Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١
الُ (١٦) - ظُلْزٌ: ٢٠ / ٨٣-٨٩
هذا هو إلهكم وإله موسى، فاعبدوه، ولكن موسى نسي أن يخبركم أن هذا
إلهكم.
فرد الله تعالى عليهم مقرعاً لهم ومسفهاً عقولهم، فقال:
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلَا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا (®﴾ أي أفلا
يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرد عليهم جواباً، ولا يكلمهم إذا
كلموه، ولا يقدر أن يدفع عنهم ضرراً، أو يجلب لهم نفعاً، فكيف يتوهمون
أنه إله؟ !.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
اً - تعجل موسى عليه السلام سابقاً قومه النقباء السبعين شوقاً للقاء ربه
وسماع كلامه، باجتهاد منه، ولكنه أخطأ في ذلك الاجتهاد، فاستوجب
العتاب.
ثم إن العجلة وإن كانت في الجملة مذمومة، فهي ممدوحة في الدين، قال
تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣/٣].
وكنى موسى عن ذكر الشوق وصدقه بابتغاء الرضا، قائلاً: ﴿وَعَجِلْتُ
إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى﴾ أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى
عنى.
أَ - اختبر الله بني إسرائيل في غيبة موسى عليه السلام، ليتبين القائمين على
أمر الله عز وجل، واعتقاد توحيده، والتزام شريعته، تبين انكشاف وظهور :
لأن الله عالم بالجميع.
◌َّ - لقد أضلهم السامري، أي دعاهم إلى الضلالة، أو هو سببها.
٦٢٢
لالُزُ (١٦) - طئن: ٢٠ / ٨٣-٨٩
٤ - حقَّ لموسى عليه السلام أن يعود إلى قومه شديد الغضب والأسى
بسبب ما أحدثوا بعده من عبادة العجل.
٥ - بادر موسى إلى عتاب قومه بتذكيرهم بنعم الله عز وجل عليهم، ومنها
إنجاؤهم من فرعون وجنوده، ووعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم
أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى، ليعملوا بما فيها، فيستحقوا
ثواب عملهم. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِذْكُمْ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بالإله،
لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبدة الأصنام.
أَ - لا عذر لهم في نقض العهد الذي لم يطل أمره، ولكنهم أرادوا
العصيان وإحداث الأعمال التي تكون سبب حلول غضب الله بهم، وأخلفوا
الوعد مع موسى أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من
الطور.
لاً - اعتذروا لموسى عليه السلام بأنهم كانوا مضطرين إلى خلف الموعد،
ونقض العهد، وذلك للتخلص من آثام الحلي التي كانوا قد أخذوها من القبط
المصريين، حين أرادوا الخروج مع موسى عليه السلام، وأوهموهم أنهم
يجتمعون في عيد لهم أو وليمة، فألقوها في النار لتذوب.
٨ - لَّا ذابتْ الحلي في النار، أخذها السامري، وصاغ لهم منها عجلاً، ثم
ألقى عليه قبضته من أثر فرس جبريل عليه السلام، فصار عجلاً جسداً له
خوار.
1 - زيَّف السامري الحقائق، ودلّس على بني إسرائيل، وقال لهم مع أتباعه
الذين كانوا ميّالين إلى التجسيم والتشبيه؛ إذ قالوا: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ
ءَالِهَةَ﴾ [الأعراف: ١٣٨/٧]: هذا إلهكم وإله موسى الذي نسي أن يذكر لكم أنه
إلهه.
٦٢٣
المُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٩٠-٩٨
· اَ - سفَّه الحق تعالى أحلامهم وعاب تفكيرهم، وقال لهم: أفلا يعتبرون
ويتفكرون في أن هذا العجل لا يكلمهم، ولا يملك لهم ضراً يدفعه عنهم ولا
نفعاً يجلبه لهم، فكيف يكون إلهاً؟ !.
أما الذي يعبده موسى عليه السلام فهو يضر وينفع ويعطي ويمنع.
١١ - دل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ على وجوب النظر في معرفة الله تعالى،
كما في آية أخرى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيِهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ٧/
١٤٨]. وهو قريب في المعنى من قوله تعالى في ذم عبدة الأصنام: ﴿أَلَهُمْ أَرَّجُلٌ
يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥/٧].
- ١٢ -
معاتبة موسى لهارون على تأليه العجل
وإلقائه في البحر وتوحيد الإله الحق
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ
فَنَّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى ﴿ قَالُواْ لَن تَّبْرَعَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرَّجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى
قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُوْ ﴿﴿ أَلَّا تَقَّعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىِّ إِنِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ
بَنِيّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ
قَالَ
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ
بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوةِ أَن تَقُولَ
وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى (4)
لَا مِسَاسٌِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَأَنْظُرْ إِلَّ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ
عَكِمًا تَّتُحَرِّقَتَهُ ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِّ نَسْفًا ﴿ إِنَّمَآ إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى
لَاّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا
٦٢٤
لُعُ (١٦) - ظ٢: ٢٠ / ٩٠-٩٨
القراءات:
﴿يَبْنَؤُمَ﴾ :
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (يا ابن أومِ).
﴿بِرَأْسِّ إِ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (برأسيَ إني).
﴿يَصُرُواْ بِهِ،﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (تبصروا به).
﴿لَّنْ تُخْلَفَهُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (لن تُخْلِفَه).
الإعراب:
﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ بالفتح أراد (يا بن أُمِّيَ) بفتح الياء، فأبدل من الكسرة فتحة،
ومن الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذف الألف تخفيفاً؛ لأن الفتحة
تدل عليها. ومن قرأ بالكسر (يا بن أمّ) أراد (يا بن أمِّ) إلا أنه حذف الياء؛
لأن الكسرة قبلها تدل عليها، والأصل إثباتها؛ لأن الياء إنما تحذف من
المنادى المضاف، نحو: يا قوم، ويا عبادٍ، والأم ليست بمناداة هنا، وإنما
المنادى هو (الابن).
﴿لَّنْ تُخْلَفَهُ﴾ فعل مبني للمجهول، وضمير المخاطب نائب الفاعل، وهاء
﴿ تُخْلَفَهُ﴾ مفعول ثانٍ منصوب. ومن قرأ بكسر اللام (لن تُخْلِفَه) كان مضارع
(أخلفتُ الموعدَ) والمفعول الثاني حينئذ محذوف، أي (لن تُخْلِفَهُ) أي الموعد؛
لأن أخلف: يتعدى إلى مفعولين.
٦٢٥
المُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٩٠-٩٨
﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء.
البلاغة:
﴿أَمْرِى﴾ ﴿قَوْلِ﴾ ﴿نَفْسِى﴾ وكذا ﴿نَفْعًا﴾ ﴿نَسْفًا﴾ ﴿عِلْمًا﴾ سجع حسن
غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل رجوع موسى ﴿إِنَّمَا فُتِلْتُم بِهٌِ﴾ إنما وقعتم في الفتنة
والضلال بالعجل ﴿فَانَّبِعُونِ﴾ في الثبات على الحق وعبادة الرحمن ﴿ وَأَطِيعُواْ
أَمْرِى﴾ في تلك العبادة ﴿لَن نَّْرَحَ عَلَيْهِ﴾ لن نزال على العجلٍ وعبادته
﴿عَكِفِينَ﴾ مقيمين ﴿قَالَ يَهَرُونُ﴾ قال موسى بعد رجوعه ﴿ضَلُّواْ﴾ بعبادة
العجل ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِّ﴾ لا: زائدة، أي أن تتبعني في الغضب الله ومقاتلة من
كفر بالله ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ بالصلابة في الدين، والمحاماة عنه، وعصيانك
بإقامتك بين قوم لا يعبدون الله تعالی.
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ أراد أمي، وخص الأم استعطافاً لقلبه ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا
بِرَأْسِيِّ﴾ لا تأخذ بشعر لحيتي ولا بشعر رأسي، وكان أخذ بلحيته بشماله،
وبشعره بيمينه، يجرّه إليه، من شدة غضبه لله، ومن المعلوم أن موسى عليه
السلام كان حديداً خشناً متصلباً في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون
العجل، ففعل ما فعل . ﴿خَشِيتُ﴾ خفت لو اتبعتك ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ﴾ ولم
تراعٍ قولي فيما رأيته في ذلك.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ (﴾﴾ أي ثم أقبل عليه وقال منكراً: ما
شأنك الداعي إلى ما صنعت، وما الذي حملك على هذا الأمر الخطير؟
﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ،﴾ أي علمت بما لم يعلموه ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِّنْ
أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ فقبضت قبضة من تربة موطئ جبريل عليه السلام، فهو
٦٢٦
الجزءُ (١٦) - طئة: ٢٠ /٩٠-٩٨
الرسول، وقيل: موسى عليه السلام، والقبضة: الأخذ بجميع الكف
﴿فَتَبَذْتُهَا﴾ ألقيتها وطرحتها في صورة العجل المصاغ ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ
نَفْسِى﴾ أي ومثل ذلك زينت وحَسَّنت لي نفسي.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ﴾ قال موسى له: ﴿فَأَذْهَبْ﴾ من بيننا ﴿ فِى الْحَيَوَةِ﴾ مدة
حياتك ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ لمن رأيته، عقوبة على ما فعلت ﴿لَا مِسَاسٌِّ﴾ أي لا
تقربني، ولا مخالطة، فلا يقربه ولا يخالطه أحد، ولا يخالط أحداً، فعاش
وحيداً طريداً، وإذا حدث مساسٍ مع أحد، أخذته الحمى ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾
في الآخرة لعذابك ﴿لَّنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي سيأتيك الله به حتماً، وتبعث إليه،
وبكسر اللام: لن تغيب عنه ﴿ظَلْتَ﴾ أصله: ظَلِّلْت، فحذفت الأولى
تخفيفاً، أي دمت ﴿عَاكِفًا﴾ مقيماً تعبده ﴿لَنْحَرِّقَنَّهُ﴾ أي بالنارِ ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾
لنذرينه ﴿فِيِ اَلْيَمِ﴾ في البحر ﴿نَسْفًا﴾ نذراً، فلا يصادف منه شيء، وقام
موسى فعلاً بإلقاء العجل في البحر.
﴿ وَبِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ وسع علمه كل شيء وأحاط به.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى مخالفة عبادة العجل لأبسط مبادئ العقل؛ لأنه لا
يجيب سائله ولا يدفع عنه ضراً ولا يجلب له نفعاً، ذكر أن بني إسرائيل أيضاً
عصوا الرسول الذي نبههم إلى خطأ فعلهم، ثم أوضح معاتبة موسى لأخيه
هارون على سكوته على بني إسرائيل في عبادتهم العجل، ثم أردف به مناقشة
موسى للسامري وعقابه من الله في الدنيا والآخرة، وإلقاء موسى العجل في
البحر، وإعلان موسى صراحة: من هو الإله الحق، وهو الذي وسع علمه
السماوات والأرض، لا الجماد ولا الحيوان الذي لا يضر ولا ينفع.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما كان من نهي هارون عليه السلام قومه عن عبادتهم
العجل وتحذیرهم منه، وإخباره إیاهم بأنه فتنة، فيقول:
٦٢٧
لُُ (١٦) - ظفنّ: ٢٠ / ٩٠-٩٨
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ
®) أي لقد قال هارون عليه السلام لقومه عبدة
فَأَِّعُونِ وَطِيعُواْ أَمْرِى
العجل من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم: إنما وقعتم في الفتنة والاختبار
لإيمانكم وحفظكم دينكم بسبب العجل، وضللتم عن طريق الحق لأجله،
ليعرف صحيح الإيمان من عليله.
وإن ربكم الله الذي خلقكم وخلق كل شيء فقدَّره تقديراً، لا العجل،
فاتبعوني في عبادة الله، ولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل،
وأطيعوا أمري لا أمره، واتركوا ما أنهاكم عنه.
ويلاحظ أن هارون عليه السلام وعظهم بأحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن
الباطل أولاً بقوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُم بِهٌِ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى ثانياً
بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ثم دعاهم ثالثاً إلى معرفة النبوة بقوله:
﴿فَأَبِعُونِ﴾ ثم دعاهم إلى الشرائع رابعاً بقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى﴾.
وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ تذكير لهم بربوبية الله وقدرته التي أنجتهم من
فرعون وجنوده، وتذكير برحمة الله التي تدل على أنهم متى تابوا، قبل الله
توبتهم؛ لأنه هو الرحمن الرحيم، ومن رحمته تخليصهم من آفات فرعون
وعذابه.
ولكنهم قابلوا الوعظ والنصح بالتقليد والجحود، فقالوا :
﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾﴾ أي قالوا: لا نقبل
حجتك، ولكن نقبل قول موسى، فلا نترك عبادة العجل، حتى نسمع كلام
موسى فيه. وكادوا أن يقتلوا هارون عليه السلام. وما قصدهم إلا التسويف.
أَلَّا تَتَِّعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى
﴿ قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ (1)
﴾ أي قال موسى لهارون حين رجع إلى قومه بعد تكلیم ربه في الميقات: ما
٩٣
٦٢٨
الجُرُ (١٦) - ظَنْ: ٢٠ / ٩٠-٩٨
الذي منعك من اتباعي إلى جبل الطور، واللحوق بي مع من بقي مؤمناً،
فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع، حين وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في
الفتنة؟ ففي مفارقتهم زجر لهم، ودليل على الغضب والإنكار عليهم. و(لا) في
قوله ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِّ﴾ زائدة، أي أن تتبع أمري ووصيتي.
أفعصيت أمري؟ أي كيف خالفت أمري لك بالقيام لله، ومنابذة من
خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً؟ ألم أقل لك:
﴿ أَخْلُفْنِ فِى قَوِْى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٤٢].
فقال هارون معتذراً عن تأخره عنه وإخباره بما حدث، مستعطفاً إياه:
﴿قَالَ يَبْنَؤُّمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِّ﴾ أي قال هارون لموسى: يا ابن أمّ،
مترفقاً له بذكر الأم التي هي عنوان الحنو والعطف، مع أنه شقيقه لأبويه، لا
تفعل هذا عقوبة منك لي، وكان موسى قد أخذ برأس أخيه يجره إليه، فإن لي
عذراً هو:
﴿إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَّرْقُّبْ قَوْلِ﴾ أي إني
خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يقتتلوا ويتفرقوا، فتقول: إني فرقت
جماعتهم؛ لأنه لو خرج لتبعه جماعة منهم، وتخلف مع السامري عند العجل
آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم، وحينئذ تقول: لم تعمل بوصيتي
لك فيهم وتحفظها، وهي قوله المتقدم: ﴿اَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ﴾ ولم تراع ما
أمرتك به حيث استخلفتك فيهم، واعتذر إليه أيضاً بقوله في آية أخرى: ﴿إِنَّ
اَلْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٠].
ثم كلم موسى كبير الفتنة وهو السامري قائلاً:
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ (٥)﴾؟ أي قال موسى للسامري: ما شأنك،
وما الذي حملك على ما صنعت؟ سأله ليتخذ من جوابه وإقراره حجة للناس
ببطلان فعله وقوله.
٦٢٩
لُعُ (١٦) - ظئل : ٢٠ / ٩٠-٩٨
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
فَنَبَذْتُهَا﴾ أي قال السامري: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون على
فرس، فأخذت قبضة من أثر فرسه - والقبضة: ملء الكف، والقبضة
بأطراف الأصابع، وذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حياً - فطرحتها في
الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل، فصنعت لهم تمثال إله، حينما رأيتهم
يطلبون منك أن تجعل لهم إلهاً كآلهة المصريين عبدة الأصنام.
قال مجاهد: نبذ السامري، أي ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل،
فانسبك عجلاً جسداً له خوار: وهو حفيف الريح فيه.
﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى﴾ أي كما زينت لي نفسي السوء، زينت لي
أيضاً وحَسَّنت هذا الفعل بمحض الهوى، أو حدثتني نفسي، لا بإلهام إلهي أو
ببرهان نقلي أو عقلي.
فأخبره موسى بجزائه في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿قَالَ فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ
فِى الْحَيَوَةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي قال موسى
للسامري: فعقوبتك في الدنيا أن تذهب من بيننا وتخرج عنا، وأن تقول ما
دمت حياً: لا يمسك أحد، ولا تمس أحداً، وأمر موسى بني إسرائيل ألا
يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له، وهذه هي عقوبة النبذ من المجتمع أو
العزل المدني.
وعقوبتك في الآخرة: أن لك موعداً فيها للعذاب لا يخلفه الله، بل
سینجزه، وهو يوم القيامة، وهو آتٍ لا ريب فيه ولا مفر منه.
وأما إلهك المزعوم فمصيره كما قال تعالى:
﴿ وَأَنْظُرْ إِلَىّ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَكِّعًاً لَّتُحَرِّقَتَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِى
اَلْيَمِّ نَسْفًا﴾ أي وانظر إلى معبودك الذي أقمت على عبادته، يعني العجل
٦٣٠
لُعُ (١٦) - ظم: ٢٠ /٩٠-٩٨
لنحرقنّه تحريقاً بالنار، ثم لنذرينه في البحر لتذهب به الريح. قال قتادة: فحرقه
بالنار، ثم ألقى رماده في البحر. وهذا موقف حازم من موسى عليه السلام
أحد الأنبياء أولي العزم؛ لأن مثل هذا المعبود في زعم السامري ومن اتبعه
يجب استئصال آثاره، حفاظاً على توحيد الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك
له، لذا أتبعه بقوله :
{إِنَّمَّا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا (﴾﴾ أي
قال موسى: إن هذا العجل الذي فتنكم به السامري ليس بإله، إنما إلهكم الله
الذي لا إله إلا هو، أي فهو المستحق للعبادة، ولا تنبغي العبادة إلا له، فكل
شيء فقير إليه، عبد له. وهو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى
كل شيء عدداً، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما
تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا
يابس إلا في كتاب مبين. وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم
مستقرَّها ومستودعَها، كل في كتاب مبين ..
وهكذا بدأت قصة موسى بالتوحيد الخالص: ﴿إِنَّنِىّ أَنَاَ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
فَأَعْبُدْنِ﴾ وختمت به: ﴿إِنَّهَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ شأن رسالة كل نبي.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات مايأتي:
اً - أنكر هاورن عليه السلام على السامري وتابعيه عبادة العجل إنكاراً
شديداً قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم، فعصوه وكادوا أن يقتلوه، وسوّفوا
وماطلوا حتى يرجع موسى عليه السلام، لينظروا هل يقرهم على ما فعلوا أم
لا .
اً - لقد توهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون مع اثني عشر ألفاً
٦٣١
الُعُ (١٦) - طَفْز: ٢٠ / ٩٠-٩٨
لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى سمع الصياح والضجيج، وكانوا يرقصون
حول العجل، فقال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة.
◌َّ - قوله تعالى: ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ ﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنٍّ
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (4)﴾ دليل على أن السكوت على المنكر ضلال، والمعنى: حين
رأيتهم أخطؤوا الطريق وكفروا، ما منعك عن اتباعي والإنكار عليهم، إن
مقامك بينهم - وقد عبدوا غير الله - عصيان منك لي.
قال القرطبي: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم ولاسيما إذا كان راضياً حكمه
كحكمهم. وسئل الإمام أبو بكر الظُرْطُرشي رحمه الله:
ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وهم جماعة يجتمعون، فيكثرون
من ذكر الله تعالى، وذكر محمد رَّو، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من
الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه، ويُحضرون شيئاً
يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟
فأجاب: يرحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما
الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه
أصحاب السامريّ، لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خُوار، قاموا يرقصون حواليه
ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعُبَّاد العجل؛ وأما القضيب: فأول من اتخذه
الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي وَله
مع أصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن
يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي
حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق(١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٣٧/١١ - ٢٣٨
٦٣٢
لِلْزُجُ (١٦) - ◌َّفْز: ٢٠ / ٩٠-٩٨
٤ - أجاب هارون معتذراً مبيناً وجهة اجتهاده: وهي أنه خشي إذا خرج
وتركهم - وقد أمره موسى بالبقاء معهم - أن تقع الفرقة بين بني إسرائيل،
وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشي إن زجرهم أن يقع قتال، فيلومه
موسى عليه، وقد أوضح ذلك هنا بقوله: ﴿إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ
بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ وفي الأعراف قال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى فَلَا
تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ﴾ لأنك أمرتني أن أكون معهم.
٥ - بعد عتاب هارون اتجه موسى للسامري سائلاً: ﴿فَمَا خَطْبُك
يَسَمِرِىُّ﴾ أي ما أمرك وما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ وقصده
من سؤاله: انتزاع اعتراف منه بباطله.
قال قتادة: كان السامري عظيماً في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها (سامرة)
ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل
بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَآ إِلَهَا كَمَا
ج
لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ
العجل.
فقال السامري مجيباً لموسى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ﴾ يعني رأيت مالم
يروا؛ رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض
من أثره قبضته، فما ألقيته على شيء، إلا صار له روح ولحم ودم؛ فلما
سألوك أن تجعل لهم إلهاً، زيَّت لي نفسي ذلك.
أ - عاقب موسى عليه السلام ذلك السامري الذي اعترف بأنه صنع
العجل لهوى في نفسه، فنفاه عن قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا
يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قال الحسن البصري: جعل الله عقوبة السامري
ألا يماس الناس ولا يماسوه، عقوبة له ولما كان منه إلى يوم القيامة؛ وكأن الله
عز وجل شدّد عليه المحنة، بأن جعله لا يماس أحداً، ولا يمكّن من أن يمسَّه
أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا.
٦٣٣
الجُزُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٩٠-٩٨
ويقال: لما قال له موسى: فاذهب، فإن لك في الحياة أن تقول: ﴿لَا
مِسَاسٌ﴾ خاف فهرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد
أحداً من الناس يمسه، حتى صار كالقائل: لا مساس؛ لبعده عن الناس وبعد
الناس عنه.
لاً - قال القرطبي: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم
وألا يخالطوا، وقد فعل النبي ◌َّلر ذلك بكعب بن مالك وصاحبيه الذين
خُلِّفوا.
ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يُقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا
يعامل ولا يبايع ولا يشارى، ليضطر إلى الخروج. ومن هذا القبيل: التغريب
في حدّ الزی.
٨ - وهناك عقاب آخر للسامري يوم القيامة، وموعد لعذابه لابد من
مجيئه، والصيرورة إليه، ولا خلف فيه.
ـة - حرّق موسى عليه السلام بالنار العجل الذي اتخذه السامري. ثم ألقى
رماده في البحر، وهذا هو الواجب المتعين في استئصال المنكر وتصفية جميع
آثاره.
٠ ١ - طوى موسى عليه السلام من تاريخ بني إسرائيل واقعة عبادة العجل
التي طرأت في فترة زمنية قصيرة الأمد، وقرر إلى الأبد مبدأ التوحيد، وأوجب
عبادة الله الذي لا إله إلا هو، العليم بكل شيء، وسع كل شيءٍ علمه، الخبير
بأحوال المخلوقات الظاهرة والباطنة، وهذه هي صفات الإله الحق المستحق
للعبادة دون سواه.
١١ - لم يكن أخذ موسى برأس أخيه وبلحيته معصية قادحة بعصمة الأنبياء
عليهم السلام، كما زعم بعض الطاغين، وإنما كان هذا تعبيراً قوياً عن
٦٣٤
الُرُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٩٩-١٠٤
إنكاره، وغضباً لله لا لنفسه، وهكذا كان رسول الله و له لا يغضب لنفسه،
وإنما يغضب إذا انتهكت محارم الله. والغضب في هذا الموضع محمود غير
مذموم، ولا يستنكر ولا يستغرب ظهور أمارات الغضب على النفس، وقد
أجرى موسى عليه السلام أخاه هارون مجرى نفسه؛ لأنه كان أخاه وشریکه،
فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، فإن الغضبان المتفكر
قد يعض على شفتيه، ويفتل أصابعه، ويقبض لحيته(١).
والدليل على ذلك أن هارون عليه السلام عذر أخاه موسى عليه السلام
فيما فعل، وكل ما في الأمر أنه استمهله وهدَّأ أعصابه، ليبين له وجهة نظره،
ووجه اجتهاده.
العبرة من القصص القرآني وجزاء المعرض عن القرآن
مَّنْ
٩٩
﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيَكَ مِنْ أَنْبَآءَ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّكُنَا ذِكْرًا
خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا
١٠٠
أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
١٠١
يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن
يَوْمَ يُفَغُ فِى الْصُورِّ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا
لَّبِئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ﴿َ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِقَةً إِن لَّئْتُمْ إِلَّا
١٠٤
يَوْمًا
القراءات:
﴿ يُفَخُ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (نَنْفُخ).
(١) تفسير الرازي: ١٠٨/٢٢
٦٣٥
لِلُعُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٩٩-١٠٤
الإعراب:
خَلِينَ فِيهِ﴾ أفرد ضمير
١٠٠
﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا
﴿ أَعْرَضَ﴾ حملاً على لفظ ﴿مَنْ﴾، وجمع الضمير في قوله ﴿خَلِينَ﴾ حملاً على
معناه. و﴿خَلِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يَحِلُ﴾.
﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِملًا﴾ تمييز مفسر للضمير في ﴿وَسَآءَ﴾، والمخصوص
بالذم محذوف تقديره: وزرهم.
﴿يَوْمَ يُفَخُ فِىِ الصُّورِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل من يوم القيامة السابق.
البلاغة:
كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلًا﴾ استعارة تصريحية، شبَّه الوزر بالحمل الثقيل،
مصرحاً بلفظ المشبه به.
المفردات اللغوية:
﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي مثل ذلك الاقتصاص
اقتصاص موسى والسامري - نقص عليك يا محمد من أخبار الأمم الماضية.
﴿ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَُّنَّا ذِكْرًا﴾ وقد أعطيناك من عندنا قرآناً، فالذكر:
القرآن، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦/١٥] وسمي
بذلك؛ لأن فيه ذكر كل ما يحتاج إليه الناس في الدين والدنيا، والقصص
والأخبار، والتنكير فيه للتعظيم.
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن الذكر الذي هو القرآن الجامع لأسباب السعادة
والنجاة، فلم يؤمن به . ﴿وِزْرًا﴾ حملاً ثقيلاً من الإثم، والمراد به: العقوبة
الشديدة التي تثقل صاحبها . ﴿خَلِينَ فِيهِ﴾ في عذاب الوزر. ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ
٦٣٦
الُ (١٦) - ظئة: ٢٠ / ٩٩-١٠٤
اُلْقِيَمَةِ حِملًا﴾ أي ساء أو بئس وزرهم، واللام للبيان، كما في ﴿هَيْتَ
لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣/١٢].
﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ يوم ينفخ في القرن النفخة الثانية. ﴿وَنَحْشُرُ
اٌلْمُجْرِمِينَ﴾ نجمع الكافرين. ﴿زُرْقَا﴾ أي زرق الأبدان والعيون، مع سواد
وجوههم، لاشتماله على الشدائد والأهوال . ﴿يَتَخَفَتُونَ يَلْنَهُمْ﴾ أي يتسارون
ويخفضون أصواتهم، لشدة الرعب والهول . ﴿إِن ◌َِّئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ أي ما لبثتم
في الدنيا إلا عشراً من الليالي بأيامها، يستقصرون مدة لبثهم فيها لزوالها.
﴿َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ في ذلك أي في مدة لبثهم. ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾
أعدلهم رأياً أو عملاً. ﴿إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ أي يستقلون لبثهم في الدنيا جداً،
لما يشاهدونه من أهوال الآخرة. وحكاية اختلافهم في مدة اللبث: ﴿عَشْرًا﴾
أو ﴿يَوْمًا﴾ أو (ساعة) ليس على سبيل الحقيقة أو الشك في التعيين، بل المراد
تقرير سرعة زواله.
المناسبة:
بعد بيان قصص موسى والسامري، أبان الله تعالى لنبيه إيناساً له أن
إعلامك بأخبارالأمم الماضية وأحوالهم كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب
الأيكة، هو زيادة في معجزاتك، وحث على الاعتبار والاتعاظ من قبل
المکلفین في الدین.
وناسب بعده أن يذكر جزاء المعرضين عن أحكام القرآن، ذلك الجزاء
الرهيب الذي تشيب منه الولدان.
التفسير والبيان:
﴿ كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ﴾ أي كما قصصنا عليك أيها
الرسول خبر موسى مع فرعون وجنوده وخبره مع بني إسرائيل في الحقيقة
٦٣٧
لِلُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٩٩-١٠٤
والواقع، كذلك نقص عليك أخبار الحوادث التي جرت مع الأمم الماضية،
كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، لتكون سلوة لك عما تكره، وبياناً لسيرة
الأنبياء السابقين في مكابدتهم الشدائد مع أقوامهم لتتأسَى بهم، ودلالة على
صدقك ونبوتك، مما يجعل في القصص عبرة وعظة، ودرساً وفائدة.
﴿ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَُّنَّا ذِكْرًا﴾ أي هذا .. وقد أعطيناك من عندنا ذِكْراً،
وهو القرآن العظيم، للتذكر به على الدوام؛ لأنه الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولأنه لم يُعْطَ نبي من الأنبياء قبلك
مثله، ولا أكمل منه ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وفيه حكم
الفصل بين الناس، وكل ما هو صلاح للبشر في الدين والدنيا والآخرة،
وجميع مكارم الأخلاق، ومناهج الحياة الفاضلة.
®) أي كل من كذب به،
﴿َنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
وأعرض عن اتباعه، فلم يؤمن به، ولا عمل بما فيه، وابتغى الهدى في غيره،
يحمل إثماً عظيماً، وعقوبة ثقيلة يوم القيامة يسبب إعراضه، كما قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧/١١].
وهذا عام في كل من بَلَغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب
وغيرهم، كما قال تعالى في بيان مهمة رسوله: ﴿لِأَنْذِرَّكُم ◌ِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:
١٩/٦]، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، وداع للإيمان به، فمن اتبعه هُدِي،
ومن خالفه وأعرض عنه، ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة.
)﴾ أي ماكثين مقيمين على
١٠١
﴿خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلًا
الدوام في جزائه ووزره، وهو النار، لا محيد لهم عنه ولا انفكاك، وبئس
الحمل حملهم الذي حملوه من الأوزار، جزاء إعراضهم.
﴿يَوْمَ يُفَخُ فِي الصُّورَّ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا (49َ﴾ أي إن يوم القيامة
هو اليوم الذي ينفخ فيه في الصور النفخة الثانية، نفخة البعث التي يحشر
٦٣٨
لُرُ (١٦) - حظئة: ٢٠ / ٩٩-١٠٤
الناس بعدها للحساب، وفي هذا اليوم بالذات يحشر المجرمون أيضاً وهم
المشركون والعصاة المأخوذون بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم، زُرْق العيون
والوجوه من شدة ما هم فيه من الأهوال، والغيظ والندامة.
أي يتسارّون بينهم، فيقول
﴿ يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن ◌َِّئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا
بعضهم لبعض سرّاً: ما لبثتم في الدنيا إلا قليلاً بمقدار عشرة أيام أو نحوها أو
عشر ليال، يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا أو في القبور، بمقارنتها بأيام
الآخرة الطويلة الأمد وبأعمار الآخرة.
وإنما خص العشرة واليوم الواحد بالذكر؛ لأن القليل في أمثال هذه
المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد.
﴿َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (®َ﴾ أي
نحن أعلم بما يتناجون وبما يقولون في مدة لبثهم، حين يقول أعدلهم قولاً،
وأكملهم رأياً وعقلاً، وأعلمهم عند نفسه: ما لبثتم إلا يوماً واحداً؛ لأن دار
الدنيا كلها، وإن طالت في أنظار الناس، كأنها يوم واحد، وغرضهم من ذلك
درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُفْسِمُ
اَلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥/٣٠] وقال سبحانه: ﴿قَالَ كُمْ
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِينَ
١١٣
لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
﴾ [المؤمنون: ١١٢/٢٣ - ١١٣].
١١٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن في قصص القرآن من أخبار الأمم وأحوالهم عبرة وعظة، يستعبر
بها أو يتعظ العقلاء المكلفون، وسلوة للنبي، ودليلاً على صدقه، وزيادة في
معجزاته.
٦٣٩
الجُمُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٩٩-١٠٤
اً - والقرآن العظيم كله تذكير ومواعظ للأمم والشعوب والأفراد،
وشرف وفخر للإنسانية وللعرب خاصة، ونعمة عظمى لكل إنسان.
٣ - وكما أن القرآن نعمة، ففيه أيضاً وعيد شديد لمن أعرض عنه، ولم
يؤمن به، ولم يعمل بما فيه، فهو - أي المُعْرِض - يتحمل الإثم العظيم
والحمل الثقيل يوم القيامة، حيث يقيم في جزائه، وجزاؤه جهنم، وبئس
الحمل الذي حملوه يوم القيامة.
والوزر: هو العقوبة الثقيلة، سميت وزراً، تشبيهاً في ثقلها على المعاقب
بثقل حمل الحامل، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم.
وصفة ذلك الوزر كما تبين شيئان: أحدهما - أنه مخلد مؤبد، وثانيهما -
: أنه ما أسوأ هذا الوزر حملاً، أي محمولاً.
٤ - إن يوم القيامة هو اليوم الذي ينفخ في الصور النفخة الثانية للبعث
والحشر والحساب. والصور: قرن ينفخ فيه يدعى به الناس إلى المحشر.
٥ - يكون النفخ في الصور سبباً لحشر المجرمين، أي المشركين، زرق
العيون والأبدان من شدة العطش وشدة الأهوال التي یکابدونها.
أَ - يتسارر المجرمون يوم القيامة قائلين: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال،
يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة، ويخيل
إلى أمثلهم أي أعدلهم قولاً، وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه: أنهم ما لبثوا في
الدنيا إلا يوماً واحداً أي مثل يوم أو أقل.
٦٤٠
الجُزءُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ١٠٥-١١٢
أحوال الأرض والجبال والناس يوم القيامة
فَيَذَرُهَا قَاعَا صَفْصَفًا
١٠٥
﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْحِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِىِ نَسْفًا
١٠٦
يَوْمَئِذٍ يَتَبِعُونَ الَّاعَِ لَا عِوَجَ لَهِّ وَخَشَعَتِ
لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا
يَوْمَيِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ
اُلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (
الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ اُلْقَيُومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴿ وَمَن يَعْمَلْ
١١٠
مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِرُ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا
القراءات:
﴿فَلَا يَخَافُ﴾ :
وقرأ ابن كثير (فلا يخفْ).
البلاغة:
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ كناية عن أمر الدنيا والآخرة.
﴿عِلْمًا﴾ ﴿ظُلْمًا﴾ ﴿هَضْمًا﴾ سجع مؤثر غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ عن حال أمرها وكيف تكون يوم القيامة، وقد سأل
عنها رجل من ثقيف . ﴿فَقُلْ﴾ لهم. ﴿يَنْسِقُهَا رَبِ نَسْفًا﴾ يفتتها ذرات ويجعلها
كالرمل السائل، ثم يطيرها كالريح. ﴿فَيَذَرُهَا﴾ فيتركها ويذر مقارّها أو يذر
الأرض. ﴿فَاعًا﴾ أرضاً منبسطة لا بناء ولا نبات. (صَفْصَفًا﴾ أرضاً ملساء
مستوية. ﴿عِوَجًا﴾ انخفاضاً. ﴿وَلَا أَمْنَا﴾ ارتفاعاً.