Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
المُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
وتكون ﴿لَا﴾ زائدة للتأكيد، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَّ إِلَى
(9) [يس: ٥٠/٣٦]. وقوله: ﴿وَحَرَمُ﴾ مستعار لمنع
أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
الوجود بحال، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾
[الأعراف: ٧/ ٥٠] أي منعهما.
﴿حَتَّىَ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
(4) أي يستمر عدم رجوع القوم المهلكين إلى قيام الساعة وظهور أماراتها
وهو فتح سد يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان أو الناس جميعاً، وإتيان الناس
مسرعين من كل مرتفع من الأرض. ويكون المقصود من الآية الردّ على
المشركين الذين ينكرون البعث والجزاء.
﴿ وَأَفْتَرَبَ اُلْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي
وقرب يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلايا، وإذا حدث
ذلك أو وقع ترى أبصار الكافرين مرتفعة الأجفان، مثبتة الحدق، جامدة لا
تتحرك، لا تكاد تنظر من هول وشدة ما يشاهدونه من الأمور العظام.
(يَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ أي يقولون:
يا هلاكنا، والويل: الهلاك، قد كنا في الدنيا غافلين لاهين، لم نعلم أن هذا
هو الحق، وأن البعث والرجوع إلى الله للحساب والجزاء ثابت قائم، بل إننا
في الواقع ظالمون لأنفسنا بتعريضها للعذاب، وهذا اعتراف صريح بظلمهم
لأنفسهم، حيث لا ينفعهم ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على وحدة الرسالات السماوية في أصولها، وعلى تفرق
الناس في أمر الدين، وعلى وحدة السنن الإلهية في إثابة المؤمن الصالح العمل،
وتعذيب الكافر المسيء، وعلى إثبات البعث والجزاء وما يشتمل عليه من
شدائد وأهوال.
١٤٢
لُُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
أما وحدة الرسالات السماوية: فالأنبياء كلهم متفقون على التوحيد، لذا
وجب اتفاق البشر قاطبة على أن الإله واحد لا شريك له، وعلى وجوب
إفراده بالعبادة. أما المشركون فقد خالفوا كل الأنبياء.
وأما الاختلاف في الدين بين مصدق ومكذب: فهو ظاهرة شائعة، لذا
نعى الله تعالى التفرق في أمر الدين، سواء المسلمين أو اليهود والنصارى
وغيرهم من المشركين، وذمهم لمخالفتهم الحق، وندد بغير المسلمين اتخاذهم آلهة
من دون الله، فيكون المراد بقوله: ﴿ وَتَقَطَّعُوْاْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ جميع الخلق،
بأن جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً، وتقسموه بينهم، فمن موحّد، ومن
يهودي، ومن نصراني، ومن عابد مَلَك أو صنم. والكل من هؤلاء الفرق
المختلفة راجع إلى حكم الله فيجازيهم.
روي عن رسول الله وَ لقر أنه قال: ((تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين
فرقة، فهلكت سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين
فرقة، فتهلك إحدى وسبعون فرقة، وتخلص فرقة واحدة، قالوا: يا رسول
الله، من تلك الفرقة الناجية؟ قال: الجماعة، الجماعة، الجماعة)) فتبين بهذا
الخبر أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتُكُمْ﴾ الجماعة المتمسكة بما بينه
الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن في قول الرسول وَ له في
الناجية: إنها الجماعة، إشارة إلى أمة الإيمان. ولكن المراد بقوله: ((ستفترق
أمتي)) أي في حال ما، وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، لا يجوز
أن يزيد أو ينقص (١).
والقاعدة الثابتة أن من يعمل شيئاً من الطاعات، فرضاً أو نفلاً، وهو
(١) تفسير الرازي: ٢١٩/٢٢، والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، ولفظه:
(«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة،
وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
١٤٣
لُُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٩٢ -٩٧
موحد مسلم، مصدق بمحمد رَاليه، فلا جحود ولا كفران لعمله، ولا يضيع
جزاؤه، والكفر ضدّ الإيمان، وهو أيضاً جحود النعمة، وهو ضد الشكر،
والله حافظ لعمله، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ
عَمِلٍ مِنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىْ﴾ [آل عمران: ١٩٥/٣] أي كل ذلك محفوظ ليجازى
به. وفي هذا ترغيب الناس بطاعة الله تعالى.
ومن القواعد والسنن الثابتة الجارية على منهاج واحد أنه ممتنع على أهل
قرية أهلكهم الله أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، وهذا على أن ﴿لَا﴾ زائدة.
والراجح عند أبي علي الفارسي والزجاج أن ﴿لَا﴾ غير زائدة، إذ لا فائدة في
أن المراد: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا، وإنما في الكلام
إضمار، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوبها أن يتقبل
منهم؛ لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون. وهذا هو الأولى عندي.
ويظل المنع من رجوعهم إلى فتح سد يأجوج ومأجوج، وهم الناس جميعاً،
أو هم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر في رأي القرطبي، وإلى خروج الناس
من قبورهم مقبلين من كل حَدَب (مرتفع من الأرض)، وذلك يحصل عند قيام
الساعة (القيامة) وهذا دليل على إثبات النشر والحشر.
ثم أثبت الله تعالى البعث والجزاء بقوله: ﴿ وَأَقْتَرَبَ اٌلْوَعْدُ اَلْحَقُّ﴾ وما
يتعرض له الكفار من أهوال وشدائد تشخص منها أبصارهم، أي ترتفع من
هول القيامة لا تكاد تطرف، ويقولون: يا ويلنا ويا هلاكنا إنا كنا ظالمين
بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها.
١٤٤
الجُزُ (١٧) - الاثْبِيَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
أحوال الكافرين والمؤمنين
في الآخرة وحال السماء فيها
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
وَرِدُونَ ﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَلِدُونَ
٩٩٦
لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا أَشْتَهَتْ
اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (49)
أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ وَنَقَّتُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا
يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
يَوْمَ نَطْوِىِ السَّمَآءَ كَطَيِّ السّجِلِّ
لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِين
١٠٤
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الْضَلِحُونَ
١٠٦
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَغَّا لِّقَوْمٍ عَلَبِدِينَ
١٠۵
القراءات:
﴿ لِلْكُتُبِ﴾: قرئ:
١- (للكتب) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (للكتاب) وهي قراءة باقي السبعة.
{بَدَأْنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (بدانا).
﴿ الزَّبُورِ﴾:
وقرأ حمزة، وخلف (الزُّبور).
١٤٥
الجُزُ (١٧) - الانْبَاءٌ: ٢١ / ٩٨ -١٠٦
عِبَادِىَ الصَلِحُونَ﴾:
وقرأ حمزة (عباديْ الصالحون).
الإعراب:
﴿كَطَيّ السّجِلّ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف،
أي نطوي السماء طيّاً كطي السجل، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه،
والمصدر مضاف إلى المفعول إذا كان بمعنى المكتوب فيه وهو الصحيفة، أي
كما يطوى السجل. وللكتاب: أي للكتابة، كقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ اَلْكِنَبَ
وَاَلْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨/٣] .
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ منصوب بوعدنا المقدر قبله، وهو مؤكد لمضمون ما قبله.
البلاغة:
﴿نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فيه تشبيه مرسل مفصل، أي
نطوي السماء طياً مثل طيّ الصحيفة على ما كتب فيها.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي إنكم أيها الكفار والمشركون
وما تعبدونه من الأوثان من غير الله ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يرمى به إليها من
حطب ووقود. ﴿ وَرِدُونَ﴾ داخلون فيها. ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً﴾ لو
كان هؤلاء الأوثان آلهة كما زعمتم . ﴿مَّا وَرَدُوهَا﴾ دخلوها؛ لأن المؤاخَذ
المعذَّب لا يكون إلهاً . ﴿وَكُلُّ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ كل من العابدين والمعبودين
خالدون دائمون في جهنم.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ﴾ أي للعابدين في جهنم أنين وتنفس شديد يخرج من
أقصى الجوف. ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ شيئاً لشدة غليانها. ﴿اٌلْحُسْنَى﴾ المنزلة الحسنى
١٤٦
لُعُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
أو الكلمة الحسنى التي تبشر بثوابهم الحسن على أعمالهم. ﴿حَسِيسَهَا﴾ صوتها
الذي يحس من حركتها. ﴿وَهُمْ فِ مَا أُشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من النعيم.
خَلِدُونَ﴾ دائمون في غاية التنعم، وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ النفخة الثانية أو الأخيرة؛ لقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَرِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧/٢٧]
وقيل: هو الانصراف إلى النار وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقيل: حين
يطبق على النار، أو حين يذبح الموت على صورة كبش أملح . ﴿ وَقَّتُهُمُ
اٌلْمَلَتَئِكَةُ﴾ تستقبلهم الملائكة مهنئين عند خروجهم من القبور. ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ
الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي ويقولون لهم: هذا اليوم الذي كنتم توعدون
به في الدنیا.
﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ﴾ أي اذكر يوم الطي: وهو ضد النشر. ﴿اُلسّجِلِّ﴾
الصحيفة المكتوب فيها. ﴿لِلْكُتُبِ﴾ للكتابة فيها. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ
خَلْقِ﴾ أي من عدم. ﴿نُعِيدُهُ﴾ بعد إعدامه. ﴿وَعْدًا﴾ منصوب
ج
ب﴿ نُعِيدُهُ﴾، أو بفعل مقدر تأكيداً لـ ﴿نُعِيدُهُ﴾ أي وعدناه وعداً.
﴿عَلَيْنَا﴾ أي علينا إنجازه. ﴿إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾ ما وعدنا ذلك لا محالة.
﴿ الزَّبُورِ﴾ كتاب داود. ﴿الذِّكْرِ﴾ أي التوراة، أو جنس الكتب المنزلة، أو
اللوح المحفوظ. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ أرض الجنة. ﴿عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ أي عامة
المؤمنين أو كل صالح . ﴿إِنَّ فِى هَذَا﴾ القرآن أو ما ذكرناه من الأخبار
والمواعظ والمواعيد. (﴿لَبَلَغًا﴾ كفاية في دخول الجنة. ﴿لِّقَوْمٍ عَكَبِدِينَ﴾ أي
همهم العبادة دون العادة.
٠٢
١٤٧
الُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
سبب النزول:
نزول الآية (١٠١):
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾: أخرج الحاكم عن ابن عباس
قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ
قال ابن الزِّبَعْرى: عُبد الشمس والقمر والملائكة
لَهَا وَرِدُونَ (ها)
وعزير، فكل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
﴾ ونزلت: ﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
وَقَالُوْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا
٥٧
[الزخرف: ٤٣ /٥٧-٥٨] .
جَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ
المناسبة:
بعد بيان أحوال أهل النار وأهل الجنة، واقتراب الساعة، ذكر الله تعالى
حال العابدين والمعبودين من دون الله، وأنهم سیکونون وقود جهنم، باستثناء
أهل السعادة أو البشرى بالثواب.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ إنكم أيها المشركون بالله من عبدة الأصنام
والأوثان وما تعبدون من غير الله، وقود جهنم، أنتم چمیعاً داخلون فيها، كما
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤/٢].
ويشمل ما يعبدون من دون الله الأصنام وإبليس وأعوانه؛ لأنهم بطاعتهم
لهم، واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ولا تشمل هذه الآية عزيراً والمسيح
والملائكة؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ خطاب مشافهة مع مشركي قريش، وهم
كانوا يعبدون الأصنام فقط، ولأنه تعالى لم يقل: (ومن تعبدون) بل قال:
﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ وكلمة (ما) لا تتناول العقلاء، فسقط سؤال ابن الزبعرى،
١٤٨
لُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
﴾ [الشمس: ٩١/
۵
كما أبان الرازي (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
٣)﴾ [الكافرون: ٢/١٠٩] فهو محمول على
٥] وقوله: ﴿لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
الشيء، ونظيره ههنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن
لفظ الشيء لا يفيد العموم، فلا يرد سؤال ابن الزبعرى.
ويتضح سبب النزول المتقدم ودخول الشياطين في المعبودين بما يأتي:
روى محمد بن إسحاق في سيرته: ((أن رسول الله (وَ له دخل المسجد، "
وصناديد قريش في الحطيم (٢)، وحول الكعبة ثلاث مئة وستون صنماً،
فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله وَل حتى
أفحمه، ثم تلا عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية،
فأقبل عبد الله بن الزِّبَعَرى، فرآهم يتهامسون، فقال فيم خوضكم؟ فأخبره
الوليد بن المغيرة بقول رسول الله، فقال عبد الله: أما والله، لو وجدته
لخصمتُه، فدعوه، فقال ابن الزِّبعرى: أأنت قلت ذلك؟ قال: نعم، قال: قد
خصمتك وربِّ الكعبة، أليس اليهود عبدوا عُزَيراً، والنصارى عبدوا المسيح،
وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقالٍ وَلجر: بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم
بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَى﴾ الآية، يعني
عزيراً والمسيح والملائكة عليهم السلام.
وأما سبب إدخال المعبودين في النار: فهو كما أبان الزمخشري (٣) ليزداد
العابدون بهم غماً وحسرةً، وليكونوا أبغض شيء لديهم بعد أن اتخذوهم في
الدنيا شفعاء لهم في الآخرة.
ثم ذكر تعالى دليل كون المعبودين غير آلهة فقال:
(١) تفسير الرازي: ٢٢٣/٢٢
(٢) الحطيم: جدار حِجْر الكعبة أي حجر إسماعيل من ناحية الشمال.
(٣) الكشاف: ٣٣٨/٢
١٤٩
الجُزُ (١٧) - الانْنَاءِ: ٢١ / ٩٨ -١٠٦
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ أي لو كان هؤلاء الأصنام
وأشباههم آلهة صحيحة تنفع وتضر كما يظن العابدون ما دخلوا النار، إذ لو
كانت تنفع وتضر لأبعدت الضر عن نفسها، فهي جديرة بالهجرة والإهانة.
﴿وَكُلُّ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ أي وكل من هؤلاء الآلهة المعبودين دائمون في
عذاب النار، لا مخرج لهم منها.
﴾ أي ولهم في النار من شدة
١٠٠
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (
العذاب وشدة الكرب والغم أنين وتنفس شديد يخرج من أقصى الجوف، كما
قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦/١١] وهم لا يسمعون فيها ما
يسرهم أو ينفعهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية.
وبعد بيان أحوال أهل النار، ذكر الله تعالى أحوال السعداء من المؤمنين
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا اُلْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (4) أي
إن الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا،
فهم مبعدون عن دخول النار، وهم في الجملة: أهل السعادة أو البشرى
بالثوابٍ، أو التوفيق للطاعة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الُْْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠]. يروى أن علياً رضي الله عنه قرأ هذه الآية، ثم
قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد،
وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة، فقام يجرُّ رداءه، وهو
يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
وأوضاع نعيمهم هي :
اً - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي لا يسمعون صوت النار، وحريقها في
الأجساد، ولا یصیبھم شررها.
٢ - ﴿وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ﴾ أي وهم ماكثون أبداً فيما
يشتهونه من نعيم الجنة ولذائذها. والشهوة: طلب النفس اللذة.
١٥٠
لِلُهُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
◌َّ - ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ﴾ لا يخيفهم هول النفخة الثانية أو
الأخيرة بعد قيامهم من قبورهم للحساب، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَعُ فِى
الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٢٧/ ٨٧]
. وقيل بغير ذلك كما تقدم في بيان المفردات. والأصح: أنه أهوال يوم القيامة
والبعث.
٤ - ﴿وَلَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي
وتستقبلهم الملائكة تقول لهم وتبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم:
هذا يومكم الذي وعدتم به في الدنيا، يوم المسرة والكرامة والمثوبة والحسنى.
وذلك التلقي والاستقبال هو كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أي لا يحزنهم الفزع الأكبر
يوم نطوي السماء، أو تتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء يوم القيامة كما
يطوى السجل، أي الصحيفة للكتابة فيه، وهذا موقف آخر فيه روع وخوف
وحيرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَنَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
١٧
[الزمر: ٦٧/٣٩] .
كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهٍ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ أي أن
هذا الطي كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق بالبعث خلقاً جديداً، كما
بدأهم في المرة الأولى، وهو القادر على إعادتهم، وذلك وعد الله الذي لا
يُخْلَف، والله تعالى فاعله حتماً، فهو واجب الوقوع، ولا بدّ من تحققه؛ لأنه
قادر عليه. وقوله: ﴿إِنَّا كَنَّا فَعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل ذلك.
ونظير الآية: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ﴾ [الأنعام: ٩٤/٦]،
وقوله: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَيِّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَفْسَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ [الكهف:
٤٨/١٨] .
١٥١
الُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
ثم أخبر الله تعالى عما قضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا
والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، فقال:
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ﴾ أي ولقد قضينا قضاءً محتماً في كتاب الزبور
بعد التوراة أو القرآن أن وراثة الأرض في الدنيا والآخرة لا تكون إلا للعباد
الصالحين وهم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى.
والذِّكْر: التوراة، وقال ابن عباس: القرآن، وقيل: إنه أم الكتاب يعني
اللوح المحفوظ، فهو اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب.
والأرض: إما أرض الجنة، كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثَنَا اُلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ
اُلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤/٣٩]. وإما أرض الدنيا،
وأهلها الصالحون لعمارتها، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤]، وقال سبحانه:
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أُسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ
[الأعراف: ١٢٨/٧]. وإما الأرض
مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
المقدسة يرثها الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧/٧].
﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَغَّا لِّقَوْمِ عَكَبِدِينَ ﴾﴾ أي إن في هذا المذكور في هذه
السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة البلاغ أي الكفاية
والمنفعة لقوم عابدين: وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبَّه ورضيه، وآثروا
طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن المشركين بالله والآلهة التي عبدوها من دون الله من الأصنام
١٥٢
الجُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
والأوثان والشياطين وقود جهنم، هم جميعاً داخلون فيها، إظهاراً لعدم فائدة
عبادتها، وزيادة لعابديها في الغم والحسرة، وإيجاد الكراهية الشديدة لها،
وإمعاناً في السخرية منهم ومن عبادتهم، وإقامة الحجة القاطعة على قدرة الله
الشاملة لكل شيء.
وقد استدل الأصوليون بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ على القول بالعموم
وأن له صيغاً مخصوصة بدليل الاستثناء منها.
أَ - الدليل على إبطال صفة الألوهية لتلك الآلهة المزعومة أنه لو كانت
الأصنام وأمثالها آلهة لما ورد عابدوها النار، ولما خلدوا هم والمعبودون فيها.
٢ - أحوال المعذبين النفسية في النار غريبة وشديدة، فلهؤلاء الذين وردوا
النار من الكفار والشياطين زفير: وهو صوت المغموم الذي يخرج من القلب،
ولا يسمعون ما يسرهم، بل ما يسوؤهم من أصوات الزبانية الذين يتولون
تعذیبھم.
٤ - إن أهل السعادة والتوفيق للطاعة والبشرى بالثواب مبعدون عن
دخول النار.
وأحوالهم سارة، فهم لا يسمعون حسّ النار وحركة لهبها وحريقها
الأجساد، ويتمتعون بنحو دائم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كما قال
تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ﴾ [فصلت:
٣١/٤١] . ولا يحزنهم الفزع الأكبر الذي يصيب غيرهم وهو أهوال يوم القيامة
والبعث، وتستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: ﴿هَذَا
يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فما أجمل هذا الاستقبال والترحاب الحار
الصادق، وما أحسنه اطمئناناً وإسعاداً للنفس !!
٥ - الثابت في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ﴾ وغيرها على أن
١٥٣
الُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٨-١٠٦
السماوات والأرضٍ تتبدل يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ اُلْأَرْضُ
غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ (﴾﴾ [إبراهيم: ٤٨/١٤].
أ - والثابت أيضاً أن الله تعالى سيحشر الناس من قبورهم ويعيدهم خلقاً
جديداً أحياء، كما خلقهم في المرة الأولى يوم بُدئوا بالخلق في البطون. روى
النسائي عن ابن عباس عن النبي وَ لّ أنه قال: («يحشرُ الناسُ يومَ القيامة عُراة
غُرلاً - غير مختونين - أوّلُ الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ثم
قرأ: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ﴾)). وأخرجه مسلم أيضاً عن ابن عباس
قال: قام فينا رسول الله وَله بموعظة فقال: ((يا أيها الناس، إنكم تُحِشرون إلى
الله حُفَاةَ عُراةً غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا
فَعِلِينَ﴾ ألا وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام)).
/٧ - المقرر في جميع الكتب السماوية المنزلة أن أرض الجنة في الآخرة، وكذا
الأرض في الدنيا - كما يفهم من إطلاق الآية - يرثها عباد الله الصالحون.
والصالحون للآخرة: هم المؤمنون العاملون بطاعة الله، والصالحون للدنيا :
مَن يصلح لعمارتها والقيام بحقها.
٨ - إن في هذا القرآن الذي أنزله الله على عبده محمد والقر لبلاغاً لقوم
عابدين أي لمنفعة وكفاية للذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا
طاعته على كل شيء.
١٥٤
الجُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
نبي الرحمة المهداة
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَى أَنَّمَا
﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
فَإِن تَوَلَوْ فَقُلْ ءَاذَنْنُكُمْ عَلَى
(١٠٨
إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ
سَوَءٍ وَإِنْ أَدْرِىّ أَقَرِيِبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ
١٠٩
الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ شَـ
وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِبٍ
١٢
قَالَ رَبِّ احْكُ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
القراءات:
﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُمْ﴾:
قرأ حفص (قال ربِّ احكم).
وقرأ الباقون (قُلْ ربِّ احكم).
الإعراب:
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ إما منصوب على أنه صفة مصدر محذوف، وتقديره: آذنتكم
إيذاناً على سواء، وإما في موضع نصب على الحال من الفاعل والمفعول في
﴿ءَذَنْنُكُمْ﴾ وهما التاء والكاف والميم، مثل قول الشاعر:
((فلئن لقيتُك خالِيَيْنِ لَتعلَمَنْ)) فنصب خاليين على الحال من ضمير الفاعل
والمفعول في ((لقيتك)).
البلاغة:
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ استفهام يراد به الأمر، أي أسلموا كما في الآية
المتقدمة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠/٢١].
١٥٥
الُ (١٧) - الاثَبَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
المفردات اللغوية:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ (3) أي وما أرسلناك يا محمد إلا
للرحمة بالعالمين: الإنس والجن؛ لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب
لصلاح معاشهم ومعادهم.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ أي ما يوحى إلي في
صلى
أمر الإله إلا وحدانيته، فهو الإله الواحد؛ لأن المقصود الأصلي من بعثته
مقصور على التوحيد، فكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ الأولى لقصر الحكم على الشيء،
والثانية على العكس ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ منقادون خاضعون لما يوحى إلي
من وحدانية الإله. والاستفهام بمعنى الأمر، أي أسلموا وأخلصوا العبادة لله
تعالى على مقتضى الوحي.
﴿فَإِنِ تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عن ذلك. ﴿مَاذَنْنُكُمْ﴾ أعلمتكم ما أمرت به، و کثر
استعماله في الإنذار، كما قال تعالى: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِّ﴾ [البقرة:
٢٧٩/٢] .
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي مستوين في علمه، أي أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به
أو في الحرب والمعاداة. ﴿وَإِنْ أَدْرِىّ﴾ أي ما أدري. ﴿مَّا تُعَدُونَ﴾ من
العذاب أو من غلبة المسلمين عليكم أو من القيامة والحشر، فذلك كائن لا
محالة، وإنما يعلمه الله. ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ﴾ إنه تعالى. ﴿اُلْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي
ومن الفعل، منكم ومن غيركم من الطعن في الإسلام. ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ
فِتْنَةٌ﴾ أي وما أدري لعل تأخير عذابكم استدراج لكم، وزيادة في الامتحان
والاختبار .
لَكُمْ﴾ ليرى كيف صنعكم . ﴿وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ﴾ وتمتع إلى أجل
مقدر تقتضيه مشيئته.
﴿رَبِّ احْكُ بِالْحَقٍّ﴾ أي اقض بيني وبين مكذبي كأهل مكة بالعدل، أي
بتعجيل العذاب لهم أو النصر عليهم، فعذبوا ببدر وأحد وحنين والأحزاب
١٥٦
لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
أو الخندق، ونصره الله عليهم. ﴿تَصِفُونَ﴾ أي أن الله هو كثير الرحمة على
خلقه، المطلوب منه المعونة على ما تصفون من الحال بأن الشوكة تكون لهم،
وبكذبكم على الله باتخاذه ولداً، وعلي بأني ساحر، وعلى القرآن بأنه شعر.
المناسبة:
بعد بيان قصص الأنبياء المتقدمين عليهم، وبعد الإعلام بأن القرآن بلاغ
ومنفعة وكفاية للعابدين، أخبر الله تعالى عن سبب بعثة النبي وَ لقر وهو أنه رحمة
للعالمين في الدين والدنيا، أما في الدين فبتخليصهم من الجاهلية والضلالة،
وأما في الدنيا فبالتخليص من كثير من الذل والقتال والحروب، والنصر
والعلو ببركة دينه. وأما مجيئه بالسيف أيضاً فهو لتأديب من استكبر وعاند، ولم
يتفكر ولم يتدبر، كما أن الله رحمن رحيم، وهو أيضاً منتقم من العصاة.
التفسير والبيان:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ﴾ أي وما أرسلناك يا محمد بشريعة القرآن وهديه وأحكامه
إلا لرحمة جميع العالم من الإنس والجن في الدنيا والآخرة، فَمَّنْ قَبِلَ هذه
الرحمة، وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها،
خسر الدنيا والآخرة. وقيل: كونه رحمة للكفار: أنهم أمنوا به من الخسف
والمسخ وعذاب الاستئصال.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ
قال تعالی مبيناً خسارة الجاحدین:
كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ اُلْبَوَارِ
٢٩
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِْسَ الْقَرَارُ
٢٨
[إبراهيم: ٢٨/١٤-٢٩] .
وقال سبحانه في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن
مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤/٤١]. وقال ◌َّ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة:
١٥٧
الُ (١٧) - الأتْبَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
((إني لم أُبْعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة)) ورواه الحاكم بلفظ: ((إنما أنا رحمة
.. مهداة)).
ثم أمر الله رسوله أن يقول للمشركين بما يكون إعذاراً وإنذاراً في
مجاهدتهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم
مُسْلِمُونَ (4) أي قل يا محمد لمشركي مكة ولكل إنسان: ما يوحى إلي شيء
في شأن الإله إلا أنه إله واحد لاشريك له، فاعبدوه وحده، وأسلموا له
وانقادوا، وأطيعوني واتبعوني على ذلك.
﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقُلْ ءَاذَنْنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي فإن أعرضوا وتركوا ما دعوتهم
إليه، فقل: أعلمتكم أني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، وأنا بريء منكم،
كما أنتم برآء مني، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
أَنْتُم بَرِيْعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ (﴾﴾ [يونس: ٤١/١٠]، وقوله
سبحانه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَرَ مِن قَوْرٍ خِيَانَةً فَأَئِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءِ﴾ [الأنفال: ٨/
٥٨] أي ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهد على السواء، وهذا معنى الآية هنا .
﴿فَقُلْ ءَاذَنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني،
العلمي بذلك، وقد استوينا في هذا العلم.
﴿وَإِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيِبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ أي إن ما توعدون من
العذاب وغلبة المسلمین علیکم واقع کائن لا محالة، ولکن لا علم لي بقربه ولا
ببعده.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ﴾ أي إن الله
یعلم الغيب جمیعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم ما تجهرون به من
الطعن في الإسلام، وما تضمرونه من الحقد والكيد على المسلمين،
وسیجزیکم علی قليل ذلك و کثیره.
﴿ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَهُ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ (1)﴾ أي وما أدري لعل
١٥٨
الجُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
تأخير العذاب عنكم ابتلاء واختبار لكم، وتمتع بلذات الدنيا إلى أجل
مسمى، لينظر كيف تعملون.
﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ﴾ أي قال النبي: ربنا افصل بيننا وبين قومنا المكذبين
بالحق والعدل، فقولك الحق، وأنت الحق، ووعدك الحق، وحكمك بالحق،
ولا تحب إلا الحق. قال قتادة: كانت الأنبياء عليهم السلام يقولون: ﴿رَبَّنَا
أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩/٧] وأُمِرَ رسول
الله ◌َ ﴿ أن يقول ذلك. وروى مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله وَالل إذا
شهد غَزَاة قال: ﴿رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقٌّ﴾.
﴿ وَرَبْنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي والله ربنا هو المطلوب منه
العون على ما تصفون من الشرك والكفر، والكذب والباطل، وهو القول:
بأن الله ولداً، وأني ساحر شاعر، وأن القرآن شعر، وعلى ما تطمعون أن
تكون الشوكة والغلبة لكم.
والاحتكام إلى الله إنذار وإظهار للحق، وتوعد للكفار، وتهديد بالهزيمة
والاندحار أمام جند الإيمان وأنصار الحق.
فقه الحياة أو الأحكام:
في اختتام سورة الأنبياء بهذه الآيات دلالات ظاهرة وحجة بينة على الحق
الأبلج وهي:
اً - إن رسول الله وَل خاتم النبيين الذي توج الله برسالته رسالات الأنبياء
المتقدمين رحمة لجميع الناس، فمن آمن به، وصلَّق بدعوته، سعد، ومن لم
يؤمن به سَلِم في الدنيا مما لحق الأمم من الخسف والمسخ والغرق وعذاب
الاستئصال، وخسر الآخرة خسراناً مبيناً.
أَ - جميع رسالات الأنبياء ورسالة خاتمهم أيضاً لا يوحى فيها شيء في
١٥٩
المُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
شأن الإله إلا التوحيد والوحدانية، فلا يجوز الإشراك به، فهل أنتم أيها البشر
قاطبة منقادون لتوحيد الله تعالى، أي فأسلموا تسلموا.
◌َّ - إن أعرض المشركون والكفار عن رسالة الإسلام فقد تم إنذارهم
وإعذارهم، وتم إعلامهم ألا لقاء بين الإيمان والكفر، وألا صلح بين
المسلمين والكفار، وأن الحرب والعداوة مستمرة بين الفريقين، ولكن لا
يشترط أن تكون حرباً مستعرة وقتالاً دائراً، وإنما ذلك إعلان قاطع عما يكنّ
في أصائل قلوب المؤمنين من إنكار قلبي لمختلف ألوان الكفر، دون مهادنة ولا
رضا، ولا إقرار لأي شيء من أوضاع الكفر الفاسدة.
٤ - إن أجل العذاب ويوم القيامة لا يدريه أحد، لا نبي مرسل، ولا مَلَك
مقرَّب.
٥ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، والسر والجهر، والباطن والظاهر،
يعلم مطاعن الكفار بالإسلام، ومكائدهم وأحقادهم على المسلمين وشركهم
وكفرهم، وسيجزيهم على ما يصدر منهم من صغير أو كبير.
وربما كان الإمهال بالعذاب اختباراً ليرى ما يصنعون، والله أعلم بما
يفعلون، وربما كان عدلاً وفضلاً تأخير العذاب ليتمتع الكفار بلذائذ
وشهوات الدنيا، ثم يحرموا منها في الآخرة.
أَ - عقيدة المؤمن الصادق الإيمان لها محوران في أزمات الاحتكاك مع
الكفار، المحور الأول - هو تفويض الأمر إلى الله وتوقع الفرج من عنده،
وهذا ما أمر به الله تعالى نبيه وَ له بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ﴾ أي احكم بيني
وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم. والمحور الثاني - هو الاستعانة بالله
القوي الغالب، وهذا ما ختمت به السورة: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ أي ما تصفونه من الكفر والتكذيب، والطمع في الغلبة على أهل
الإيمان.
١٦٠
لُُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ١٠٧-١١٢
لاً - يقوم شرع الله ودينه على عقيدة التوحيد الخالص من شوائب الشرك،
وعلى العدل والقسط، فالله سبحانه يقضي بالحق، وينصر أهل الحق والإيمان
بالله، ويخذل الظلمة والكفار، ويدحر الظلم وأهله، ويعين المظلوم، وينصر
الضعيف، وينتصف للفقير من الغني، ويسوي بين الخصمين، ولو كان
أحدهما مسلماً والآخر كافراً، ويدعو إلى الرحمة والإحسان، وينهى عن
الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه هي أصول الحضارة الصحيحة، ونواة
(الديمقراطية) السديدة، فلا تعصب فيه، ولا ظلم، ولا جهل، ولا فوضى،
وإنما العلم والمعرفة والوعي منهاج الحياة الإسلامية، وطريق الدعوة القرآنية،
ومصباح العالم كله.