Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
لِلُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ / ٤-٥
هَ - وإذا رمى صبيةً يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفاً عند مالك
وقال الآخرون من الأئمة: ليس بقذف؛ لأنه ليس بزنىً؛ إذ لا حد عليها،
ويعزَّر.
أَ - وأما شرط أداء الشهادة وهو كون ذلك في مجلس واحد ففيه رأيان
للعلماء كما تقدم: رأي يشترط اجتماع الشهود في مجلس واحد، ورأي لا
يشترط ذلك، ويصح أداؤهم الشهادة متفرقين.
لاً - إن رجع أحد الشهود، وقد رُجم المشهود عليه في الزنى، فقال
الجمهور: يَغْرَم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين. وقال الشافعي: إن قال:
تعمدت ليقتل، فالأولياء بالخيار: إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا،
وأخذوا ربع الدية، وعليه الحدّ.
٨ - صفة حد القذف فيها رأيان أيضاً: قال أبو حنيفة: هو من حقوق الله
تعالى والمغلب فيه حق الله، وقال الجمهور: هو من حقوق الآدميين. وفائدة
الخلاف: أنه على الرأي الأول تنفع القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى،
ولا يورث الحد ولا يسقط بالعفو، وعلى الرأي الثاني: لا تنفع القاذف التوبة
حتى يسامحه المقذوف، ويورث الحد، ويسقط بالعفو. وقد ذكر سابقاً آثار
أخرى للخلاف.
قال ابن العربي: والصحيح أنه حق الآدميين، والدليل أنه يتوقف على
مطالبة المقذوف، وأنه یصح له الرجوع عنه.
ـة - الشهادة تكون على معاينة الزنى، يرون ذلك كالمرْود في المكْحُلة، وفي
موضع واحد في رأي مالك، فإن لم يتحقق ذلك جلد الشهود، كما بينا.
· اً - إذا تاب القاذف قبلت شهادته في رأي الجمهور؛ لأن ردها كان لعلة
الفسق، فإذا زال بالتوبة، قبلت شهادته مطلقاً قبل الحد وبعده. ولا تقبل

٤٨٢
لُرُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٤-٥
شهادته مدة العمر وإن تاب في رأي الحنفية. ويترجح الرأي الأول بأن التوبة
تمحو الكفر، فما دونه أولى، وبقوله وسلّ فيما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود:
((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) وإذا قبل الله التوبة من العبد، كان قبول
العباد أولى.
١اً - تسقط شهادة القاذف في رأي الشافعي وابن الماجشون بنفس قذفه،
ولا تسقط في رأي مالك وأبي حنيفة حتى يجلد، فإن منع من جلده مانع عفو
أو غيره لم تردّ شهادته.
١٢ - تجوز شهادة المحدود بحد القذف بعد التوبة في كل شيء مطلقاً في رأي
الأكثرين. وقال ابن الماجشون: من حد في قذف أو زنى، فلا تجوز شهادته في
شيء من وجوه الزنى، ولا في قذف ولا لعان، وإن كان عدلاً.
١٣ - إذا لم يجلد القاذف بأن مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد،
أو لم يرفع إلى السلطان، أو عفا المقذوف، فالشهادة مقبولة؛ لأن النهي عن
قبول الشهادة معطوف على الجلد.
وقد بينا أن الشافعي ومثله الليث والأوزاعي قالوا: ترد شهادة القاذف
بالقذف نفسه، وإن لم يحد؛ لأنه بالقذف يفسق؛ لأنه من الكبائر، فلا تقبل
شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنى أو بقيام البينة عليه.
ويرى أبو حنيفة ومالك أنه لا ترد شهادة القاذف إلا بعد جلده وصيرورته
محدوداً في القذف، للحديث المتقدم الذي رواه الديلمي وابن أبي شيبة عن ابن
عمرو: ((المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا محدوداً في قذف)).
١٤ - لا تكفي التوبة الشخصية أو القلبية لإعادة اعتبار القاذف وقبول
شهادته؛ لأن الأمر متعلق بحق الغير وهو المقذوف، بل لابد من إعلانها، لذا
قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي بإظهار التوبة. وقيل: وأصلحوا العمل، لكن هذا
لا يناسب هنا.

٤٨٣
الُعُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ /٦-١٠
الحكم الرابع
حكم اللعان
أو قذف الرجل زوجته
﴿ وَالَّذِينَ يَمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَُّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ
وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ
◌ِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الضَدِقِينَ
(﴿ وَلَوَلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
٨
وَبَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِنَ
٧
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوََّبٌ حَكِيمُ
١٠
القراءات:
﴿أَرْبَعُ
قرئ:
١- (أَرْبَعُ) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (أَرْبَعَ) وهي قراءة الباقين.
﴿أَنَّ لَعْنَتَ﴾:
وقرأ نافع (أنْ لعنتُ).
ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾ :

٤٨٤
الجُزُ (١٨) - الشّنُوزِّ: ٢٤ /٦-١٠
قرئ:
١- (والخامسةُ أنْ غَضِبَ الله عليها) وهي قراءة نافع.
٢- (والخامسةَ أنَّ غَضَبَ الله عليها) وهي قراءة حفص.
٣- (والخامسةُ أنَّ غَضَبَ الله عليها) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِلََّ أَنفُسُهُمْ﴾ بدل مرفوع من ﴿شُهَدَآءُ﴾ وهم: اسم كان، و﴿لَّمْ﴾ خبرها.
﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ﴾ شهادة: إما مبتدأ وخبره إما أربع أو محذوف
تقديره: فعليهم شهادة أحدهم، وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالحكم
شهادة أحدهم أربع شهادات. و﴿أَرْبَعُ﴾ خبر المبتدأ: ﴿فَشَهَدَةٌ﴾ ويكون
﴿إِلَّهِ﴾ متعلقاً بـ ﴿شَهَدَتِ﴾. وعلى قراءة النصب يكون منصوباً على المصدر،
والعامل فيه شهادة؛ لأنها في تقدير (أن) والفعل، أي أن يشهد أربع شهادات
بالله.
﴿ وَالْخَمِسَةُ﴾ إما مبتدأ وما بعده خبر، وإما معطوف بالرفع على ﴿أَرْبَعُ﴾.
وعلى قراءة النصب إما صفة مصدر مقدر أي أن تشهد الشهادة الخامسة، أو
معطوف على ﴿أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ﴾. و﴿أَنَّ لَعْنَتَ﴾ : منصوب بتقدير حذف حرف
جر، أي وتشهد الخامسة بأن لعنة الله عليه.
﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ﴾ أن وصلتها في موضع رفع، أي ويدرأ عنها
العذاب شهادتها. و﴿إِنَُّ لَمِنَ اَلْكَذِبِينَ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَشْهَدَ﴾.
﴿وَاَلْخَلِسَةُ﴾ معطوف على ﴿أَرَبَعَ﴾ وبالرفع: مبتدأ وما بعده خبر.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: لم يذكر جواب ﴿وَلَوْلَا﴾ إيجازاً واختصاراً

٤٨٥
الزُُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
لدلالة الكلام عليه، أي لعاجلكم بالعقوبة، أو لفضحكم بما ترتكبون من
الفاحشة.
البلاغة:
﴿تَوَّابُ حَكِيمٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن: فعَّال، وفعيل.
﴿الضَدِقِينَ﴾ و﴿اَلْكَذِبِنَ﴾ بينهما طباق.
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ حذف الجواب للتهويل والزجر، ليكون أبلغ في البيان.
المفردات اللغوية:
يَُّونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ يقذفونهن بتهمة الزنى ﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ وقع
ذلك لجماعة من الصحابة، وهو هلال بن أمية رأى رجلاً على فراشه ﴿لَمِنَ
الصَّدِّقِينَ﴾ فيما رمى به زوجته من الزنى ﴿لَعْنَتَ اَللَّهِ﴾ اللعنة: الطرد من رحمة
الله وهذا لعان الرجل، وحكمه: سقوط حد القذف عنه، وحصول الفرقة بينه
وبين زوجته باللعان نفسه فرقة فسخ عند الشافعية؛ لقوله بَّله فيما رواه
الدارقطني عن ابن عمر: ((المتلاعنان لا يجتمعان أبداً)) وبتفريق الحاكم فرقة
طلاق عند أبي حنيفة، ومن أحكامه أيضاً: نفي الولد إن تعرّض له فيه،
وثبوت حد الزنى على المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ أي ويدفع
عنها الجد: حد الزنى الذي ثبت بشهادته.
﴿لَمِنَ اُلْكَذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنى ﴿غَضَبَ اللَّهِ﴾ سَخَطه وتعذيبه
﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بالستر في ذلك ﴿تَوَّبُ﴾ يقبل التوبة في ذلك وغيره
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره. وجواب ﴿ وَلَوْلَا﴾ تقديره: لبين
الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
سبب النزول:
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف

٤٨٦
الجُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ /٦-١٠
امرأته عند النبي وَلَهُ بِشَرِيك بن سَحْماء(١)، فقال له النبي ◌َّ: ((البيِّنة أو حَدٌ
في ظهرك)) فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق،
يلتمس البينة! فجعل النبي وََّ يقول: ((البينة أو حدٍّ في ظهرك)).
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلُ الله ما يبرئ ظهري
من الحد، فنزل جبريل، فأنزل الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَزَمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ
﴿ إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾.
وأخرجه أحمد بلفظ: لما نزلت: ﴿ وَاُلَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمَّ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ
◌ُّهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَمْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ قال سعد بن عبادة وهو
سيد الأنصار: أهكذا نزلت يارسول الله؟
فقال رسول الله وَله: يامعشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟
قالوا: يارسول الله، لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط،
فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته.
فقال سعد: والله يارسول الله، إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني
تعجبت أني لو وجدت لَكَاعاً (٢) مع رجل لم يكن لي أن أنحيّه ولا أحركه، حتى
آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم، حتى يقضي حاجته.
قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين
تيب عليهم، فجاء من أرضه، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه، وسمع
بأُذنه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا إلى رسول الله وَّر، وقال له: إني جئت
أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره
رسول الله وَلي ما جاء به واشتد عليه.
(١) نسبة إلى أمه السحماء.
(٢) امرأة لَكَاع: لئيمة وقيل: ذليلة النفس.

٠٤٨٧
الُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلينا بما قال سعد بن عبادة إلا أن
يضرب رسول الله 85* هلال بن أمية، ويبطل شهادته في الناس.
فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً، فوالله إن رسول
الله وَلّه يريد أن يضربه، فأنزل الله عليه الوحي، فأمسكوا عنه، حتى فرغ من
الوحي، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية. وأخرج أبو يعلى مثل هذه
الرواية من حديث أنس.
وفي رواية: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات، وتناول
ظاهرها الأزواج وغيرهم قال سعد بن عبادة: يارسول الله، إن وجدت مع
امرأتي رجلاً أُمهله حتى آتي بأربعة! والله لأضربنّه بالسيف غير مُصْفَح عنه،
فقال رسول الله وَ له: ((أتعجبون من غَيْرة سعدٍ لأنا أَغْير منه، والله أغير
مني))؟!
وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر العجلاني إلى
عاصم بن عدي، فقال: اسأل لي رسول الله وَله: أرأيتَ رجلاً وجد مع
امرأته رجلاً، فقتله، أيُقْتَل به، أم كيف يصنع به؟
فسأله عاصم رسول الله وَّ ر، فعاب رسول الله صلّ السائل، فلقيه
عويمر(١)، فقال: ما صنعتَ؟ قال: ما صنعت؟ إنك لم تأتني بخبر، سألتُ
رسول الله ◌َ، فعاب السائل، فقال عويمر: فوالله لآتين رسول الله واله
فلأسألنه، فسأله، فقال: إنه أُنزل فيك وفي صاحبك .. الحديث. أي فيمن وقع
له مثل ما وقع لك.
قال الحافظ ابن حجر: اختلف الأئمة في هذه المواضيع، فمنهم من رجّح
أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم
(١) هو عويمر بن زيد بن الجدّ بن العجلاني.

٤٨٨
لُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ / ٦-١٠
من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضاً،
فنزلت في شأنهما. وإلى هذا جنح النووي، وتبعه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق
لهما ذلك في وقت واحد.
قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب.
وقال القرطبي: والمشهور أن نازلة هلال كانت قبلُ، وأنها سبب الآية.
وقيل: نازلة عُويمر بن أشقر كانت قبلُ؛ وهو حديث صحيح مشهور خرّجه
الأئمة. قال السهيلي: وهو الصحيح. وقال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع
امرأته شَرِيكاً عُوَيْرٌ العَجْلاني؛ لكثرة ما رُوي أن النبي ◌َّ لاعن بين
العجلاني وامرأته.
والمهم أن جميع الروايات متفقة على ثلاثة أمور:
أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ عنها وأنها
منفصلة عنها.
وثانيها: أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ
يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ أنها تشمل الأجنبية والزوجة على السواء.
وثالثها: أن هذه الآية نزلت تخفيفاً على الزوج.
المناسبة:
بعد بيان حكم قذف النساء الأجنبيات غير الزوجات بالزنى، بَيَّن الله تعالى
حكم قذف الزوجات الذي هو في حكم الاستثناء من الآية المتقدمة، تخفيفاً
عن الزوج؛ لأن العار يلحقه، ومن الصعب أن يجد بيِّنة، وفي تكليفه إحضار
الشهود إحراج له، ويعذر بالغيرة على أهله، وأيضاً فإن الغالب أن الرجل لا
يرمي زوجته بالزنى إلا صادقاً، بل ذلك أبغض إليه، وأكره شيء لديه.

٤٨٩
لُُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
التفسير والبيان:
فرّج الله تعالى بهذه الآية عن الأزواج وأوجد لهم المخرج إذا قذف أحدهم
زوجته، وتعشَر عليه إقامة البينة، وهو أن يحضرها إلى الحاكم، فيدعي عليها
بما رماها به، فيلاعنها كما أمر الله عز وجل، بأن يحلفه الحاكم أربع شهادات
بالله، في مقابلة أربعة شهداء، إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، فقال
تعالی:
﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ أي إن
الأزواج الذين يقذفون زوجاتهم بالزنى، ولم يتمكنوا من إحضار أربعة شهود
يشهدون بصحة قذفهم، وإنما كانوا هم الشهود فقط، فالواجب عليهم أن
يشهد الواحد منهم أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رمى به زوجته من
الزنى، والشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما اتهمها به.
واللعن: الطرد من رحمة الله.
فإذا قال ذلك بانت منه بهذا اللعان نفسه عند جمهور العلماء غير الحنفية،
وحرمت عليه أبداً، ويعطيها مهرها، ويسقط عنه حد القذف، وينفي الولد
عنه إن وجد، ويتوجه عليها حد الزنى.
﴿وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ أي ويدفع
عنها حد الزنى أن تحلف بالله أربعة أيمان: أن زوجها كاذب فيما رماها به من
الفاحشة، والشهادة الخامسة أن غضب الله عليها إن كان زوجها صادقاً فيما
يقول.
وسبب التفرقة بينهما بتخصيصه باللعنة، وتخصيصها بالغضب هو التغليظ
عليها؛ لأنها سبب الفجور ومنبعه، بإطماعها الرجل في نفسها.
ثم بيّن الله تعالى ما تفضل به على عباده من الفضل والنعمة والرحمة بهذا

٤٩٠
المُعُ (١٨) - اللّنُوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
التشريع؛ إذ جعل اللعان للزوج طريقاً لتحقيق مراده. وللزوجة سبيلاً إلى درء
العقوبة عن نفسها، فقال :
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ أي ولولا ما
خصكم الله به من مزيد فضله ونعمته وإحسانه ورحمته ولطفه ورأفته من تشريع
مابه فرج ومخرج من الشدة والضيق، وتمكين من قبول التوبة، لوقعتم في
الحرج والمشقة في كثير من أموركم، ولفضحكم وعاجلكم بالعقوبة، ولكنه
ستر عليكم، وأنقذكم من الورطة باللعان، فمن صفاته الذاتية أنه كتب الرحمة
على نفسه، وأنه التواب الذي يقبل التوبة عن عباده، وإن كان ذلك بعد
الحلف والأيمان المغلظة، وأنه حكيم فيما يشرعه، ويأمر به، وينهى عنه، فإنه
بالرغم من أن أحد الزوجين كاذب في يمينه، يدرأ عنه العقاب الدنيوي وهو
الحد، ويستحق ماهو أشد منه وهو العقاب الأخروي. وعبر بقوله:
﴿حَكِيمٌ﴾ لا ﴿رَّحِيرُ﴾ مع أن الرحمة تناسب التوبة؛ لأن الله أراد الستر
على عباده بتشريع اللعان بين الزوجين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مشروعية حكم اللعان بين الزوجين، وكيفية اللعان، ولا
بدّ من توضيح الأحكام التالية التي أصَّلها الفقهاء بنحو جلي :
اً - آيات اللعان وآية القذف: جاء ذكر آيات اللعان بعد آية قذف
المحصنات غير الزوجات، فرأى علماء الأصول من الحنفية أن آيات اللعان
ناسخة لعموم آية القذف: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ لتراخي نزولها عنها،
فيكون قذف الزوجة منسوخاً إلى بدل وهو اللعان.
وذهب الأئمة الآخرون إلى أن آيات اللعان مخصصة لعموم آية القذف،
فتكون هذه الآية مختصة بالمحصنات غير الزوجات، وآيات اللعان خاصة
بالزوجات، ويكون موجَب قذف المحصنة الحدّ فقط، ثم استثني من ذلك
الزوجة، فيكون موجَب قذفها الحد أو اللعان.

٤٩١
الُزُجُ (١٨) - الشّنّورِ: ٢٤ / ٦-١٠
اً - وحكمة اللعان: كما بينا التخفيف على الأزواج الذين لا يتيسر لهم
إثبات زنی زوجاتهم بأربعة شهود.
◌َ - هل ألفاظ اللعان شهادات أم أيمان؟: يرى الحنفية أن ألفاظ اللعان
شهادات؛ لظاهر الآيات التي ذكر فيها لفظ الشهادة خمس مرات وهي: ﴿ وَلَمْ
يَكُن لَّمْ شُهَدَاءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾ أي ليس لهم بينة، ثم قال: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ أي
بينته المشروعة في حقه، ثم قال: ﴿أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِلَّهِ﴾ ثم قال: ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ
شَهَدَاتِ بِاللَّهِ﴾ وهذه المواضع الثلاثة هي أخبار مؤكدة بالشهادة، ورتبوا على
ذلك أنه يشترط في المتلاعنين أهلية الشهادة.
وذهب الجمهور إلى أن ألفاظ اللعان أيمان، لا شهادات؛ لأن قوله تعالى:
﴿أَرْبَعَ شَهْدَاتِ بِاللَّهِ﴾ قسم أو أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا
جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١/٦٣] ثم قال تعالى:
﴿اَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ﴾ [المنافقون: ٢/٦٣]. وقال ◌َّ: ((لولا الأيمان لكان لي ولها
شأن))(١). ورتبوا على ذلك أنه لا يشترط في المتلاعنين إلا أهلية اليمين.
قال ابن العربي: والفيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في
إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدّعي في الشريعة أن
شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره، هذا بعيد في الأصل، معدوم
في النظر (٢).
والحكمة في تكرار الشهادات التغليظ والتشدد في أمر خطير يترتب عليه
الحد والتشنيع وفسخ الزواج ونفي الولد إن وجد والتحريم المؤبد.
٤ - شروط المتلاعنين: ترتب عند العلماء على الخلاف في ألفاظ اللعان:
(١) رواه أبو داود بإسناد لا بأس به.
(٢) أحكام القرآن: ١٣٣٢/٣

٤٩٢
لُعُ (١٨) - الفنّورِ: ٢٤ /٦-١٠
شهادات أو أيمان اختلافهم في أوصاف المتلاعنين أو شروطهم، فاشترط
الحنفية والأوزاعي والثوري في الزوج الملاعن أن يكون أهلاً للشهادة على
المسلم، وفي الزوجة أيضاً أن تكون أهلاً للشهادة على المسلم، وأن تكون ممن
يحد قاذفها، فلا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين؛ لأن اللعان
عندهم شهادة، فلا لعان بين رقيقين، ولا بين كافرين، ولا بين المختلفين ديناً
أو حرية ورقاً.
وأدلتهم قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلََّ أَنفُسُهُمْ﴾ وأن كلمات اللعان
من الزوج شهادات مؤكدات بأيمان، وهي بدل من الشهود، ولأن لعان
الزوجة معارضة للعان الزوج. وأما كونها ممن يحد قاذفها؛ فلأن اللعان بدل
عن الحد في قذف الأجنبية. وروى ابن عبد البر عن عبد الله بن عمرو أن النبي
وَله قال: ((لا لعان بين مملوكين ولا كافرين)). وروى الدارقطني عن ابن
عمرو أيضاً مرفوعاً: ((أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحرة والعبد لعان،
وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان)).
وذهب الجمهور إلى أن اللعان يصح من كل زوجين: مسلمين أو كافرين،
عدلین أو فاسقين، محدودین في قذف أو غير محدودین، حرین أو عبدین؛
لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ ولأن النبي ◌َِّ سمى اللعان يميناً،
فقال لما علم أن امرأة هلال بن أمية جاءت بولد شبيه بشريك بن سحماء:
((لولا الأيمان لكان لى ولها شأن)).
٥ - وترتب على الخلاف السابق أيضاً الاختلاف في ملاعنة الأخرس،
فقال الجمهور: يلاعن؛ لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه، إذا فُهم ذلك
عنه. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة.
٦ - إذا قذف الرجل زوجته بعد الطلاق، فإن كان هنالك نسب يريد أن
ينفيه أو حمل يتبرأ منه، لاعن، وإلا لم يلاعن.

٤٩٣
الْجُرُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
ولا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في حالة واحدة،
وهي أن يكون الرجل غائباً، فتأتي امرأته بولد في مغيبه، وهو لا يعلم،
فيطلّقها فتنقضي عدتها، ثم يَقْدَم فينفيه، فله أن يلاعنها بعد العدة، ولو بعد
وفاتها، ويرثها؛ لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما. ولو مات الزوج قبل
اللعان ترث عند الحنفية.
وإذا كانت المرأة حاملاً لاعن عند الجمهور قبل الوضع، لأن النبي وَلِّ
لا عن قبل الوضع، وقال: «إن جاءت به كذا فهو لأبيه، وإن جاءت به كذا
فهو لفلان)). وقال أبو حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع، لاحتمال كون
الانتفاخ بسبب ربح أو داء.
وإذا قذف بالوطء في الدبر لزوجه لاعن عند الجمهور؛ لأنه دخل تحت
عموم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأن
فعل قوم لوط عنده لا يوجب الحد.
اً - إذا قذف زوجته ثم زنت وثبت الزنى قبل التعانه، فلا حدّ على القاذف
ولا لعان في رأي أكثر أهل العلم، لظهور أمر قبل استيفاء الحد واللعان يمنع
وجوب الحد وصحة اللعان. وقال الثوري والمزني: لا يسقط الحدّ عن
القاذف؛ لأن المقذوف كان محصناً في حال القذف، ويعتبر الإحصان والعفة
حال القذف لا بعده.
ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا، فالزوج يلاعن لدفع الحد
عنه، والزوجة لدرء العقاب وهو حد الزنى. فإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن
هو لدرء الحد، ولم تلاعن هي؛ لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء.
٨ - إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى، أحدهم زوجها، فإن الزوج في رأي
المالكية يلاعن وتُحدّ الشهود الثلاثة إذ لا يصح أن يكون أحد الشهود. وقال
أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة، قبلت شهادتهم، وحدّت المرأة.

٤٩٤
.
الُرُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٦-١٠
ـَّ - إذا أبى الزوج اللعان، فلا حدّ عليه عند أبي حنيفة، ويسجن أبداً حتى
يلاعن؛ لأن الحدود لا تؤخر. وقال الجمهور: إن لم يلاعن الزوج حُدّ؛ لأنّ
اللعان له براءة كالشهود للأجنبي، فإن لم يأت الأجنبي بأربعة شهود حدّ،
فكذلك الزوج إن لم يلاعن.
وإذا امتنعت الزوجة من اللعان ترجم في رأي الجمهور. ولا ترجم عند
الحنفية.
٠ ١َ - كيفية اللعان: بعد نزول آيات اللعان أمر رسول الله وَله بدعوة
عويمر العجلاني وزوجته وشريك بن سحماء، وقال لعويمر: اتق الله في
زوجتك وابن عمك ولا تقذفها، فقال: يا رسول الله، أقسم بالله، إني رأيت
شريكاً على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غيري.
فقال لها النبي ◌َّهِ: اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعتِ، فقالت: يا رسول
الله، إن عويمراً رجل غيور، وإنه رأى شريكاً يطيل النظر إلي، ويتحدث،
فحملته الغَيْرَة على ما قال.
فنودي ((الصلاة جامعة)) فصلى العصر، ثم قال لعويمر: قم وقل: أشهد
بالله، إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، ثم قال: قل: أشهد بالله، إني
رأيت شريكاً على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال: قل: أشهد بالله، إنها
حبلى من غيري، وإني من الصادقين، ثم قال: قل: أشهد بالله، إنها زانية،
وإني ما قربتها منذ أربعة شهور، وإني لمن الصادقين، ثم قال: قل: لعنة الله
على عويمر (أي نفسه) إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم قال: اقعد.
وقال لخولة: قومي، فقامت، وقالت: أشهد بالله، ما أنا بزانية، وإن
عويمراً زوجي لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكاً على
بطني، وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: إني حبلى منه، وقالت في الرابعة:
أشهد بالله، إنه ما رآني على فاحشة قط، وإنه لمن الكاذبين، وقالت في

٤٩٥
الُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله، ففرَّق
رسول الله واصل بينهما.
وفي رواية أخرى لابن عباس عند الإمام أحمد: ((فلما كانت الخامسة، قيل
له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه
الْمُوجِبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم
يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، وقيل لها
عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه
الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، وهمت بالاعتراف، ثم
قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن
كان من الصادقين.
ففرَّق رسول الله وَّ بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى
ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها، فعليه الحد، وقضى ألا بيت لها عليه، ولا
قوت لها، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها.
وقال: ((إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين، فهو لهلال، وإن
جاءت به أورق جَعْداً جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فهو الذي
رميت به)) فجاءت به على النعت المكروه، فقال رسول الله وَليقول: ((لولا الأيمان
لكان لي ولها شأن».
يفهم من الآية وهذه الحادثة كيفية اللعان، وهو أن يقول الحاكم للملاعن :
قل أربع مرات: أشهد بالله، إني لمن الصادقين، وفي المرة الخامسة، قل: لعنة
الله عليه إن كان من الكاذبين.
وتشهد المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وفي المرة الخامسة
تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

٤٩٦
الْجُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
ويكتفى بدلالة الحال والقرائن عن ذكر متعلق الصدق والكذب، أي فيما
رماها به من الزنى ونفي الولد، وفيما اتهمها به.
ولا بد من الحلف خمس مرات من كل منهما، ولا يقبل من الزوج إبدال
اللعنة بالغضب، ولا يقبل من الزوجة إبدال الغضب باللعنة.
وظاهر الآية وهو مذهب الجمهور البداءة في اللعان بما بدأ الله به، وهو
الزوج، وفائدته درء الحد عنه، ونفي النسب منه؛ لقوله ◌َله: ((البينة وإلا حدّ
في ظهرك)) ولو بُدئ بالمرأة قبله لم يجز؛ لأنه عكس ما رتبه الله تعالى. وقال أبو
حنيفة: يجزئ إن بدأت هي بلعانها. وسبب الخلاف: أن الجمهور يرون أن
لعان الزوج موجب للحد على الزوجة، ولعانها يسقط ذلك الحد، فكان من
المعقول أن يكون لعانها متأخراً عن لعانه. وأبو حنيفة لا يرى لعان الزوج
موجباً لشيء قبلها، فلا حاجة لأن يتأخر لعانها عن لعانه.
وإذا كانت المرأة حاملاً، وأراد الزوج نفي الحمل عنه قال: وأن هذا
الحمل ليس مني، وهذا رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا لعان لنفي
الحمل، وينتظر حتى تضع، فيلاعن لنفيه.
وإذا كان هناك ولد يريد الزوج نفيه عنه، تعرض له في اللعان.
ويقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى
تشهد. ويعظهما القاضي أو نائبه عند ابتداء اللعان وقبل الخامسة من
الشهادات، بأن يذكرهما ويخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا.
ويحضر اللعان جمع من عدول المسلمين.
١١ - آثار اللعان وما يترتب عليه: يترتب على اللعان:
أولاً - إسقاط حد القذف عن الزوج، وإيجاب حد الزنى على الزوجة؛
لأن الله تعالى قال: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ والشهادة من الأجنبي تسقط حد القذف

٤٩٧
المُ (١٨) - النورِ: ٢٤ /٦-١٠
عن القاذف، وتوجب حد الزنى على المقذوف، والله تعالى أقام شهادة الزوج
مقام شهادة الأجنبي. ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ والمراد منه عذاب
الدنيا؛ لأن (أل) للعهد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَاَهُمَا﴾ أي عذاب
حد الزنى، ولا يصح أن يراد منه عذاب الآخرة؛ لأن لعان الزوجة إن كانت
كاذبة لا يزيدها إلا عذاباً في الآخرة، وإن كانت صادقة فلا عذاب عليها في
الآخرة حتى يدرأه اللعان، فتعين أن يراد به عذاب الدنيا. ويؤيده قوله والآ.
لخولة بنت قيس: ((الرجم أهون عليك من غضب الله)) فقد فسر ◌َّل العذاب
المدروء عنها بالرجم.
وأصرح من ذلك قوله لخولة قبل الشهادة الخامسة: ((عذاب الدنيا أهون
من عذاب الآخرة)) أي الحد، لا الحبس. وهذا قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: آيات اللعان نسخت الحد عن قاذف زوجته،
ولكن لعانه لا يوجب حد الزنى على الزوجة؛ لأن حد الزنى لا يثبت إلا
بأربعة شهود، أو بالإقرار أربع مرات.
ويترتب على هذا الخلاف: حكم الممتنع عن اللعان من الزوجين، فعلى
رأي الجمهور كما تقدم: إن امتنع الزوج من اللعان يحد؛ لأن اللعان رخصة
له، فلما أبى أن يلاعن، فقد أضاع على نفسه هذه الرخصة، فصار حكمه
وحكم غير الزوج سواء. وإن امتنعت الزوجة يقام عليها حد الزنى وهو الرجم
إن كانت محصنة.
وعلى رأي الحنفية: إذا امتنع الزوج من اللعان، حبس حتى يلاعن، كما
بينا؛ لأن اللعان حق توجه عليه، يستوفيه الحاكم منه بالقهر والتعزير، فيكون
له حبسه حتى يلاعن أو يكذب نفسه في القذف، فيقام عليه حده. ورأي
الجمهور هو الصواب عملاً بظاهر الآية.
ثانياً - يترتب على اللعان أيضاً نفي الولد، كما ثبت في حادثة هلال بن
أمية.

٤٩٨
لجُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٦-١٠
ثالثاً - الفرقة بين المتلاعنين: قال مالك وأحمد: بتمام اللعان تقع الفرقة
بين الزوجين المتلاعنين، فلا يجتمعان أبداً ولا يتوارثان، ولا يحل له مراجعتها
أبداً لا قبل الزواج من زوج آخر ولا بعده، كما ثبت في السنة الصحيحة،
روى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي ◌ٍَّ: ((المتلاعنان لا يجتمعان أبداً)).
ورأى الشافعي أن الفرقة تحصل بمجرد لعان الزوج؛ لأنها فرقة بالقول،
فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق، ولا تأثير للعان الزوج إلا في دفع
العذاب (حد الزنى) عن نفسها. واتفق الشافعي ومالك وأحمد على وقوع
التحريم المؤبد بين المتلاعنين. وهذا هو الظاهر من الآيات.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقع الفرقة باللعان حتى يفرق الحاكم بينهما
لقول ابن عمر وابن عباس: ((فَرَّق رسول الله وَّلَه بين المتلاعنين)) فأضاف
الفرقة إليه، وقال ◌َ له: ((لا سبيل لك عليها)). وإن أكذب الزوج نفسه فهو
خاطب من الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:
٣/٤] وقوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤/٤].
١٢ - ما يحتاج إليه اللعان: يحتاج اللعان إلى أربعة أشياء:
الأول - عدد الألفاظ وهو أربع شهادات، كما تقدم.
الثاني - المكان: وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان: إن كان بمكة
فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس فعند
الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها.
الثالث - الوقت: وذلك بعد صلاة العصر.
الرابع - جمع الناس: بأن يكون هناك أربعة أنفس فصاعداً. فاللفظ وجمع
الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان.

٤٩٩
الجُزُ (١٨) - الفنورِ: ٢٤ / ٦-١٠
١٣ - إذا قذف الرجل مع زوجته أجنبياً: فقال أبو حنيفة ومالك: لكل
منهما حكمه، فيلاعن للزوجة ويحد للأجنبي.
وقال أحمد: عليه حد واحد لهما، ويسقط هذا الحد بلعانه، سواء ذكر
المقذوف في لعانه أم لا.
وقال الشافعي: إن ذكر المقذوف في لعانه، سقط الحدّ له، كما يسقط
للزوجة، وإن لم يذكره في لعانه حدّ له.
ودليل أحمد والشافعي أنه وَلّ لم يحد هلال بن أمية لشريك بن سحماء،
وقد سماه صريحاً، وأن الزوج مضطر إلى قذف الزاني.
١٤ - استدل بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معين،
لقول الزوج: ((لعنة الله عليه)) مما يدل على جواز لعن الشخص المقطوع بكذبه.
واستدل بمشروعية اللعان على إبطال قول الخوارج: إن الزنى والكذب في
القذف كفر؛ لأن الزوج إن كان صادقاً فزوجته زانية، وإن لم يكن صادقاً كان
كاذباً في قذفه، فأحدهما لا محالة كافر مرتد، والردة توجب الفرقة بينهما من
غير لعان.
١٥ - قال العلماء: لا يحل للرجل قذف زوجته إلا إذا علم زناها أو ظنه
ظناً مؤكداً، والأولى به تطليقها، ستراً عليها، ما لم يترتب على فراقها مفسدة.
فإن أتت بولد علم أنه ليس منه، وجب عليه نفيه، وإلا كان بسكوته مستلحقاً
ما ليس منه، وهو حرام، كما يحرم عليه نفي من هو منه. وإنما يعلم أن الولد
ليس منه إذا لم يطأها أصلاً، أو وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من الوطء،
فإن أتت به لستة أشهر فأكثر، فإن لم يستبرئها بحيضة حرم النفي، وإن
استبرأها بحيضة، حلّ النفي، على رأي القائلين بأن الحامل لا تحيض(١).
(١) انظر مذكرات تفسيرات الأحكام للأستاذ المرحوم محمد علي السايس: ١٣٣/٣ - ١٤٤

٥٠٠
لِلُعُ (١٨) - الشّنّورِ: ٢٤ /١١-٢٢
الحكم الخامس
قصة الإفك
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ
آمْرٍِ مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَِّ تَوَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ لَوْلاً
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِفْكُ مُّبِينٌ ﴿ لَوْلَا
جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءً فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ إِذْ تَقَّوْنَهُ بِأَلْسِفَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْمٌ
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ
١۵
وَتَحْسَبُونَهُ هَمِنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ- أَبَدًا إِن
١٦
تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَدُ عَظِيمٌ
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
كُمْ مُؤْمِينَ
يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَهُمْ عَذَابُّ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ
بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ يَشَّعْ خُطُوَتِ
تَحِيمٌ بـ
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُ مَا زَّكَ مِنْكُمْ
يِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ
مِنَكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ
وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
القراءات:
﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ﴾ :
قرئ: