Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
اِلُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١٢-١٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على خلق الإنسان، وخلْقُه ومروره في المراحل التسع المذكورة
دليل واضح على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته العظمى.
فقد بدأ الله تعالى خلق آدم عليه السلام من طين أو تراب، ثم جعل ابن آدم
مخلوقاً من نطفة (مني) يلتقي مع مني المرأة، فيبدأ تخلق الجنين، ثم تتحول
النطفة إلى علقة (دم متخثر) ثم تصبح مضغة (قطعة لحم) ثم تصير عظاماً، ثم
تكسى العظام باللحم الذي تظهر فيه ملامح الإنسان، ثم يصير خلقاً جديداً
مبايناً للخلق الأول بنفخ الروح الحركية فيه بعد أن كان جماداً.
فتبارك وتعالى الله أحسن الخالقين وأتقن الصانعين، لهذا الإبداع والإنشاء
العظيم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
١٧)﴾ [النحل: ١٦ /١٧].
وبعد هذه المراحل السبع، وولادة الإنسان، وتمتعه بالحياة المقدرة له، أي
بعد الخلق والحياة تحدث نهاية الإنسان بالموت، ثم يأتي البعث بعد الموت،
وكلٌ من الخلق الأول (النشأة الأولى) ثم الإماتة (إعدام الحياة) ثم البعث
(إعادة ما أفني وأعدم) دليل قاطع على قدرة الله تعالى.
والآيات صريحة في أن الله وحده هو الخالق، وهو المحبي، وهو المميت،
وهو الباعث، والله هو الحق، ووعده بالبعث حق، والجنة حق، والنار حق.
وذلك كله لإثبات البعث الذي ينكره المشركون والملحدون الماديون الذين
يرون أن الدنيا هي نهاية المطاف، وألا حياة أخرى بعدئذ، وإنكارهم الحياة
الآخرة وإنكار وجود الله أو وحدانيته هو مذهب المادية، وعقيدة الجاهلية،
وأسّ الكفرَ وعماده.
أما أهل الإيمان فهم الذين يشكرون ربهم الخالق الذي أنعم عليهم بنعمة
الإيجاد والإحياء والرزق، وهم الذين يبادرون إلى أداء التكاليف التي كلف

٣٤٢
المُرُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /١٢-١٦
الله بها عباده بعد أن أصبحوا قادرين على تحمل التكليف، ثم لابد من مجيء
يوم القيامة والبعث بعد الموت لتسلم الجائزة الكبرى على العمل الصالح،
ومجازاة المؤمنين بالجنة، وعقوبة الكافرين بالنار.
روى ابن أبي شيبة في مسنده أن ابن عباس استنبط شيئاً من هذه الآية،
فقال لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر، فقالوا: الله أعلم؛
فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى خلق
السماوات سبعاً، والأرضِين سبعاً، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في
سبع، فأُراها في ليلة سبع وعشرين، فقال عمر رضي الله عنه: أعجزكم أن
تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه.
أراد ابن عباس بقوله: ((خلق ابن آدم من سبع)) مراحل خلق الإنسان
المفهومة من هذه الآية، وبقوله: ((وجعل رزقه في سبع)) قوله: ﴿فَأَنْتَنَا فِيهَا حَبًّا
V
وَزَيْتُونًا وَنَخْلَا ﴿٨َ وَحَدَابِقَ غُلَبً ﴿٣َ وَفَكِهَةً وَأَبَّاً
٢٨
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
السبع منها لابن آدم، والأب: العشب للأنعام، والقضب: البقول، وقيل
هو للأنعام.

٣٤٣
الُرعُ (١٨) - المؤمنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
- ٢ -
خلق السماوات وإنزال الأمطار وتسخير الأنعام
◌َ وَأَنَزَلْنَا مِنَ
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمُ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ
فَأَنشَأْنَا لَكُمْ
١٨
السَّمَآءِ مَّهُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِّ وَإِنَا عَلَى ذَهَاٍِ بِهِ، لَقَدِرُونَ
وَشَجَرَةًّ
بِهِ جَنَاتٍ مِّنْ تَّخِيلٍ وَأَعْتٍَ لَّكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ (9َ)
تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَةَ تَنْبُتُ بِالْذُهْنِ وَصِيْعُ لِلْأَّكِينَ
وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً
تُتْفِيكُمْ مِمَا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
وَعَلَيْهَا وَعَلَى
٢٢)
اٌلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
القراءات:
﴿سَيْنَاءَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (سِيْنَاء).
﴿ ◌َنُْتُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (تُنْبِت).
﴿ُقِيمُ﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (نَسقيكم).
الإعراب:
﴿وَشَجَرَةً﴾ معطوف بالنصب على ﴿جَنَّتٍ﴾ أي فأنشأنا لكم به جنات
وشجرة تخرج من طور سيناء.

٣٤٤
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
و ﴿سَيْنَآءَ﴾ ممنوع من الصرف للتأنيث ولزومه، أي للعلمية والتأنيث،
أي تأنيث البقعة.
و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من قرأ بفتح التاء جعل الباء للتعدية، ومن قرأ بالضم
جعله من أنبت، وفي الباء ثلاثة أوجه: التعدية، وتكون أنبت بمعنی نبت، أو
تكون زائدة؛ لأن الفعل متعد بالهمزة، أو تكون للحال، ومفعوله محذوف،
أي تنبت ما تنبت ومعه الدهن.
البلاغة:
﴿َسَبْعَ طَرَابِقَ﴾ استعارة، شبهت السماوات بطبقات النعل؛ لأنه طورق
بعضها فوق بعض، كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله، فهو طريقة.
﴿ وَإِنَا عَلَى ذَهَاٍِ بِهِ﴾ في تنكير ﴿ذَهَارٍ﴾ إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في
الإبعاد به.
المفردات اللغوية:
﴿سَبْعَ طَرَبِقَ﴾ أي سبع سماوات، والطرائق: جمع طريقة؛ سميت بذلك
لأنه طورق بعضها فوق بعض، مطارقة النعل، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة،
أو لأنها طرق الملائكة. وقيل: المراد بالطرائق: الأفلاك؛ لأنها طرائق
الكواكب فيها مسيرها. والأول أصح، قال الخليل والزجاج: وهذا كقوله:
اللهُ
﴾ [نوح: ١٥/٧١] وقوله :
﴿أَ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (®]
الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ اٌلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢/٦٥] الآية، أي فالطرائق
والطباق بمعنى واحد.
﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ اٌلْخَلْقِ﴾ أي المخلوقات التي منها السماوات السبع ﴿غَفِينَ﴾
مهملين أمرها، بل نحفظها من الزوال والاختلال، وندبر أمرها حتى تبلغ
منتهى ما قدّر لها من الكمال، بحسب الحكمة والمشيئة الإلهية، وهذا كقوله
تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهٍِ﴾ [الحج: ٦٥/٢٢].

٣٤٥
الجُزءُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءً﴾ السماء هنا: السحاب ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي بمقدار
معلوم، وهو مقدار كفايتهم ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِ﴾ أي جعلناه ثابتاً مستقراً
فيها ﴿ذَهَارٍ بِهِ﴾ أي على إزالته، إما بتغويره في الأرض بحيث يتعذر إخراجه،
أو بتغيير صفة المائية إلى عنصر آخر ﴿لَقَدِّرُونَ﴾ أي كما كنا قادرين على
إنزاله، وحينئذ يموتون مع دوابهم عطشاً ﴿مِّنْ تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾ هما أكثر فواكه
العرب ﴿لَّكُمْ فِيَهَا﴾ في الجنات ﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ أي ومن الجنات تأكلون
ثمارها وزروعها، صيفاً وشتاء.
﴿وَشَجَرَةٌ﴾ أي وأنشأنا شجرة هي شجرة الزيتون ﴿طُورٍ سَيْنَآءَ﴾ جبل
موسى بين مصر وأيلة، وقيل: إنه بفلسطين، فهو جبل الطور الذي ناجى فيه
موسى ربه، ويسمى طور سينين أيضاً ﴿وَصِبْغِ لِّلْأَكِلِينَ﴾ معطوف على الدهن،
أي إدام يصبغ فيه الخبز أي يغمس فيه للائتدام، وهو زيت الزيتون.
(الْأَنَّعَمِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةٌ﴾ عظة تعتبرون بها ﴿مِّمَّا فِىِ
بُطُونِهَا﴾ أي اللبن ﴿مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ﴾ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير
ذلك ﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ أي من الأنعام تأكلون، فتنتفعون بأعيانها ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى
اُلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾﴾ أي في البر والبحر.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى النوع الأول من دلائل قدرته وهو خلق الإنسان،
أتبعه بذكر أنواع ثلاثة أخرى من تلك الدلائل وهي خلق السماوات السبع،
وإنزال الماء من السماء وتأثيره في إنبات النبات، ومنافع الحيوانات وهي هنا
أربعة أنواع: الانتفاع بالألبان، وبالصوف، وباللحوم، وبالركوب، وذلك
كله مما يحتاج إليه الإنسان في بقائه.

٣٤٦
لُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
التفسير والبيان:
خلق السماوات:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ أي تالله لقد خلقنا فوقكم يابني آدم
سبع سماوات طباقاً، بعضها فوق بعض، وهي أيضاً مسارات الكواكب.
وكثيراً ما يقرن الله تعالى خلق السماوات والأرض، مع خلق الإنسان،
كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ﴾
[غافر: ٥٧/٤٠] وهكذا في أول سورة السجدة ﴿الّمّ ﴾﴾ التي كان رسول الله
وَلا يقرأ بها في صبيحة يوم الجمعة، في أولها خلق السماوات والأرض، ثم
بيان خلق الإنسان، وفيها أمر المعاد والجزاء.
ونظير الآية كما تقدم: ﴿أَمَ تَرَوْأْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا
١٥
[نوح: ١٥/٧١] وقوله: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ
بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا
١٣
[الطلاق: ٦٥/ ١٢] .
﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ أي وما كنا مهملين أمر جميع المخلوقات التي
منها السماوات، بل نحفظها لكفالة بقائها واستمرارها، ونحن نعلم كل
ما يحدث فيها من صغير أو كبير، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا
يَخْجُ مِنْهَا وَمَا يَنَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤/٥٧] وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا
يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنٍَ مُبِينٍ﴾
[الأنعام: ٥٩/٦] .
المطر والنبات:
﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِ﴾ أي وأنزلنا من السحاب

٣٤٧
المُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
مطراً بقدر الحاجة والكفاية للشرب والسقي، لا كثيراً يفسد الأرض
والعمران، ولا قليلاً لا يكفي الزرع والثمار، حتى إن الأراضي التي تحتاج
ماءً كثيراً لزرعها، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها، يساق الماء إليها من
بلاد أخرى، كأرض مصر التي يقال لها: الأرض الجرُز، يأتي حاملاً معه
الطين الأحمر ((الغِرْيَن)) من بلاد الحبشة، فيستقر الطين فيها للزراعة فيه،
فتغطى الرمال به، وهي ما يغلب في تلك الأرض.
وجعلنا الماء إذا نزل من السحاب يستقر في الأرض، وجعلنا في الأرض
قابلية له، فيتغذى به ما فيها من الحب والنوى، ومنه تنبع الأنهار والآبار.
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ، لَقَدِّرُونَ﴾ أي ولو شئنا إزالته وتصريفه عنكم وتغويره
لفعلنا، كما أنا قادرون على إنزاله. وكذلك لو شئنا لجعلناه ملحاً أُجاجاً لا
ينتفع به في الشرب والسقي، ولو شئنا ألا يمطر السحاب لفعلنا، ولو شئنا أن
يبقى على سطح الأرض لفعلنا، ولكن لرحمتنا ولطفنا بكم أسكناه في الأرض
بمثابة خزانات، لتأخذوا منه عند الحاجة، وتسقوا به زرعكم وثماركم
وأنفسكم ودوابكم، وتنتفعوا به بسائر وجوه الانتفاع من غسل وتطهر
وتنظيف وتبرد ونحو ذلك.
﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُ بِهِ، جَنَاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾ أي فأخرجنا لكم بما أنزلنا من
السماء جنات أي بساتين وحدائق ذات بهجة أي ذات منظر حسن، وفيها
النخيل والأعناب، وهذا أغلب فواكه العرب.
﴿لَّكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي لكم في الجنات فواكه متنوعة
كثيرة، من جميع الثمار، عدا النخيل والأعناب، وتأكلون من ثمار الجنات
وتنتفعون بها، وترزقون وتتعيشون.
وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون
إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون.

٣٤٨
اِلُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
﴿وَشَجَرَةٌ تَّخْرُجُ﴾ أي وأنشأنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في جبل
الطور، وتأتي بالدهن وهو الزيت، وتتخذ إداماً ينتفع به الآكلون بالدهن
والاصطباغ.
روى الإمام أحمد عن أبي أُسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَله: «كُلُوا الزيتَ وادّهنوا به، فإنه من شجرة
مباركة)) ورواه الترمذي عن عمر رضي الله عنه.
أحوال الأنعام:
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً﴾ أي وإن لكم أيها الناس في خلق الإبل والبقر
والغنم وما فيها من المنافع لعظة تعتبرون بها ونعمة تستحق الشكر والتقدير
والاستدلال على قدرة الله تعالى، بتحويل الدم المتولد من الغذاء في الغدد إلى
لبن طيب سائغ شرابه، كامل التغذية. وتلك المنافع كثيرة ذكر منها هنا أربعة
أنواع هي:
اً - ﴿ُتْفِيكُمْ مِمَا فِ بُطُونِهَا﴾ أي تشربون من ألبانها الخارجة من بين
فرث ودم، وتتخذون منها السمن والجبن وغير ذلك، وتنتج لكم الحملان.
أَ - ﴿وَلَكُرُ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أي وتستفيدون من أصوافها وأوبارها
وأشعارها، وتتخذون منها الملابس والفُرُش.
ءَ - ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي وتأكلون من لحومها بعد ذبحها، فتنتفعون بها
حية وبعد الذبح.
أي وتركبون ظهورها وتحملون
٤ - ﴿وَعَلَيَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (بَلَ﴾
عليها الأحمال الثقال إلى البلاد والبقاع النائية، كما تنتفعون بالسفن، كما قال
تعالى: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ إِنَّ
(﴿4﴾ [النحل: ٧/١٦] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا
رَبَّكُمْ ذَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ

٣٤٩
لُرعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١٧-٢٢
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ
لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
(٧٣) ﴾ [يس: ٧١/٣٦-
وَمِنْهَا يَأْكُونَ ﴿ وَهُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
٧٣] .
والامتنان بهذه النعم الجليلة بقصد الإرشاد إلى الخالق، وتعرف قدرة الله
تعالی.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - استنبط الإمام الرازي من الآية الأولى في خلق السماوات ستة أحكام
هی:
أ - إنها دالة على وجود الإله الصانع، فإن تحول الأجسام من صفة إلى
صفة أخرى مغايرة للأولى يدل على أنه لابد من محول ومغير.
ب - إنها تدل على فساد القول بالطبيعة؛ لأن الطبيعة تقضي ببقاء
الأشياء على حالها وعدم تغيرها، فإذا تغيرت تلك الصفات، دل على
احتياج الطبيعة إلى خالق وموجد.
جـ - تدل على أن المدبر قادر عالم؛ لأن الجاهل لا يصدر عنه هذه
الأفعال العجيبة.
د - تدل على أنه تعالى عالم بكل المعلومات، قادر على كل الممكنات.
هـ - تدل على جواز الحشر والنشر؛ لأنه لما كان تعالى قادراً عالماً،
وجب أن يكون قادراً على إعادة تركيب الأجزاء كما كانت.

٣٥٠
الزُُّ (١٨) - المُقْمُنُون: ٢٣ / ١٧-٢٢
و - إن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية، وإلا
لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً(١).
أَ - دلت الآية الثانية في إنزال المطر على نعمة عظمى تستحق التقدير هي
الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان، فالماء في نفسه نعمة، وهو أيضاً
سبب لحصول النعم من إنبات النبات، وسقي الإنسان والحيوان.
والمراد بماء السماء المنزل المختزن وغير المختزن: هو الماء العذب غير
الأجاج المالح.
وإنزال الماء بقدر، أي على قدر مصلح موافق للحكمة والحاجة؛ لأنه لو
كثر أهلك، كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا
بِقَدَرٍ مَّعْلُومِ (َ﴾﴾ [الحجر: ٢١/١٥].
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِهِ، لَقَدِرُونَ﴾ أي الماء المختزن في الأرض: تهديد
ووعيد، أي في قدرة الله إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك
مواشيهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ
الملك: ٣٠/٦٧] وغوراً: أي غائراً.
وكل ما نزل من ماء السماء مختزناً أو غير مختزن هو طاهر مطهر، يغتسل به
ويتوضأ منه.
٣ - من آثار الماء جعله سبب النبات، فهو ينبت أشرف الثمار، وهي
الرطب والأعناب، وينبت غير ذلك من الفواكه، ولا فرق في الفاكهة بين
الطري واليابس.
وبالماء تنبت الأشجار، ومن أبرك الأشجار ما ذكر في الآية وهو شجرة
(١) تفسير الرازي: ٨٨/٢٣

٣٥١
لُُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ١٧-٢٢
الزيتون التي أنبتها الله في الأصل من جبل الطور في سيناء الذي بارك الله فيه،
وطور سيناء: من أرض الشام، هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه
السلام. وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما المعروفان المشهوران
عند العرب كثيراً.
وزيت الزيتون يصلح للادهان به وللائتدام به، لذا كان المراد بالآية:
﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغِ لِلْأَكِينَ﴾ تعداد نعمة الزيت على الإنسان، وبيان وجوه
الانتفاع به، ففي الزيت شفاء لكثير من الأمراض الجلدية الظاهرة، والباطنية
الداخلية، فيدهن به الجلد فتتقوى بصلة الشعر، ويؤكل مع الخبز إداماً، وكل
إدام يؤتدم به فهو صِبْغ.
٤ - ذكر الله تعالى للأنعام (الإبل والبقر والغنم) أربع منافع: هي الانتفاع
بالألبان، والانتفاع بالأصواف للباس والأثاث والفرش، وللبيع والاستفادة
من الأثمان، والانتفاع من اللحوم بالأكل بعد الذبح، كالانتفاع بها حية،
والانتفاع بالركوب على الإبل في البر والحمل عليها كالانتفاع بالفلك (السفن)
في البحر، وهذا دليل على أن الركوب راجع إلى بعض الأنعام.
روي أن رجلاً ركب بقرة في الزمان الأول، فأنطقها الله تعالى معه،
فقالت: إنا لم تخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث (أي العمل الزراعي).

٣٥٢
اِلُعُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٢٣-٣٠
القصة الأولى - قصة نوح عليه السلام
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلهِ غَيْرُهُ.
فَقَالَ الْمَلَؤُأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِتْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ
أَفَلَ نَتَّقُونَ
يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ شَآءَ اللَّهُ لَأَنَزَلَ مَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَايِنَا الْأَوَّلِينَ
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِ جِنَّةٌ فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ (٥)
٢٤
قَالَ رَبِّ أُنْصُرْنِى بِمَا
كَذَّبُونِ
، فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنْ أُصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُلِنَا وَوَحِْنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا
وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ
فَإِذَا أُسْتَوَيْتَ
عَلَيْهِ الْقَلُ مِنْهُمَّ وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ
٢٨
أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الْحَدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَ مِنَ الْقَوْمِ الَِّلِمِينَ
وَقُل رَبِّ
أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
٣٩
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
القراءات:
﴿إِلَّهٍ غَيْرُهُمْ﴾:
وقرأ الكسائي (إله غيرِهِ).
﴿مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾:
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون: (من كلِّ زوجَين).
الإعراب:
﴿مَا لَكُ مِّنْ إِلَلِهِ غَيْرُهُ﴾ ﴿غَيْرُهُ﴾: اسم ﴿مَا﴾، وما قبله: الخبر،
و﴿مِّنْ﴾: زائدة. ﴿مُنْزَلًا﴾ مصدر لفعل رباعي وهو (أنزل) وتقديره: أنزلني
إنزالاً مباركاً، ويجوز أن يكون اسم مكان. وقرئ بفتح الميم (مَنْزِلاً) وهو
مصدر لفعل ثلاثي وهو (نزل) ويجوز أن يكون أيضاً اسم مكان.

٣٥٣
الزُّعُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٢٣-٣٠
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾: ﴿وَإِن﴾: مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها
وبين النافية، وتقديره: وإنْه كنا لمبتلين. وذهب الكوفيون إلى أنّ ﴿وَإِن﴾ بمعنى
(ما) واللام بمعنى (إلا) وتقديره: ما كنا مبتلين.
البلاغة:
﴿ أَصْنَعِ اٌلْفُلَّكَ بِأَعْيُلِنَا﴾ استعارة، عبَّر عن الحفظ والرعاية أو الحراسة
بالصنع على الأعين؛ لأن الحافظ للشيء يديم مراعاته في الأغلب بعينيه.
﴿وَفَارَ التَّنُورُ﴾ كناية عن الشدة، مثل: حمي الوطيس. وقيل: المراد
بالتنور وجه الأرض مجازاً.
مُنْزَلَا ﴾ جناس اشتقاق.
آنزلنی
المفردات اللغوية:
﴿ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أطيعوا الله ووحدوه. ﴿ نَتَّقُونَ﴾ تخافون عقوبته بعبادتكم
غيره. ﴿اَلْعَلَؤُ﴾ أشراف القوم، قالوا للعوام. ﴿يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يطلب
الفضل والسيادة عليكم، بأن يكون متبوعاً وأنتم أتباعه. ﴿ وَلَوَّ شَآءَ اللَّهُ لَأَنَلَ
مَلَئِكَةُ﴾ أي لو شاء أن يعبد غيره وأن يرسل رسولاً لأنزل ملائكة بذلك، لا
بشراً. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهذَا﴾ الذي دعا إليه نوح من التوحيد. ﴿ فِىّ ءَابَآيِنَا
الْأَوَّلِينَ﴾ الأمم الماضية. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّهُ﴾ أي ما نوح إلا رجل به
حالة جنون وضعف عقل. ﴿فَتَرَتَّصُواْ بِهِ،﴾ انتظروه واحتملوه. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾
أي إلى زمن لعله یفیق من جنونه، أو إلى زمن موته.
﴿ قَالَ رَبِّ أُنْصُرْنی﴾ أي قال نوح بعد يأسه من إيمانهم: ربِّ انصرني عليهم
﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي بسبب تكذيبهم إياي، بأن تهلكهم. ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾
أي أمرناه إجابة لدعائه . ﴿أَنِ أَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ﴾ السفينة. ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بحفظنا
ورعايتنا. ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي أمرنا وتعليمنا. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ بالركوب أو

٣٥٤
لُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٢٣-٣٠
نزول العذاب والإهلاك.﴿ وَفَارَ﴾ نبع. ﴿التَّنُورُ﴾ أي مكان خبز الخباز أو
وجه الأرض، وكان نبع الماء منه علامة لنوح عليه السلام. ﴿فَأُسْلُكْ فِيهَا﴾
أي أدخل في السفينة. ﴿مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾ أي من كل صنفين: ذكر وأنثى من
أنواع الحيوان الموجود وقتئذٍ . ﴿أَثْنَيْنِ﴾ ذكراً وأنثى، أي خذ معك على السفينة
من كل نوع من أنواع الحيوان صنفاً من الذكور وصنفاً من الإناث، كالجمال
والنوق، مزدوجين. وقراءة حفص ﴿مِن كُلٍ﴾ أي من كل نوع زوجين.
و﴿ أَثْنَيْنِ﴾: تأكيد وزيادة تأكید.
﴿ وَأَهْلَكَ﴾ أهل بيتك، أو من آمن معك. ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَلُ
مِنْهُمْ﴾ أي إلا من قضي عليه القول من الله بهلاكه لكفره وهو زوجته وولده
كنعان، بخلاف سام وحام ويافث، فأخذهم مع زوجاتهم الثلاثة. قيل: كانوا
ستة رجال مع نسائهم، وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون،
نصفهم رجال، ونصفهم نساء. وقد عبّر بعلى في قوله: ﴿مَن سَبَقَ عَلَيْهِ﴾
لأن المقضي به ضارّ، كما عبّر باللام حيث كان المقضي به نافعاً في قوله: ﴿إِنَّ
اُلَِّينَ سَبَقَتْ لَهُم﴾ [الأنبياء: ١٠١/٢١].
﴿وَلَا تُخَطِبْنِى فِىِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ كفروا بترك إهلاكهم. ﴿إِنَّهُم ◌ُّغْرَقُونَ)
لا محالة، لظلمهم بالإشراك والمعاصي، ومن كان هذا شأنه لا يشفع له، ولا
يشفع فيه. ﴿أُسْتَوَيْتَ﴾ اعتدلت وعلوت. ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين،
والنجاة: هي من إهلاكهم.
﴿وَقُل﴾ عند نزولك من الفلك. ﴿رَّتِّ أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ أي اجعل إنزالي
أو مكانه إنزالاً أو مكاناً مباركاً، أي فيه الخير والبركة. ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾
ثناء مطابق لدعائه، أمره به توسلاً إلى الإجابة. وإنما أفرده بالأمر مع شموله من
آمن معه إظهاراً لفضله والاكتفاء بدعائه عن دعائهم . ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور
من فعل نوح والسفينة، وفعل قومه وإهلاكهم . ﴿لَيَتٍ﴾ دلالات على قدرة

٣٥٥
الُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٢٣ -٣٠
الله تعالى.﴿لَمُبْتَلِينَ﴾ مختبرين ممتحنين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه، أي
معاملتهم معاملة من يختبر.
المناسبة:
الارتباط بين هذه الآيات وبين ما قبلها جارٍ على وفق العادة في سائر
الآيات، بذكر قصص الأنبياء بعد بيان أدلة التوحيد، والقصد هو بيان كفران
الناس بعد تعداد النعم المتلاحقة عليهم، وما حاق بهم من زوالها.
فبعد أن ذكر الله تعالى دلائل التوحيد من خلق الإنسان، والحيوان،
والنبات، وخلق السماوات والأرض، وعدّد نعمه على عباده، ذكر هنا
الحالات المماثلة لكفار مكة من المكذبين من الأمم السابقة، فذكر خمس
قصص: هي قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح ولوط وشعيب، وقصة
موسى وهارون وفرعون، وقصة عيسى وأمه.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى موقف نوح عليه السلام مع قومه حينما أنذرهم عذاب الله،
وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به، وخالف أمره، وكذب رسله، فقال:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُوَ أَفَلاَ
:
نَثَّقُونَ
أي ولقد بعثنا نوحاً إلى قومه، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وقال
لهم: ألا تتقون، أي ألا تخافون من الله في إشراككم به؟
﴿فَقَالَ الْمَلَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي فقال السادة والأكابر منهم: ما نوح إلا
بشر مثلكم، ورجل منكم، يريد أن يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة،
وليس له ميزة في علم ولا خلق، فكيف يكون نبياً يوحى إليه دونكم وهو
مثلکم؟!

٣٥٦
الزُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ٢٣-٣٠
وموانع نبوته هي:
اً - ﴿وَلَوَ شَآءَ اللَّهُ لَأَنَزَلَ مَلَئِكَةٌ﴾ أي ولو أراد الله أن يبعث نبياً، لبعث
أحد الملائكة من عنده، لأداء رسالته، ولم يكن بشراً، فإن إنزال الملك أدعى
للإيمان، وأدل على الصدق. وهذا ناشئ من تصورهم سمو الرسالة التي تقتضي
جعلها في عنصر أسمى من البشر وهم الملائكة، وأنه لا يمكن تكليف البشر
بالرسالة الإلهية.
أَ - ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَبَآِنَا اٌلْأَوَّلِينَ﴾ أي ما سمعنا ببعثة البشر في عهد
الأسلاف والأجداد في الدهور الماضية. وهذا ناشئ من اعتمادهم في العقيدة
على التقليد، وإصرارهم على الكفر والعناد.
◌َّ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ، جِنَّةٌ﴾ أي وما نوح إلا رجل مجنون فيما يزعمه
أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي.
﴿فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ﴾ أي انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة
حتى تستريحوا منه، أو ييأس فيرجع إلى دينكم، أو يفيق من جنونه. وهذا مجرد
مكابرة، فهم عرفوا نوحاً برجحان عقله، واتزان قوله، واستقامة سيرته.
ولما يئس نوح من إجابة دعوته، وصبر على قومه ألف سنة إلا خمسين، فلم
يؤمن معه إلا القليل، أوحى الله إليه أن يدعو ربه لنصره عليهم فقال: ﴿قَالَ
أي قال نوح: ربِّ انصرني علی هؤلاء القوم،
رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ )
وأهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ
فَانتَصِرْ
[القمر: ١٠/٥٤]، وقوله أيضاً: ﴿رَِّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦/٧١].
فأجاب الله دعاءه وأمره بصنع السفينة فقال:
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَغْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ أي فأمرناه بأن يصنع السفينة
بحفظنا ورعايتنا، وتعليمنا وإرشادنا كيفية الصنع.

٣٥٧
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٢٣ -٣٠
﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّتُوَِّّ فَأَسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ اٌلْقَوَّلُ مِنْهُمٌ﴾ أي فإذا حان وقت قضائنا
بالعذاب والهلاك، ونَبَع الماء من وجه الأرض أو من التنور المخصص للخبز،
فاحمل في السفينة فردين مزدوجين ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوانات
والنباتات والثمار وغير ذلك، واحمل فيها أيضاً أهل بيتك، أو كل من آمن
معك، وهذا المعنى هو الأرجح، إلا من سبق عليه القول من الله بالهلاك،
وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته، وهو كنعان وأمه.
روي أنه قيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور، فاركب
أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور، أخبرته امرأته، فركب.
﴿ وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم مُّغْرَفُونَ﴾ أي ولا تسألني ولا تتشفع
في الذين كفروا، ولا تأخذنك رأفة في قومك، فإني قد قضيت أنهم مغرقون،
بسبب ما هم عليه من الكفر والطغيان، أي إن الغرق نازل بهم لا محالة.
ثم أمره الله أن يحمده ويثني عليه بعد ركوب السفينة:
﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ﴾ أي فإذا استقر بك وبمن معك من المؤمنين
المقام في السفينة، فقل أنت وهم: الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، أي
أنقذنا من هؤلاء الكافرين المشركين الظلمة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان في السفينة ثمانون إنساناً، نوح
وامرأته سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة
لهم، واثنان وسبعون إنساناً، فكل الخلائق نسل من كان في السفينة.
ثم أمره أيضاً أن يدعوه بعد خروجه من السفينة دعاء مقروناً بالثناء فقال:
﴿ وَقُل رَبِّ أَنْزِلْنِى مُنَا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَّرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾﴾ أي وقل عند النزول من
السفينة: ربِّ أنزلني إنزالاً مباركاً أو مكاناً مباركاً، يبارك لي فيه، وأُعطى

٣٥٨
لُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٢٣ -٣٠
الزيادة في خير الدارين، وأنت خير من أنزل عباده المنازل الطيبة؛ لأنك تحفظ
من أنزلته في سائر أحواله، وتدفع عنه المكاره، بحسب ما تقتضيه الحكمة.
وهذا وما قبله تعليم لذكر الله عند ابتداء السير وانتهائه، قال قتادة:
علَّمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة: ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ بَحْرِبِهَا وَمُرْسَهَا﴾
[هود: ٤١/١١]، وعند ركوب الدابة: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا
لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣/٤٣] أي مطيقين، وعند النزول: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِى
مُنَزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
•
أي إن في هذا الصنيع وهو إنجاء
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
المؤمنين، وإهلاك الكافرين لدلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما
جاؤوا به عن الله تعالى، وإنا لمختبرون بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر
ويتذكر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْتَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ (®﴾ [القمر: ١٥/٥٤].
وقيل: أي نعاملهم معاملة المختبرين.
وتقدمت القصة بتفصيل أكثر في سورة هود عليه السلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة واضحة الدلالة كغيرها من القصص القرآني على أن نزول
العذاب: عذاب الاستئصال والهلاك كان بسبب العناد والإصرار على الكفر،
وملازمة الشرك والوثنية.
فهذا نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين يدعوهم لعبادة
الله وحده لاشريك له، وينذرهم بأس الله وانتقامه ممن أشرك به، وكذب
رسله، قائلاً لهم: ﴿أَفَلاَ نَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون عذاب الله، وتتقون عقابه؟
وهو زجر ووعيد ليقلعوا عما هم عليه.
فما كان منهم إلا إنكار نبوته معتمدين على شبهات خمس هي:

٣٥٩
لُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٢٣ -٣٠
الأولى - إنكار كون النبي أو الرسول بشراً مماثلاً لغيره في البشرية،
ومساوياً لسائر الناس في القوة والفهم والعلم، والغنى والفقر، والصحة
والمرض، والرسول لا بد أن يكون عظيماً عند الله تعالى، ومتصفاً بصفات
تجعل له منزلة عليا ودرجة رفيعة وعزة سامية.
واتهموه بناء عليه بطلب الزعامة والرئاسة والترفع والسيادة عليهم.
الثانية - طلب أن يكون النبي مَلَكاً، فلو شاء الله إرشاد البشر، لوجب
إرسال ملك من الملائكة يحقق المقصود بنحو أفضل وأسرع وأنجع من بعثة
البشر؛ لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم ينقاد الناس إليهم.
الثالثة - الخروج عن سنة الآباء والأسلاف، فهم لا يعرفون غير التقليد
واتباع سلوك الآباء، فلما وجدوا في طريقة نوح عليه السلام خروجاً عن
المألوف، حكموا ببطلان نبوته.
الرابعة - اتهامه من قبل الرؤساء بالجنون، للترويج على العوام، بسبب
فعله أفعالاً على خلاف عاداتهم، ومن كان مجنوناً لا يصلح أن يكون رسولاً.
الخامسة - الصبر عليه وتركه لعاديات الزمان، فإنه إن كان نبياً حقاً، فالله
ينصره ويقوي أمره، وحينئذٍ يتبعونه، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره،
فحينئذٍ نستريح منه.
ولم يجب الله تعالى عن هذه الشبه لسخافتها وسطحيتها، فإن جعل الرسول
من جملة البشر أولى، لما بينه وبين غيره من الألفة والمؤانسة؛ وإن قصد الزعامة
والسيادة يتنافى مع سمو الأنبياء، فهم منزهون عن هذه المقاصد الدنيوية
الزائلة؛ وأما التقليد فهو دليل القصور العقلي، وتعطيل موهبة الفكر والرأي
الحر؛ وأما اتهامه بالجنون فيناقضه أنهم كانوا يعلمون بداهةً كمال عقله
ورجاحة رأيه؛ وأما التربص به إلى حين ففي غير صالحهم؛ لأنه إن ظهرت

٣٦٠
الْفُرُ (١٨) - المؤمنُون: ٢٣ / ٢٣-٣٠
الدلالة على نبوته بالمعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال، وإن لم يأت
بمعجزة فلا يقبل قوله.
ولما تهاوت حججهم، وأصروا على كفرهم، أمر الله نوحاً بالدعاء عليهم
والانتقام ممن لم يطعه، ولم يسمع رسالته، وأرسل له رسولاً يوحي إليه
بصناعة السفينة، فإذا تم صنعها فليأخذ من كل الأصناف زوجين: ذكراً
وأنثى، حفاظاً على أصول المخلوقات.
ثم أمره الله أولاً بأن يحمد الله هو ومن معه على النجاة وتخليصه من القوم
الظالمين ومما أحاط بهم من الغرق، والحمد لله: كلمة كل شاكر لله.
وثانياً بأن ينزله مع المؤمنين إنزالاً مباركاً أو موضعاً طيباً مباركاً، يهيئ الله
به خیر الدارین.
وهذا تعليم من الله عزّ وجلّ لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا: أن يقولوا هذا:
﴿رَبِّ أَنِلْنِ مُنْزَلًا مُّبَارَا﴾ وكذلك إذا دخلوا بيوتهم وسلَّموا على أهليهم، أو
على الملائكة إذا لم يوجد الأهل.
والخلاصة وعبرة القصة: إن في أمر نوح والسفينة وإهلاك الكافرين
لدلالات على كمال قدرة الله تعالى، وإنه ينصر أنبياءه، ويهلك أعداءهم، وإنه
تعالى يختبر الأمم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي.