Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
الُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٣٠/٢٥-٣٤
تنميقه وتحسينه ورصف لفظه، بقصد القدح في نبوتك وإبطال أمرك ﴿إِلَّا
جِثْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافع له، أو الدامغ له في جوابه ﴿ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي بما
هو أحسن بياناً لهم، وأصح معنى من سؤالهم العجيب الذي كأنه مثل في
البطلان.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي يساقون ويسحبون على
وجوههم، أي مقلوبين ﴿شَرِّ مَكَانًا﴾ هو جهنم ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أبعد عن
الحق طريقاً من غيرهم، وهو كفرهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٢):
١
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والضياء في المختارة عن ابن عباس
قال: قال المشركون: إن كان محمد وَلَّ، كما يزعم نبياً، فلِمَ يعذبُه ربه، ألا
ينزل عليه القرآن جملة واحدة، فينزل عليه الآية والآيتين، فأنزل الله: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ﴾.
المناسبة:
بعد بيان اعتراضات المشركين وأقاويلهم الباطلة، وأوجه تعنتهم، كطلب
إنزال الملائكة أو رؤية الله، وتكذيب القرآن ووصفه بالأساطير، أوضح الله
تعالى أن الرسول و * ضاق صدره واشتكاهم إلى ربه بأن قومه هجروا القرآن.
التفسير والبيان:
أي شكا
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
الرسول إلى ربه سوء أفعال المشركين وأقوالهم الساقطة قائلاً: ياربّ، إن
قومي قريشاً تركوا الإصغاء لهذا القرآن، ولم يؤمنوا به، وأعرضوا عن

٦٢
لُُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٣٠/٢٥-٣٤
استماعه واتباعه، فكانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما حكى تعالى
عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
[فصلت: ٢٦/٤١] فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في
(٢٦)
غيره، حتى لا يسمعونه، فهذا من هجرانه، وكذلك ترك الإيمان به وترك
تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال
أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول
أو غناء أو لهو من هجرانه، كما قال ابن كثير(١).
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينُّ﴾ هذا إيناس لرسول الله وَّل على
ما يلقى من قومه من الأذى والصدود والإعراض، أي لا تحزن يا محمد، فتلك
سنة الله في خلقه، فكما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك
الأباطيل، ويهجرون القرآن، جعلنا لكل نبي من أنبياء الأمم الماضين أعداء
من المشركين الظالمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢/٦]
فاصبر كما صبروا، وامض في تبليغ رسالتك. قال ابن عباس: كان عدو النبي
** أبا جهل، وعدو موسی قارون، وکان قارون ابن عم موسى.
لكن النصر والغلبة للرسول وَل﴾، كما قال تعالى:
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أي وكفى بالله ربك هادياً لك إلى الحق،
وهادياً من اتبعك وآمن بكتابك وصدقك إلى مصالح الدين والدنيا، وناصرك
على أعدائك في الدنيا والآخرة.
وقد قرن الله تعالى بين الهداية والنصر؛ لأن الأولى سبيل لتحقيق نصر
المؤمنين على الكافرين، وكان المشركون يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا
(١) تفسير القرآن العظيم: ٣١٧/٣

٦٣
الجُرعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٣٠-٣٤
يهتدي أحد بالرسول ◌َله، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، وللحفاظ على قوة
التفوق والغلبة، وإبقاء ميزان القوى راجحاً في صالحهم.
الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد جلال :
بعد بيان شكوى الرسول و لو قومه إلى ربه، حكى الله تعالى شبهة أخرى
للمشركين أهل مكة فقال:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوَّلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ اُلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً﴾ أي أضاف
المشركون أهل مكة لطعنهم السابق في القرآن بأنه إفك مفترى وأنه أساطير
الأولين، أضافوا شبهة أخرى هي قولهم: إذا كنت تزعم أنك رسول من عند
الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة جملة على موسى،
والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟
ومعنى الآية: لو كان القرآن من عند الله حقاً، فهلا أنزل على محمد رَله
جملة واحدة، كما نزلت الكتب الإلهية المتقدمة.
فأجابهم الله تعالى عن ذلك بقوله:
(كَذَلِكَ لِنُقَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْنَهُ تَرْتِيلًا﴾ أي أنزلناه كذلك مفرقاً،
وأتينا به شيئاً بعد شيء وقرأناه على لسان جبريل في مدى ثلاث وعشرين سنة
بحسب الوقائع والحوادث وما يحتاج إليه من الأحكام.
والحكمة أو الفائدة من ذلك متنوعة وكثيرة أهمها ما يأتي(١):
أ - تثبيت قلب النبي ◌ّر والمؤمنين بشريعة الله، والعون على حفظ القرآن
وفهمه، وتطبيق أحكامه بنحو دقيق وشامل؛ لأن النبي وس﴿ كان أمياً، وكانت
(١) انظر وقارن تفسير الرازي: ٧٩/٢٤

٦٤
لُزُ (١٩) - الفُرْقَان: ٣٠/٢٥-٣٤
أمته أمية، لا يعرفون القراءة والكتابة، فلو نزل القرآن جملة واحدة، لصعب
عليهم ضبطه، وجاز عليهم السهو والغلط. ثم إن مشاهدة النبي ◌َّه جبريل
وقتاً بعد وقت مما يقوي عزيمته، ويحمله على الصبر في تبليغ الرسالة وتصحيح
المسيرة، والصمود في وجه التحديات واحتمال أذى قومه، ومتابعة جهاده.
ب - دفع الحرج عن المكلفين بتكليفهم بأحكام كثيرة مرة واحدة: فلو
طولب المؤمنون بتحمل أعباء الشريعة دفعة واحدة، فربما وقعوا في الحرج
والمشقة، وصار التنفيذ أمراً صعباً غير سهل ولا يسير.
جـ - مراعاة مبدأ التدرج في التشريع: فقد كانت العادات والتقاليد
الموروثة، والأعراف العامة مسيطرة في بيئة العرب وغيرهم من الأمم، فلو
طولبوا بالإقلاع عما تحكمت فيهم العادات، لنفروا وأعرضوا وقالوا جميعاً:
لا نترك هذا الأمر، فكان من الحكمة والمصلحة والنجاح في التربية، وتغيير
تلك العادات المستحكمة أو المألوفة أن ينزل القرآن منجَّماً، ويتدرج في
الأحكام من مرحلة إلى أخرى، تتهيأ بها النفوس لقبول الحكم النهائي.
د - معالجة الوقائع والطوارئ والأحداث وإجابة الأسئلة بما هو الأنسب
والأوفق: فلو كان التشريع دفعة واحدة، سواء فيما يتعلق بحالة السلم أو
حالة الحرب، لا نكشفت الخطة، ودبر الأعداء المكايد لتحقيق الغلبة على
المسلمين، وهان على أهل الحيلة والمكر التشكيك في مدى صلاحية حكم
تشريعي ما.
ثم أبان تعالى تأييد نبيه بالوحي وإبطال حجج المشركين فقال:
(#) أي لا يأتيك
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا ◌ِشْتَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
هؤلاء المشركون المعاندون بحجة أو شبهة، ولا يقولون قولاً يعارضون به
الحق، والتشكيك في نبوتك إلا أجبناهم بما هو الحق الثابت الذي يدحض
قولهم، ويبطل حجتهم، ويكون أصدق في الواقع، وأبين وأوضح وأفصح

٦٥
لُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٣٠-٣٤
مما يقولون، كما قال تعالى: ﴿بَلِّ نَقْذِفُ بِالْمَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ
زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨/٢١].
وبعد وصف القوم المتعنتين رسول الله ويله بأوصاف كاذبة، أورد الله تعالى
وصفهم يوم القيامة بما يدل على سوء حالهم في معادهم وحشرهم إلى جهنم في
أسوأ الحالات وأقبح الصفات، فقال:
﴿الَّذِينَ يُحْشَّرُونَ عَلَى وُجُودِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا
(٤) أي إن أولئك المشركين المفترين على رسول الله وَلقول، الذين يسحبون على
وجوههم إلى جهنم إذلالاً وخزياً وهواناً، ويساقون إليها بالسلاسل
والأغلال، هم شر مكاناً (وهو جهنم) من أهل الجنة، وأضل سبيلاً وطريقاً
عن الحق. والمقصود منه الزجر عن طريقهم، كما في قوله تعالى المتقدم:
﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فلا يراد من ذلك المفاضلة، وإنما بيان
سوء حال أهل النار، وحسن حال أهل الجنة، ولفت نظر الكفار إلى أن
مكانهم شر من مكان المؤمنين، وسبيلهم أضل من سبيل المسلمين.
جاء في صحيح البخاري عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف
يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: ((إن الذي أمشاه على رجليه قادرٌ
على أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة)).
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلخير: ((يُحشر الناس يوم
القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مُشاة، وصنفاً رُكباناً، وصنفاً على وجوههم،
قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على
أقدامهم قادر أن يُمشيَهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حَدَب
وشوك)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:

٦٦
لُ (١٩) - الفُرْقَان: ٣٠/٢٥-٣٤
اً - تَرَك المشركون والكفار القرآن في أوضاع متعددة، إما بعدم الاستماع
والإصغاء إليه، وإما بترك تدبره وتفهمه، وإما بترك الإيمان به وعدم تصديقه،
وإما بترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإما بالعدول عنه إلى
غيره من أنظمة الجاهلية والكفار أمثالهم.
روى أنس عن النبيِ رَ لّ قال: ((من تعلَّم القرآن، وعلَّق مصحفه، لم
يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يا رب العالمين، إن
عبدك هذا اتخذني مهجوراً، فاقض بيني وبينه)).
وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع: أحدها - هجر سماعه والإيمان به،
والثاني - هجر العمل به وإن قرأه وآمن به، والثالث - هجر تحكيمه والتحاكم
إليه، والرابع - هجر تدبره وتفهم معانيه، والخامس - هجر الاستشفاء
والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
قَوْمِى أُمَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.
أَ - ما من حق إلا ويقابله باطل، وما من مصلح صادق إلا وله أعداء،
وكما جعل الله لنبيه محمد عدواً من مشركي قومه كأبي جهل وأمثاله، جعل
لكل نبي عدواً من مشركي قومه، فما على المحق والمصلح إلا الصبر كما صبر
الأنبياء المتقدمون، والله هادٍ أهل الحق والصلاح، وناصرهم على كل من
ناوأهم.
◌َّ - استدل أهل السنة بآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا﴾ على أنه تعالى
خالق الخير والشر؛ لأن ذلك القول يدل على أن تلك العداوة من جعل الله،
وتلك العداوة كفر.
٤ - طلب كفار قريش أو اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقاً أن ينزل على
محمد جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل علی عیسى،
والزبور على داود. والتغاير في طريقة الإنزال له معنى وحكمة.

٦٧
الُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ / ٣٠-٣٤
٥ - إن نزول القرآن مفرقاً لتقوية قلب النبي وَ ل في تحمله ووعيه؛ لأن
الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن أنزل على نبي
أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن
أمور، فتفريقه ليكون أوعى للنبي وَلقر، وأيسر على العامل به، فكان كلما نزل
وحي جديد زاده قوة قلب. وقد ذكرت تلك الفوائد والحكم في أثناء التفسير
للآية.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ إما من قول المشركين أي كالتوراة والإنجيل،
فيوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ ثم يبتدأ بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ ويجوز الوقف
على قوله: ﴿جُمْلَةً وَحِدَةٌ﴾ ثم يبتدأ ﴿كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ أي أنزلناه
عليك كذلك متفرقاً لنثبت به فؤادك. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أجود
وأحسن، والقول الثاني قد جاء به التفسير. وقال النحاس: والأولى أن يكون
التمام ﴿جُمْلَةً وَحِدَةٌ﴾ لأنه إذا وقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ صار المعنى كالتوراة
والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا موافق لرسم القرآن.
أَ - نزل القرآن مرتلاً مرسَّلاً، أي شيئاً بعد شيء.
لا - إن الله تعالى مؤيد رسوله وهاديه وناصره، فلو نزل عليه القرآن جملة
واحدة، ثم سألوه عن أمر، لم يكن عنده ما يجيب به، فإذا كان مفرقاً ثم سألوه
أجاب بوحي من عند الله. قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة؛
لأنهم لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان
ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم. ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم،
ولو نزل جملة واحدة لزال معنى تنبيه الناس إلى ما فيه الخير والحكمة
والصواب.
٨ - أهل النار وهم الكفار يحشرون إليها على وجوههم إما حقيقة كما
تقدم، وإما أن القصد الذل والخزي والهوان، وإما الدلالة على الحيرة في طريق
الذهاب. وهم في شر مكان؛ لأنهم في جهنم، وأضل ديناً وطريقاً.

٦٨
الجُرُ (١٩) - الفُرْقَان: ٣٥/٢٥-٤٠
قصص بعض الأنبياء وعقوبات مكذبيهم
فَقُلْنَا
﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا (٥)
أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا (® وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا
كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْتَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلِّينَ عَذَابًا أَلِيمًا
وَكُلّا ضَرَيْنَا لَهُ
وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا
اٌلْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَنْبِيرًا (﴿ وَلَقَدْ أَنَوْ عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِىّ أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِّ
٣٨١
أَفَلَمْ يَكُنُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا
القراءات:
﴿ وَثَمُودَا﴾ :
قرئ :
١- (وثمودَ) - ممنوعة من الصرف - وهي قراءة حفص، وحمزة، ووقفوا
على الدال بالسكون.
٢- (وثموداً) - مصروفة - وهي قراءة الباقين، ووقفوا على الألف المبدلة
من التنوين.
الإعراب:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ (قوم) منصوب عطفاً على الهاء والميم في (دمرناهم) أو بتقدير
فعل يفسره ﴿أَغْرَفْتَهُمْ﴾ أي أغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم، أو
بتقدير فعل ((اذكر)).
﴿وَعَادًا وَثَمُودَا﴾ منصوبان بالعطف على (قوم نوح) إذا نصب بتقدير ((اذكر))
أو بالعطف على (دمرناهم). ولا يجوز العطف على ﴿وَجَعَلْنَهُمْ﴾.

٦٩
الُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٣٥-٤٠
﴿وَكُلّا ضَرَبْنَا﴾ (كلاً) منصوب بفعل تقديره: أنذرنا كلاً؛ لأن ضرب
الأمثال في معنى الإنذار، فجاز أن يكون تفسيراً لـ ((أنذرنا)). ﴿وَكُلَا تَبَّرْنَا
تَخْبِيرًا﴾ (كلاً) منصوب بتبرنا، و﴿تَشْبِيرًا﴾ مصدر مؤكد.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ ءَتِيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ أي التوراة ﴿وَزِيرًا﴾ معيناً يؤازره في الدعوة
إلى الله وإعلاء كلمته، ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، لتآزرهما في الأمر.
والوزير: من يستعان برأيه ويستشار في الأمور، يقال: وزير الملك أو الرئيس
لأنه يؤازره ويعينه في أعباء الملك أو الرئاسة ﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِشَايَدِنَا﴾ هم فرعون وقومه القبط ﴿فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أهلكناهم إهلاكاً، وفيه
محذوف تقديره: فذهبا إليهم فكذبوهما.
﴿وَقَوْمَ نُوجٍ﴾ أي واذكر ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ﴾ أي نوحاً وغيره، أو نوحاً
وحده؛ لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل؛ لاشتراكهم في الدعوة إلى التوحيد
﴿ أَغْرَقْنَهُمْ﴾ بالطوفان وهو جواب لَّا ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدهم أي جعلنا
إغراقهم أو قصتهم للناس ﴿ءَايَةً﴾ عبرة ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
أعددنا في الآخرة للكافرين عذاباً مؤلماً، سوى ما يحل بهم في الدنيا. والجملة
إما للتعميم، وإما للتخصيص فيكون وضعاً للظاهر موضع الضمير.
﴿وَعَادًا﴾ أي واذكر عاداً قوم هود ﴿وَثَمُودَا﴾ أو: وثموداً: قوم صالح، فهو
إما ممنوع من الصرف على أنه اسم قبيلة، وإما مصروف على أنه الحي أو اسم
الأب الأكبر ﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ هم قوم كانوا يعبدون الأصنام ولهم آبار
ومواش، فبعث الله إليهم شعيباً، وقيل: غيره، فكذبوه، فبينا هم حول
الرَّس: وهي البئر غير المطوية (غير المبنية) قعوداً، انهارت بهم وبمنازلهم، جمع
رساس. ﴿وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أقواماً بين ذلك المذكور، بين عاد وأصحاب
الرس . ﴿وَكُلَّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَلَ﴾ في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا
بعد الإنذار ﴿وَكُلَا تَبَّرْنَا تَشْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكاً بتكذيبهم أنبياءهم.

٧٠
الُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/ ٣٥-٤٠
﴿وَلَقَدْ أَوْ﴾ أي مرّ كفار مكة أثناء تجارتهم إلى الشام ﴿عَلَى اُلْقَرْيَةِ الَّتِىّ
أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هي سدوم عظمى قرى قوم لوط، فأهلك الله أهلها
الفعلهم الفاحشة، بمطر مصحوب بالحجارة. والسوء: مصدر ساء ﴿أَفَلَمْ
يَكُنُواْ يَرَوْنَهَا﴾ في أثناء سفرهم إلى الشام، فيعتبروا ويتعظوا بما يرون
فيها من آثار عذاب الله. والاستفهام للتقرير. ﴿بَلْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾
أي بل كانوا كفرة لا يخافون بعثاً، فلا يؤمنون ولا يتعظون.
المناسبة:
بعد بيان شبهات المشركين حول القرآن والنبوة والبعث، ذكر الله تعالى
قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم وما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم
الرسل، ليعتبر هؤلاء المشركون، ويحذروا ما حلَّ بمن سبقهم من الأمم
الماضية من أليم العقاب، إذا بقوا على كفرهم وعنادهم، وذكر تعالى أربعة
قصص هي ما يأتي:
القصة الأولى - قصة موسى وهارون عليهما السلام:
﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا (®) بدأ
تعالى بذكر موسى، فقال: وتالله لقد آتينا موسى التوراة، وجعلنا معه أخاه
هارون وزيراً له، أي نبياً مؤازراً ومعيناً وناصراً. ونبوة هارون ثابتة في آية
أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نَبيَّا (65)﴾ [مريم: ١٩/
٥٣] لكنه وإن كان نبياً فالشريعة لموسى عليه السلام، وهو تابع له فيها، لذا
أمر الاثنان بتبليغ رسالتهما في قوله تعالى:
﴿ فَقُلْنَا أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا (٣)﴾ أي
فقال الله تعالى آمراً موسى وهارون: اذهبا إلى فرعون وقومه لتبليغ الرسالة
وهي إعلان الوحدانية والربوبية الله عز وجل، فلا إله غيره، ولا معبود سواه،

٧١
الزُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٣٥-٤٠
فلما ذهبا كذبهما فرعون وجنوده، كما قال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْهَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَىِ ﴿٣) فَرَنَهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَ
١٨
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَ
١٧
٢٠
[النازعات: ١٧/٧٩-٢١] وقال سبحانه: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ
٢١
فَكَذَّبَ وَعَصَى
أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا
وَأَخُوَكَ بِثَايَِى وَلَا نَنِيَا فِى ذِكْرِى
◌َِّنَّا لَعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَِ ﴿ قَالَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى
٤٥
(٤٦) ﴾ [طه: ٢٠ / ٤٢ -٤٦].
قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
فلما كذب فرعون وقومه برسالة موسى وأخيه هارون، ولم يعترفوا
بوحدانية الله تعالى، أهلكهم الله إهلاكاً، كما قال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ
أَمْثَلُّهَا﴾ [محمد: ١٠/٤٧] . فانظروا ياكفار مكة عاقبة الكفر وتكذيب الرسل.
القصة الثانية - قصة نوح عليه السلام:
.﴿وَقَوْمَ نُوجٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً﴾ أي
:٠
واذكر يا محمد لقومك ما فعله قوم نوح حين كذبوا رسولهم نوحاً عليه السلام
الذي مكث فيهم يدعوهم إلى توحيد الله ويحذرهم من عقابه ونقمته ألف سنة
إلا خمسين، فما آمن به إلا قليل، فأغرقناهم بالطوفان، وجعلناهم عبرة وعظة
للناس يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِىِ الْجَارِيَةِ
لِنَجْعَلَهَا لَكُزْ نَذْكِرَةً وَعِيَهَا أُذُنُّ وَعِيَةٌ
(١٢) ﴾ [الحاقة: ١١/٦٩-١٢].
وقوله ﴿كَذَّبُواْ الرُّسُلَ﴾ قصد به تكذيب نوح عليه السلام، على أساس
أن من كذب رسولاً واحداً، فقد كذب بجميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول
ورسول، فدعوتهم إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام واحدة، ولو فرض أن
الله تعالى بعث إليهم كل رسول، فإنهم كانوا يكذبون.
ثم عمم تعالى الحكم فقال:
﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي وأعددنا وهيأنا عذاباً مؤلماً في الآخرة

٧٢
إِدُءُ (١٩) - الفُرْقَان: ٣٥/٢٥-٤٠
لكل ظالم كفر بالله، ولم يؤمن برسله، وسلك سبيلهم في تكذيب الرسل. وفي
هذا تهديد لكفار قريش أنه سيصيبهم من العذاب مثلما أصاب قوم نوح.
القصة الثالثة - قصة عاد وثمود وأصحاب الرَّس:
﴿ وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ أي واذكر أيها الرسول أيضاً لقومك قصة
عاد الذين كذبوا رسولهم هوداً، وقصة قبيلة ثمود الذين كذبوا رسولهم صالحاً،
وقصة أصحاب الرس أي البئر وهم قوم من عبدة الأصنام أصحاب آبار
وماشية، بعث الله لهم شعيباً وقيل غيره، فدعاهم إلى توحيد الله والإيمان به
وبرسالته، فكذّبوه، فبينا هم حول البئر قعود، خسف الله بهم وبمنازلهم.
واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرسّ: هم أصحاب الأخدود الذين
ذكروا في سورة البروج.
﴿وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي واذكر لهم أمماً كثيرة بين قوم نوح وعاد
وأصحاب الرس، لما كذبوا الرسل، أهلكناهم جميعاً.
أي وكل واحد من
﴿ وَكُلَّ ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَنْبِيرًا ثَّـ
هؤلاء الأقوام بيّنا لهم الحجج، وأوضحنا لهم الأدلة، وأزحنا الأعذار عنهم،
فلم يؤمنوا وإنما كذّبوا، بالرغم من الرد على كل الشبهات والاعتراضات،
فأهلكناهم إهلاكاً شديداً، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ
نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧/١٧]. والقرن في الأظهر: هو الأمة المتعاصرون في الزمن
الواحد، فإذا ذهبوا وخلفهم جيل آخر فهو قرن آخر، كما ثبت في
الصحيحين: ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). والتتبير:
التفتيت والتكسير.
القصة الرابعة - قصة لوط عليه السلام:
﴿ وَلَقَدْ أَنَوَأْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ﴾ أي ذكّر مشركي مكة بعبرة

٧٣
الُُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٣٥-٤٠
أخرى، وهي أنهم والله لقد مروا أثناء تجارتهم إلى الشام في رحلة الصيف على
سَدُوم أعظم قرى قوم لوط التي أهلكها الله بالقلب (جعل عاليها سافلها)
وبالمطر المصحوب بالحجارة من سجّيل، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًًّ
﴾ [الشعراء: ١٧٣/٢٦] لارتكابهم الفاحشة.
١٧٣
فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
﴿أَفَلَمْ يَكُنُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أي أفلم يروا ما
حلّ بتلك القرية من عذاب الله ونكاله، بسبب تكذيبهم بالرسول،
وبمخالفتهم أوامر الله، إنهم فعلاً يرون ذلك، ولكنهم لم يعتبروا، ومنشأ عدم
العظة والعبرة وتكذيب النبي محمد رَله أنهم قوم لا يخافون أو لا يتوقعون
نشوراً، أي معاداً يوم القيامة. وهذا تأكيد لما قال تعالى سابقاً في هذه السورة
نفسها: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ [١١] فإن عدم الخوف من اليوم الآخر وما فيه
من الثواب والعقاب هو السبب الجوهري في الإعراض عن دعوة الرسول
رَسلم .
ورجح الرازي أن الرجاء في قوله تعالى ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ على حقيقته؛
لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف إلا لرجاء ثواب الآخرة، فإذا لم
يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها، فلا يتحمل تلك المتاعب.
فقه الحياة أو الأحكام:
الغرض من إيراد هذه القصص هنا واضح، وهو تحذير المشركين من
تكذيب النبي ◌َّ، فيحل بهم من العذاب، كما حلّ بالأمم الماضية المكذبين
رسل الله.
فالقصة الأولى - قصة موسى وأخيه هارون عليهما السلام، كان معهما
التوراة، وأمرا بالذهاب إلى فرعون وقومه من أقباط مصر لدعوتهم إلى الإيمان
بوجود الله، والإقرار بوحدانيته، فكذبوا بآيات الله الدالة على صدق النبوة
والتوحيد، فدمرهم الله تدميراً، وأهلكهم إهلاكاً شديداً بالإغراق في البحر.

٧٤
(١٩) - الفُرْقَان: ٣٥/٢٥-٤٠
والقصة الثانية - قصة نوح عليه السلام مع قومه الذي مكث يدعوهم إلى
توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام زمناً هو ألف سنة إلا خمسين، مما لم يمكث فيه
نبي مع قومه مثل هذا، فبعد أن كذبوه ويئس من إيمانهم، أغرقهم الله جميعاً
بالطوفان، وجعلهم للناس آية أي علامة ظاهرة على قدرته، وأعدَّ لهؤلاء
المشركين من قوم نوح ولكل ظالم عذاباً شديد الألم في الآخرة، ونَجّى الله الذين
آمنوا مع نوح في السفينة.
وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ﴾ ذكر الجنس، وأراد به نوحاً وحده؛ لأنه لم
يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده، فنوح إنما بعث بـ ((لا إله إلا
الله)) وبالإيمان بما يُنزل الله تعالى، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من
بعث بعده بهذه الكلمة.
والقصة الثالثة - قصة عاد وثمود وأصحاب الرس وأقوام آخرين مما لا
يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، أنذروا جميعاً،
وضربت لهم الأمثال الحقة، وبيِّنت لهم الحجة، فأبوا الإيمان، وكذبوا
الرسل، فأهلكهم الله بالعذاب ودمرهم تدميراً. والرس في كلام العرب: البئر
التي تكون غير مطوية.
وأصحاب الرسّ كما عرفنا كانوا قوماً من عبدة الأصنام أصحاب آبار
ومواشٍ، فبعث الله تعالى إليهم شعيباً عليه السلام، فدعاهم إلى الإسلام،
فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه، فبينما هم حول الرس، خسف الله بهم
وبدارهم. وقيل: الرس: قرية باليمامة قتلوا نبيهم، فهلكوا، وهم بقية ثمود.
والقصة الرابعة - قصة لوط عليه السلام مع قومه في قرية سدوم إحدى
قرى قوم لوط الخمس، دعاهم إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام، والتطهر
من الفاحشة، فأصروا على ما هم عليه؛ لأنهم لا يصدقون بالبعث، أو لا
يرجون ثواب الآخرة، فأهلكهم الله بمطر السوء، أي بالحجارة من السماء،

٧٥
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٤١-٤٤
وكان مشركو مكة يمرون في أسفارهم بتلك المدائن، ومع ذلك لم يعتبروا. قال
ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط، كما قال ....
الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَهُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ
[الصافات: ١٣٧/٣٧] وقال:
V
﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩/١٥].
وقد أهلك الله تعالى أربعاً من قرى قوم لوط بأهلها، وبقيت واحدة.
استهزاء المشركين بالنبي
وتسمية دعوته إضلالاً
علكة
وسلم
صَلَىاللّهِ
﴿وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا (٦) إِن
كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَّ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَأْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ
يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿ أَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ
عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴿﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّا
كَالْأَنْعَِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
٤٤
القراءات:
﴿هُزُوًّا﴾:
قرئ:
١- (هُزُواً) وهي قراءة حفص.
٢- (هزءاً) وهي قراءة خلف، وحمزة وقفاً.
٣- (هزؤاً) وهي قراءة الباقين.
﴿ تَحْسَبُ﴾:
قرئ:

٧٦
لُهُ (١٩) - الفُرْقَان: ٤١/٢٥-٤٤
١- (تَحْسِب) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي.
٢- (تَحْسَب) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ ﴿إِن﴾ بمعنى ((ما)) أي ما يتخذونك إلا ذا هزء
أو موضع هزء أو مهزوءاً به، مثل ﴿إِنِ اُلْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾ أي ما
الكافرون إلا في غرور. ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ محكي بعد قول
مضمر تقديره: قائلين: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. و﴿أَهَذَا﴾ مبتدأ،
و﴿الَّذِى﴾ خبره، و﴿رَسُولًا﴾ إما منصوب على الحال وهو الأولى، أو على
المصدر، بجعل ﴿رَسُولًا﴾ بمعنى ((رسالة)) مثل قول الشاعر:
لقد كذب الواشون ما تُحت عندهم بسرّ ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة.
﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ ﴿إِن﴾ هنا عند البصريين مخففة من الثقيلة.
البلاغة:
﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ الاستفهام للاستهزاء والتهكم،
والإشارة للاستحقار.
﴿أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ﴾ تعجيب، وفيه تقديم المفعول الثاني على
الأول للعناية به، والأصل: اتخذ هواه إلهاً له، بأن أطاعه وبنى عليه دينه، لا
يسمع حجة، ولا يبصر دليلاً.
المفردات اللغوية:
﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءاً به

٧٧
لِلُعُ (١٩) - القُرْقَانِ: ٤١/٢٥-٤٤
﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ هناك محذوف تقديره: يقولون، أو قائلين:
أهذا الذي بعث الله رسولاً في دعواه، والاستفهام للاستهزاء والتقدير،
والإشارة للاستحقار وعدم تأهله للرسالة في زعمهم . ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾
يصرفنا و﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي إنه قارب إضلالنا،
وصرفنا عن آلهتنا بفرط اجتهاده في الدعوة إلى التوحيد، لولا أننا ثبتنا على
عبادة آلهتنا. وهذا اعتراف صريح من المشركين بأن محمداً بلغ الغاية في الدعوة
إلی ربه.
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ عياناً في الآخرة، وهذا كالجواب
عن قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُنَا﴾ فإنهم نسبوا الرسول وَّهِ إلى الضلال، وفيه
وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه، وإن طالت مدة الإمهال، ولا بد للوعيد أن
يلحقهم، فلا يغرنهم التأخير، وسينزل بهم العقاب ويعرفون حينئذ من أبعد
عن الحق طريقاً، أهم أم المؤمنون؟!
﴿أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَذُ هَوَئُهُ﴾ أخبرني عمن جعل هواه إلهه، بأن أطاعه
وبنى عليه دينه لا يسمع حجة، ولا يبصر دليلاً ﴿وَكِيلًا﴾ حافظاً تحفظه عن
اتباع هواه أي مهويه، وتمنعه عن الشرك والمعاصي، وحاله هذا؟ لا،
فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب، والثاني للإنكار.
﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب ﴿أَنَّ أَكْثَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهم ﴿أَوْ
يَعْقِلُونَ﴾ ما تقول لهم، فتجديهم الآيات أو الحجج، فتهتم بشأنهم وتطمع في
إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب عنه إليه ﴿إِنْ هُمْ إِلََّّ
كَلْأَنَمِ﴾ أي ما هم إلا كالسوائم في عدم انتفاعهم بقرع الآيات ﴿بَلّ هُمْ أَضَلُّ
سكِيلًا﴾ أبعد عن الحق طريقاً منها؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها بالرعاية، وهم لا
يطيعون مولاهم وخالقهم المنعم عليهم بنعم كثيرة، ولا يعرفون إحسانه من
إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون
العقاب الذي هو أشد المضار.

٧٨
المُُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/ ٤١-٤٤
سبب النزول:
نزول الآية (٤١):
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل، فإنه كان إذا مرّ رسول الله وَال مع
صحبه قال مستهزئاً: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾؟.
المناسبة:
بعد بيان مواقف المشركين في إنكار نزول القرآن من الله، والطعن في نبوة
محمد وَلّ، وعدم الإيمان برسالته، وإيراد الشبهات الواهية حول ذلك، أبان
الله تعالى إسرافهم في الشطط والغلو والاستعلاء، وإساءتهم لهذا الرسول والده
بالاستهزاء به، والاستهانة بشخصه، والحط من قدره، متهكمين على اختياره
للبعثة النبوية، ومغالین في ذلك حتى سموا دعوته إضلالاً ، ولجؤوا إلى التحذير
من تأثير تلك الدعوة القوية والآيات والحجج البالغة التي شارفت أن تجرفهم
إلى الإيمان، وترك دينهم إلى دين الإسلام، لولا ثباتهم على الوثنية،
واستمساكهم بعبادة آلهتهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول وَل* وتعييره بالعيب والنقص،
فيقول :
﴿وَإِذَا رَأَوَْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي إذا رآك أيها النبي المشركون الذين
كفروا بالله ورسوله، ما يتخذونك إلا موضع هزء وسخرية، أو مهزوءاً به،
مقارنة بما هم عليه من العزة والسيادة والغنى، وما أنت عليه من الفقر واليتم
والمسكنة.
﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ويقولون على سبيل التنقص والازدراء:
أهذا المبعوث من عند الله رسولاً إلينا؟ كما قال تعالى في شأن غيره: ﴿وَلَقَدِ
أُسْنُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ١٠/٦].

٧٩
الُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٤١-٤٤
قبحهم الله، فلم يكن رسول الله و لو إلا المثل الأعلى للأنبياء وللبشر قاطبة
في مشيه وسلوكه وتصرفاته وأخلاقه وفكره ومنطقه العذب، ولكنه العناد في
الكفر الذي يصر أهله على تدليس الحقائق وطمس الفضائل، وهم في أصائل
قلوبهم يرون الحقيقة ويظهرون غيرها، بدليل قولهم الآتي: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُنَا
عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ أي قارب محمد أن يثنيهم عن عبادة
الأصنام، ويحملهم على ترك دينهم إلى دين الإسلام، لولا أن صبروا وتجلدوا
واستمروا على ما هم عليه، وتمسكوا بالوثنية والأسطورة والخرافة التي لا
يقبل بها عاقل رشید.
وفي هذا دلالة واضحة على تناقضهم وإظهارهم خلاف ما يعتقدون من
الحقيقة؛ لأنهم عرفوا محمداً الصادق الأمين الراجح العقل في غضون أربعين
عاماً من العمر قبل النبوة، ولم يوجهوا له يوماً ما أي طعن أو نقد، وإنما على
العكس كان محل احترام وإجلال من جميع قومه، كما هو معروف.
ثم إن في هذا القول اعترافاً ضمنياً بقوة تأثير محمد بل# فيهم، بدعوتهم إلى
التوحيد ونبذ عبادة الأصنام؛ بحجج بالغة وأدلة دامغة، حتى إنهم شارفوا
مفارقة دينهم إلى الإسلام، لولا المكابرة والعناد والاستكبار والغلو، فراحوا
يقولون بأن صنيعه إضلال.
وبعد أن حكى الله تعالى كلامهم زيَّف طريقتهم وسفّه آراءهم من وجوه
ثلاثة :
الأول:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُوْنَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ هذا وعيد شديد
لهم وتهديد على التعامي عن الحق والإعراض عن الاستدلال والنظر، وعلى
وصفهم له بالإضلال، فإنهم حين يشاهدون العذاب الذي لا مفرّ لهم منه
يدركون من أبعد عن الحق طريقاً، أهم أم المؤمنون وهو رَّ قائدهم، ومن
الضّال ومن المضلّ؟

٨٠
الجُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٤١/٢٥-٤٤
الثاني:
﴿أَرَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (®) وهذا
تنبيه على عدم الفائدة من دعوة من سيطرت عليه الأهواء إلى الدين الحق،
فانظر فيمن جعل هواه إلهه، بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه، واستولى عليه
التقليد، وصمّ أذنه عن سماع الدليل المقنع والبرهان الساطع، فكل ما زين له
الهوى شيئاً انقاد له، وحينئذٍ لن تستطيع منعه من الشرك والمعاصي، ولن
تكون مستطيعاً دعوته إلى الهدى ولا ولياً حافظاً على شؤونه لتقمعه عن
الضلال، وترشده إلى الهدى والصواب؛ فما استحسنه بهواه جعله دينه
ومذهبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ
مَن يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨/٣٥].
قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا
رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول.
وهذا دليل على ألا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا التقليد واتباع الأهواء،
ولا يرشد إلى طريقهم فكر ولا عقل سليم.
[الغاشية: ٨٨/ ٢٢]،
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
وقوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥/٥٠]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿لَآّ
إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦/٢].
الثالث:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنَْمِّ بَلّ هُمْ
أَضَلُّ سَِيلاً (®﴾ وهذا ذمّ أشد مما سبق، لذا عبر عنه بقوله ﴿أَمْ﴾ أي بل
للإضراب عما سبق إليه، والمعنى بل أتظن أن أكثرهم يسمعون سماع تدبر.
وفهم، أو يتعقلون ويفكرون فيما تتلو عليهم، وترشدهم إليه من الفضائل