Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
لُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٧-١٠
جسمانية، وإنما بالأمور المعنوية، كما أشار تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
يُوحَىَ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠/١٨]، و[فصلت: ٦/٤١].
﴿لَوْلَآ﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يصدقه، فنعلم
صدقه بتصديق الملَك. ﴿أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُّ﴾ من السماء ينفقه ويستغني به
عن طلب المعاش .﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان، أي إن لم يلق إليه كنز، فلا
أقل من أن يكون له بستان، كما للدهاقين والمياسير، فيعيش من ريعه وغلته،
وهذا منهم على سبيل التنزل. ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي من أثمارها، فيكتفي بها
ويتميز علينا بها. وقرئ (نأكل) أي نحن، وهذا كله تفكير الماديين . ﴿وَقَالَ
الَّالِمُونَ﴾ الكافرون. ﴿إِن تَشَّبِعُونَ﴾ أي ما تتبعون. ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾
أي سُحر فغُلب على عقله واختل تفكيره . ﴿أَنْظُرُ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ
اَلْأَمْثَلَ﴾ أي قالوا فيك الأقوال العجيبة الشاذة التي جرت مجرى الأمثال،
واخترعوا لك الأحوال النادرة، كالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَك
يعاونه في الأمر. ﴿فَضَلُّواْ﴾ بذلك عن الهدى وعن الطريق الموصل إلى معرفة
خواص النبي ◌َّة، والمميز بينه وبين المتنبئ، فخبطوا خبط عشواء وقوله:
ضلوا: أي بقوا متحيرين في ضلالهم. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى
الرشد والهدى، أو إلى القَدْح في نبوتك . ﴿قُصُورًا﴾ جمع قصر وهو كل بيت
مشيد بالحجارة ونحوها، أما ما يتخذ من الصوف أو الشعر فهو البيت في
عرف العرب.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه وابن جرير وابن أبي حاتم عن خيثمة قال:
قيل للنبي وَّر: إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها، لا ينقصك ذلك
عندنا شيئاً في الآخرة، وإن شئت جَعْتُهما لك في الآخرة، فقال: لا، بل
اجمعْها لي في الآخرة، فنزلت: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾
٢٢
لُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٧/٢٥-١٠
الآية. أي إن عرض الخزائن من الله. وجاء في السيرة النبوية أن عروض
الإغراء بالمال والغنى، والسيادة والجاه، والملك والسلطان كانت من زعماء
قریش.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن عتبة بن
ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري بن هشام،
والأسود بن المطلب، وزَمْعَة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن
هشام، وعبد الله بن أمية، وأُمية بن خَلَف، والعاص بن وائل، ومنبّه بن
الحجاج اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض:
ابعثوا إلى محمد، وكلموه وخاصموه حتى تَعْذِروا منه، فبعثوا إليه: إن
أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك، قال: فجاءهم رسول الله ﴾ فقالوا : يا
محمد، إنا بَعَثْنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً
جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف، فنحن نُسوِّدك، وإن كنت
تريد به مُلْكاً ملّكنَاك؟.
فقال رسول الله وَالر: ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب
أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم
رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلّغتكم رسالة
ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظکم في الدنيا
والآخرة، وإن تردوه علي أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فسل
لربك، وسل لنفسك أن يبعث معك ملكاً يصدّقك فيما تقول، ويراجعنا
عنك، وسله أن يجعل لك جناناً وقصوراً من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك
تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف
فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولاً كما تزعم.
٢٣
الُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٧-١٠
فقال لهم رسول الله وَله: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما
بُعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فأنزل الله في ذلك هذه الآية.
المناسبة:
بعد بيان شبهتي المشركين في القرآن، أبان الله تعالى شبهة ثالثة في النبي
المنزل عليه القرآن، وهو الرسول محمد بَله، ثم أبطل تعالى تلك الشبه،
وكشف سخفها وزيفها وعدم صلاحيتها للطعن في النبي ◌ََّ، فهي في غاية
السخافة والسقوط، ولا دليل عليها، وإنما هي تعللات تشير إلى تعنت الكفار
وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة.
التفسير والبيان:
ذكر المشركون خمس صفات للنبي ◌ّ تتعارض مع النبوة في زعمهم وهي:
اَ - ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكَلُ الطَّعَامَ﴾ أي قال المشركون: لا
ميزة لهذا النبي الذي يدعي الرسالة، فهو يأكل كما نأكل، ويشرب كما
نشرب، ويحتاج إلى ذلك كما نحتاج إليه، يعنون أنه كان يجب أن يكون مَلَكاً
مستغنياً عن الأكل والتعيش.
أَ - ﴿وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ﴾ أي يتردد فيها وإليها، طلباً للتكسب
والتجارة وابتغاء للرزق والمعيشة، فمن أين له الفضل علينا، وهو مثلنا في هذه
الأمور؟
وهذا منهم تصور مادي محض، وموازنة ساذجة، فإن الرسل لم يمتازوا
بصفات حسية مادية، فهم في هذا كغيرهم من البشر، وإنما امتازوا بقيم
معنوية، ومكاسب أدبية، وطهارة نفسية، لذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠/١٨].
٢٤
لِلُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٧/٢٥-١٠
◌َ - ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أي هلا أنزل إليه مَلَك
من عند الله، فیکون له شاهداً على صدق ما يدعيه، ویرد على من خالفه، كما
قال فرعون عن موسى عليه السلام: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَّةَ
﴾ [الزخرف: ٥٣/٤٣] .
(٥٣)
مَعَهُ الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
٤ - ﴿أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُ﴾ أي وهلا ألقي عليه كنز من السماء، فينفق
منه، فلا يحتاج إلى التردد في الأسواق لطلب المعاش.
٥ - ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً﴾ أي إن لم يكن له كنز فلا أقل
من أن يكون كأحد الدهاقين أو المياسير، له بستان يأكل منه، ويعيش من غلته
وثمرته.
قال الزمخشري: إنهم يعنون أنه كان يجب أن يكون مَلَكاً مستغنياً عن الأكل
والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً
معه مَلَك، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضاً فقالوا: وإن لم
يكن مرفوداً بملَك، فليكن مرفوداً بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به، ثم
نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلاً له بستان یأکل منه ویرتزق(١).
وهذا تصور مادي محض، وقياس على أحوال أصحاب السلطة والنفوذ
الدنيوي، وتقدير منهم أن الرسالة أمر آخر فوق البشرية، وما فهموا ولا
أدركوا أن الرسول بشر أوحي إليه من عند ربه.
وبعد أن انتقصوا الرسول وَل بصفات أهل الدنيا، وعيروه بها، نفوا عنه
صفة العقل، وهي شبهة أخرى أو صفة سادسة، فقالوا :
أَ - ﴿وَقَالَ الَّلِمُونَ إِن تَشَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي وقال
(١) الكشاف: ٢ /٤٠٠
٢٥
لِلُزُ (١٩) - القُرْقَانِ: ٢٥ /٧-١٠
الكافرون: ما تتبعون إلا رجلاً سحر فاختل عقله، فهو لا يدرك ما يقول،
فكيف يطاع فيما يأمر؟.
فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله:
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾﴾ أي
انظر متعجباً أيها الرسول، كيف قالوا فيك تلك الأقوال، واخترعوا لك تلك
الصفات، والأحوال النادرة، وقذفوك وافتروا عليك بقولهم: ساحر
مسحور، مجنون، كذاب، شاعر، وكلها أقوال باطلة، وأوصاف مفتراة، لا
يصدق بها من له أدنى فهم وعقل، فصاروا متحيرين ضُلالاً عن طريق الهدى
والحق، فلا يجدون طريقاً إليه.
وهذا جواب إجمالي، أردفه بجواب خاص عن طلب البستان والكنز،
فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَثَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (٣)﴾ أي تكاثر خير ربك، فهو إن شاء وهب لك
في الدنيا خيراً مما اقترحوا أو طلبوا، وهو أن يعجل لك مثلما وعدك به في
الآخرة من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والقصور الشامخة النادرة،
وأن يؤتيك خيراً مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن. ولكن الله تعالى ادخر
لك العطاء في دار الآخرة الخالدة، لا في الدنيا الزائلة، حتى لا تشتغل بالدنيا
عن الدين وأداء مهمة تبليغ الرسالة، ولأن ما عند الله خير وأبقى.
قال خَيْئمة: قيل للنبي وَله: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض
ومفاتيحها، ما لم نعطه نبياً قبلك، ولا نعطي أحداً من بعدك، ولا ينقص
ذلك مما لك عند الله، فقال: ((اجمعوها لي في الآخرة)) فأنزل الله عز وجل في
ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
٢٦
الجُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٧/٢٥-١٠
اً - المقارنة البناءة المثمرة بين التفكير المادي الذي يؤثر الدنيا، والتفكير
الديني الذي يتخذ الدنيا وسيلة للحياة، وجسراً إلى الآخرة، وأن الدنيا ليست
هي كل هدف الإنسان العاقل، فأمامه عالم آخر، عليه الاستعداد له،
والإعداد للظفر بخيراته بالإيمان والعمل الصالح.
أَ - إن دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب العيش، وكان وَ ل يدخلها
لحاجته، ولتذكير الناس بأمر الله ودعوته، وعرض نفسه فيها على القبائل،
لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق.
وقد تاجر الصحابة وبخاصة المهاجرون في الأسواق، كما خرَّج البخاري
عن أبي هريرة: ((وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق(١) في
الأسواق)).
٣ - من لم يتأثر بعقل مجرد وقلب طاهر بأقوال النبي وَل وبرسالته لذاتها،
لما فيها من هداية إلى الحق والخير والتوحيد، لم تنفعه إنذارات الملائكة، فما
وراء الإنذار إلا العذاب.
٤ - إن الاتهامات الرخيصة والأوصاف المرذولة زائفة باطلة عند أهل
الحكمة والاتزان، والحصافة والعقل. فمن يُصدِّق أن رسول الله والله الذي
عرف بالفطنة ورجاحة الرأي والعقل وسداد التفكير ساحر مسحور، وشاعر
مأفون، ومجنون مختل العقل؟ إن الواقع خير شاهد على تكذيب تلك المزاعم
والافتراءات. ولا تحتاج إلى جواب إلا كما قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ
لك
اُلْأَمْثَلَ
٥ - إن فضل الله وخيره ونعمه كثيرة لا تعد ولا تحصى، وقدرته شاملة
لكل شيء، إذا أراد شيئاً قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ لكنه تعالى لا يريد لأنبيائه
(١) الصفق: التبايع.
٢٧
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٧/٢٥-١٠
وأوليائه أن يكونوا أهل غنى وثروة ودنيا، فأهل الغنى والثروة تنتهي سمعتهم
بموتهم، ولا يبقى لهم ذكر أو شهرة، وإنما أراد الله تعالى لأنبيائه تخليد آثارهم
وذكراهم في الحياة الإنسانية بالقيم الخالدة، والمعاني السامية، وبما قدموه
للبشرية من عطاء تذكُره لهم الأجيال، ويحتكم إلى أصالته الحكماء، ويظل
أثرهم الخالد مضرب الأمثال، وقدوة لكل إنسان، وأمل الحيارى، وحلم
المعذبين في الأرض، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿ وَالْآَخِرَةُ
خَيْرٌ وَأَبْقَى
[الأعلى: ١٦/٨٧ -١٧] .
يروى أن هذه الآية: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ﴾ أنزلها رضوان خازن الجنان
إلى النبي ◌َّ﴾(١)؛ وفي الخبر: إن رضوان لما نزل سلَّم على النبي ◌َّ؛ ثم قال: يا
محمد، ربُّ العزة يقرئك السلام، وهذا سَفَط(٢) - فإذا سفَط من نور يتلألأ -
يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص ما لَك في الآخرة
مثل جناح بعوضة؛ فنظر النبي ◌ّل إلى جبريل كالمستشير له؛ فضرب جبريل
بيده الأرض، يشير أن تواضع؛ فقال: يا رضوان، لا حاجة لي فيها، الفقر
أحب إلي، وأن أكون عبداً صابراً شكوراً، فقال رضوان: أصبت، الله لك.
أَ - دل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ﴾ على أنه سبحانه يعطي العباد
على حسب المصالح، فيرزق بعضهم نعمة المال، وآخر نعمة العلم، وغيرهم
نعمة العقل والفهم، وهو فعال لما يريد.
(١) كان رضوان في هذا مع جبريل عليهما السلام أمين الوحي بدليل بقية الخبر.
(٢) السفط: المحفظة أو الوعاء المخصص لوضع الطيب ونحوه من أدوات النساء.
٦
٢٠
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١١/٢٥-١٦
إذكار المشركين يوم القيامة
وحالهم فيه ومقارنتهم بأهل الجنة
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن
مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (٣) وَإِذَا أُلْقُوْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا ◌ُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ
هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿ لَّا نَدْعُوْ اُلْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا (﴿ قُلْ
أَذَلِكَ خَيْرَّ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ اٌلْمُنَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءَ وَمَصِيرًا
لَّمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَلِينَ كَانَ عَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا
١٦
القراءات:
﴿ ضَيِّقًا﴾
وقرأ ابن كثير (ضَيْقاً).
الإعراب
﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه،
تقديره: سمعوا لها صوت تغيظ وزفير. ﴿أَلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا﴾ ﴿مِنْهَا﴾ حال من
﴿مَكَانًا﴾ لأنه في الأصل صفة له.
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ﴾ (ذلك) إشارة إلى ما ذكر من السعير،
وجاء التفضيل بينهما على حد قولهم: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وأفعل
التفضيل يقتضي الاشتراك بين الشيئين في الأصل، وإن اختلفا في الوصف،
فلا يجوز القول: العسل أحلى من الخلّ، لعدم الاشتراك في أصل الحلاوة،
وأجازه الكوفيون.
﴿لَّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِينَ﴾ ﴿خَلِينَ﴾ حال من ضمير. ﴿لَهُمْ﴾ أو
٢٩
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١١/٢٥-١٦
من ضمير ﴿يَشَآءُونَ
البلاغة:
﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ استعارة تمثيلية، شبه صوت غليانها بصوت
المغتاظ وزفيره، لما فيهما من هياج واضطرام، وهو صوت يسمع من جوفه.
المفردات اللغوية:
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ القيامة، والمعنى: ليس ما ذكروه من الشبهة في
وصف الرسولم بما زعموا من الأوصاف الخمسة أو الستة يصلح أن
يكون شبهة ذات بال أو أهمية، بل الذي حملهم على تقولهم وافترائهم تكذيبهم
بالساعة، وبما فيها من ثواب وعقاب؛ لأن من يخاف الآخرة ينظر ويفكر،
ولا يتورط بالتكذيب والافتراء ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ هيأنا. ﴿سَعِيرًا﴾ ناراً مسعَّرة
شديدة الاشتعال.﴿رَأَتْهُم﴾ إذا كانت بمرأى منهم، كقوله ◌َّر عن المسلمين
والمشركين فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن جرير: ((لا تتراءى
ناراهما)) أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى عن الأخرى، على سبيل
.المجاز. ﴿مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو أقصى ما يمكن أن يرى منه. (سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا
وَزَفِيرًا﴾ أي سمعوا لها صوت تغيظ وزفير، والتغيظ: شدة الغضب، والزفير:
هو النَّفَس الخارج من الإنسان، ضد الشهيق.
﴿ مِنْهَا مَكَانًا﴾ أي في مكان، ومنها: بيان تقدم، فصار حالاً. ﴿ضَيِّقًا﴾
بأن يضيق عليهم، ووصف بالضيق لزيادة العذاب، فإن الكرب مع الضيق،
والانشراح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السماوات
والأرض ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مصفدين، قد قرنت (جمعت) أيديهم إلى أعناقهم في
الأغلال والسلاسل. ﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المكان. ﴿ثُبُورًا﴾ أي هلاكاً،
والمعنى: أنهم يتمنون الهلاك ويطلبونه قائلين: يا ثبوراه تعال. فهذا حينك.
٣٠
الُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١١/٢٥-١٦
﴿وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أي اطلبوا أنواعاً من الهلاك؛ لأن عذابكم أنواع
كثيرة، كل نوع منها ثبور، لشدته، أو لأنه يتجدد، كقوله تعالى: ﴿كََّا نَضِجَتْ
جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦/٤].
﴿ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد والعذاب وصفة النار. والاستفهام والتفضيل
والترديد في قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ﴾ للتقريع مع التهكم.
وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح، أو الدلالة على خلودها، وتمييزها عن جنات
الدنيا. ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وعدها المتقون وهم الذين يتقون الكفر والتكذيب.
( كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علم الله أو في اللوح المحفوظ. ﴿جَزَاءُ﴾ ثواباً على أعمالهم
بوعد جازم من الله. ﴿وَمَصِيرًا﴾ مرجعاً ينقلبون إليه. ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ ما
يشاؤونه من النعيم، وفيه تنبيه على أن كل المرادات والرغبات لا تحصل إلا في
الجنة. ﴿وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ أي كان ذلك موعوداً، حقيقاً بأن يُسْأل ويُطلب،
ويسأله الذين وُعدوا به، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾
[آل عمران: ١٩٤/٣] أو تسأله الملائكة لهم، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنََّتِ عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدَتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨/٤٠].
المناسبة:
بعد بيان الشبهات الثلاث المتقدمة للمشركين وهي: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ إِقُِّ
آَفْتَرَهُ﴾ ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿مَالِ هَذَا اُلرَّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ﴾
الآية، وبعد الجواب عن الشبهة الثالثة بجوابين: أولهما - ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ
ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَلَ﴾ وثانيهما - ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ﴾ بعدما ذكر، أجاب
الله تعالى بجواب ثالث عن تلك الشبهة بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ أي إن
تقولهم عليك أيها الرسول مصدره تكذيبهم بالبعث، وعدم تصديقهم بالثواب
والعقاب. أو أنه عطف على ما حكي عنهم، ثم قال: بل أتوا بأعجب من ذلك
کله، وهو تكذيبهم بالساعة.
٣١
الجُزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١١/٢٥-١٦
التفسير والبيان:
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ أي إن موقف هؤلاء المشركين منك أيها الرسول
بالتكذيب والعناد، لا بالتبصر والاسترشاد، والتقول عليك بالأباطيل، ناشئ
من تكذيبهم بيوم القيامة، فذلك هو الذي يحملهم على ما يقولونه من تلك
الأقوال الساقطة؛ لأن من لا يوقن بالقيامة، ولا بالحساب والجزاء يتورط
بسرعة في الاتهام دون تقدير للمسؤولية، ولا تأمل في عواقب الأمور، ولا
انتفاع بالأدلة التي ترشده إلى التعقل والتبصر بما يقول، فهذا أعجب من كل
ما صدر منهم.
﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أي هيأنا وأرصدنا لمن كذب
بالقيامة وما فيها من حساب وجزاء، ناراً مستعرة شديدة الالتهاب، وعذاباً
أليماً حاراً في نار جهنم. والسعير: مذكر، ولكن جاء هنا مؤنثاً لعود الضمير
بالتأنيث في قوله تعالى: ﴿رَأَنْهُم﴾ وقوله ﴿سَمِعُواْ لَمَا﴾ وإنما جاء مؤنثاً على
معنی النار.
ودلت الآية على أن النار مخلوقة؛ لأن (أعتدنا) أعددنا إخبار عن فعل وقع
في الماضي، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ النَّارَ الَّتِىّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ
[آل
عمران: ١٣١/٣] وكذلك الجنة مخلوقة؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل
عمران: ٣/ ١٣٣] .
ثم وصف الله تعالى أهوال النار بصفتين فقال:
الصفة الأولى:
﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (٣)﴾ أي إذا كانت النار
بمرأى من الناظر من بعيد، سمعوا صوت غليانها، الذي يشبه صوت المتغيظ،
لشدة التهابها، وصوت الزافر الحزين الذي يخرج النَّفَس من جوفه.
٣٢
المُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ١١/٢٥-١٦
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير عن عبيد بن عمير أنه قال: ((إن
جهنم لَتزفِرِ زَفْرة، لا يبقى ملَك مقرَّب، ولا نبي مُرْسَل إلا خرّ لوجهه، ترتعد
فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه، ويقول: ربِّ، لا
أسألك اليوم إلا نفسي)).
الصفة الثانية:
﴿ وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا (٤) لَّا نَدْعُواْ الْيَوْمَ
ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا (٣)﴾ أي بعد أن وصف الله حال الكفار،
وهم في بُعْد من جهنم، وصف حالهم عند إلقائهم فيها، فإذا ألقوا فيها في
مكان ضيق مكتَّفين، أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال والسلاسل،
صاحوا واستغاثوا وقالوا: يا ثبوراه، أي يا هلاكنا احضر، فهذا وقتك،
فيقال لهم: لا تنادوا هلاكاً واحداً، ونادوا هلاكاً كثيراً، أي إنكم وقعتم ليس
في هلاك واحد، وإنما في ثبور كثير، إما لتنوع ألوان العذاب، فكل نوع منها
عذاب لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بُدِّلوا غيرها.
والمقصود تيئيسهم من الخلاص من العذاب بالهلاك، والتنبيه إلى أن عذابهم
أبدي لا خلاص منه.
ووصف المكان بالضيق؛ لأن الكرب مع الضيق، كما أن الرّوح مع
السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السماوات والأرض، وجاء في
الأحاديث ((أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا)) ولقد جمع الله على
أهل النار أنواع الإرهاق والتضييق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه
تراصاً، كما ذكر صاحب الكشاف، وكما روي عن ابن عباس وابن عمر
أنهما قالا: ((إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزُّج - الحديدة التي في أسفل
الرمح - على الرمح)) وسئل النبي ◌ُّل عن ذلك فقال: ((والذي نفسي بيده،
إنهم يستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط)».
٣٣
الجُزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /١١-١٦
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رسول الله بهله قال: ((أول من
يُكسى حُلَّةً من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه،
وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، حتى يقفوا
على النار، فيقول: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، فيقال لهم: ﴿لَّا نَدْعُواْ
اَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا (٣))) أي لا تدعوا اليوم ويلاً
واحداً، وادعوا ويلاً كثيراً. قال ابن كثير: الأظهر أن الثبور يجمع الهلاك
والويل والخسار والدمار، كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِ لَأَظُنُكَ يَنَفِرْعَوْنُ
مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٠٢] . أي هالكاً.
وبعد أن وصف الله عقاب المكذبين بالساعة قارن بينه وبين ثواب المؤمنين
المتقين، بما يؤكد الحسرة والندامة، فقال لرسوله وَله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ
جَنَّةُ اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا ﴾﴾ أي قل يا
محمد لهؤلاء المكذبين تهكماً بهم وتحسيراً لهم: أهذا العذاب الذي وصفت لكم
أفضل أم نعيم جنة الخلد الذي يدوم إلى الأبد، وقد وعدها المتقون الأبرار
الذين أطاعوا الله فيما أمر به، وانتهوا عما نهى عنه، وجعلها لهم جزاء
طاعتهم في الدنيا، ومالهم الحسن إليها. وجنة الخلد: هي التي لا ينقطع
نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور.
﴿لَُّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِينَ﴾ للمتقين في جنة الخلد ما يشتهون من
الملاذ في الأكل والشرب والملبس والمسكن والمركب والمنظر، وغير ذلك مما
لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم في النعيم
خالدون أبداً دائماً، بلا انقطاع ولا زوال، ولا يبغون عنها حولاً.
وهذا دليل على تحقيق جميع الرغبات، ووعد من الله الذي تفضل به عليهم،
وأحسن به إليهم، لهذا قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ أي لا بد أن
يقع، وأن يكون وعداً واجباً، وموعوداً به، جديراً بأن يُسأل ويُطلب،
٣٤
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١١/٢٥-١٦
وينجز، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ
إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اُلِيعَادَ (gَ﴾ [آل عمران: ١٩٤/٣] وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى
الذُّنْيَا حَسَنَةً وَفِىِ الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١/٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن منشأ إنكار المشركين لوحدانية الله، وتكذيبهم برسالة النبي وَّر،
وطعنهم بالقرآن وبالنبوة، هو إنكار يوم القيامة وعدم الإيمان باليوم الآخر؛
لأن من آمن به تبصر وتدبر، ولم يكن متهوراً في سوء الاعتقاد.
أَ - دل قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِلسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ على أن النار
مخلوقة الآن وموجودة، كما أن الجنة مخلوقة وموجودة لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣/٣]. والسعير: النار الشديدة الاستعار.
ءَ - وصف الله تعالى النار بصفتين: الأولى - شدة الاستعار والالتهاب،
يرى لها تغيظ، ويسمع لها زفير من مكان بعيد. والثانية - إذا ألقي فيها
المعذّبون تضيق عليهم، وتشتد في المضايقة؛ لأن جو العذاب مضايق.
٤ - يتمنى المعذَّبون في جهنم الموت والهلاك، للخلاص من شدة العذاب،
ولكن لا يتحقق لهم ذلك، ويبقون فيها معذّبين، لا أمل لهم في النجاة أو
الخلاص مما هم فيه.
هَ - لا مجال أصلاً للمقارنة بين عذاب النار ونعيم الجنة، فلا خير في
النار، وإنما يقال للكفار: ﴿أَذَلِكَ خَيْرُ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ﴾ للتنبيه على
التفاوت بين المنزلتين، وللتهكم بهم والتحسير لهم، وتفادي ما يؤدي بهم إلى
النار، وهذا رحمة من الله عز وجل بهم، وإنذار مسبق، ولقد أعذر من أنذر.
٣٥
لُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١٧/٢٥-١٩
أَ - في الجنة تحقيق كل الرغبات والمطالب، ففيها ما لا تتصوره العقول في
الدنيا.
لاً - وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم، ووعده حق وصدق ومنجز
لا محالة، فسألوه ذلك الوعد، وقالوا: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل
عمران: ١٩٤/٣] أو إن الملائكة تسأل لهم الجنة، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا
وَأَدْخِلْهُمْ جَنَتِ عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدَتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨/٤٠] . قال زيد بن أسلم:
سألوا الله الجنة في الدنيا، ورغبوا إليه بالدعاء، فأجابهم في الآخرة إلى ما
سألوا وأعطاهم ما طلبوا.
أحوال الكفار مع معبوداتهم يوم القيامة
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى
هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُواْ السَّبِيلَ ﴿ قَالُوْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن
دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِن مَّتَعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا
فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًّا وَمَن يَظْلِمِ
١٩
مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا
القراءات:
﴿ يَحْشُرُهُمْ
قرئ:
ق
١- (يحشرهم) وهي قراءة ابن كثير، وحفص.
٢- (نحشرهم) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿فَيَقُولُ﴾:
٣٦
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ١٧/٢٥-١٩
وقرأ ابن عامر (فنقول).
﴿ تَسْتَطِيعُونَ﴾ :
قرئ:
١- (تستطيعون) وهي قراءة حفص.
٢- (يستطيعون) وهي قراءة الباقين.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للجزاء، وقرئ: نحشرهم. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ أي من غير الله، ويشمل كل معبود من الملائكة والجن وعيسى وعزير،
والأصنام، واستعمال (ما) لأنه أعم، أو لتغليب الأصنام تحقيراً. والأصنام
ينطقها الله، أو تتكلم بلسان الحال، كما قيل في كلام الأيدي والأرجل.
﴿فَيَقُولُ﴾ تعالى للمعبودين، إثباتاً للحجة على العابدين، وقرئ: فنقول:
﴿ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ﴾: هل أنتم أوقعتموهم في الضلال، بأمركم
إياهم بعبادتكم . ﴿أَمّ هُمْ ضَلُواْ السَّبِيلَ﴾ أي أم أخطؤوا طريق الحق
بأنفسهم؛ لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح. وهو
استفهام تقريع وتبكيت للعابدين. وضلّ السبيل: فقده وخرج عنه.
﴿سُبْحَنَكَ﴾ تنزيهاً لك عما لا يليق بك، وكان جوابهم تعجباً مما قيل
لهم؛ لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون أو جمادات لا تقدر على شيء . ﴿مَا
كَانَ يَنْبَغِى لَنَا﴾ ما كان يصح أو يستقيم لنا. ﴿مِن دُونِكَ﴾ غيرك، ومرادهم
أنه لا يتصور منا دعوة أحد إلى عبادتنا، للعصمة أو للعجز، فكيف يصح لنا
أن ندعو غيرنا أن يتولى أحداً دونك. ﴿ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ﴾ من قبلهم
بإطالة العمر وسعة الرزق وأنواع النعم، فاستغرقوا في الشهوات . ﴿حَتَّى نَسُوأ
الذِّكْرَ﴾ تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن، وغفلوا عن ذكرك أو التذكر
٣٧
الذُّعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/ ١٧-١٩
لآلائك ونعمك والتدبر في آياتِك، و﴿ الذِّكْرَ﴾: ما ذكّر به الناس بوساطة
أنبيائهم، وهو هنا القرآن والشرائع، أو ذكر الله والإيمان به.
﴿بُورًا﴾ هلكى أو هالكين، من البوار، أي الهلاك.
(كَذَّبُوكُمْ﴾ كذب المعبودون العابدين، وهو التفات من الغيبة إلى
الخطاب للتنويع في الأسلوب ولفت الأنظار . ﴿بِمَا نَقُولُونَ﴾ إنهم آلهة.
﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ أي هم، وقرئ بالتاء: أي أنتم. ﴿صَرْفًا﴾ دفعاً للعذاب
عنكم.﴿ وَلَا نَصْرًا﴾ منعاً لكم منه. ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنْكُمْ﴾ يشرك أو يكفر
منكم أيها المخاطبون. ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ شديداً في الآخرة، وهو النار،
وقوله: ﴿وَمَن يَظْلِم﴾ شرط، وإن عم كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء
الجزاء مقيد بعدم التوبة من العبد، والعفو من الله تعالى.
المناسبة:
بعد بيان ما أعد الله للكافرين من شدة العذاب يوم القيامة، ومقارنته بنعيم
أهل الجنة، ذكر الله تعالى مشهداً من مشاهد القيامة وهو حال العابدين مع
المعبودين من غير الله الذين يحشرهم الله تعالى، ويسألهم: أهم الذين أوقعوا
عابديهم في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا
من دون الله كالملائكة وغيرهم فقال:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ،َأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى
١﴾ أي واذكر أيها الرسول لأولئك المشركين
هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُواْ السَّبِيلَ
يوم يجمعهم مع معبوديهم من الملائكة والمسيح وعزير والأصنام التي ينطقها الله
وغيرهم من الناس كفرعون، الذين عُبدوا من دون الله، فيقال لأولئك
٣٨
لِلُُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/ ١٧-١٩
المعبودين على سبيل التقرير والتثبيت: أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن
طريق الحق، أو هل دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم ضلوا عنه
بأنفسهم أو عبدوكم من تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم، كما قال الله
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ
مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُتُ قُلْتُهُ
فَقَدْ عَلِّمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
[المائدة: ١١٦/٥] .
واستعمال (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ لأنها موضوعة للعقلاء
وغيرهم: على العموم، وفائدة ﴿َأَنْتُمْ﴾ و﴿هُمْ﴾ لأن السؤال ليس عن
الفعل ووجوده؛ لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه
وفاعله، فلا بد من ذكره، ليعلم أنه المسؤول عنه. والسؤال ليس لإخبار الله،
فالله سبحانه قد سبق علمه بالمسؤول عنه، ففائدته أن يجيبوا بما أجابوا به
لتقريح عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا وينخذلوا وتزيد حسرتهم، ويكون
ذلك كشفاً وافتضاحاً لعبدة الأصنام والأوثان وغيرهم، ومسوغاً لإلحاق
غضب الله وعذابه، كما أبان الزمخشري.
وظاهر السؤال في قوله: ﴿ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْهُمْ﴾ من الله تعالى، ويحتمل أن يكون
ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى.
ثم أخبر الله تعالى عما يجيب به المعبودون يوم القيامة فقال:
﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَطْبَغِى لَنَّا أَن تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِن
مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُوْ قَوْمًا بُورًا (٣)﴾ أي قال المعبودون
بلسان المقال أو الحال على طريق التعجب مما قيل لهم: تنزيهاً لك يا ربّ مما
نسبه إليك المشركون، ما كان يصح لنا بحال أن نتخذ أنصاراً من دونك،
فنحن الفقراء إليك، وليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحداً سواك، فنحن ما
٣٩
الْجُرُ (١٩) - القُرْقَان: ٢٥ /١٧-١٩
دعوناهم إلى عبادتنا، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا
رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، وإذا كنا لا نرى من دونك أولياء،
فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟ ولكن طال عليهم العمر، وشغلوا بما أنعمت
عليهم من صنوف الخيرات، واستغرقوا في اللذات والشهوات، ونسوا ما
أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك،
وكانوا قوماً لا خير فيهم، وهلكى في نهاية الأمر.
ونظير الآية: ﴿وَبَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ
قَالُواْ سُبْحَنَكَ﴾ [سبأ: ٤٠/٣٤-٤١].
٤٠
يعبدُونَ
فيقال للعابدين :
﴿فَقَدْ كَذَّبُوَكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرَّأَ﴾ أي فقد كذَّبكم
الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء مناصرون، وأنهم
يقربونكم إلى الله زلفى، فلا يقدرون، أي الآلهة المزعومة، على صرف العذاب
عنهم، ولا الانتصار لأنفسهم بأي حال أبداً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُ
مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَبِهِمْ
غَفِلُونَ ® وَإِذَا حُثِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَنُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
[الأحقاف: ٤٦ / ٥-٦] .
ثم أعلن الله تعالى حكم كل ظالم، فقال:
﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ أي ومن يشرك بالله أو يكفر أو
يفسق نذقه يوم القيامة عذاباً شديداً لا يعرف قدره. والظلم هنا هو الإشراك
ونحوه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣/٣١] وقال
سبحانه: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١/٤٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صورة مسبقة من الحوار، معروضة في الدنيا، للعظة والعبرة بين
٤٠
لِغُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٠/٢٥
المعبودين الذين اتخذوا آلهة من غير رضا منهم، وبين العابدين الذين ضلوا عن
الحق، فعبدوا من لا يستحق العبادة، يبيِّن فيها سلفاً مصير الكافرين. وهذا
غير مألوف في أحكام الدنيا التي لا تعرف إلا بإعلان القاضي لها.
وكانت نتيجة الجواب والسؤال بيان حصر المسؤولية عن الضلال في
العابدين دون المعبودين، وجعل تبرؤ المعبودين عن العابدين سبباً واضحاً في
حسرتهم وحیرتهم.
ويقول الله تعالى عند تبري المعبودين: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوَكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾ أي
كذبتكم تلك الآلهة المزعومة في نظركم في قولكم: إنهم آلهة، وحينئذٍ لا
يستطيع هؤلاء الكفار لما كذّبهم المعبودون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا
نصر أنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم.
ونوع العذاب الذي سيوقع عليهم وعلى أمثالهم هو كما قال تعالى: ﴿وَمَن
يَظْلِمِ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ أي ومن يشرك منكم ثم يموت عليه من
غير توبة، نذقه في الآخرة عذاباً كبيراً أي شديداً، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَعْلُنَّ
عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤/١٧] أي شديداً.
بشرية الرسل
{وَمَّا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ
فِي الْأَسْوَاقْ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَنَصْبِرُونٌّ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا
٢٠
البلاغة:
﴿أَرْسَلْنَا﴾ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ جناس اشتقاق.