Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
لُرُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٣٥
والظاهر أن الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ عائد إلى الله عز وجل، في تنويره الكون،
وهدايته قلب المؤمن.
﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرْبِيَّةٍ﴾ أي أن زيت
المصباح يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة كثيرة المنافع، زرعت في جبل
عال أو في صحراء، ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها فقط، أو
غروبها فقط، بسبب ظل حاجب للشمس فيما عدا ذلك، بل هي في مكان
وسط تتعرض للشمس حالتي الطلوع والغروب ومن أول النهار إلى آخره،
فهي شرقية غربية تصيبها الشمس بالغداة والعشي، فيجيء زيتها صافياً معتدلاً
مشرقاً.
(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي إن زيتها لصفائه وبريقه
وإشراقه كأنه يضيء بنفسه، قبل إضاءته ومسّ النار له؛ لأن الزيت إذا كان
خالصاً صافياً، ثم رئي من بعيد، يرى كأن له شعاعاً، فإذا مسته النار ازداد
ضوءاً على ضوء، كذلك قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا
جاءه العلم، ازداد نوراً على نور، وهدى على هدى. قال يحيى بن سلام: قلب
المؤمن يعرف الحق قبل أن يبيّن له، لموافقته له، وهو المراد من قوله وَله فيما
رواه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي سعيدالخدري: «اتقوا فراسة
المؤمن، فإنه ينظر بنور الله))(١).
﴿نُورٌ عَلَى نُورِّ﴾ أي هو نور مترادف متضاعف، قد اجتمعت فيه المشكاة
(الطاقة) والزجاجة والمصباح والزيت، لجعل النور قوياً مشعاً لا مجال لأي
تقوية أخرى فيه، فالمشكاة تحصر النور في اتجاه واحد غير مشتت ولا موزع،
وبهاء الزجاجة يزيد الإنارة والتلألؤ وانعكاس الضوء، والقنديل مصدر
(١) تفسير الرازي: ٢٣٧/٢٣

٥٨٢
المُ (١٨) - الشنوزِ: ٢٤ / ٣٥
الطاقة الإشعاعية الكافية التي لا تتوافر فيما سواه، وصفاء الزيت ونقاؤه من
أهم عوامل الاحتراق الكامل وتوافر الإضاءة الكاملة.
﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ أي يرشد الله إلى هدايته ويوفق من يختاره من
عباده، بالنظر وإعمال الفكر وتدبر آي الكون.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسَِّ﴾ أي يبين الله تعالى للمكلفين من الناس دلائل
الإيمان ووسائل الهداية، ويبصرهم بما خفي عليهم من أمور الحق في صور
مختلفة، بضرب الأمثال، وعقد التشبيهات، وتصوير المعاني بصور
المحسوسات المألوفة، لترسيخها في الأذهان، وتثبيتها في أعماق الفؤاد
والنفس، فيصير الإيمان راسخاً في القلب كالجبال الراسيات. وهذا من مزايا
القرآن البلاغية الرائعة أنه يصور المعقولات والمعاني بصور الماديات
والمحسوسات.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي والله عالم علماً تاماً شاملاً بجميع الأشياء
المعقولة والحسية، الباطنة والظاهرة، يمنح الهداية لمن كان أهلاً لها، مستعداً
لتلقيها. وهذا وعد لمن أعمل فكره ووعى وسائل الهداية، ووعيد لمن أعرض،
فلم یتدبر ولم یتفکر فیھا، ولم یکترث بها.
والخلاصة: هذا مَثَل نور الله وهداه في قلب المؤمن، فكما يكاد الزيت
الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسّته ازداد ضوءاً على ضوء، يكاد قلب
المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء ازداد هدى على هدى،
ونوراً على نور.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية لا يراد بها ظاهرها وإنما هي مؤولة، وتأويلها مختلف فيه،
وأصح التأويلات ما ذكره جمهور المتكلمين وابن عباس وأنس(١): وهو أن الله
(١) تفسير الرازي: ٢٣١/٢٣ وما بعدها.

٥٨٣
لِلُعُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٣٥
هادي أهل السماوات والأرض، وهداية الله تعالى قد بلغت في الظهور
والجلاء إلى أقصى الغايات، وتلك الهداية هي الآيات البينات القائمة في الكون
والمنزلة على الرسل بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي
الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بالغ النهاية في الصفاء.
ومثل نور الله أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن، مثل المصباح
الذي تكاملت فيه وسائل الإنارة وهي المشكاة (الكَوَّة في الحائط غير النافذة)
وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، والزجاجة لأنها
جسم شفَّاف، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج، فصارت الزجاجة في
الإنارة والضوء كالكوكب الدرّي المتلألئ، والزيت الصافي النقي النابع من
زيتون شجرة كثيرة المنافع، تتعرض للشمس والهواء طوال النهار، فهي ليست
شرقية فحسب وهي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها لوجود
الساتر الحاجب إذا غربت، وليست غربية فحسب عكس الشرقية: وهي التي
تصيبها الشمس إذا غربت ولا تصيبها وقت الشروق، فليست خالصة للشرق
فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، في صحراء
واسعة من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء، وهو أجود لزيتها.
والأنوار مترادفة متضاعفة مجتمعة بعضها مع بعض، كذلك قلب المؤمن
يزداد إيماناً وهداية بأضواء القرآن وهداية الله تعالى.
والله تعالى يبين الأشياء بالأمثال الحسية وغيرها تقريباً إلى الأفهام، وهو
عليم بكل شيء يحقق المراد، وبمن هو أهل للهداية والضلال.
فهذا مثل للقرآن في قلب المؤمن، فكما أن هذا المصباح يستضاء به ولا
ينقص، فكذلك القرآن يُهتَدى به ولا ينقص، فالمصباح القرآن، والزجاجة
قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي. ويكاد
زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار: معناه تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ.

٥٨٤
الجُزُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٤ / ٣٦-٣٨
و﴿نُورُ عَلَى نُورِّ﴾: معناه أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه، مع ما أقام لهم من
الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور، وهذا
النور عزيز لا يناله إلا من أراد الله هداه، والله أعلم بالمَهْدِيّ والضالّ.
وأما ما لا تعلق له بالآية: فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛
لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء: منه ابتداؤها، وعنه صدورها. وهو
سبحانه ليس من الأضواء المدركة، جلّ وتعالى عما يقول الظالمون عُلوّاً
كبيراً(١).
وهو تعالى خالق النور الحسي في السماوات والأرض، ومدبّرهما على
أحسن نظام وأتمه وأدقه، ونوّر السماء بالملائكة وبالكواكب، والأرض
بالأنبياء وبالشرائع وبالفطرة السليمة والعقل النّر المرشد إلى الخير، فلو تفكر
إنسان بعقل حرّ بريء متجرد من التأثر باتجاه معين أو عقيدة سابقة، لآمن بالله
تعالى رباً وإلهاً واحداً إيماناً كاملاً، يتزايد وينمو ويتبلور بهداية القرآن وآياته
البينات، والله أعلم.
المؤمنون المهتدون بنور الله تعالى
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ
وَالْأَصَال
رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنٍَّ
الزَّكَوَةِّ يَخَافُونَ يَوْمًا نَنَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٨
القراءات:
بُيُوتٍ﴾ :
(١) تفسير القرطبي: ٢٥٦/١٢ - ٢٦٤

٥٨٥
لُرُ (١٨) - الفوز: ٢٤ / ٣٦-٣٨
قرئ:
١- (بُيُوت) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (بُيُوت) وهي قراءة الباقين.
يسبح :
وقرأ ابن عامر (يُسَبَّحُ).
الإعراب:
مِصْبَاحَ.
فِيهَا
کمشكوچٍ
بُيُوتٍ﴾ إما صفة (مشكاة) في قوله تعالى:
وتقديره: كمشكاة كائنة في بيوت، أو متعلق بقوله تعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا﴾.
﴿يُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ ومن قرأ بضم الياء وفتح الباء
(يُسَبَّحُ) كان ﴿رِجَالٌ﴾ مرفوعاً بفعل مقدر دلَّ عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ كأنه قيل: من
يسبحه؟ فقال: رجال، أي يسبحه رجال. و﴿عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ مصدر مضاف إلى
المفعول، أي عن ذكرهم الله. ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ﴾: الأصل أن تقول: وإقامة
الصلاة، إلا أنه حذفت التاء تخفيفاً؛ لأن المضاف إليه صار عوضاً عنها، كما
صار عوضاً عن التنوين، كما صارت (ها) في (يا أيها) عوضاً عن المضاف
إلیه.
البلاغة:
﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ﴾ إطناب بذكر الخاص بعد العام؛ لأن الصلاة
من ذكر الله.
﴿نَنَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بما قبله، أي كمشكاة في بعض بيوت أو توقد في بعض

٥٨٦
لُعُ (١٨) - الشنور: ٢٤ / ٣٦-٣٨
بيوت. أو متعلق بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتي. والبيوت هنا: المساجد المخصصة لذكر
الله؛ لأن الصفة تلائمها . ﴿أَذِنَ﴾ أمر وقضى. ﴿أَن تُرْفَعَ﴾ بالتعظيم أي تعظم
وتطهر عن الأدناس والأنجاس وعن لغو الأقوال، أو ترفع بالبناء.
﴿ وَيُذْكَرَ فِيَهَا اسْمُهُ﴾ بتوحيده . ﴿يُسَبِّحُ﴾ يصلي أو ينزه ويقدس.
﴿بِالْغُدُوِ﴾ مصدر بمعنى الغداة أو الغدوات، أي أول النهار. ﴿ وَالْأَصَالِ﴾
جمع أصيل، وهو العشي أو العشايا، أي آخر النهار من بعد الزوال.
﴿رِجَالٌ﴾ أي ينزهونه ويسبحونه رجال، أي يصلون له فيها بالغدوات
والعشايا . ﴿لَّا نُلْهِيهُمْ تِجَرَةٌ﴾ أي لا تشغلهم معاملة رابحة، سواء بالتجارة أو
الصناعة أو غيرهما . ﴿وَلَا بَيْعُ﴾ مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به
مطلق المعاوضة، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة، فإن الربح يتحقق
بالبيع، ويتوقع بالشراء، والثاني هو الأولى. ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ﴾ إقامتها لوقتها.
﴿ وَإِنِّ الزَّكَوَةِ﴾ ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. ﴿نَنَقَلَّبُ﴾ تضطرب
وتتغير من الهول والخوف في يوم القيامة، فهو اليوم المراد.
﴿ِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلق بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو ﴿لَّا نُلْهِيهِمْ﴾ أو ﴿يَخَافُونَ﴾.
﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ أي أحسن جزاء أو ثواب عملهم، و﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى
حسن.
المناسبة:
بعد أن بين الله تعالى كون نوره سبيلاً لهداية عباده، بما أقام لهم من الآيات
البينات، ذكر هنا حال المنتفعين بذلك النور.
التفسير والبيان:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا متعلق بما قبله أي
كمشكاة كائنة في مساجد أمر الله أن ترفع بالبناء أو التعظيم بتطهيرها من

٥٨٧
اِلُعُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٤ / ٣٦-٣٨
الأنجاس الحسية، والمعنوية مثل الشرك والوثنية ولغو الحديث، ويخصص
الدعاء والعبادة فيها لله، ويذكر فيها اسم الله بتوحيده، أو بتلاوة كتابه.
قال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله سبحانه وتعالى بينائها وعمارتها
ورفعها وتطهيرها. وقال ابن عباس: ((المساجد: بيوت الله في الأرض، تضيء
لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض)). وقال عمرو بن ميمون:
((أدركت أصحاب رسول الله وَ ل وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وحقٌّ على
الله أن يُكرِم من زاره فيها)). وأخرج الشيخان في الصحيحين عن أمير المؤمنين
عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ لل يقول: ((من بنى
مسجداً لله يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة)).
والسبب في جعل المشكاة في مساجد: أن المصباح الموضوع في الزجاجة
الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم، فكان أضوأ، فكان التمثيل
به أتم وأكمل، كما قال الرازي.
[يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ، رِجَالٌ لَا نُلْهِمْ تِحَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةِ﴾ أي ينزه الله ويقدسه ويصلي في تلك المساجد في
أوائل النهار بكرة وغدوة، وأواخره في الآصال والعشايا رجال لا تشغلهم
الدنيا والمعاملات الرابحة عن ذكر الله وحده، وإقامة الصلاة لوقتها، وأداء
الزكاة المفروضة عليهم للمستحقين.
وقوله: ﴿رِجَالُ﴾ فيه إشعار بهمتهم العالية، وعزيمتهم الصادقة، التي بها
صاروا عماراً للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، وشكره وتوحيده
وتنزيهه، كما قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
[الأحزاب: ٢٣/٣٣]. والمراد بقوله: ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ غير الصلاة، منعاً من
التكرار. وخص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن
الصلاة.

٥٨٨
لُعُ (١٨) - الفوزِ: ٢٤ / ٣٦-٣٨
وشبيه الآية قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلََّ
أَوَلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اُللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩/٦٣].
ويستدل بكلمة ﴿رِجَالٌ﴾ على أن صلاة الجماعة مطلوبة من الرجال، أما
النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أبو داود عن عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه عن النبي وَ الر قال: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من
صلاتها في حُجْرتها، وصلاتُها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)). وروى
الإمام أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله وَالله قال: ((خير مساجد
النساء قعر بیوتهن)).
وتخصيص المساجد بالذكر؛ لأنها مصدر إشعاع عقَدي وفكري وتنظيمي
وسلوكي وعلمي وسياسي في حياة المسلمين.
وسبب انصراف الرجال إلى العبادة الخوف من عذاب الله كما قال:
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ اٌلْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ أي إن الرجال الذين يؤدون
الصلاة جماعة في المساجد يخافون عقاب يوم القيامة الذي تضطرب فيه القلوب
والأبصار من شدة الفزع والهول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ
فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢/١٤] وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّيِّنَا يَوْمًا عَبُوُسًا
﴾ [الإنسان: ٧٦ /١٠] .
قَتْطَرِيرًا
وعاقبة أمرهم ما قال الله تعالى:
﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهٍ﴾ أي يذكرون الله
ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ليثيبهم الله ثواباً يكافئ حسن عملهم، فهم
الذين يتقبل حسناتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويضاعف لهم الجزاء الحسن،
كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠/٦] وقوله
سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠] وقوله عز وجل:
﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١/٢] . وقال الله تعالى في الحديث القدسي

٥٨٩
الزُعُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٣٦-٣٨
فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: ((أعددتُ
لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)).
﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي إن الله تعالى واسع الفضل
والإحسان يرزق من يريد ويعطي من يشاء، بغير عدّ ولا إحصاء، والله على
كل شيء قدير.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن أول موضع تظهر فيه هداية الله ونوره هو في المساجد التي یشید
بناءها المؤمنون، ويعمرونها بالصلاة والأذكار في أوائل النهار وأواخره،
والمساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم
لأهل الأرض، كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن.
روى أنس بن مالك عن رسول الله وسلم قال: ((من أحبَّ الله عز وجل
فليحبني، ومن أحبَّني فليحبَّ أصحابي، ومن أحب أصحابي، فليحبّ
القرآن، ومن أحبّ القرآن فليحبّ المساجد، فإنها أفنية الله أبنيته، أذن الله في
رفعها، وبارك فيها، ميمونةٌ ميمون أهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في
صلاتهم، والله عز وجل في حوائجهم، هم في مساجدهم والله من ورائهم)).
أَ - يأمر الله بعمارة المساجد عمارة حسية بالبناء، وعمارة معنوية بالصلاة
وتلاوة القرآن والأذكار وحلقات التعليم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاُلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨/٩] وقال ◌َّه فيما
رواه ابن ماجه عن علي: ((من بنى لله مسجداً، بنى الله له بيتاً في الجنة)) وروى
ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((من أخرج
أذىّ من المسجد، بنى الله له بيتاً في الجنة)) وقال النبي ◌َّ فيما رواه أحمد

٥٩٠
لُحُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٣٦-٣٨
والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد،
فاشهدوا له بالإيمان، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾)».
أما زخرفة المساجد فبعضهم أباحها؛ لأن فيها تعظيم المساجد، والله تعالى
أمر بتعظيمها في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِّنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي تعظّم. وروي عن
عثمان أنه بنى مسجد النبي وَ لَّ بالسَّاج(١) وحسَّنه. قال أبو حنيفة: لا بأس
بنقش المساجد بماء الذهب، ونقش عمر بن عبد العزيز مسجد النبي ◌َّله وبالغ
في عمارته وتزيينه، زمن ولايته على المدينة قبل خلافته، ولم ينكر عليه أحد
ذلك.
وكرهه قوم لما أخرجه أبو داود عن أنس أن رسول الله وَ لاو قال: ((لا تقوم
الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)).
وتصان المساجد وتنزه عن الروائح الكريهة والأقوال السيئة وغيرها،
وذلك من تعظيمها، جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن جابر: ((من
أكل ثوماً أو بصلاً فلا يغشانا في مساجدنا)» أو «فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا،
وليقعد في بیته)).
والمساجد فيما ذكر كلها سواء، للحديث المتقدم ولحديث ابن عمر رضي
الله عنهما أن رسول الله وَ له قال في غزوة تبوك فيما رواه أحمد ومسلم عن أبي
سعيد: ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة - يعني الثُّوم - شيئاً فلا يقرُبْنا في
المسجد)).
وتصان المساجد أيضاً عن البيع والشراء وجميع الأشغال الدنيوية؛ لما
(١) أحسن أنواع الخشب المأخوذ من شجر معروف في الهند.

٥٩١
الجُزُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٣٦-٣٨
أخرجه مسلم عن بريدة من قوله وَّر للرجل الذي نادى على الجمل الأحمر:
((لا وَجِدتَ، إنما بنيت المساجد لما بُنيت له)). وهذا يدل على أن الأصل ألا
يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وروى الترمذي عن
عبد الله بن عمرو عن رسول الله وَ﴿ أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد،
وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. ولكن
روي في حديث آخر أن النبي وَّ رخص في إنشاد الشعر في المسجد.
ويكره رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره في رأي مالك وجماعة،
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ل﴿ فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود
وابن ماجه: ((من سمع رجلاً يَنْشُد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردّها الله
عليك، فإن المساجد لم تُبْن لهذا)). وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في
الخصومة (التقاضي) والعلم؛ لأنه لا بد لهم من ذلك.
ويجوز عند المالكية النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة
من الغرباء، ومن لا بيت له، فقد أنزل النبي ◌ََّ في صُفَّة المسجد رهطاً من
عُكْل. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب، لا أهل
له، في مسجد النبي ◌َّرير. ويكره عند الشافعية النوم في المساجد.
ويسن الدعاء عند دخول المسجد؛ روى مسلم عن أبي أسيد قال: قال
رسول الله وَله: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب
رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)). وبعد الدخول يسن
صلاة ركعتين تحية المسجد؛ لما روى مسلم أيضاً عن أبي قتادة أن رسول الله
وَلّم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)).
◌َّ - وصف الله تعالى المسبِّحين في المساجد بأنهم المراقبون أمر الله،
الطالبون رضاءه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور
الدنيا. قال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا

٥٩٢
لِلُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
سمعوا النداء بالصلاة، تركوا كل شغل وبادروا. وهم أيضاً في مبادرتهم إلى
صلاة الجماعة في المساجد يخافون عذاب يوم القيامة.
◌َ - يكافئ الله ويجازي على الحسنات ويضاعف الثواب إلى عشر أمثاله.
والله يرزق من يشاء من عباده من غير أن يحاسبه على ما أعطاه؛ إذ لا نهاية
لعطائه.
حال الكافرين في الدنيا وخسرانهم في الآخرة
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اٌلَّمْشَانُ مَآءَ حَتَّىَ إِذَا جَآءَهُ
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَقَّنُهُ حِسَابَةٌ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( أَوْ
كَظُلُمَتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَا وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًّا فَمَا لَهُ مِنْ
نُورٍ (®
القراءات:
يَحْسَبُهُ.
قرئ:
١- (يَحْسَبُه) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (يَحْسِبُه) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿سَحَابٌّ ظَلُمَتٌ﴾:
١٠٠
قرئ:
١- (سحابُ ظلماتٍ) وهي قراءة البزي.

٥٩٣
لُعُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
٢- (سحابٌ ظلماتٍ) وهي قراءة قنبل.
٣- (سحابٌ ظلماتٌ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ﴾: ﴿كَمَرَابٍ﴾: جار ومجرور في موضع
رفع خبر المبتدأ وهو أعمالهم. و﴿بِقِيعَةٍ﴾ في موضع جر صفة سراب أي
كسراب كائن بقيعة، وقيعة: جمع قاع كجِيَرة جمع جَارٍ، و﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْنَانُ
مَآءً﴾ جملة فعلية في موضع جرّ صفة لـ ﴿كَسَرَابٍ﴾ أيضاً. و﴿شَيْئًا﴾ منصوب
على المصدر، أي لاشيء هناك.
﴿ يَغْشَنُهُ مَوْجُ﴾ جملة فعليةٍ في موضع جر صفة لـ ﴿بَحْرٍ﴾. و﴿مِّن فَوْقِهِ.
مَوْجٌ﴾ وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾ يرتفع موج وسحاب بالظرف عند سيبويه،
وعند الأخفش لجريه صفة على المذكور المرفوع بأنه فاعل. و﴿ظُلُمَتُ﴾ إما
مرفوع بدلاً من ﴿سَحَابٌ﴾ أو على تقدير مبتدأ محذوف، أي هي ظلمات، وإما
مجرور بدلاً من ﴿ظُلُّمَتٌ﴾ الأولى.
البلاغة:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ﴾ وكذلك ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُّجِ﴾
كل منهما تشبيه تمثيلي رائع وبديع.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ﴾ أي حالهم على ضدّ حال المؤمنين، فإن أعمالهم التي
يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها في الآخرة لاغية مخيبة للآمال.
﴿كَرَابِ﴾ هو ما يرى في عين الإنسان أثناء سيره في الفلاة من لمعان الشمس
وقت الظهيرة في شدة الحر، فيظن أنه ماء جارٍ أو راكد على وجه الأرض.

٥٩٤
الُرُ (١٨) - النّنورِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
بِقِيعَةٍ﴾ جمع قاع، أي فلاة، وهو ما انبسط من الأرض. ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يظنه.
﴿ اُلْطَّمْئَانُ﴾ العطشان، وخص الظمآن بالذكر لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة
عندما تمسُّ الحاجة إلى الظفر بثمرة عمله . ﴿حَقٌَّ إِذَا جَآءَهُ﴾ جاء ما توهمه ماء
أو جاء موضعه. ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مما ظنه أو حسبه، وكذلك الكافر يحسب
أن عمله كالصدقة ينفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه، يجد عمله لم ينفعه.
﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي عند عمله. ﴿فَوَقَّئُهُ حِسَابَةٌ﴾ جازاه عليه في الدنيا.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي المجازاة، لا يشغله حساب عن حساب.
﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ﴾ أي والذين كفروا أعمالهم السيئة في الدنيا كالظلمات
المتراكمة و﴿أَوْ﴾ إما للتخيير فإن أعمال الكفار لكونها لاغية لا منفعة لها
كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة في لج البحر
والأمواج والسحاب، وإما للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب،
وإن كانت قبيحة فكالظلمات، وإما للتقسيم باعتبار وقتين وهو الظاهر، فإنها
كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة.
﴿فِي بَحْرٍ لُِّّ﴾ عميق، أو ذي لُجّ وهو معظم الماء، والمقصود: بحر عميق
الماء كثيره ذو طبقات. ﴿يَغْشَنُهُ﴾ يغطيه. ﴿مِّن فَوْقِهِ،﴾ الظلمة الأولى أي
الموج. ﴿مِّن فَوْقِهِ،﴾ والظلمة الثانية أي الموج الثاني، والمراد بظلمات البحر:
أمواج متراكمة مترادفة، والمراد بالسحاب: سحاب غطى النجوم وحجب
أنوارها. والسحاب: غيم. ﴿ظَلُمَتٌ﴾ أي هذه ظلمات: ظلمة البحر،
وظلمة الموج الأول وظلمة الثاني، وظلمة السحاب . ﴿إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ﴾ أخرج
الناظر يده في هذه الظلمات وهي أقرب شيء إليه . ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَهَا﴾ لم يقرب
من رؤيتها فضلاً عن أن يراها . ﴿﴿وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ أي
من لم يهده الله لم يهتد، والمراد من لم يوفقه لأسباب الهداية لم يكن مهتدياً.

٥٩٥
الُعُ (١٨) - الفنونِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
سبب النزول:
نزول الآية (٣٩):
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان
تعبَّد في الجاهلية، وليس المسوح، والتمس الدِّين، فلما جاء الإسلام كفر.
وقيل: في شيبة بن ربيعة. وكلاهما مات كافراً.
المناسبة:
بعد بيان حال المؤمنين، وأنهم في الدنيا يكونون في نور الله، وبسببه
يتمسكون بالعمل الصالح، وفي الآخرة يفوزون بالنعيم المقيم والثواب
العظيم، أتبع ذلك ببيان حال الكافرين، فإنهم يكونون في الآخرة في أشد
الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل من الحالين
مثلاً، أما المثل الأول الدال على الخيبة في الآخرة فهو قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ
كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَسَابٍ﴾ وأما المثل الثاني لأعمالهم في الدنيا فهو ﴿أَوْ
كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُّجِيٍّ﴾ أي إن أعمالهم في الدنيا كظلمات في بحر.
التفسير والبيان:
هذان مثلان ضربهما الله تعالى لحالي الكفار في الآخرة والدنيا، أو لنوعي
الكفار: الداعي لكفره، والمقلد لأئمة الكفر، كما ضرب للمنافقين في أول
البقرة مثلين: نارياً ومائياً، وكما ضرب لما يقرّ في القلوب من الهدى والعلم في
سورة الرعد مثلين: مائياً ونارياً أيضاً.
أما المثل الأولي هنا فهو قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْئَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَا جَآءَهُ
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي إن الأعمال الصالحة التي يعملها الكفار الذين جحدوا
توحيد الله وكذبوا بالقرآن وبالرسول المنزل عليه، أو الدعاة إلى كفرهم، الذين

٥٩٦
الُُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
يظنون أنها تنفعهم عند الله، وتنجيهم من عذابه، ثم تخيب آمالهم في الآخرة
ويلقون خلاف ما قدّروا، شبيهة بسراب يراه الإنسان العطشان في فلاة أو
منبسط من الأرض، فيحسبه ماء، فيأتيه، فلا يجد ما رجاه. وأعمالهم
الصالحة: مثل صلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء وإقامة المشاريع الخيرية.
وهكذا حال الكافرين في الآخرة يحسبون أعمالهم نافعة لهم، منجِّية من
عذاب الله، فإذا جاء يوم القيامة وقوبلوا بالعذاب، فوجئوا أن أعمالهم لم
تنفعهم، وإنما يجدون زبانية الله تأخذهم إلى جهنم، التي يسقون فيها الحميم
والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ تُلِئُكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا
الَّذِينَ
[الكهف: ١٨/
١٠٤
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
١٠٣-١٠٤]. وقال تعالى هنا: ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ، وَاللَّهُ سَرِيعُ
اُلْحِسَابِ﴾ أي ووجد عقاب الله وعذابه الذي توعد به الكافرين، فجازاه الله
الجزاء الأوفى على عمله في الدنيا، والله سريع المجازاة، لا يشغله حساب عن
حساب، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمُنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنتُورًا
[الفرقان: ٢٣/٢٥]. هذا حالهم في الآخرة، أو حال الكفار الدعاة إلى
الكفر.
والخلاصة: أن الكفار سيصطدمون بالخيبة والخسارة في الآخرة، فلا
يجدون ما ينفعهم ولا ما ينجيهم.
أما المثل الثاني لحالهم في الدنيا أو حال الكفار الجهلة المقلدين لأئمة الكفر
فهو كما قال تعالى:
﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَجْرٍ لُجِّ يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، مَوْجُ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾
أي إن مثل أعمال الكفار التي يعملونها في الدنيا على غير هدى، أو مثل الذين
يقلدون غيرهم، مثل ظلمات متراكمة في بحر عميق كثير الماء، تغمره الأمواج
المتلاطمة، ويحجب نور الكواكب السماوية غيم كثيف، فهي ظلمات ثلاث:

٥٩٧
الزُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وكذا الكافر له ظلمات
ثلاث: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، وهذه الظلمات
حجبت عنه رؤية الحق وإدراك ما في الكون من عظات وآيات ترشد إلى
الطريق الأقوم. قال الحسن: الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد،
وظلمة القول، وظلمة العمل. وقال ابن عباس: شبهوا قلبه وبصره وسمعه
بهذه الظلمات الثلاث.
والمقصود من هذا المثل بيان أن الكافر تراكمت عليه أنواع الضلالات في
الدنيا، فصار قلبه وبصره وسمعه في ظلمة شديدة كثيفة، لم يعد بعدها قادراً
على تمييز طرق الصواب ومعرفة نور الحق. لذا قال تعالى: ﴿ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ
بَعْضِ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَا﴾ أي إن تلك الظلمات الثلاث ظلمات
متراكمة مترادفة، بعضها يعلو بعضها الآخر، حتى إنه إذا مدَّ الإنسانُ يَدَه،
وهي أقرب شيء إليه، لم يقرب أن يراها، فضلاً عن أن يراها، ومعنى ((لم
يكد)»: لم يقارب الوقوع، والذي لم يقارب الوقوع لم يقع.
﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن ◌ُودٍ﴾ أي من لم يهده الله ولم يوفقه إلى
الهداية، فهو هالك جاهل خاسر، في ظلمة الباطل لا نور له، ولا هادي له،
كقوله تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦/٧]. ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ
اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣/١٣]، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا
يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧/١٤]. وهذا مقابل لما قال في مثل المؤمنين ﴿يَهْدِى اَللَّهُ
لِنُورِهِ، مَن يَشَاءُ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات مثلين لأعمال الكفار فهي إما كسراب خادع في فلاة أو
صحراء، وإما كظلمات، والمثل الأول كما اختار الرازي دال على خيبة
الكافر في الآخرة، والثاني دال على كون أعمالهم في متاهات وضلالات

٥٩٨
للزُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٣٩-٤٠
وظلمات يصعب اختراقها وتجاوزها، لكون قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم في
ظلمة حالكة، يتخبط فيها، فلا يدري ما هو الصواب، وهو أيضاً جاهل لا
يدري أنه لا يدري.
ويستفاد من الآيات أن شرع الله ونظامه هو النور الصحيح المرشد لخيري
الدنيا والآخرة، وأما التشريع المخالف لشرع الله فهو كالسراب الخادع،
والظلمات المتراكمة. وهذا كله في مجال العقيدة. أما في مجال التحضر الدنيوي
فقد يكون الكافر مبدعاً فيها، متفوقاً في إدراك غوامض الحياة، مبتكراً وسائل
التقدم والمدنية، ولكنه عن الآخرة والنجاة فيها غافل جاهل.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن ◌ُورٍ ﴾ أي
من لم يجعل الله له ديناً فماله من دين، ومن لم يجعلِ الله له نُوراً يمشي به يوم
القيامة، لم يهتد إلى الجنة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ،﴾
[الحديد: ٢٨/٥٧] .
والسبب في إحباط أعمال الكافر وإهدارها: أنها لا تعتمد على أصل
صحيح وهو الإيمان بالله تعالى، والله لا يقبل عملاً إلا من مؤمن معترف بالله
وبصفاته، موحد له توحيداً تاماً كاملاً لتصح نية عمله.
والخلاصة: أن المثلين المذكورين في الآيتين هما تحذير وتنبيه للكفار، فمن
عقل كلام الله وتدبر فيه، صحح اعتقاده، فيصلح له عمله ويستقيم في الدنيا،
ومن ظل مصراً على كفره، معرضاً عن التأمل في آيات ربه، لقي جزاءً عسيراً،
وعقاباً أليماً، ولم ينفعه أي عمل صالح، ينجِّيه من عذاب الله يوم القيامة.

٥٩٩
للزُعُ (١٨) - اللّنُورِ: ٢٤ / ٤١-٤٦
الأدلة الكونية على وجود الله وتوحيده
﴿أَلَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَفَّتِ كُلِّ قَدْ عَلِمَ
صَلَهُ وَتَسْبِحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿﴿ وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ
الْمَصِيرُ ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَمَا فَتَرَ اُلْوَدْقَ
يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرٍَ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَّهُ وَبَصْرِفُهُ
يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارُّ إِنَّ فِى
عَن ◌َّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ، يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ (
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَِ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآَبَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِ عَلَى بَطْنِهِ،
وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعَّ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ مُّبِيِّنَاتٍّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ
٤٦
مُسْتَقِيمٍ
القراءات:
﴿ يُؤَلِفُ﴾ :
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (يُؤَلِّف).
﴿ وَيُنَزِّلُ﴾ :
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ويُنْزل).
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (والله خالقُ كلِّ).
تُبَيِنَتَّ﴾:
تقدم في قراءات الآيات [النور ٣٢/٢٤-٣٤]

٦٠٠
الْجُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٤١-٤٦
(صِرَاطٍ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
الإعراب:
﴿صَفَّتٍ﴾ حال.
﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن حِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرٍَ﴾ ﴿مِنَ﴾ الأولى للابتداء؛ لأن
السماء ابتداء الإنزال، والثانية: للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التي في
السماء، وهي مع المجرور في موضع المفعول، والثالثة: لبيان الجنس؛ لأن
جنس تلك الجبال جنس البَرَد، وتقديره: فيها شيء من بَرَد، وهو مرفوع
بالظرف؛ لأن الظرف صفة الجبال.
﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ من قرأ بفتح الياء تكون باء في ﴿ِاَلْأَبْصَرِ﴾ للتعدية،
ومن قرأ بضم الياء كانت الباء زائدة.
البلاغة:
﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ ﴿ وَيَصْرِفُهُ﴾ بينهما طباق.
﴿ يُقَلِّبُ اَللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ استعارة، شبه تعاقب الليل والنهار بتقليب
الأشياء المادية.
﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ ﴿لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ بينهما جناس تام؛ لأن المراد بالأولى
العيون وبالثانية العقول والقلوب.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم علماً يشبه المشاهدة في اليقين والثقة بالوحي أو
بالدليل. ﴿يُسَبِّحُ﴾ ينزه ويقدِّس ذاته عن كل نقص، والصلاة من التسبيح.