Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ المُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩ قال رسول الله وَل﴿ل فيما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة: ((أنا سيدُ ولدٍ آدَمَ يوم القيامة، ولا فَخْرَ)) أي أقول هذا القول شكراً، ولا أقوله فخراً. ٢ - جنود سليمان: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُوُهُ مِنَ اُلْجِنّ وَالْإِنِسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (٣)﴾ أي وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير، أي ركب فيهم في أتّهة وعظمة، تليه الإنس، ثم الجن، ثم الطير، فإن كان حرّ أظلته منه بأجنحتها، فهم يُجمعون بترتيب ونظام، بأن يوقف أوائلهم لتلحقهم أواخرهم، ويُرَدُّ أو يُكَفُّ أولهم على آخرهم، لئلا يتقدم أحد عن منزلته ومرتبته، وليكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد. وهذا يدل على مسيرته في جيش عظيم منظم له عرفاء، ليس جيشاً من الناس فقط، وإنما معه الجن، والطير. قال مجاهد: جعل على كل صنف وَزَعة (عرفاء)، يردون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم. وعلى هذا فكلمة ﴿ يُوزَعُونَ﴾ من الوزع وهو الكف والمنع، قال عثمان بن عفان: ما يزُ السلطانُ أكثر مما يَزَعُ القرآنُ أي من الناس. وقال الحسن البصري: لا بد للناس من وازع، أي سلطان يكفّ ويمنع. وهذا دليل على أن سليمان عليه السلام جمع بين النبوة والسلطات كلها، والملك الذي لم يتوافر لأحد بعده، فضلاً من الله واستجابة لدعائه: ﴿قَالَ رَبِّ فَسَخَّرْنَا لَهُ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (® الْرَّعَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رَُةَ حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَطِينَ كُلّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصِ ٣٧) ﴾ [ص : ٣٥/٣٨-٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ وَمَن يَزِعُ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن ◌َّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانِ كَالْجَوَابٍ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٢/٣٤-١٣]. وبه يتبين أن الله تعالى سخر لسليمان الإنس، فكان له عساكر كثيرون ٣٠٢ الُُ (١٩) - التَّمْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩ منهم، والجن لصناعة المباني الضخمة والأواني الواسعة والقدور السابغة، والطير، كما سيأتي في قصة الهدهد. ◌ً . قصة النملة: ﴿حَتَّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمُلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَتَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُوُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٣)﴾ أي حتى إذا قدم سليمان ومن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، وهو - كما يقال ولم يثبت - واد بالشام أو بغيره كثير النمل، نادت نملة هي ملكة النمل، كما فهم سليمان: يا أيها النمل، ادخلوا بيوتكم، حتى لا يكسرنكم سليمان وجنوده، دون أن يشعروا بذلك. وقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ كما جاء في الكشاف: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، أي ادخلوا لا يحطمنكم، مثل: اجتهد لا ترسب، وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، أي في معنى: لا تكونوا حيث أنتم، فيحطمكم، على طريقة: لا أرینك هاهنا. ﴿فَنَسَمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّىِّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَدِحًا تَرْضَلُهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ عِبَادَِ الصَّالِحِينَ ١٩ ؛ أي فتبسم شارعاً في الضحك بعد أن فهم قولها، تعجباً من تحذيرها، أو سروراً بما خصه الله به من فهم غرضها، وقال: ربّ ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي من تعليمي منطق الطير والحيوان وعلى والدي بالإسلام لك والإيمان بك، وأن أعمل عملاً تحبه وترضاه قياماً بواجب الشكر على النعمة، واجعلني إذا توفيتني في الجنة في زمرة الصالحين من الأنبياء والأولياء الصلحاء. وإنما أدرج ذكر والديه؛ لأن النعمة على الولد نعمة على الوالدين، خصوصاً نعمة الدين، فإن الولد إذا كان تقياً نفعهما بدعائه وشفاعته، وبدعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له. ٣٠٣ لُرُ (١٩) - التَضْل: ٢٧ / ١٥-١٩ وهذا دليل على أن نعمة العلم وحدها كافية في وجوب الشكر، مستحقة للحمد والثناء على المتفضل المنعم بها. وفيه الدليل على البر بالوالدين والدعاء لهما بعد موتهما. ومن وقائع فهم سليمان كلام النمل: ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: ((خرج سليمان بن داود عليهما السلام يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خَلْق من خَلْقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكْنا، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم)). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - إن نعمة العلم من أجل النعم وأشرفها وأرفعها رتبة، وإن من أوتي العلم فقد أوتي فضلاً على كثيرٍ من عباد الله المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَتِ﴾ [المجادلة: ١١/٥٨]. أَ - كان إرث سليمان من والده داود عليهما السلام هو النبوة والْمُلْك، وليس وراثة مال، وإلا لكان جميع أولاد داود التسعة عشر فيه سواء. والمقصود أنه صار إليه ذلك بعد موت أبيه، فسمي ميراثاً تجوزاً، كما قال ◌َله. فيما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((العلماءُ ورثة الأنبياء)) أي ورثتهم في العلم والحكمة وفهم أمور الدين والدنيا على حقيقتها. ودليل ذلك قوله و ◌ّهر في الحديث المتقدم: إنا معشر الأنبياء ((لا نُورث)). ◌َ - تقتضي نعمة العلم وغيره شكر المنعم وحمده على فضله وإحسانه، كما فعل داود وسليمان عليهما السلام، ودل قولهما على تواضع العلماء ٣٠٤ الُزُ (١٩) - التَكْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩ والاعتقاد بأنه وإن فضلا على كثير، فقد فضل عليه أناس مثلهما، وهذا مشابه لقول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر. ٤ - عدد الله في القصة نعماً ثلاثاً على سليمان عليه السلام: هي تعليمه منطق الطير وإيتاؤه الخير الكثير، وتسخير الجن والإنس والطير، وفهمه خطاب النملة. وأصوات الطيور والبهائم هو منطقها، وفي مناطقها معاني التسبيح وغير ذلك، كما أخبر تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِخَدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤/١٧]. ٥ - بدأ سليمان عليه السلام في تعداد هذه النعم قائلاً: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا تشهير لنعمة الله، وتنويه بها، واعتراف بمكانها، ودعوة الناس إلى التصديق برسالته بذكر المعجزة وهي علم منطق الطير وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور. أَ - اشتمل دعاء سليمان عليه السلام على طلب الإلهام من الله شكر ما أنعم به عليه، وعلى توفيقه لزيادة العمل الصالح والتقوى، فهو عليه السلام بعد أن سأل ربه شيئاً خاصاً وهو شكر النعمة، سأل شيئاً عاماً وهو أن يعمل عملاً يرضاه الله تعالى. لاً - دل قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ على جواز اتخاذ الإمام والحكام وَزَعة (أي عرفاء) يكفّون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض؛ إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. هذا .. وقد علّق ابن العربي على قول عثمان: ((ما يَزَع الناسَ السلطانُ أكثر مما يَزَعُهم القرآن)) فقال: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن. وهذا جهل بالله وحکمه وحكمته ٣٠٥ لِلُُّ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩ ووضعه لخلقه، فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافّة قائمة لقِوام الخلق، لا زيادة عليها ولا نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسُوا بها، وقصّروا عنها، وأتوا ما أتوا بغير نية منها، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها، فلم يرتدع الخلق بها. ولو حكموا بالعدل، وأخلصوا النية، لا ستقامت الأمور، وصلح الجمهور(١). ٨ - ما حكاه تعالى من قول النملة: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حسن اعتذار، وبيان عدل سليمان ورأفته وتدينه وفضله وفضل جنوده، فهم لا يحطمون نملة أو لا يدوسون على نملة فما فوقها إلا خطأ غير مقصود لا يشعرون به. وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم بقوله ﴿ضَاحِكً﴾ إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، وتبسم الضحك إنما هو عن سرور، وسرور النبي بأمر الآخرة والدين، لا بأمر الدنيا. ـة - أفهم الله تعالى النملة هذا الكلام لتكون معجزة لسليمان عليه السلام. ٠ ١ - أودع الله في كل حيوان غرائز معينة، يهتدي بها إلى ما ينفعه، ويمتنع بها عما يضره. ومن درس طبائع الحيوانات وعرف خصائصها، أدرك فيها عجائب مثيرة، وإلهامات غريبة، وذلك يدعو إلى الإيمان بالله الخالق الموجد الملهم، وسبحانه أبدع كل شيء، وأحسن كل شيء خلقه. وقد أجاب موسى عليه السلام فرعون حينما قال له ولأخيه هارون: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ٤٩ ١٥٠﴾ [طه: ٤٩/٢٠ -٥٠] . قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( (١) أحكام القرآن: ١٤٣٨/٣ ٣٠٦ : اِلُزُرُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٢٠-٢٨ - ٢ - قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَا أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآبِينَ ٢٠ فَمَکَثَ ٢١ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذَْنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُِّيٍ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنَاٍ يَقِينٍ إِنِّ ٢٢ وَجَدتُّهَا وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿﴿ أَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فىِ السَّمَوَتِ ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ الْعَظِيم ﴿﴿ ﴿ قَلَ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ أَذْهَبَ بِّكِتَلِى ٢٨ هَكَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ القراءات: ﴿مَالِ لََّ أَرَى﴾: قرئ: ١- (ماليَ لا أرى) وهي قراءة ابن كثير، وعاصم، والكسائي. ٢- (مالي لا أرى) وهي قراءة الباقين. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِى﴾: وقرأ ابن كثير (أوليأتينَّني). ﴿ فَمَكَتَ﴾: . ٣٠٧ الُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ قرئ: ١- (فَمَكَث) وهي قراءة عاصم. ٢- (فَمَكُث) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَجِئْتُكَ﴾ : وقرأ السوسي، ووقفاً حمزة (وجيتك). ﴿مِن سَبَاٍ﴾: قرئ : ١- (من سبأ) وهي قراءة البزي، وأبي عمرو. ٢- (من سبأ) وهي قراءة قنبل. ٣- (من سبأٍ) وهي قراءة الباقين. ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ﴾: وقرأ الكسائي (أَلَا يسجدوا). ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: قرئ: ١- (ما تخفون وما تعلنون) وهي قراءة حفص، والكسائي. ٢- (ما يخفون وما يعلنون) وهي قراءة الباقين. ﴿فَأَلْقِهُ﴾: قرأ قالون بكسر الهاء من غير صلة. ٣٠٨ لُعُ (١٩) - التَضْل: ٢٧ / ٢٠-٢٨ وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة بإسكان الهاء. وقرأ الباقون بكسر الهاء مع الصلة. الإعراب: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ, عَذَابًا﴾ ﴿عَذَابًا﴾: إما منصوب على المصدر، بجعل العذاب الذي هو اسم قائماً مقام (تعذيب) ويجوز إقامة الأسماء مقام المصادر، كقولهم: سلمت عليه سلاماً، وكلمته كلاماً، وإما منصوب على المفعول بتقدير حذف حرف الجر، أي لأعذبنه بعذاب. وليست اللام في ﴿لَيَأْتِيَتِ﴾ لام القسم؛ لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد، ولكن لما جاء في أثر قوله ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ أجراه مجراه. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿غَيْرَ﴾ إما صفة مصدر محذوف، أي فمكث مكثاً غير بعيد، أو وصف لظرف محذوف، أي فمكث وقتاً غير بعيد. ﴿مِن سَيَاٍ﴾ اسم مصروف للحي أو للأب، ومن قرأ بترك الصرف جعله اسماً لقبيلة أو بلدة، فلم يصرف للتعريف والتأنيث. والصحيح أن ﴿سَيَاٍ﴾ اسم رجل، كما في كتاب الترمذي. ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ﴾ ﴿أَلَّا﴾ بالتشديد، أصلها ((أن لا)) وأن: في موضع نصب، لتعلقه بـ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ و(لا): زائدة. ومن قرأ بالتخفيف، جعل ﴿أَلَّا﴾ للتنبيه، وجعل (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، وتقديره: يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه. البلاغة: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ﴾ ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَنِ شُبِينٍ﴾ ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنَبٍَ يَقِينٍ﴾ فيها مراعاة فواصل الآيات . ﴿مَالِ لَ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ﴾ تعجب. ٣٠٩ الُهُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ ﴿لَأُعَذِّبَتَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاذْبَجَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَتّى﴾ التأكيد المكرر للدلالة على العزم المشدد على الفعل. ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿مِن سَبٍَ بِنَبَإٍ﴾ جناس ناقص. ﴿تُخْفُونَ﴾ ﴿تُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق. أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اُلْكَذِبِينَ﴾ طباق بالمعنى، وهو أبلغ من المطابقة باللفظ؛ لأن الجملة الثانية اسمية، وهي تفيد الثبوت. المفردات اللغوية: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ بحث عنه، والتفقد: طلب ما فُقِد، والطير: اسم جنس لكل طائر ﴿مَالِ لَّ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ﴾ تعجب من عدم رؤيته الهدهد، ظناً منه أنه حاضر محجوب عنه لساتر أو غيره. وأم منقطعة للإضراب، أي فلما لاح له أنه غائب، أضرب عن ذلك وقال: بل أهو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له .﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي تعذيباً شديداً كنتف ريشه وإلقائه في الشمس، فلا يمتنع من هوام الأرض لعجزه عن الطيران، أو كجعله في قفص ﴿أَوْ لَ أَذْبَحَنَّهُ﴾ بقطع حلقومه، ليعتبر به غيره ﴿أَوْ لَيَأْنِيَنِّ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ببرهان بين ظاهر أو بحجة بينة على عذره. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي ظل الهدهد غائباً زماناً يسيراً ثم عاد، والمراد الدلالة على سرعة رجوعه خوفاً منه ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ اطلعت على مالم تطلع عليه، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، أي اطلع على حال سبأ. وفي هذا الخطاب تنبيه له على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علماً بما لم يحط به، للدلالة على محدودية العلم عند سليمان ﴿مِن سَيَاٍ﴾ اسم مدينة ٣١٠ الجُزُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ في اليمن، والمراد أهلها، سميت باسم جدٍ لهم وهو سبأ بن يشجُب بن يعرُب ابن قحطان أبو قبيلة باليمن، فمن جعله اسماً للقبيلة منعه من الصرف، ومن جعله اسماً للحي أو الأب الأكبر، جعله مصروفاً، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث مراحل ﴿بِنٍَّ يَقِينٍ﴾ خبر مهم محقق. ﴿آَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ اسمها بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وضمير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ لسبأ أو لأهلها ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ المراد كثرة ما أوتيت مما يحتاج إليه الملوك من الآلة والعُدَّة ﴿وَلَا عَرْشُ﴾ هو سرير الملك ﴿عَظِيمُ﴾ عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي كأنهم كانوا يعبدونها ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي عبادة الشمس وغيرها من مقابيح أفعالهم ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ سبيل الحق والصواب ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه. ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ أي: أن يسجدوا له، فزيدت (لا) وأدغم فيها نون ((أن)) كما في آية ﴿لِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ [الحديد: ٢٩/٥٧] أي ليعلم ﴿الْخَبْءَ﴾ المخبوء من كل شيء كالمطر والنبات وغيره من المغيبات، و﴿يُخْرِجُ اُلْخَبْءَ﴾ يظهره، وهو يشمل إشراق الكواكب وإنزال الأمطار وإنبات النبات وإنشاء الأشياء وإبداعها ﴿وَيَعْلَمُ﴾ ما يخفون في قلوبهم (وما يعلنون) بألسنتهم. ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ِ (﴾﴾ هو استئناف جملة ثناء، مشتمل على عرش الرحمن، في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم ﴿قَالَ سَنَنظُرُ﴾ أي قال سليمان للهدهد: سنتعرف ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرتنا به ﴿أَمَ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ أي من هذا النوع، والتغيير من الجملة الفعلية إلى الاسمية للمبالغة، فالجملة الاسمية أبلغ من: ((أم كذبت فيه)) ولمراعاة الفواصل. ﴿اذْهَب بِّكِتَلِى هَذَا﴾ صورة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى ٣١١ لِلُرُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين ﴿فَأَلْقِّهِ إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى بلقيس وقومها ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ انصرف أو تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ﴿فَأَنْظُرْ﴾ تأمل وفكّر ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ما يردّون من الجواب وماذا يقول بعضهم لبعض. المناسبة: بعد بيان تسخير الجن والإنس والطير لسليمان عليه السلام، أبان الله تعالى هنا أن سليمان تفقد طير الهدهد، فلم يجده، ثم حضر فأخبره عن مملكة بلقيس، وعن عبادتهم الشمس. التفسير والبيان: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَّ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِبِينَ أي بحث سليمان عن الهدهد بين جنوده، وكان له علم بمنطق الطير، وكانت الطيور مسخرة له كالريح وغيرها، فقال متعجباً: كيف لا أرى الهدهد؟ علماً بأنه لم يأذن له بالغياب، بل هو من الغائبين دون أن أعلم بغيبته. وفي العبارة قَلْب، أي ما للهدهد لا أراه؟! وهو كقولك: مالي أراك كئيباً؟ أي مالك؟. وذكر المفسرون أن سبب بحثه عنه أنه كان يدل على مكان وجود الماء تحت الأرض، بنقره فيها، فيستخرج منها من طريق الجن أو الشياطين، كما كان يرشد سليمان وجنوده إلى الحد الفاصل بين قريب الماء وبعيده أثناء السير بفلاة من الأرض. وحين تثبّت من غيابه توعده بالعذاب إذا كان بغير عذر مقبول، فقال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَدْبَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي أنه هدده بالقتل أو بالتعذيب والعقاب الشديد كنتف ريشه إلا أن يأتي ببرهان واضح يبين عذره، أي إن التهديد والوعيد كان بأحد أمرين إن لم يأت بالأمر الثالث وهو العذر الواضح البِّن. ٣١٢ لُعُ (١٩) - التَصْلِّ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطِتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَيَاٍ بِبَلِ. يَقِينٍ (٣) أي غاب الهدهد زماناً يسيراً ثم جاء فسأله سليمان عن سبب غيابه، فقال لسليمان: اطلعت على مالم تطلع عليه أنت ولا جنودك، وجئتك من مدينة سبأ بخبر صدق متيقّن، والأكثر على أن ﴿سَيَاٍ﴾ مصروف؛ لأنه اسم بلد. وأهل سبأ: هم خِيَر وهم ملوك اليمن. والأكثر على أن الضمير في (مكث) يعود للهدهد، ويحتمل أن يكون لسليمان، والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل، أي غير وقت طويل. وقد كان الهدهد ماهراً بالدفاع عن نفسه بتلطف وقدرة على اجتذاب النظر إليه وإصغاء السمع لكلامه، وأنه كان يقوم برحلة استكشاف علمية لمملكة سبأ ومعرفة أحوال أهلها في الملك والتدين. ثم عرَّف سليمان ببعض المعارف بالرغم مما أوتيه من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة، للتنبيه على وجود العلم والمعرفة عند من هو أضعف منه، وللإرشاد إلى ضرورة تواضع العلماء. قال الزمخشري: وفيه دليل على بطلان قول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه (١). ومضمون خبر الهدهد ثلاثة أمور هي في هذه الآية: ﴿إِنِّ وَجَدتُّ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ ٢٣ أي إني وجدت في بلاد سبأ مملكة عظيمة ذات مجد تملكهم امرأة هي بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها قبلها ملكاً عظيم الملك، وأعطيت من متاع الدنيا الشيء الكثير من ثراء وغنى، ومُلْك وأبهة، وجيش مسلح بأنواع مختلفة من معدات القتال، وبإيجاز: أوتيت من كل شيء تحتاجه المملكة في زمانها، ولها سرير عظيم هائل مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآلئ، تجلس (١) الكشاف: ٤٤٨/٢ ٣١٣ الُُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ عليه، فوصفه بالعظم أي في الهيئة ورتبة السلطان، قال المؤرخون: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد، رفيع البناء، محكم الصنع، فيه ثلاث مئة طاقة من مشرقه ومثلها من مغربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحاً ومساء. وهذا ما أشارت إليه الآية التالية المبينة عقيدتهم الدينية. ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ (@) أي وجدت هذه الملكة وقومها فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ يعبدون الشمس من غير الله، وزيّن لهم الشيطان قبيح أعمالهم، فصاروا يرون السَّيِّئ حسناً، ومنعهم الشيطان عن طريق الحق وعبادة الله الواحد الأحد، فأصبحوا لا يهتدون إليه. ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (9) أي لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده، دون ما خلق من الكواكب وغيرها، وهو الخالق المبدع الذي يخرج إلى الوجود بعد العدم كل شيء مخبوء مغيب في السماوات والأرض كالمطر والنبات والمعادن والمخلوقات، ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال. ونظير الآية في القسم الأول منها: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى [فصلت: ٣٧/٤١]. ونظيرها في ٣٧ خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّهُ تَعْبُدُونَ لإ القسم الآخر: ﴿سَوَآءٌ مِّنكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (﴾ [الرعد: ١٠/١٣]. أي إنه بعد بیان الدلیل ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ِ بـ على وجود الله وتوحيده، وهو افتقار العالم إليه، نزهه وأبان عظمته، فذكر أنه ٣١٤ الجُزُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود بحق سواه، وهو رب العرش العظيم الذي ليس في المخلوقات أعظم منه، فكل عرش مهما عظم فهو دونه، ومنها عرش بلقيس، فكان الواجب إفراده بالعبادة. فوصف الهدهد عرش بلقيس بالعظم بالنسبة أو بالإضافة إلى عرش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله بالعظم بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض. فأجاب سليمان عليه السلام طير الهدهد عن دفاعه عن نفسه لتبرئة ساحته، حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم فقال: أي قال سليمان : قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ لَـ سنتعرف على مدى صحة قولك، أصادق في إخبارك هذا، أم أنك كاذب في مقالتك، لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك به؟. والمغايرة بين الجملتين الفعلية والاسمية في هذه الآية، وجعل الثانية اسمية للمبالغة كما بينا، وإفادة ثبات صفة الكذب عليه، وأنه مداوم على الكذب لا ينفك عنه. ووسيلة الاختبار هي: ﴿ أَذْهَبِ بِكِتَنِى هَذَا فَأَلْفِهُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿َ﴾ أي إن سليمان عليه السلام كتب كتاباً إلى بلقيس وقومها، يدعوها فيه إلى الإيمان والإسلام لله عز وجل، وأعطاه ذلك الهدهد، وأمره أن يلقيه إليهم، ثم يبتعد عنهم قريباً، ويتأمل رد الفعل، وما يراجع بعضهم بعضاً القول، ويناقش فيه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - القائد يتفقد عادةً جيشه وجنوده، وقد فعل ذلك سليمان عليه السلام أثناء مسيره ومروره بوادي النمل، فتفقد جنس الطير وجماعتها التي كانت تصحبه في سفره، وتظله بأجنحتها. وكان سبب تفقده ما تقتضيه عادة العناية ٣١٥ الْجُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ بأمر الْمُلك، والاهتمام بعناصر الجيش وبكل جزء منها، كما دل ظاهر الآية. وقال عبد الله بن سَلام: إنما طلب الهدهد؛ لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض؛ لأنه كان نزل في مفازة عُدِم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها؛ فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة؛ تسلخ عنه وجه الأرض كما تُسلخ الشاة. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته، والمحافظة عليهم، فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام المُلْك. ويرحم الله عمر بن الخطاب، فإنه كان على سيرته؛ قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب، ليُسأَلُ عنها عمر (١). والخلاصة: استنبط العلماء من الآية استحباب تفقد الحاكم أحوال الرعية، وكذلك تفقد الأصدقاء والأقارب. أَ - قوله تعالى: ﴿لَأُعَذَِّنَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا﴾ دليل على أن الحدّ أي العقوبة على قدر الذنب، لا على قدر الجسد، ولكن يرفق بالمحدود في الزمان والصفة. وأما ذبحه فدليل على أن الله أباح له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع. ◌َّ - قوله تعالى: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي علمت مالم تعلمه من الأمر، دليل على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب، ودليل على أن الصغير يقول للكبير، والمتعلم للعالم: عندي ماليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه. ٤ - الاعتذار الصحيح مقبول عند أهل الحق والإيمان، فقول الهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بَِبَلِ يَقِينٍ﴾ دفع فيه عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح. (١) تفسير القرطبي: ١٧٨/١٣ ٣١٦ لُعُ (١٩) - التَّصَلّ: ٢٧ / ٢٠-٢٨ ٥ - كانت بلقيس ملكة سبأ، وكان هذا عرفاً معمولاً به عند القدماء، وعند المعاصرين غير المسلمين. أما في شرعنا فقد روى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي وَّ لما بلغه أن أهل فارس قد ملَّكوا بنت كسرى قال: ((لن يفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة)) قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه. ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تَقْضى فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق؛ ولا بأن يكتب لها منشور (أو مسطور) بأن فلانة مُقْدمة على الحكم، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة، بدليل قوله وَل: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)»(١). وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. وما روي عن عمر أنه قدَّم امرأة على حِسْبة السوق لم يصح، فلا يلتفت إليه، وإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث. ٩ - كانت أمة بلقيس ممن يعبد الشمس؛ لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى، وقيل: كانوا مجوساً يعبدون الأنوار، وقد زين لهم الشيطان أعمالهم أي ما هم فيه من الكفر، وصدهم عن طريق التوحيد، فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده، وزين لهم ألا يسجدوا لله، أو فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، وعلى هذا تكون (لا) زائدة، مثل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢/٧] أي أن تسجد. وهذا دليل على أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به قطعاً. ثم آمنت تلك الأمة واهتدت إلى الإقرار بنبوة سليمان ودعوته إلى التوحيد، كما سيأتي بيانه. لاً - إن الله الذي خلق فسوى، وأخرج المخبوء في السماوات والأرض (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٨٣/٣ ٣١٧ لُُ (١٩) - التَصْلِ: ٢٧ /٢٠-٢٨ كالمطر من السماء والنبات والكنوز من الأرض، هو الذي تجب عبادته، وهو الذي يستحق العبادة. والآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم، أما القدرة: فقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث، ومن الأرض بالنبات. وأما العلم فقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. ٨ - قول الهدهد ﴿أَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ وقوله ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ اُلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ُ (٣) دليل على أنه داع إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، لذا نهى النبي وَلّل عن قتله، كما روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((نهى النبي ◌ُّر عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد)». ١ - قوله تعالى: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اُلْكَذِبِينَ﴾ دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم، بباطن أعذارهم؛ لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه. وإنما صار صدق الهدهد عذراً؛ لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد. وفي الصحيح: ((ليس أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل)). وقد قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه. لكن للإمام أن يمتحن المعتذر إذا تعلق بالأمر حكم من أحكام الشريعة، كما فعل سليمان بالتثبت من صدق الهدهد. ٠ ١َ - دلت آية: ﴿أَذْهَب ◌ِّكِتَنِى هَذَا﴾ على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعوتهم إلى الإسلام، وقد كتب النبي وَّة إلى كسرى وقيصر، وإلى كل جبار، كما دلت الآية على سرعة الهدهد في تبليغ الكتاب إليهم، وعلى إيتائه قوة المعرفة وفهم كلامهم، وأن الملكة فهمت الكتاب فوراً ٣١٨ لُهُ (١٩) - التعلم: ٢٧ /٢٩-٣٧ بوساطة مترجم، وعلى حسن آداب الرسل أن يتنحوا عن المرسل إليهم بعد أداء الرسالة، للتشاور فيها. - ٣ - جواب بلقيس على كتاب سليمان عليه السلام ﴿ قَالَتْ بَأَيُّهَا الْعَلَؤُاْ إِنَّ أُلْقِىَ إِلَ كِنَبُ كَرِيِم ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ قَالَتْ بَأَيُّهَا الْمَلَؤُاْ أَفْتُونِ فِىّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ أَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَّ حَتَّى تَشْهَدُونِ وَاْأَمْرُ إِلَيْكِ فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ ٣٤ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِّدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ صِّغَّآ ءَاتَشَكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِّكُمْ نَفْرَحُونَ أَرْجِعٌ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُمْ بِحُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُمُ ٣٠ بِهَا وَلَنُخْرِجَهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ ٣٧ الإعراب: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىّ﴾ في ((أن)) ثلاثة أوجه: الأول - أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، أي بألا تعلوا علي. الثاني - أن تكون في موضع رفع على البدل من ﴿كِنَرُ﴾ وتقديره: إني ألقي إلي كتاب ألا تعلوا. الثالث - أن تكون مفسرة بمعنى ((أي)) كقوله تعالى: ﴿أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَّ ءَالِهَتِكُمْ﴾ أي امشوا، ولا موضع لها من الإعراب. ٣١٩ ء الجُزُ (١٩) - التَّخْلِ: ٢٧ /٢٩-٣٧ ﴿أَزِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ كل من ﴿أَذِلَّةً﴾ والجملة بعدها حال من الهاء والميم في (لنخرجنهم). المفردات اللغوية: ﴿قَالَتْ﴾ بلقيس لأشراف قومها ﴿اٌلْمَلَؤُا﴾ أشراف القوم وخاصتهم ﴿كِنَبُ كَرِيمُ﴾ لكرم مضمونه أو مرسله، أو لأنه كان مختوماً ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ﴾ أي ألا تتكبروا علي وتنقادوا للأهواء ﴿مُسْلِمِينَ﴾ منقادين مطيعين مستسلمين. وهذا الكتاب مع وجازته تضمن المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع وصفاته، والنهي عن الترفع الذي هو داء المعاندين والمتكبرين، والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل. ﴿اَلْمَلَؤُا﴾ أشراف القوم ﴿أَفْتُونِ فِىّ أَمْرِى﴾ أشيروا علي بالرأي في هذا الأمر ﴿قَاطِعَةً أَقََّ﴾ باته في أمر أو مبرمة أمراً ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أي حتى تحضروني أي بمحضركم، وقد استعطفتهم بذلك ليظهروا إخلاصهم التام في الدفاع عنها ﴿أُوْلُواْ قُوَّةٍ﴾ قدرة جسدية وعددية ﴿وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ أصحاب شدة وشجاعة ونجدة وثبات في الحرب ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أي ماذا توجهين إيانا بأوامرك فنطيعك ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مرسلو الكتاب. ويلاحظ أنها لما أحست ميلهم إلى القتال، جنحت إلى الصلح؛ لأن الحرب سجال، لا یدری عاقبتها. ﴿وَإِنِّى مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ بيان لما ترى تقديمه للمصالحة بإرسال هدية تدفع بها عن ملكها ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها، فإن كان ملكاً قبلها، وإن كان نبياً لم يقبلها ﴿فَلَمَّا جَآءَ﴾ الرسول بالهدية ومعه أتباعه ﴿فَمَآ ءَاتَنْنَِ اَللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ من الدنيا ﴿بَلْ أَنْتُ ◌ِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾ لأنكم لا تهتمون إلا بزخارف الدنيا. ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ ارجع أيها الرسول إلى بلقيس وقومها بما أتيت من الهدية ٣٢٠ الجُعُ (١٩) - التَّعْلِ: ٢٧ /٢٩-٣٧ ﴿لَّا قِبَلَ لَهُمُ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بمقاومتها ﴿وَلَنُخْرِجَهُ مِنْهَا﴾ من بلدهم سبأ، سميت باسم أبي قبيلتهم ﴿أَذِلَّةَ﴾ بذهاب ما كانوا فيه من العز ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ أسرى مهانون محتقرون، إن لم يأتوا مسلمين. المناسبة: بعد إرسال سليمان عليه السلام كتابه إلى بلقيس وقومها مع الهدهد، ذکر الله تعالى مضمون الكتاب، وتشاور بلقيس في شأنه مع مستشاريها، فارتأوا القتال، وارتأت المهادنة والصلح بإرسال هدية إليه تدفع بها عن بلادها ويلات الحروب، ولا مانع لديها من إعطائه خراجاً دائماً مقابل ترك القتال. التفسير والبيان: ﴿ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ إِنَّ أُلْفِىَ إِلَىَّ كِتَبُ كَرِيمُ ﴾﴾ أي قالت بلقيس الأشراف قومها ومستشاريها وأركان دولتها ومملكتها: يا أشراف القوم، إني ألقي إلي كتاب كريم؛ لأن مرسله نبي الله سليمان، وهو ملِك كريم، ولحسن مضمونه وجمال عباراته، ولأنه كان مختوماً، قال ◌َ له فيما رواه الطبراني: ((كرامة الكتاب: ختمه)) وكان وَّيه يكتب إلى العجم، فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم، فاتخذ لنفسه خاتماً؛ كما أن فيه عجيب أمر حامله، وهو طائر ألقاه به إليها، ثم تولى عنها أدباً، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبیل لهم إلى ذلك. ومضمون الكتاب: ﴿إِنَُّ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ ﴾ أي قرأت الكتاب على أشراف قومها، وكان في غاية البلاغة ٣١ مُسْلِمِينَ ـبِ والوجازة والفصاحة شاملاً أموراً ثلاثة: اً - البسملة الدالة على إثبات الله ووحدانيته وقدرته ورحمته.