي قالت بلقيس: يا أشراف القوم، أشيروا علي في شأن هذا تَشْهَدُونِ الكتاب الذي أرسل إلي من نبي الله سليمان عليه السلام، ما كنت مبرمة أمراً ولا قاضية في شأن حاسم حتی یکون بحضوركم ومشاورتكم فيه. وهذا دال على حسن سياستها ورشادها وحكمتها، فإنها استعطفتهم ليعينوها على اتخاذ الرأي الأفضل والأخلص والأصوب، فأجابوها بإظهار الاستعداد للقتال والحرب والدفاع عن المملكة: ﴿قَالُوْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ (®)﴾ أي قال أشراف القوم: نحن أصحاب قوة جسدية وعددية، وذوو نجدة وشجاعة وشدة وثبات في الحروب. ثم فوضوا إليها أمر إعلان الحرب، قائلين: نحن على أتم الاستعداد من جانبنا للحرب، وبعد هذا فالأمر إليك، مُري فينا رأيك نمتثله ونطيعه، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا، ففيه إظهار القوة الذاتية والعرضية، وإظهار الطاعة لها إن أرادت السلم والمصالحة. فناقشتهم في ذلك، لعلمها بقوة سليمان وجنوده وجيوشه، وما سخر له ٣٢٢ الجُزُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٢٩-٣٧ من الجن والإنس والطير، فآثرت السلم على الحرب، وقالت: إني أخشى أن نحاربه، فيتغلب علينا، ويصيبنا جميعاً الهلاك والدمار. فمالت إلى المصالحة، وتبين أنها أحزم رأياً منهم، وأعلم بأمر سليمان، ولهذا حكت لهم ما يفعله الملوك الأشداء: قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾﴾ أي قالت بلقيس لهم حين أظهروا استعدادهم لقتال سليمان: إن الملوك إذا دخلوا بلداً عنوة، خرّبوه وأتلفوا الديار والأموال، وأذلوا أعزة أهلها بالقتل أو الأسر، وأهانوهم غاية الهوان، لتتحقق لهم الغلبة والرهبة، ويفعلون هكذا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ الأقرب أنه من كلامها الذي أرادت به أن هذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير؛ لأنها كانت في بيت الملك القديم، فسمعت نحو ذلك ورأت. وهذا تحذير لقومها من محاربة سليمان ومجيئه إليهم ودخوله بلادهم، وبعد أن استبعدت فكرة الحرب، لجأت إلى الوسائل الودية ومنها المسالمة والمصالحة، واقترحت إرسال هدية إليه، وكان ذلك هو الرأي السديد. ﴾ أي وإني ألجأ ٣٥ ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ إلى هذه التجربة وهي بعث هدية إليه، تليق بمثله، وأختبر أمره، أهو نبي أم ملِك؟ وأنظر ماذا يكون جوابه بعدئذٍ، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يفرض علينا خراجاً نرسله إليه في كل عام، فنأمن جانبه، ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة رحمه الله: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس. قال ◌َ له فيما رواه ابن عساكر عن أبي هريرة وهو حسن: ((تهادوا تحابوا، وتصافحوا يذهب الغل عنكم)). ٣٢٣ الُ (١٩) - التَصْلِ: ٢٧ / ٢٩-٣٧ وقال ابن عباس وغيره: قالت لقومها: إن قَبِل الهدية فهو ملِك، فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. وكانت الهدية عظيمة مشتملة على ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك، قال ابن كثير: والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب، فماذا كان موقف سليمان من الهدية؟ : ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِذُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَنْنِ،َ اللَّهُ خَيْرٌ مِّعَّآ ءَاتَّنَكُمْ بَلْ أَنْتُمُ ◌ِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ (®﴾ أي لما جاء الرسول ومعه أتباعه بالهدية إلى سليمان، لم ينظر إليها، وأعرض عنها، وقال منكراً عليهم: أتمدونني بمال؟ أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ إن الله تعالى أعطاني خيراً كثيراً مما أعطاكم وهو النبوة، والملك الواسع العريض، والمال الوفير، فلا حاجة لي بهديتكم، وإنما أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف وتفرحون بها، وأما أنا فلست طالباً للدنيا الزائلة، وإنما أطالبكم بالدخول في دين الله وترك عبادة الشمس، ولا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف. ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْنِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَتُخْرِجَهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ ٣١ ﴾ أي ارجع أيها المبعوث إليهم بهديتهم، فإنا سنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بقتالهم، ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة، وهم مهانون مدحورون، إن لم يأتوا مسلمين منقادين لله رب العالمين. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - أدب الخطاب وخصوصاً في مجال الدعوة إلى الله تعالى في مكاتبات الملوك ورؤساء الدول مطلوب شرعاً؛ لذا وصفت بلقيس كتاب سليمان عليه السلام بأنه كتاب كريم، لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعوة إلى عبادة ٣٢٤ لُرُ (١٩) - التَضْلِّ: ٢٧ / ٢٩-٣٧ الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سَبّاً ولا لعناً، ويؤيده قول الله عز وجل إلى نبيه وَله: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦] وقوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ فَوْلَا لَِّنَا لَعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ٤٤ )﴾ [طه: ٢٠ /٤٤] . والوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ [الواقعة: ٥٦ /٧٧] . لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (َا﴾ اً - كانت عادة المتقدمين في المكاتبة أو المراسلة أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وسار السلف الصالح من أمتنا على هذا المنهج معاملة بالمثل، قال ابن سيرين، قال النبي وَله: ((إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم، فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه)) وقال أنس: ما كان أحد أعظم حرمة من النبي وَ لير، وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم. لكن لو بدأ الكاتب بالمكتوب إليه جاز؛ لأن الأمة اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوها في ذلك، فالأحسن في زماننا ومن عدة قرون أيضاً أن يبدأ الكاتب بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعدّ منه استخفافاً بالمكتوب إليه، وتکبراً علیه. ٣ - إذا كانت التحية واردة في رسالة ينبغي على المرسل إليه أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر، وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجباً كما يرى رد السلام. ٤ - اتفق العلماء على البدء بالبسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول الكتب والرسائل، وعلى ختمها؛ لأنه أبعد من الريبة، وجاء في الحديث المتقدم: (كرامة الكتاب خَتْمه)) واصطنع النبي وَلّ خاتماً، ونقش على فصه: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)). ٣٢٥ الجُزُ (١٩) - التَّعْلِ: ٢٧ /٢٩-٣٧ ٥ - كان مضمون كتاب سليمان مع وجازته مشتملاً على المقصود وهو إثبات وجود الله وصفاته الحسنى، والنهي عن الانقياد للهوى والنفس والترفع والتكبر، والأمر بالإسلام والطاعة، بأن يأتوه منقادين طائعين مؤمنين. والبسملة في هذا الموضع آية قرآنية بإجماع العلماء، فيكفر منكرها هنا. أَ - المشاورة أمر مطلوب في كل شيء عام أو خاص مالم يكن سراً؛ لأنها تحقق نفعاً ملحوظاً للتوصل إلى أفضل الآراء وأصوبها، وخصوصاً في الحروب والمصالحات وقضايا الأمة العامة، فإنه ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم وكان رسول الله بَير أكثر الناس مشاورة، قال الله له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِی اُلْأَمْيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣] إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء، ومدح الله تعالى الفضلاء بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨/٤٢]. والمشاورة نهج قديم، وبخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس قبل إسلامها: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُاْ أَفْتُونِ فِىّ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً )) قالت ذلك لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، أَفَّ حَتَّى تَشْهَدُونِ وحزمهم في أمرهم، ومدى طاعتهم لها. وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده، وربما كان في استبدادها مكمن الخطر والضعف والسقوط في النهاية. وقد نجحت في هذه المشاورة، فسلّموا الأمر إلى نظرها، مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة: ﴿وَالْأَمِّرُ إِلَيَكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ ثم وجَّهتهم إلى مراعاة قوة الملوك وشدة بأسهم، حماية لهم وحفظاً لبلادهم، وأن من عادتهم الإفساد والتخريب، والتدمير والإهلاك، والإذلال والإخراج من البلاد، وكذلك يفعل سلیمان إذا دخل بلادنا. لاً - كان من حسن نظر الملكة بلقيس وتدبيرها اختبار أمر سليمان بإرسال هدية عظيمة إليه، فإن كان نبياً لم يقبلها ولم يرض إلا اتباعهم على دينه، وإن ٣٢٦ الُُ (١٩) - التَّضْلِ: ٢٧ / ٢٩-٣٧ كان ملكاً قبل الهدية، وللهدية تأثير في كسب المودة والمحبة، واستلال الحقد والضغينة، وإنهاء الخصومة والمشاحنة. وكان النبي ◌َّخلال فيما رواه البخاري عن عائشة يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في (٣)) وهذا لا نفسها؛ لأنه قال لها في كتابه: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِى مُسْلِمِينَ تقبل فيه فدية، ولا يؤخذ عنه هدية، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل، وهي الرشوة التي لا تحل. وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة؛ لأنها تورث المودة، وتذهب العداوة، روى مالك عن عطاء الخراساني قال: قال رسول الله وَله: ((تصافحوا يذهب الغِلُّ، وتهادوا تحابُّوا، وتَذْهب الشحناءُ)) وعن ابن شهاب الزهري قال: بلغنا أن رسول الله وَ الله قال: ((تهادوا بينكم، فإن الهدية تُذهب السَّخيمة)). وروى البزار عن أنس بإسناد ضعيف: ((تهادوا، فإن الهدية تُسلُّ السخيمة)). قال القرطبي: وعلى الجملة: فقد ثبت أن النبي ◌َّ كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة. أما سليمان عليه السلام فإنه رد هدية بلقيس؛ لأنها كانت بدلاً عن السكوت عن الحق وعن الدعوة إلى الإسلام والإيمان، وواجب الرسل التبليغ دون أجر، ودون مهادنة أو مساومة؛ لأن غرضهم إرضاء الله، ونشر العقيدة والفضيلة والإخلاص في عبادة الله تعالى. لذا انضم إلى رده الهدية إنذارهم بالحرب والقتال بجيوش لا طاقة لهم على مقاومتها، وتهديدهم بالإخراج من أرضهم أذلة قد سُلبوا ملكهم وعزمهم، مهانين محتقرين إن لم يسلموا. وقد حقق الإنذار الغاية منه، فجاءت بلقيس مع حاشيتها وجنودها مسلمين منقادين طائعين، كما أبانت الآيات التالية. ٣٢٧ ◌ِلُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٣٨-٤٤ - ٤ - إسلام بلقيس وولاؤها وزيارتها لسليمان عليه السلام ﴿ قَالَ يَأَيُّهَا الْعَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ ﴿ قَالَ الَّذِى عِندَهُ الجِنّ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ عِلْمٌ مِّنَ الْكِنَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلٍ رَبٍِّ لِيَبْلُوَنِّ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ ﴾ قَالَ تَكْرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَنْنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ فَلَّا جَاءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَّ وَأُوِنَا اُلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ (®) ٤٣ وَكُنَّا مُسْلِمِينَ قِيلَ لَمَا أَدْخُلِى الصَّرْعِّ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتَّهُ لُجَّةً وَكَتَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَُّ صَرْحُ مُمَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌ قَالَتْ رَبِّ إِنِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٤٤ اُلْعَلَمِينَ ـير القراءات: لِيَبْلُوَنِّ ◌َأَشْكُرُ﴾ وقرأ نافع: (ليبلونيّ). ﴿قِلَ﴾: بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. ﴿ سَاقَيْهَا﴾: وقرأ قنبل (سأُقَيْها). ٣٢٨ لُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ الإعراب: ﴿عِفْرِيتُ﴾: التاء فيه زائدة، ووزنه فِعْليت، كغُزْويت، أي قصير، والعفريت: القوي النافذ، وجمعه عفاريت. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتِ﴾ ما: إما فاعل (صدّ) وإما منصوب بصد، بتقدير حذف حرف الجر، وفاعل (صدها) ضمير وهو الله، أي صدها الله عما كانت تعبد، أي عن عبادتها. وإنها بالكسر على الابتداء، وبالفتح: إما بدل مرفوع من ﴿مَا﴾ إذا كانت فاعلاً، وإما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي لأنها کانت. ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ﴾ ﴿مَعَ﴾ إما ظرف، وإما حرف وبنيت على الفتح لأنها قد تكون ظرفاً أحياناً، وكانت الحركة فتحة لأنها أخف الحركات، فإن سكنت العين فهو حرف لا غير. البلاغة: ﴿تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ و﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ﴾ فيهما جناس الاشتقاق. ﴿ كَنَّهُ هُوَ﴾ تشبيه مرسل مجمل، أي كأنه عرشي في الهيئة. ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ استعارة، استعار رجوع الطرف للسرعة في الإتيان بالعرش، مشبهاً السرعة بالتقاء الجفنين الذي هو ارتداد الطرف. ومثله ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلََّ كَلَمْجِ اُلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ﴾ [النحل: ٧٧/١٦]. ﴿أَنْهَنَدِىّ﴾ ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ بينهما طباق السلب. المفردات اللغوية: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِِ بِعَرْشِهَا﴾ العرش: سرير الملك، أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله به من العجائب الدالة على عظيم القدرة، وصدقه في دعوى النبوة، ٣٢٩ لِلُعُ (١٩) - التَمْل: ٢٧ /٣٨-٤٤ ويختبر عقلها بعد التمويه على العرش، فينظر أتعرفه أم تنكره ﴿مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين ﴿عِفْرِيتُ مِّنَ لَلِنِّ﴾ خبيث ما رد قوي شديد ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ مجلسك للقضاء، وكان من الغداة إلى نصف النهار ﴿عَيْهِ﴾ على حمله ﴿لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾ لقادر مؤتمن على ما فيه من الجواهر وغيرها، لا أنقص منه شيئاً ولا أبدّله. قال سليمان: أريد أسرع من ذلك ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ اَلْكِنَبِ﴾ المنزل هو آصف بن برخيا وزيره، كان صديقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وهو المشهور. وقيل: إنه الخضر عليه السلام، وقيل: هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو ملك أيد الله تعالى به سليمان، وقيل: إنه سليمان نفسه، قال الرازي: وهو الأقرب. ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرُّفُكَ﴾ أي قبل أن يرجع إليك بصرك إذا نظرت به إلى شيء، و﴿يَرْتَدَ﴾ يرجع، والطرف: تحريك الأجفان، والمراد بذلك السرعة العظيمة على سبيل الاستعارة، كما يقال: آتيك به مثل لمح البصر، أو قبل أن تغمض عينك، ويراد الإسراع الشديد في الإحضار ﴿مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ ساكناً حاصلاً بين يديه ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي الإتيان لي به ﴿فَضْلِ﴾ تفضّل وإحسان ﴿لِيَبْلُوَنِيِ﴾ ليختبرني ﴿وَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ﴾ أي أشكر بأن أراه فضلاً من الله بلا حول مني ولا قوة، وأقوم بحقه، أم أجحد الفضل بنسبته إلي، وأقصر في أداء واجب الشكر ﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأجلها؛ لأن ثواب شكره له ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ النعمة فلم يشكرها ﴿غَنِىٌ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ بالتفضل والإنعام عليه ثانياً. ﴿نَكِّرُوْ لَا عَرْشَهَا﴾ غيروه أي بتغيير هيئته وشكله بزيادة أو نقص وغير ذلك ﴿أَهْنَدِىَ ﴾ إلى معرفته ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفته، قصد بذلك اختبار عقلها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أمثل هذا عرشك ﴿ كَانَتُ هُو﴾ أي فعرفته، ولم تقل: هو، لاحتمال أن يكون مثله، وذلك من كمال عقلها، فشبّهت عليهم كما شبهوا عليها. ٣٣٠ ◌ِلُزُُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ ﴿ وَأُوتِيَنَا اُلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكْنَا مُسْلِمِينَ﴾ هذا من كلام سليمان وقومه، وهو معطوف على محذوف تقديره: قد أصابت في جوابها، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، ثم قالوا: ونحن أوتينا العلم بالله وبقدرته قبل علمها وكنا منقادين لحكمه، ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزية التقدم في الإسلام. ويصح أن يكون من تتمة كلام بلقيس، متصلاً بقوله ﴿كَنَُّ هُوْ﴾ والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة، أو قبل هذه الحالة بما تقدم من الآيات، وكنا خاضعين منقادين لله عز وجل. ثم إن قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية من كلام رب العزة. ومعنى (صدها) أي منعها عن عبادة الله ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ على قراءة كسر ﴿إِنَّهَا﴾ يكون المعنى: صدها أي منعتها عبادة الشمس عن عبادة الله، وإنها من قوم كافرين، فهو استئناف وابتداء كلام جديد، وعلى قراءة الفتح (أنها) يكون المعنى: صدّها نشوؤها بين أظهر الكفار، أو تعليل لما سبق، أي: لأنها. (الضَّرْعِ﴾ القصر وكل بناء عالٍ ﴿لُجَّةً﴾ ماء مجتمعاً كثيراً ﴿وَكَشَفَتْ عَنِ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، روي أن أرضية القصر أو صحنه بني من زجاج أبيض شفاف، وأجري تحته ماء عذب، فيه سمك، ووضع سليمان سريره في صدر الصرح، وجلس عليه، فلما أبصرته ظنته ماءً راكداً، فكشفت عن ساقيها. ﴿صَرْعٌ مُمَزَّدٌ﴾ أملس ﴿مِّن قَوَارِيرٌ﴾ من زجاج ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ أي فلما دعاها إلى الإسلام، اعترفت بظلمها نفسها بعبادة غير الله وأسلمت لله كائنة مع سليمان، أي خضعت. المناسبة: بعد أن رجعت الرسل بهديتها إلى الملكة بلقيس، وأخبروها بما قال سليمان، أخبرت قومها بمضمون رأيها السابق وأنه لا طاقة لهم بمواجهة ٣٣١ الُزُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ سليمان وجنوده، ثم استجابت لطلبه، وأقبلت هي وقومها تسير إليه في جنودها معظمة سليمان، ناوية متابعته في الإسلام، فسُرَّ سليمان عليه السلام بقدومهم عليه، ووفودهم إليه، وبعث الجن يأتونه بأخبارهم. التفسير والبيان: لما اقترب وفد بلقيس من بلاد الشام، جمع سليمان عليه السلام جنده من الجن والإنس، وخاطبهم بقوله: ﴿قَالَ يَّهَ اٌلْمَؤُاْ أَيُّكُمْ بَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ () أي قال سليمان: يا أيها السادة الأعوان، من منكم يستطيع الإتيان بعرش (سرير) بلقيس قبل وصولها مع وفدها إلينا منقادين طائعين، ليكون ذلك دليلاً على صدق نبوتنا، ومعجزة إلهية تعرف بها أن مملكتها صغيرة أمام عجائب الله وبدائع قدرته؟ فأجابه بعض جنده: ﴿ قَالَ عِفْرِيِتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنْ ءَلِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِّى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِيْنٌ ﴾ أي قال شيطان مارد من الجن: أنا أحضره إليك قبل انفضاض مجلس حكمك وقضائك، وكان يمتد إلى منتصف النهار، ثم أكد عزمه وضمن نتيجة فعله بقوله: وإني على حمله لقادر غير عاجز، أمين غير خائن، لا آخذ منه شيئاً، ولا أمسُ ما فيه من الجواهر واللآلئ. ثم أجابه آخر بعد أن قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، لأنه أراد بإحضار هذا السرير عظمة ما وهب الله له من الملك وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله ولا يكون لأحد بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها، بأن يأتي بخارق عظيم وهو إحضار سريرها من بلادها في اليمن بعد أن تركته محفوظاً، قبل وصولها إليه: ﴿ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِنَبِ أَنَاْ ءَإِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرُفُكْ﴾ أي ٣٣٢ المُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ قال عالم من علماء أسرار الكتاب الإلهي: أنا أحضره في لمح البصر قبل أن تغمض عينك وقبل أن يرجع إليك نظرك. وهذا العالم: قيل: كان من الملائكة إما جبريل أو غيره من الملائكة، أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، وقيل: كان من الإنس وهو آصف بن برخيا وزير سليمان وهو المشهور من قول ابن عباس، وكان يعلم الاسم الأعظم، إذا دعا به أجيب. أو هو الخضر عليه السلام، والراجح في رأي الرازي أنه سليمان عليه السلام؛ لأنه أعرف بالكتاب من غيره؛ لأنه هو النبي، وقال أبو حيان: ومن أغرب الأقوال أنه سليمان عليه السلام، كأنه يقول لنفسه: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. والمهم أنه حدث ما وعد به هذا العالم، والله أعلم به. ﴿ فَلَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرَّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُوَنِّ ◌َأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ﴾؟ أي فلما عاین سليمان وجماعته وجود سرير بلقيس الذي أتي به من بلاد اليمن السعيدة، ورآه ساكناً قائماً بين يديه، قال: هذا من نعم الله علي ليختبرني أأشكر بأن أراه فضلاً منه بلا حول ولا قوة مني، أم أجحد فأنسب العمل لنفسي. وفائدة الشكر ومضرة الجحود والكفر ترجع إلى الإنسان نفسه، لذا قال : ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ أي ومن شكر النعمة فإن نفع الشكر عائد إليه، لا إلى الله تعالى؛ لأنه بالشكر تدوم النعم، ومن جحد النعمة ولم يشكرها، فإن الله غني عن العباد وعبادتهم وعن شكرهم لا يضره كفرانهم، كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، لا يقطع النعمة عن عباده بسبب إعراضهم عن شكره، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، ﴾ [فصلت: ٤٦/٤١] وقال سبحانه وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِّلْعَبِيدِ حكاية لقول موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ [إبراهيم: ٨/١٤]. ٨ لَغَنِىُّ حَمِیدُ ٣٣٣ لُ (١٩) - التَّمْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ وجاء في صحيح مسلم: ((يقول الله تعالى: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قَلْبٍ رجلٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولَكم وآخركم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من مُلْكي شيئاً. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمدِ الله، ومن وَجَد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)). ثم أمر سليمان عليه السلام بتغيير صفات عرش بلقيس، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، كما حكى تعالى: ﴿قَالَ تَكِّرُواْ لَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَنَهْنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (®﴾ أي قال سليمان لأتباعه: غيِروا هيئة عرشها وصفته وشكله لنختبر حالها، وننظر في إمكاناتها العقلية وملاحظاتها الفكرية ومقدار ذكائها، أتهتدي إليه، فتعرف أنه عرشها، أم تكون غير مهتدية إليه أو تائهة عنه متحيرة في الحكم وإبداء الرأى؟ وذلك يدل على قدرة الله تعالى بنقله من مكان بعيد إلى بلاد الشام، وعلى صدق سليمان عليه السلام. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُِّ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَ﴾ أي حين قدمت، عرض عليها عرشها (سرير الملك) وقد غُيِر وزيد فيه ونقص، فسئلت عنه: أمثل هذا عرشك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقيناً، فقالت: كأنه هو، أي يشبهه ويقاربه، ولم تجزم أو تقطع يقيناً بأنه هو، لاحتمال أن يكون مثله بسبب بعد مسافته عنها. وكان جوابها جواب سياسي بارع ذكي محنَّك، دل على كمال عقلها ودهائها، وثبات شخصيتها، وأنها في غاية الذكاء والحزم، فشبهت عليهم من حيث شبهوا عليها. ٣٣٤ ◌ِلُرُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ ﴿وَأُوتِيَنَا اُلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ الظاهر كما قال أبو حيان أن هذا الكلام ليس من كلام بلقيس، وإن كان متصلاً بكلامها، فقيل - وهو قول مجاهد : من كلام سليمان، أي أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها، وكنا في كل ذلك موحدين خاضعين لله تعالى، وقيل: من كلام قوم سليمان وأتباعه(١). قال ابن كثير: ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح(٢)، كما سيأتي. ثم أبان الله تعالى عذر بلقيس في عدم إعلانها الإسلام قبل ذلك فقال: ﴿ وَصَذَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمِ كَفِرِينَ (٤) أي ومنعها عن عبادة الله وإظهار الإسلام ما كانت تعبد من غير الله وهو عبادة الشمس، فإنها كانت من قوم وثنيين كانوا يعبدون الشمس، فتأثرت بالبيئة التي نشأت فيها، ولم تكن قادرة على تغيير عقيدتها، حتى جاءت إلى بلاد سليمان الذي أحسن عرض الإسلام عليها، وأقنعها بصحته ووجوب الاعتقاد بوجود الله ووحدانيته، فهو رب الكون جمیعه، ورب الكواكب كلها، شمسها وقمرها ونجومها العديدة. ﴿قِيلَ لَهَا أُدْخُلِى الضَّرْعَّ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرٌْ ثُمَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌ قَالَتْ رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ اُلْعَلَمِينَ ﴾﴾ هذا جارٍ على عادة استقبال الملوك والرؤساء في قصور الضيافة الفخمة، فقد قال لها وفد الاستقبال السليماني: ادخلي هذا القصر المشيد العالي، فإنه بني لاستقبال العظماء، وليريها سليمان مُلْكاً أعز من ملكها، وسلطاناً هو أعظم من سلطانها، وكان صحنه من الزجاج الأبيض الشفاف، فلما رأت مدخله الفخم ظنت وجود ماء مجتمع كثير فيه، فكشفت عن (١) البحر المحيط: ٧٨/٧ (٢) تفسير ابن كثير: ٣٦٥/٣ ٣٣٥ الُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ ساقيها، فقال لها سليمان: إنه قصر مصنوع من الرخام الأمرد ذي السطح الأملس، ومن الزجاج الصافي، وإن الماء يجري تحته لا فيه، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء. وحينئذ استدلت بكل ما رأت على التوحيد والنبوة فأعلنت إسلامها، وأراد الله لها الخير والهداية، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي ياربي، إني ظلمت نفسي في الماضي بعبادة غيرك، وأسلمت مع إسلام سليمان، وخضعت لله رب العوالم كلها من الإنس والجن. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: اً - استدعى سليمان عليه السلام عرش بلقيس (كرسي الملك) من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ليريها قدرة الله العظمى، ويجعله دليلاً على نبوته؛ لأخذه من قصرها دون جيش ولا حرب، وقبل أن تأتي هي وجماعتها إليه مستسلمين. أَ - ظهرت قدرة الله على يد مؤمن عالم بكتاب الله وبأسراره وبالاسم الأعظم، فجيء بعرش بلقيس بسرعة خاطفة، وكان هذا العالم بإقدار الله وتوفيقه أقدر من عفريت الجن - وهو القوي المارد - الذي استعد للإتيان به، في زمن أطول، ولكنه سريع وقريب وقصير أيضاً، إذ كان في مدة زمن القضاء اليومي، وأما زمن العالم فهو بمقدار إطباق الأجفان وفتحها. وفي هذا دلالة على سمو مرتبة العلم ورفعة العلماء في الدنيا والآخرة إذا عملوا بعلمهم صالحات الأعمال. قال القشيري: وقد أنكر كرامات الأولياء من قال: إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت: ﴿أَنْ ءَانِيكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ٣٣٦ الجُ (١٩) - التَّكُلِّ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ وعند هؤلاء يكون ما فعل العفريت ليس من المعجزات، ولا من الكرامات، فإن الجنَّ يقدرون على مثل هذا. وعلى أي حال، تم نقل العرش من اليمن إلى الشام بقدرة الله العظمى، وإن وجدت الوسيلة في الظاهر، كفلق البحر لموسى عليه السلام، بضرب العصا، فإن الفالق هو الله تعالى، وليس العصا. ◌ّ - إن ما حدث من إحضار العرش بهذه السرعة هو معجزة لسليمان عليه السلام، والمعجزات خوارق العادات، لا تخضع لمقاييس الأحوال العادية، ولا يصدق بالمعجزة إلا مؤمن بقدرة الله، أما الكافر الملحد أو المادي الذي لا يصدق إلا بما يقدمه العلم التجريبي، فإن إقناعه بذلك عبث. وقد أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له، وكذلك الشياطين لتعرف أنها ئبوة، وتؤمن بنبوته. ٤ - إن ظهور المعجزة على يد الأنبياء أمر موجب للشكر والحمد الكثير لله عز وجل، لتأييدهم بها، ولإظهار عجزهم الحقيقي أمامها، لذا قال سليمان لما رأى العرش ثابتاً مستقراً عنده: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ﴾ أي هذا النصر والتمكين من فضل الله ربي، لينظر أأكون شاكراً حامداً، أم كافراً بالنعمة جاحداً؟ ة - لا يرجع نفع الشكر إلا إلى الشاكر نفسه؛ لأنه بالشكر يحقق تمام النعمة ودوامها والمزيد منها، وبه تنال النعمة المفقودة أيضاً. وأما ضرر الكفر والجحود فعائد كذلك إلى الكافر نفسه، ومع كفره فإن الله غني عن شكره، كريم في التفضل والإنعام عليه بالرغم من الكفر. ٩ - إن تنكير العرش وتغيير هيئته فيه استثارة البحث، وإمعان النظر، وإعمال العقل، وتركيز الانتباه إلى آية المعجزة، وقد بدا كل هذا في جواب بلقيس ﴿ كَنَُّ هُوَ﴾. قال عكرمة: كانت حكيمة، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوْ﴾. وقال ٣٣٧ لُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ مقاتل: عرفته، ولكن شبَّهت عليهم، كما شبّهوا عليها؛ ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم هو. لاً - قوله تعالى: ﴿وَأُوِيْنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا﴾ إذا كان من قول سليمان وهو الظاهر فيراد به أنه أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة، أو أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها. وإذا كان من قول بلقيس، فيراد به أنه أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل آية العرش هذه، وكنا مسلمين منقادين لأمره. ٨ - ما أجمل تقديم هذا الاعتذار عن تأخر إسلام بلقيس إلى لقاء سليمان، وهو تأثرها بالبيئة وعقيدة أهل المملكة، فقد منعها أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر، وكانت من قوم كافرين غير مؤمنين بوجود الله ووحدانیته. ١ - أراد سليمان أيضاً بالإضافة إلى إظهار المعجزة لنبوته بإحضار عرش بلقيس أن يبهرها بقوة ملكه، وعزة سلطانه، وأن ذلك أعزُّ وأمنعُ من مملكتها الغنية، وبلادها الخصبة، وقصورها المشيدة. كما أنها شهدت في صرح سليمان فناً رائعاً في البناء والهندسة المعمارية ما لا مثيل له حتى في أوج العصر الحاضر وعظمة تقدم العلم والفن في القرن العشرين، ولعل عظمة بناء المسجد الأقصى خير مثال على تقدم فن البناء وعظمته في عهد سليمان عليه السلام. ٠ ١ - تبلورت قصة سليمان مع بلقيس في تلك الخاتمة المشرقة وهي تبرؤ بلقيس من الشرك الذي كانت عليه، وإعلان إيمانها بالله الواحد الأحد، وإظهار إسلامها كإسلام سليمان، وخضوعها لله رب العالمين. وأخيراً يستطرد المفسرون في نهاية هذه القصة إلى قضية زواج سليمان عليه السلام من بلقيس، وأحسن ما أذكره هنا قول الرازي: والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها، وليس لذلك ذِكْر في الكتاب، ولا في خبر مقطوع ٣٣٨ لُعُ (١٩) - التَّكُلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ بصحته، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها: اختاري من قومك من أزوجك منه، فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني، فقال: النكاح من الإسلام، فقالت: إن كان كذلك فزوجني ذا تُبَّع ملك همدان، فزوجها إياه، ثم ردهما إلى اليمن، ولم يزل بها ملكاً، والله أعلم (١). خلاصة نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام يحسن أن أوجز هنا خصائص سليمان ومعجزاته ونعم الله عزّ وجلّ عليه مما ذكر في القرآن كله، بعد أن أوردت هذه السورة مواقف أربعة متميزة في قصته، وحينئذ أكون قد ذكرت إلى هنا مجملاً قصص عشرين نبياً أو أكثر تحت عنوان: أضواء من التاريخ على قصة أو حياة كل نبي أو رسول. ومن المعلوم أن سليمان ذكر في القرآن (١٦) ست عشرة مرة في سور: البقرة والنساء والأنعام والأنبياء والنمل وسبأ، وأوضح الآن نعم الله الكثيرة عليه وهي ما يأتي (٢): اً - ذكاؤه وفراسته في القضاء: منح الله تعالى سليمان عليه السلام ذكاءً نادراً وإصابة في القضاء والحكم، بدليل قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم الراعي، فكان حكمه كما بينا في سورة الأنبياء أصوب من حكم أبيه داود عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ فِ الْحَرَّثِ إِذْ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِكْمِهِمْ شَهِدِينَ ٧٨ وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَّاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرِ وَكُنَّا @ [الأنبياء: ٧٨/٢١-٧٩] . فَعلينَ (١) تفسير الرازي: ٢٠١/٢٤ (٢) انظر قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار ٣١٧ - ٣٤٨، ط رابعة. ٣٣٩ المُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ ◌َ - تعليمه منطق الطير: إن الله تعالى علّم سليمان منطق الطير، فكان يفهم مراد الطيور من أصواتها، كما تبين في تفسير الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمُنَا مَنطِقَ الَّطَّيْرِ وَأُوْتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي أوتي نعماً كثيرة، ومنها تعليمه كلاماً لا يعلمه سواه. ٣ - تسخير الرياح له: كان لسليمان بساط الريح ينقله من مكان إلى آخر بعيد، ويوجه الريح حيث يشاء، فيأمرها بأن تهب في ناحية ما، كما قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيَحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِهَا﴾ [الأنبياء: ٨١/٢١]، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَعَ تَّجْرِى بِأَمْرِهِ، رُخَةً حَيْثُ أَصَابَ (ْجَ﴾ [ص: ٣٦/٣٨]، ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢/٣٤]. ٤ - تربية الخيول وهي الصافنات الجياد للجهاد: كان رباط الخيل مندوباً إليه في ملة سليمان عليه السلام، كما هو مندوب في شرعنا، قال ◌َال# - فيما رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن عروة البارقي -: ((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والأجر والمغنم)). وكان سليمان يستعرضها كالعروض العسكرية اليوم بمناسبات وطنية أمام الرؤساء، وكان يحبها لأمر الله تعالى وطلب تقوية دينه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِ﴾. وقد أعاد عرضها أمامه يمسح سوقها وأعناقها، تشريفاً لها وإعزازاً لنعمتها في جهاد العدو، وتفقداً لأحوالها وأمراضها وعيوبها، وهذا هو المقصود من الآيات: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ اُلْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابُ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِ الصَّفِنَتُ الْجِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِنِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ ٣٣ ﴿ رُدُوهَا عَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ رَبِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٣٠/٣٨-٣٣]. وأما تفسير هذه الآيات بما يتنافى مع منصب النبوة، كالاشتغال بالخيول عن صلاة العصر، ثم تقطيع أعناقها وسوقها، فهو باطل لا أصل له، كما ذكر الرازي في تفسيره الكبير. ٣٤٠ الخُعُ (١٩) - التَّعْلِ: ٢٧ / ٣٨-٤٤ ٥ - فتنة سليمان وإلقاء الجسد على كرسيه: ذكر الله تعالى بعد قصة عرض الصافنات الجياد هذه الفتنة، فقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُْكًا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ أنْتَ الْوَهَّابُ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَعَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رَُةً حَيْثُ أَصَابَ لإ ٣٥ [ص: ٣٤/٣٨-٣٧]، وقد اختار الرازي في تفسير هذه بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ الآيات أن سليمان ابتلي بمرض شديد أضناه، أي أثقله حتى صار لشدة المرض كأنه جسد أو جسم بلا روح، ثم أناب أي رجع إلى الصحة. واختار العلامة أبو السعود والألوسي في تفسير هذه الآيات ما ورد في الصحيحين مرفوعاً: أنه - أي سليمان - قال: ((لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)). والمراد بالسبعين الكثرة وليس تمام العدد، كما هو المألوف في الاستعمال العربي والقرآني لكلمة (سبعين) مثل: ﴿أَسْتَغْفِرُ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠/٩] أي إن تستغفر لهم كثيراً. وأما التفاسير الأخرى المشوبة بالأخلاط والروايات الإسرائيلية فلم تصح ولا يعول عليها. أَ - إسالة عين القِطْر (النحاس المذاب) له: أنعم الله على سليمان عليه السلام بتطويع النحاس المذاب له، لاستخدامه لتوثيق المباني العظيمة الضخمة ذات الحجارة الكبيرة، مثل الهيكل المعروف بهيكل سليمان، كما ذكر تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾ [سبأ: ٣٤] ١٢ ] .