Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
لِلُعُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٣١-٤١
القصة الثانية - قصة هود عليه السلام
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
٣
﴿قُرَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَآخَرِينَ
وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءٍ
لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَنَّقُونَ
الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفَْهُمْ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
٣٤
،وَلَيِنْ أَطَعْتُم بَشَرًّا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا أَخَسِرُونَ
٣٣
وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَيُونَ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا
أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَمَا أَنَّكُرْ تُخْرَجُونَ
إِنْ
تُوعَدُونَ (®َ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِ
بِمَا كَذَّبُنِ ﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
٠١٠٠٠٠٠
٤٢
فَجَعَلْنَهُمْ غُشَاءٌ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
القراءات:
﴿أَنِ أَعْبُدُواْ﴾.
قرئ:
١- (أنِ اعْبُدُوا) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (أن اعبدوا) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾:
وقرأ الكسائي (إله غيرِهِ).
تُمْ﴾ :
قرئ:
٣٦٢
لُُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٣١-٤١
١- (مِثُّم) وهي قراءة نافع، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (مُتُّم) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ ﴿مَا﴾: خبرية.
﴿يَأْكُلُ مِمَا﴾ ما: فيها وجهان: أن تكون مع الفعل بعدها في تأويل
المصدر، أو تكون بمعنى الذي، فتفتقر إلى عائد، وتقديره: مما تشربونه،
وحذف تخفيفاً. ﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴿أَنَّكُمْ﴾: إما بدل من الأُولى، والتقدير: أيعدكم
أن إخراجكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً، وإما تأكيد للأُولى، وإما في موضع
رفع بالظرف، وهو ﴿إِذَا﴾ على قول الأخفش، وعامل ﴿إِذَا﴾ مقدر، تقديره:
أيعدكم وقت موتكم وكنتم تراباً إخراجكم، فيكون الظرف وما رفع به خبر
(أن). و﴿مُخْرَجُونَ﴾: خبر أنكم الأولى.
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ اسم لَبَعُد، وهو فعل ماضٍ، فكان مبنياً، وفاعله مقدر،
تقديره: هيهات إخراجكم، هيهات إخراجكم.
﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي عن قليل، وما: زائدة، وعن: تتعلق بفعل مقدر يفسره
قوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾.
البلاغة:
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ بينهما طباق.
﴿فَجَعَلْنَهُمْ غُشَآءَ﴾ تشبيه بليغ، أي كالغناء في سرعة زواله، حذف منه
وجه الشبه وأداة التشبيه.
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أسلوب إطناب
للذم وبيان أنواع القبائح.
٣٦٣
الُ (١٨) - المؤمنُون: ٢٣ /٣١-٤١
﴿نَّقُونَ﴾، ﴿تَشْرَبُونَ﴾، ﴿لَّخَسِرُونَ﴾، ﴿مُخْرَجُونَ﴾، ﴿تُوعَدُونَ﴾ سجع
لطيف.
المفردات اللغوية:
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَاخَرِينَ ﴿َ﴾ ﴿قَرْنَا﴾: قوماً أو أمة أو جماعة
مجتمعة في زمان واحد، سموا بذلك لتقدمهم على من بعدهم تقدم القرن على
الحيوان. والمراد بهم قوم هود، لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ
بَعْدِ قَوْمِ نُوَجٍ﴾ [الأعراف: ٦٩/٧]. ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هو هود عليه
السلام، وإنما جعل القرن موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان
غير مكانهم، وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم . ﴿أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أي بأن
اعبدوا الله، أو قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله. ﴿أَفَلاَ نَتَّقُونَ﴾ عقابه
فتؤمنوا.
﴿وَقَالَ اُلْمَلَأُ﴾ أشراف القوم ورؤساؤهم. ﴿ وَكَذَّبُواْ بِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ بالمصير
إليها، أو لقاء ما فيها من الثواب والعقاب. ﴿ وَأَثْرَفْتَهُمْ﴾ نعمناهم، أي وسَّعنا
عليهم وجعلناهم في ترف ونعيم . ﴿فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة الأموال والأولاد.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ في الصفة والحال. ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ
مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ تقرير للمماثلة.
﴿ وَلَيِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم، أي والله لئن أطعتم، فيه قسم
وشرط، وجواب أولهما، وهو مغنٍ عن جواب الثاني هو: ﴿إِنَّكُمْ إِذَا﴾ أي
إذا أطعتموه ﴿لَّخَسِرُونَ﴾ مغبونون في آرائكم، حيث أذللتم أنفسكم
لأ مثالکم.
﴿وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا﴾ أي مجردة عن اللحوم والأعصاب. ﴿أَنَّكُم
مُخْرَجُونَ﴾ من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود، وأنكم هذه
تأكيد الأولى لما طال الفصل . ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ اسم فعل ماض بمعنى مصدر
٣٦٤
لُعُ (١٨) - المؤمنُونَ: ٢٣ /٣١-٤١
أي بَعُد بَعُد التصديق أو الصحة. ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ من الإخراج من القبور
والبعث والحساب، واللام زائدة للبيان.
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا﴾ أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا. ﴿وَنَحْيَا﴾ بحياة آبائنا،
يموت بعضنا ويولد بعض . ﴿﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي ما
الرسول. ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ فيما يدعيه من الرسالة. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾
بمصدقين بالبعث بعد الموت.
﴿رَبِّ انْصُرْنِ﴾ عليهم وانتقم لي منهم . ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم
إياي ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي بعد زمان قليل. ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ ليصيرن. ﴿نَدِمِينَ﴾ على
كفرهم وتكذيبهم . ﴿الصَّيْحَةُ﴾: الصوت الشديد، وهي صيحة العذاب
والهلاك، وهي صيحة جبريل، صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها
قلوبهم فماتوا . ﴿بِأَلْحَقِّ﴾ بالوجه الثابت الذي لا دافع له . (غُشَآءَ﴾ شبههم
في دمارهم بغثاء السيل، وهو ما يحمله من الورق والعيدان اليابسة، وأصل
الغثاء: نبت يبس، أي صيرناهم مثله في اليبس. ﴿فَبُعْدًا﴾ من الرحمة وهلاكاً.
﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ المكذبين.
المناسبة:
هذه هي القصة الثانية في هذه السورة، وهي قصة هود عليه السلام، في
قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين؛ لقوله تعالى في سورة
الأعراف حكاية لقول هود: ﴿ وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾
ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء.
وقال بعضهم: المراد بهم صالح وثمود؛ لأن قومه الذين كذبوه هم الذين
هلكوا بالصيحة، والعقاب المذكور هنا هو الصيحة، فالقصة هي قصة صالح
عليه السلام.
٣٦٥
الْجُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٣١-٤١
التفسير والبيان:
فَرَّسَلْنَا فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَاخَرِينَ
لَكُرُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ تَنَّقُونَ (®﴾ أي ثم أوجدنا من بعد قوم نوح الهلكى
قوماً آخرین، هم عاد قوم هود عليه السلام، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم،
وقيل: المراد ثمود، لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾. فأرسل الله تعالى
فيهم رسولاً منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه
وخالفوه وأبوا اتباعه لكونه بشراً مثلهم، فقال لهم: أفلا تتقون وتخافون
عقاب الله بعبادتكم غيره من وثن أو صنم، فإن العبادة لا تنبغي إلا له، ولا
يستحقها غيره؟!
﴿ وَقَالَ الْعَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ لِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَفْنَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
(٣٣)
أي قال أشراف قومه المتصفون بصفات ثلاث هي شر الصفات:
أولها - الكفر بالخالق وجحود وحدانيته.
ثانيها - الكفر بيوم القيامة والتكذيب بالبعث والجزاء والحساب، والمعاد
الجثماني.
ثالثها - الانغماس في الحياة الدنيا التي أنعم الله بها عليهم، حتى بطِروا
وجحدوا النعمة، وقالوا: ما هود الذي يدعي أنه رسول إلا بشر عادي مثلکم
في الصفات والحال، لا ميزة له عليكم، فهو يأكل من طعامكم، ويشرب من
شرابكم الذي تشربون منه، فكيف يدعي الفضل عليكم، ويزعم الرسالة من
الله إلیکم؟
﴿وَلَيِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
· أظهرتم الطاعة لبشر مثلكم، واتبعتموه، إنكم حينئذ تخسرون عقولكم،
· أي وأقسموا لئن.
٣٤
٣٦٦
لَزُرُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /٣١-٤١
وتغبنون في آرائكم، وتضيعون مجدكم بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير
فضيلة له عليكم. وبشرية الرسول هي الشبهة الأولى لإنكار هؤلاء القوم. ثم
ذكروا شبهة ثانية وهي الطعن في صحة الحشر والنشر، والطعن في نبوته القائمة
على إثبات ذلك، فقالوا :
أي أیعدكم
﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ (َّ
أنكم تخرجون وتبعثون من قبوركم أحياء بعد موتكم وصیرورتكم تراباً
وعظاماً بالية؟! ثم قرنوا بالإنكار استبعادهم الشديد وقوع ما يدعيه بقولهم:
، أي بعد بعد ما توعدون به أيها
هَيْهَاَتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (
القوم من حدوث البعث الجثماني وعودة الحياة مرة أخرى، للحساب والجزاء.
ثم أكدوا إنكار البعث بقولهم:
(@) أي ما
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
الحياة إلا واحدة وهي حياة الدنيا، فبعض يموت، وبعض يحيا، وأنه لا إعادة
ولا حشر ولا بعث. وبعد أن طعنوا في صحة الحشر، بنوا عليه الطعن في نبوة
هود، فقالوا :
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (﴾﴾ أي ما
هود الذي يدعي النبوة ويثبت البعث إلا مجرد رجل اختلق الكذب على الله،
فيما جاءكم به من الرسالة والإنذار والإجبار بالمعاد، وما نحن له بمصدقين
فيما يدّعي ويزعم.
ولم يجب الله تعالى عما أوردوه من الشبهتين المتقدمتين، أما كون الرسول
بشراً فهو أدعى وألزم للمؤانسة، وتيسر الأخذ عنه، ومناقشته، وتكوين
القناعة من أمثالهم عقلاً وفكراً ومحاكمة، فليست القضية مجرد إلزام بالقول،
وأما استبعاد الحشر فلضعف عقولهم، وقصور ميزانهم؛ لأن العاقل يدرك أنه
سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات، عالماً بكل المعلومات، وجب أن
٣٦٧
لُرُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٣١-٤١
يكون قادراً على الحشر والنشر، ولأن الإعادة أمر ضروري لإقامة صرح
العدالة بين الناس، فلولا الإعادة لكان تسليط القوي على الضعيف في الدنيا
ظلماً، ولا رادع له، ولا عقاب عليه، وهو غير لائق بالحكيم، لذا قال
تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ عَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
﴾ [طه :
١٥
٢٠ / ١٥] .
ولما يئس هود من إيمان قومه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فزع إلى ربه:
﴿ قَالَ رَبِّ أَنَصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ (6) أي يا ربي انصرني على قومي نصراً مؤزراً
بسبب تكذيبهم إياي في دعوتي لهم إلى الإيمان بك وتوحيدك وإثبات لقائك.
فأجاب الله دعاءه :.
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَُّصْبِحُنَّ نَدِمِينَ ﴾﴾ أي قال تعالى مجيباً دعاءه: ليصيرن
قومك بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا، وذلك حين ظهور علامات الهلاك
لهم، فيحصل منهم الحسرة والندامة على ترك قبول دعوتك لهم إلى الإيمان بالله
والتوحيد، وعلى مخالفتك وتكذيبك ومعاندتهم إياك.
ثم كان الجزاء والعذاب، فقال تعالى:
﴿ فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ ثُنَآَةٌ﴾ أي أهلكوا وماتوا بصيحة جبريل
الرهيبة بهم، وهي صوت شديد مرعب أدى إلى الصعقة والموت، فأصبحوا
بسبب كفرهم وتكذيبهم رسولهم صرعى هلكى، كغثاء السيل: وهو الشيء
الحقير التافه الذي لا ينتفع بشيء منه، قال ابن كثير: والظاهر أنه اجتمعت
عليهم الصيحة، مع الريح الصرصر العاصفة القوية الباردة.
﴿فَبَعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي بعداً من الرحمة وهلاكاً، وسحقاً وتدميراً
القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وطغيانهم وعصيان رسولهم،
[الزخرف: ٧٦/٤٣] .
كقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ ()
هی
٣٦٨
لُرعُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ٣١-٤١
وفي هذا غاية المهانة والذلة لهم، وإظهار قدرة الله عليهم، وإنذار السامعين
أمثالهم من تكذيب رسولهم بأن يصيبهم من العذاب مثل ما أصابهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
: العبرة واضحة من هذه القصة، فهي إنذار مخالفي الرسول وَل*، وبيان
عاقبة الكافرين الظالمين الذين ينكرون وحدانية الله، ولا يصدقون بيوم
القيامة، ويعاندون رسول الله صل﴾.
وواضح من الآيات أن هوداً عليه السلام أمر قومه بعبادة الله وحده لا
شريك له؛ إذ لا يستحق العبادة سواه، وحذرهم من الكفر، وخوفهم من
عقاب الله وعذابه.
أما القوم فكانوا أغبياء إذ صدقوا رؤساءهم وزعماءهم الذين كفروا بربهم
وكذبوا بالبعث ولقاء الله، وانغمسوا في نعم الحياة المادية التي أنعم الله بها
عليهم، وصدوهم عن الإيمان، معتمدين على شبهتین:
الأولى - بشرية الرسل وعدم تميزهم عن سائر البشر بميزة تقتضي اتباعهم.
الثانية - إنكار البعث والحشر والنشر والحساب والجزاء.
ورتبوا على ذلك إنكار نبوة هود عليه السلام، وبالغوا في إنكار البعث،
وأعلنوا كبقية الماديين الملحدين أن الحياة في الدنيا هي الحياة الوحيدة، أو لا
حياة إلا هذه الحياة، وأن البشر سلسلة يموت بعضهم، ويحيا بعضهم، وأن
رسولهم هود رجل مفترٍ كذاب فيما يدعيه من الرسالة وما يزعمه من البعث
والجزاء.
وكانت النتيجة الحتمية المطابقة للعدل هي هلاك القوم وتدميرهم بصيحة
جبريل عليه السلام مع الريح الضرصر العاتية، صاح بهم جبريل صيحة
٣٦٩
لُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٤٢-٤٤
واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها، فماتوا عن آخرهم، وجعلوا
هَلْكى هامدين كغثاء السيل: وهو ما يحمله من بالي الشجر من الأعشاب
والقصب مما يبس وتفتَّت، فبعداً أي هلاكاً لهم، وبعداً لهم عن رحمة الله،
بظلمهم وكفرهم وعنادهم وطغيانهم.
القصة الثالثة
قصص صالح ولوط وشعيب وغيرهم عليهم السلام
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوْنَاءَاخَرِينَ (
يَسْتَشْخِرُونَ ﴿٤) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَثْراً كُلَّ مَا جَّءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَتْبَعْنَا بَعْضَهُم
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا
٤٣
بَعْضًا وَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
٤٤
القراءات:
﴿ أَنْشَأْنَا﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (أنشانا).
﴿يَسْتَشْخِرُونَ﴾ :
وقرأ السوسي، وورش، وحمزة وقفاً (يستاخرون).
﴿رُسُلَنَا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
الإعراب:
﴿وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ﴾ لم يقل: تستأخر، مثل: تسبق، وإنما ذكر الضمير بعد
تأنيثه رعاية للمعنى.
٣٧٠
لُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٤٢-٤٤
تَثْرًا﴾ في موضع نصب على الحال من (الرسل) أي أرسلنا رسلنا
متواترين. و﴿ تَثْرًا﴾ أصلها وَتْرى من المواترة، فأبدل من الواو تاءً، كتراث
وتهمة وتخمة، ويقرأ بتنوين وغير تنوين، فمن قرأ بالتنوين جعل ألفها للإلحاق
بيجعفر، وألف الإلحاق قليلة في المصادر، فجعلها بعضهم بدلاً عن التنوين.
ومن لم ينون، جعل ألفها للتأنيث كالدَّعوى والعدوى، وهو ممنوع من
الصرف للتأنيث ولزومه.
المفردات اللغوية:
﴿قُرُوْنَا﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ بأن
تموت قبله . ﴿ وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ﴾ عنه.
﴿تَبْرأْ﴾ متواترين، واحداً بعد واحد، من الوتر وهو الفرد، والألف
للتأنيث؛ لأن الرسل جماعة، أي جعلناهم متتابعين، بين كل اثنين زمان
طويل. ﴿أَرْسَلْنَا﴾ ﴿رَّسُولها﴾ هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا
بِالْبَيْنَتِ﴾ [المائدة: ٣٢/٥] وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ [الأعراف:
٧/ ١٠١] فمرة يضيف الرسل إليه تعالى، ومرة إلى أممهم؛ لأن الإضافة تكون
بالملابسة، والرسول ملابس المرسِل، والمرسل إليهم جميعاً، وأضاف الرسول
عند الإرسال إلى المرسل في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ وعند المجيء إلى المرسل إليهم في
قوله: ﴿رَسُولهًا﴾ لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه تعالى، والمجيء الذي
هو منتهاه إلى القوم.
﴿فَأَتْبَغَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا﴾ في الإهلاك. ﴿ وَحَعَلْنَهُمْ أَحَدِيثَ﴾ لم يبق منهم إلا
حكايات يسمر بها، أي جعلناهم أخباراً يسمر بها ويتعجب منها.
والأحاديث: اسم جمع للحديث في رأي الزمخشري، أو جمع أحدوثة وهي ما
يتحدث به تلهياً وتعجباً، كالأضحوكة والألعوبة والأعجوبة، وهو المراد هنا.
والجمهور على أن الأحاديث في غير هذا الموضع جمع حديث، ومنه أحاديث
رسول الله ◌َ﴾، وقد جمعت العرب ألفاظاً على أفاعيل كأباطيل وأقاطيع.
٣٧١
الْجُزْعُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٤٢-٤٤
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة، وهي مجموع قصص ذات هدف
واحد، والله تعالى يقص القصص في القرآن تارة مفصلة، كالقصتين
السابقتين، وأخرى مجملة كما هنا، والمراد بهذه القصص قصة لوط وصالح
وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام.
التفسير والبيان:
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونَا ءَآخَرِينَ ﴾﴾ أي ثم أوجدنا من بعد هلاك
قوم عاد أمماً وخلائق وأقواماً آخرين، كقوم صالح ولوط وشعيب وأيوب
ويوسف وغيرهم عليهم السلام، ليقوموا مقام من تقدمهم في عمارة الدنيا.
﴾ أي ما تتقدم أمة مهلَكَة من تلك
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَنْخِرُونَ
الأمم وقتها المقدَّر لهلاكها أبداً، أو المؤقت لعذابها إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون
عنه. والمعنى أن وقت الهلاك محدد لا يتقدم ولا يتأخر، فلا تتعجلوا العذاب،
فكل شيء عنده تعالى بمقدار، وهذا مرتبط بأجل الإنسان، كما قال تعالى:
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١/١٦].
﴿فُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرًا﴾ أي ثم بعثنا رسلاً آخرين في كل أمة، يتبع بعضهم
بعضاً، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُنَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ إِلَّهَ
وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم ◌َنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ
[النحل: ٣٦/١٦] .
﴿ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أي كلما جاء الرسول أمة بتكليفهم
بالشرائع والأحكام كذبه جمهورهم وأكثرهم، سالكين في تكذيب أنبيائهم
مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، كقوله تعالى:
يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْنِيْهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
﴾ [يس:
٣٠
٣٠/٣٦] .
٣٧٢
الُرعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٤٢-٤٤
﴿فَأَتْبَعَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا﴾ أي بالهلاك، والمعنى: أتبعنا بعضهم بالهلاك إثر
بعض، حين كذبوا رسلهم، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدٍ
قلے
[الإسراء: ١٧ / ١٧].
﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ﴾ أي وجعلناهم أخباراً وأحاديث للناس، جمع
أحدوثة وهي ما يتحدث به، يتحدثون بها تلهياً وتعجباً، كقوله تعالى:
﴿ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَقٍّ﴾ [سبأ: ١٩/٣٤].
﴿فَبُعْدًا لِّقَوَمِ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي هلاكاً وتدميراً وبعداً عن رحمة الله لقوم لا
يصدقون به ولا برسوله. وهذا وارد على سبيل الدعاء، والذم، والتوبيخ،
والوعيد الشديد لكل كافر. وهو دليل على أنهم كما أهلكوا عاجلاً، فهلاكهم
بالتعذيب آجلاً على التأبيد مترقب.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات واضحة الدلالة على المقصود منها، وهي أن أجل الهلاك
والعذاب محدد بميقات معين، لا يتقدم عنه ولا يتأخر. وأن رحمة الله وحكمته
وعدله اقتضت إرسال الرسل في كل الأمم ﴿لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥/٤].
ولكن أكثر الناس وجمهورهم يكذبون الرسل ويخالفونهم فيما جاؤوا به،
فتكون النتيجة إهلاك بعضهم إثر بعض، وجعلهم أحدوثة (وهي ما يتحدث
به) يقص الناس أخبارهم في مجالس السمر، لأنها مدعاة للتعجب.
ثم ختمت الآيات بالإنذار والوعيد الشديد بالهلاك والدمار لكل قوم لا
١
يصدقون بوجود الله وتوحيده وإرسال رسله، فإن الكافرين كما أهلكوا في
الدنيا، يكون هلاكهم بالتعذيب في الآخرة أمراً منتظراً مؤكداً حصوله.
٣٧٣
الُرعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٤٥-٤٩
القصة الرابعة - قصة موسى وهارون عليهما السلام
﴿فُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِهَايَتِنَا وَسُلْطَنِ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ
فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا
٤٦
وَمَلِيْهِ، فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ
عَبِدُونَ
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ
٤٨
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ لَعَلَّهُمْ
٤٩
مَهَنَدُونَ
البلاغة:
﴿عَالِينَ﴾ ﴿اَلْمُهْلَكِينَ﴾ سجع لطيف.
المفردات اللغوية:
﴿بِشَايَقِنَا﴾ بالآيات التسع كاليد والعصا، وهي المذكورة في سورة
الأعراف ﴿وَسُلْطَنِ تُّبِينٍ﴾ حجة بينة واضحة ملزمة للخصم، والمراد بالسلطان
المبين: إما الآيات أنفسها، أي هي آيات وحجة بينة، وإما العصا لأنها كانت
أمَّ الآيات وأولاها، وقد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية، وتلقفها
ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر، بضربهما بها،
وكونها حارساً، وشمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلواً، ورشاءً، فجعلت
كأنها ليست بعض الآيات، لخصائصها ومزاياها وفضلها، فلذلك عطفت
عليها، كقوله تعالى ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨/٢] عطفاً على الملائكة، مع
أنهما منهم.
ومثل وغير: يوصف بهما الاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث، كقوله تعالى:
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ٤/ ١٤٠] ﴿وَ مِنَ اٌلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢/٦٥].
ويقال أيضاً: هما مثلاه، وهم أمثاله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِ اَلَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤/٧].
٣٧٤
الُعُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /٤٥-٤٩
{فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان بالله وبالآيات، والمتابعة ﴿عَالِينَ﴾ متكبرين
قاهرين بني إسرائيل بالظلم ﴿أَثُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾(١) ثَى البشر؛ لأنه يطلق
للواحد، كقوله تعالى: ﴿بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧/١٩] كما يطلق للجمع،
كقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦/١٩] ولم يثن المثل؛ لأنه في حكم
المصدر، فيوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.
﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني بني إسرائيل ﴿عَبِدُونَ﴾ خادمون مطيعون، خاضعون
منقادون ﴿مِنَ اٌلْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق في البحر الأحمر ﴿اُلْكِنَبَ﴾ التوراة
﴿لَعَلَّهُمْ يَدُونَ﴾ لعل بني إسرائيل يهتدون إلى المعارف والأحكام. ولا يجوز
عود الضمير إلى فرعون وقومه؛ لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم.
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة في هذه السورة، ويلاحظ فيها وحدة الموضوع
والهدف وشبهة إنكار النبوة، فموضوعها: وصف حال المتكبرين السادة
الأشراف الملأ من قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وأيوب ويوسف،
وفرعون وملئه، وتكذيبهم رسلهم الذين جاؤوهم بالحق وبالبينات والمعجزات
الواضحات الدالة على صدقهم. والهدف: هو العبرة والعظة حتى لا يستبد
الكفار بآرائهم، ومعنوا في العناد والكفر، فيستحقوا مثل عقاب من تقدمهم.
وأما شبهة إنكار النبوة من المنكرين في هذه القصص فهي واحدة وهي
وحدة البشرية أو قياس حال الأنبياء على أحوالهم، لما بينهم من المماثلة في
الحقيقة، وهي شبهة زائفة باطلة؛ لأن النفوس البشرية، وإن اشتركت في
(١) لفظ البشر يطلق على الواحد والجمع، كما قال تعالى في إطلاقه على الواحد: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا
بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٩ /١٧] ﴿أَثُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧/٢٣]. ومثال إطلاقه على الجمع
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦/١٩] ﴿ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:
٣١/٧٤] .
٣٧٥
الجُرُ (١٨) - المُؤْتُونَ: ٢٣ /٤٥-٤٩
أصل القوى والإدراك، فإنها متباينة فيهما، فالناس يتفاوتون في طاقات
المواهب والأفكار والمدارك، وفي الاستعدادات الفطرية، وهذا ما أشار إليه
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ﴾ [الكهف:
١١٠/١٨] .
التفسير والبيان:
﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ
﴿فُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
وَمَلِيْهِ، فَأُسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ (®﴾ أي ثم أرسلنا بعد الرسل المتقدمين
موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه وأتباعهم من الأقباط بالآيات .
والحجج الدامغة والبراهين القاطعة، ولكن هؤلاء القوم استكبروا عن
اتباعهما والانقياد لأمرهما؛ لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة
الرسل من البشر، وكانوا قوماً متكبرين، كما قال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ
@ [النازعات:
١٩
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى
١٨
لَغَى ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزََّى
١٧/٧٩-١٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤/٢٨].
والآيات كما قال ابن عباس رضي الله عنهما هي الآيات التسع وهي
العصا، واليد، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر،
والسنون، ونقص الثمرات.
ودلت الآية على أن النبوة كانت مشتركة بين موسى وهارون، وكذلك
كانت المعجزات واحدة، فمعجزات موسى عليه السلام هي معجزات هارون
عليه السلام.
وكانت صفة فرعون وقومه أمرين: أحدهما - الاستكبار والأنفة، والثاني
- أنهم كانوا قوماً عالين، أي رفيعي الحال في أمور الدنيا أو في الكثرة
والقوة، أي على جانب من الحضارة والعلم، والعز والسلطان، بدليل الواقع
التاريخي.
٣٧٦
الُُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٤٥-٤٩
وكانت شبهتهم هي قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ﴾؟ أي
قال فرعون وملؤه (أشراف قومه): كيف ننقاد لأمر موسى وأخيه هارون،
وقومهما بنو إسرائيل خدمنا وعبيدنا المنقادون لأوامرنا؟!
أي أن الرسالة تتنافى مع البشرية، وأن قوم موسى وهارون أتباع أذلة
لفرعون وقومه، وهكذا شأن الماديين لا يؤمنون بالقوى المعنوية، ويقيسون
عزة النبوة وتبليغ الوحي عن الله على الرياسة أو الزعامة الدنيوية المعتمدة على
الجاه والمال.
وهذا المعنى ذاته شبيه بما قالته قريش: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣]. ولم يتنبهوا إلى أن معيار الاصطفاء للنبوة
أو الرسالة إنما هو السمو في الفضائل والصفات التي ينعم الله بها عليهم
ويؤهلهم لتلقي الوحي وتبليغه إلى البشر. وكان مآل غطرسة فرعون وقومه
أمرين: التكذيب بنبوة موسى، وإنزال التوراة على موسى، أما الأول فهو قوله
تعالی:
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ (@) أي كذب فرعون وقومه موسى
وهارون، فأهلكهم الله بالغرق في يوم واحد أجمعين في بحر القُلْزُم (البحر
الأحمر) كما أهلك المستكبرين المتقدمين من الأمم بتكذيبهم رسلهم.
وأما الثاني فهو قوله سبحانه:
﴿وَلَقَدْ ءَتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ لَعَلَّهُمْ يَهَنَدُونَ ﴾﴾ أي لقد أنزلنا على موسى
التوراة المشتملة على الأحكام والأوامر والنواهي، بعد إغراق فرعون وقومه،
رجاء أن يهتدي بها بنو إسرائيل إلى الحق، بامتثال ما فيها من المعارف
والأحكام، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ
أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٣
[القصص: ٤٣/٢٨] .
٣٧٧
الُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٥٠
قال ابن كثير: وبعد أن أنزل الله التوراة، لم يهلك أمة بعامة، بل أمر
المؤمنين بقتال الكافرين(١).
٢٠
فقه الحياة أو الأحكام:
في قصة موسى وهارون مع فرعون عبرة بالغة وعظة مؤثرة، فلقد بعث الله
تعالى موسى وأخاه هارون إلى فرعون وقومه، مؤيدين بالمعجزات والأدلة
الواضحة القاطعة الدالة على صدقهما، فدَعَوَاه وملأَه إلى الإقرار بوجود الله
وتوحيده، فاستكبروا وتعالوا عن اتباعهما والانقياد لدعوتهما، لكونهما
بشرین.
فکان حصاد التكذيب أمرين : إهلاك فرعون وقومه بالغرق في يوم واحد
أجمعين في البحر الأحمر، وإنزال التوراة على موسى في الطور، فيها هدى
ونور، وتشريع وأحكام، وخص موسى بالذكر هنا؛ لأن هارون كان خليفة في
قومه، وإيتاء التوراة كان لكليهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَتَيْنَا مُوسَى
وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨/٢١].
القصة الخامسة
قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام
﴿ وَجَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُرْ ءَايَةً وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
القراءات:
﴿ ربوق﴾: قرئ:
١- (رَبْوة) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم.
(١) تفسير ابن كثير: ٢٤٥/٣
٥٠
٣٧٨
لِلُعُ (١٨) - المُؤْضُونَ: ٢٣ /٥٠
٢- (رُبْوة) وهي قراءة الباقين.
البلاغة:
﴿ وَمَعِينٍ﴾ مع فواصل الآيات السابقة، ﴿عَالِينَ﴾ ﴿اَلْمُهْلَكِينَ﴾ سجع
مستحسن.
المفردات اللغوية:
﴿أَبْنَ مَرْيَ﴾ عيسى عليه السلام ﴿ءَايَةً﴾ حجة وبرهاناً على قدرة الله تعالى،
ولم يقل: آيتين؛ لأن الآية فيهما واحدة، وهي ولادتها إياه من غير مسيس
رجل ﴿وَءَاوَيْنَهُمَآَ﴾ جعلنا مأواهما ومنزلهما ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ هي المكان المرتفع
من الأرض، وهو أرض بيت المقدس أو فلسطين أو الرملة، أو دمشق، فإن
قراها على الرُّبى ﴿ذَاتٍ قَرَارٍ﴾ أي ذات استقرار فيها، يستقر عليها ساكنوها؛
لأجل ما فيها من الثمار والزروع ﴿ وَمَعِينٍ﴾ ماء جار ظاهر للناس.
المناسبة:
سبق إيراد قصة عيسى وأمه مفصلة في سورتي آل عمران ومريم، ووردت
هنا بإيجاز يقتضيه المقام، وهو الاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى على ما
يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى،
وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى، وانتهى
بذلك عصر المعجزات لانتهاء النبوة.
التفسير والبيان:
وجعلنا عيسى وأمه آية للناس دالة على قدرتنا؛ إذ خلقناه من غير أب. وقد
جعلهما الله تعالى آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير رجل، لاشتراكهما في هذا
الأمر العجيب الخارق للعادة. وهو دليل على القدرة الإلهية القادرة على كل شيء،
كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١/٢١].
٣٧٩
الُرُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٥٠
وجعلنا مأواهما في مكان مرتفع من الأرض، صالح لاستقرار السكان،
ذي ثمار وزروع وخصب، وماء جارٍ ظاهر للعيون لا ينضب، وهو - كما قال
قتادة - بيت المقدس، وهو الظاهر، وقيل: هو الرملة من فلسطين، كما روي
عن أبي هريرة، وقال مقاتل والضحاك: هي غوطة دمشق؛ إذ هي ذات الثمار
والمياه.
قال ابن كثير: وأقرب الأقوال في ذلك: مارواه العوفي عن ابن عباس في
قوله: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَآ إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين: الماء الجاري،
وهو النهر الذي قال الله تعالى عنه: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِبًا﴾ [مريم: ٢٤/١٩]
وكذا قال قتادة والضحاك: إلى ربوة ذات قرار ومعين: هو بيت المقدس،
فهذا - والله أعلم - هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى، والقرآن
يفسر بعضه بعضاً، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم
الآثار(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
إن خلق عيسى عليه السلام من غير أب هو معجزة، وآية دالة على عظمة
القدرة الإلهية.
وهو إعداد له ليكون نبياً، وقد ظهرت علائم نبوته بالنطق وهو في المهد
طفل رضيع.
:
ومقتضى الإعداد للنبوة أن يكفله الله ويحميه، وينعم عليه بالنعم التي تعينه
على تحمل أعباء النبوة، ومن تلك النعم الوفيرة: الإيواء في مكان صحي،
ومنزل مريح، محاط بالخيرات من كل جوانبه، يفيض بالثمار والزروع والمياه
الغزيرة المتدفقة، لتوفير سبل الحياة الكريمة.
(١) تفسير ابن كثير: ٢٤٦/٣
٣٨٠
الُعُ (١٨) - المؤمنُونَ: ٢٣ /٥١-٥٦
وسبب الإيواء أن مريم أم عيسى فرت بابنها عيسى إلى الربوة، وبقيت بها
اثنتي عشرة سنة. وقد ذهب بهما ابن عمها يوسف النجار، ثم رجعت إلى
أهلها، بعد أن مات ملكهم.
مبادئ التشريع في الحياة
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
٥١
وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ (٥٥) فَتَقَطّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرّاً
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا
٥٤
فَذَرُهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَى حِينٍ
٥٣
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِجُونَ
٥٦
◌َُارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَنِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
نُمِدُهُرِ بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِنَّ
القراءات:
﴿وَإِنَّ هَذِهٍِ﴾:
قرئ:
١- (وأنَّ هذه) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (وأنْ هذه) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (وإنَّ هذه) وهي قراءة الباقين.
ـدَيْهِمْ﴾:
وقرأ حمزة (لديهُم).
﴿أَيَحْسَبُونَ﴾:
قرئ: