Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ لُعُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٦٥-٧٦ [الأعلى: ١١/٨٧-١٣] وقوله عز وجل: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ قَالَ إِنَّكُر [الزخرف: ٤٣ / ٧٧] . مَكْتُونَ وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَ ل خطب، فأتى على هذه الآية، فقال: ((أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر (١) على نهر، يقال له: نهر الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل)). وفي الخبر الصحيح: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان)). ﴿ وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الذَّرَجَتُ الْعُلَىِ (®]﴾ أي ومن يلقى ربَّه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله، فعل الطاعات، فأولئك لهم بإيمانهم وعملهم الصالح الجنة ذات الدرجات والمنازل العالية الرفيعة، والغرف الآمنة، والمساكن الطيبة. أخرج الإمام أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي وَّ قال: ((الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله تعالى، فاسألوه الفردوس)). وفي الصحيحين: ((إن أهل عِلِّيين لَيَرَوْن من فوقَهم، كما تَرَون الكوكب الغابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) وفي السنن: ((وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما)). ﴿َّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَنْ تَزَّكَى (®﴾ أى (١) الضَّبْر: الجماعة، جمع ضبور، وضبائر: جمع الجمع. ٠٫٠ ٦٠٢ الزُعُ (١٦) - ظافر: ٢٠ / ٦٥-٧٦ تلك الدرجات العلا في جنات إقامة تجري من تحت غرفها الأنهار، ماكثين فيها أبداً، وذلك الفوز الذي أحرزوه جزاء من طهر نفسه من دنس الكفر والمعاصي الموجبة للنار، واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله العلي القدير. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - الأدب الحسن يفيد في الدنيا والآخرة، فلما خيَّر السحرة موسى بين أن يلقي أولاً أو يلقوا هم، أفادهم ذلك في التوفيق للإيمان. ولما قدمهم موسى في الإلقاء وهم الجمع الكثير، نصره ربه، فالتقمت عصاه التي تحولت حية جميع ما ألقوه من الحبال والعصي، وكان ظهور المعجزة أوقع وأتم وأوضح. وليس أمر موسى بالإلقاء رضىّ منه بما هو سحر وكفر؛ إذ لا يقصد منه ظاهر الأمر؛ فلا يكون نفس الإلقاء كفراً ومعصية، وإنما هو وسيلة لما بعده، ليظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول موسى عليه السلام، ولأن الأمر مشروط بتقدير محذوف هو: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين. ثم إنه قدمهم في الإلقاء على نفسه، مع أن تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة غير جائز؛ ليكون إظهار المعجزة سبباً لإزالة الشبهة. أَ - خاف موسى عليه السلام من الحيات، حسبما يعرض لطباع البشر، كما خاف لأول مرة حينما كلَّمه الله بإلقاء عصاه فصارت حية عظيمة. وقيل : خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. ◌َّ - أزال الله الخوف عن قلب موسى بقوله له: ﴿لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اٌلْأَعْلَى﴾ أي الغالب لهم في الدنيا، وأنت في الدرجات العلا في الجنة، للنبوة والاصطفاء الذي آتاك الله به. وبقوله أيضاً: ﴿ وَأَلِّقِ مَا فِ يَمِينِكَ نَلْقَفْ ٦٠٣ الُرُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٦٥-٧٦ مَا صَنَعُوَّاً﴾ أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيّهم، وألق العصا بيمينك، فإنها بقدرة الله تلتهم كل ما ألقوا، وهي أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء فإنها تبتلع بإذن الله ما معهم وتمحقه. ٤ - اختلف الرواة في عدد السحرة، والظاهر كما نقل عن ابن عباس وغيره كالكلبي: أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان منهم من القبط، وسبعون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على ذلك. هذا مع العلم بأن ظاهر القرآن لا يدل على شيء من العدد، والمهم أنه لا يفوز ولا ينجو الساحر حيث أتى من الأرض؛ أو حيث احتال، ولا يحصل مقصوده بالسحر خيراً كان أو شراً، وذلك يقتضي نفي السحر بالكلية. ٥ - خرَّ السحرة ساجدين لله، لما رأوا عظيم الأمر وخرق العادة في العصا؛ فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي، وكانت حمل ثلاث مئة بعير، ثم عادت عصاً، لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى(١). وفي قوله: ﴿فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دلالة على أنه ألقى العصا، وصارت حية، وتلقفت ما صنعوه، وفي التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته، وذلك لا يكون إلا مع عظیم جسدها وشدة قوتها. وقد حكي عن السحرة أنهم عند التلقف أيقنوا بأن ما جاء به موسى عليه السلام لیس من مقدور البشر من وجوه: أحدها - ظهور حركة العصا على وجه لا يمكن بالحيلة. وثانيها - زيادة عظمها على وجه لا يتم بالحيلة. (١) تفسير القرطبي: ٢٢٤/١١. ٦٠٤ الُعُ (١٦) - ظفن: ٢٠ / ٦٥-٧٦ وثالثها - ظهور الأعضاء عليها من العين والمنخرين والفم وغيرها، ولا يتم ذلك بالحيلة. ورابعها - تلقف جميع ما ألقوه على كثرته، وذلك لا يتم بالحيلة. وخامسها - عودها خشبة صغيرة كما كانت، ولا يتم شيء من ذلك بالحيلة(١). أَ - قوله: ﴿إِنََّا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ﴾ فيه دلالة على أن ما مع موسى معجزة إلهية، والذي معهم تمويهات باطلة. لاً - آمن السحرة بما رأوه من المعجزة، وعرفوا أن رب موسى وهارون هو الرب الحقيقي المستحق للعبادة، وكان إيمانهم أرسخ من الجبال، فهان عليهم عذاب الدنيا، ولم يأبهوا بتهديد فرعون. ٨ - لم يملك فرعون إلا أن يعلن بأن موسى كبير السحرة ورئيسهم في التعليم، وأنه إنما غلبهم لأنه أحذق منهم؛ ليشبِّه على الناس، حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته. ـة - ولجأ أخيراً إلى التهديد بالتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، لتعطيل المنفعة، وضم إليه التصليب للإذلال والإهانة، وزاد في غيه وكفره وعناده أنه أشد عذاباً وأدوم أثراً من عذاب ربِّ موسى. وهذا إفك شدید. · اً - لم يتراجع السحرة عن إيمانهم بالرغم من شدة التهديد والوعيد وقالوا لفرعون: لن نختارك على ما جاءنا من اليقين والعلم، ولا على الذي فطرنا، أي خلقنا، فافعل ما شئت، إنما ينفذ أمرك في هذه الدنيا. (١) تفسير الرازي: ٨٥/٢٢. ٦٠۵ لُرُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٦٥-٧٦ إننا صدقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى ليغفر الله لنا خطايانا، أي الشرك الذي كانوا عليه، ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر، وثواب الله خير وأبقى. قال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة؛ فلهذا قالوا: ﴿لَنْ تُؤْثِرَكَ﴾. وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فقيل لها: غلب موسى وهارون؛ فقالت: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة، فإن مضت على قولها فألقوها عليها؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزعت روحها، وألقيت الصخرة على جسدها، وليس في جسدها روح. ١اً - استمر السحرة في وعظ فرعون وغيره وتحذيره من عذاب الآخرة وترغيبه في العمل للجنة، فقالوا: إن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، والمجرم: هو الكافر بدليل مقابلته بالمؤمن في الآية التالية: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا﴾ وصفة الكافر المكذب الجاحد أنه في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا. وإذا كان هذا كلام السحرة، فلعلهم سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل، إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضاً المؤمن من آل فرعون. ويحتمل أن يكون ذلك إلهاماً من الله لهم، أنطقهم بذلك لما آمنوا. وقد استدل المعتزلة بهذه الآية على وعيد أصحاب الكبائر، وقالوا: صاحب الكبيرة مجرم، وكل مجرم فإن له جهنم لقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ ومن الشرطية تفيد العموم، والجواب أن كلمة المجرم كما بيَّنا يراد بها الكافر، بدليل مقابلتها بالمؤمن فيما بعد. وأما من يموت على الإيمان، ويلقى ربَّه مصدقاً به وبرسله وبالبعث، ويعمل الصالحات، أي الطاعات وما أمر به وما نهى عنه، فله الدرجة الرفيعة التي ٦٠٦ لِلُ (١٦) - ظام: ٢٠ / ٧٧-٨٢ عجز الوصف عن إدراكها والإحاطة بها. والدرجات العلا هي جنان الخلد والإقامة التي تجري من تحت غرفها وسررها الأنهار من الخمر والعسل واللبن والماء، ماكثين دائمين، وذلك جزاء من تطهّر من الكفر والمعاصي. - ١٠ - إغراق فرعون وجنوده في البحر ونعم الله على بني إسرائيل ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ٧٨ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ VV وَأَضَلَ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴿ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ قَدْ أَنْجَّتَكُم مِّنْ عَدُوَّكُمْ وَوَعَدْنَكُ جَانِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَ وَالسَّلْوَى كُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى (4) وَإِ ٨٢ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أُهْتَدَى القراءات: ﴿أَنْ أَسْرٍ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير (أنِ اشْرٍ). ﴿لَّا تَخَفُ﴾: وقرأ حمزة (لا تَخَفْ). ﴿أَنْجَتْنَكُمْ﴾، ﴿وَوَعَدْنَكُمْ﴾، ﴿رَزَقْتَكُمْ﴾ قرئ: ٦٠٧ الُ (١٦) - حظّئة: ٢٠ / ٧٧-٨٢ ١- (أنجيتُكم، وواعدتُّكم، رزقتكم) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (أنجيناكم، ووعدناكم، رزقناكم) وهي قراءة أبي عمرو. . ٣- (أنجيناكم، وواعدناكم، رزقناكم) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿فَيَحِلَ﴾، ﴿وَمَنْ يَحْلِلٌ﴾: وقرأ الكسائي (فَيَحُلَّ، ومن تحِلُلْ). الإعراب: ﴿طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا﴾ ﴿يَسًا﴾ صفة ﴿طَرِيقًا﴾ وهو مصدر، فهو إما أن يكون بمعنى: ذا يَبْس، فحذف المضاف، أو جَعَل الطريق اليَبْس نفسه. ﴿لَّا تَّخَفُ دَرَكًا﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال، أي غير خائف، ﴾ [المدثر: ٦/٧٤] أي مستكثراً. ومن قرأ (لا تَخَفْ) مثل ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ جزمه جواباً لقوله: ﴿فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾. ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ،﴾ الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، والمفعول الثاني محذوف، أي فأتبعهم فرعون عقوبته بجنوده، أي معه جنوده. ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي من ماء اليم، و﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾: في موضع رفع فاعل، وكان حق الكلام: فغشيهم من ماء اليم شدَّته، فعدل إلى لفظة ﴿مَا﴾ لما فيها من الإبهام، تهويلاً للأمر، وتعظيماً للشأن؛ لأنه أبلغ من التعيين، فيكون أبلغ تخويفاً وتهديداً. ﴿وَوَعَدْنَكُمْ جَانِبَ اُلُورِ الْأَيْمَنَ﴾ ﴿جَانِبَ اُلْطُورِ﴾ مفعول ثان لواعدناكم، والتقدير: واعدناكم إتيان جانب الطور الأيمن، ثم حذف المضاف. و﴿اَلْأَيْمَنَ﴾ صفة جانب. ٦٠٨ الُزُجُ (١٦) - ◌َّئة: ٢٠ / ٧٧-٨٢ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: وعمل عملاً صالحاً، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. البلاغة: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْبِمِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ تهويل. ﴿وَأَضَلَّ﴾ ﴿وَمَا هَدَى﴾ طباق بينهما. ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ استعارة، استعار لفظ الهوي: وهو السقوط من علو إلى سفل للهلاك والدمار. ﴿وَإِنِى لَغَفَّارٌ﴾ صيغة مبالغة، أي كثير المغفرة للذنوب. المفردات اللغوية: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ ليلاً من مصر، والسرى والإسراء: السير ليلاً ﴿فَاضْرِبْ لَمْ﴾ اجعل لهم بعصاك ﴿يَبَسًا﴾ أي طريقاً يابساً، لا ماء فيه، فامتثل ما أمر به وأيبس الله الأرض في قاع البحر، فمروا فيها ﴿لَّا تَخَفُ دَرَّكًا﴾ أو دَرْكاً، أي إدراكاً ولحوقاً ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ ولا تخاف غرقاً ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ حذف المفعول الثاني، أي فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده. ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ فغمرهم وعلاهم من ماء البحر ما علاهم، فأغرقهم، والضمير: له ولهم. وفيه مبالغة وتهويل وإيجاز، أي غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا الله ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أي أضلهم في الدين وما هداهم بدعوتهم إلى عبادته، وإيقاعهم في الهلاك، خلافاً لقوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩/٤٠] فمعنى (أضلهم): سلك بهم طريقاً إلى الخسران في دينهم ودنياهم، إذ أغرقوا فأدخلوا ناراً. ومعنى ﴿وَمَا هَدَى﴾: وما أرشدهم طريقاً يؤدي بهم إلى السعادة. ٦٠٩ اِلُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٧٧-٨٢ ﴿أَنْجَتََّكُ مِّنْ عَدُوَّكُمْ﴾ فرعون وإغراقه ﴿الْأَيْمَنَ﴾ أي عن يمين من يأتي من الشام إلى مصر، لإنزال التوراة، للعمل بها، وقرئ الأيمن بالجر على الجوار ﴿ اَلْمَنَ﴾ نوع من الحلوى يسمى الترنجبين ﴿وَالسَّلْوَى﴾ طائر هو السُّمانَى، وكلاهما في التيه ﴿كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ لذائذه أو حلالاته مما أنعمنا به عليكم ﴿ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ﴾ بأن تكفروا النعمة به، وتخلوا بشكره، وتتعدوا لما حد الله لكم فيه، كالسرف والبطر والمنع عن المستحق ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ﴾ بكسر الحاء: أي فيجب ويلزمكم عذابي، وبضمها: أي ينزل ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ﴾ بكسر الحاء وضمها ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ سقط في النار وهلك. (غفار) كثير المغفرة وستر الذنوب ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَءَامَنَ﴾ وحَّد الله وآمن بما يجب الإيمان به ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ عمل الفرائض والنوافل ﴿ثُمّ آَهْتَدَى﴾ ثم استقام على الهدى المذكور إلى موته. المناسبة: بعد بيان الانتصار الساحق لموسى عليه السلام على السحرة، أبان الله تعالى طريق الخلاص بين فرعون الطاغية وقومه وبين بني إسرائيل، فأغرق الله فرعون وجنوده في البحر، حين تبعوا موسى وقومه، لما خرج من مصر إلى الطور، وذلك بمعجزة العصا التي ضرب بها موسى البحر، فأحدث فيه بقدرة الله طريقاً يبساً، بالرغم من الآيات المفصلة التي حدثت على يد موسى في مدى عشرين سنة حسبما ذكر في سورة الأعراف. وأنقذ الله بني إسرائيل الذين أنعم الله عليهم بأنواع من النعم الدينية والدنيوية وأهمها إزالة المضرة، فاقتضى تذكيرهم إياها، وابتدأ بالمنفعة الدنيوية بقوله: ﴿أَنَّنَكُم مِّنْ عَدُوَّكُمْ﴾ وهو إشارة إلى إزالة الضرر، ثم ثنى بالذكر المنفعة الدينية بقوله: ﴿وَوَعَدْنَّكُمْ جَانِبَ اُلُْورِ الْأَيْمَنَ﴾ وهو إنزال التوراة كتاب دينهم ومنهاج شريعتهم، ثم ثلَّث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ٦١٠ لُ (١٦) - ظَنْزْ: ٢٠ / ٧٧-٨٢ وَالسَّلْوَى، كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ ثم زجرهم عن العصيان بقوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ﴾ ثم بيان قبول توبة العاصي بقوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾. التفسير والبيان: أمر الله موسى عليه السلام حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، وينقذهم من قبضة فرعون، فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا لَا تَخَفُ دَرَّكَاً وَلَا تَخْشَى ﴾﴾ أي ولقد أوحينا إلى النبي موسى أن يسير ببني إسرائيل من مصر ليلاً، دون أن يشعر بهم أحد، وأمرنا أن يتخذ أو يجعل لهم طريقاً يابساً في وسط البحر (بحر القلزم أو البحر الأحمر) وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين. وأشعرناه بالأمان والنجاة، فقلنا له: أنت آمن لا تخاف أن يدركك وقومك فرعون وقومه، ولا تخشى أن يغرق البحر قومك، أو لا تخاف إدراك فرعون ولا تخشى الغرق بالماء. والتعبير عن بني إسرائيل بكلمة ﴿بِعِبَادِى﴾ دليل على العناية بهم، وأنهم كانوا حينئذ قوماً صالحين، وإيماء بقبح صنع فرعون بهم من الاستعباد والظلم. ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلْبِ مَا غَشَِهُمْ ﴿٤﴾ أي تبعهم فرعون ومعه جنوده، فغشيهم من البحر ما غشيهم مما هو معروف ومشهور، فغرقوا جميعاً. وتكرار ﴿غَشَِهُمْ﴾ للتعظيم والتهويل. وأما تورُّط فرعون الداهية الذكي في متابعة موسى فكان بسبب أنه أمر مقدمة عسكره بالدخول، فدخلوا وما غرقوا، فغلب على ظنه السلامة، فلما ٦١١ الُ (١٦) - ظّئة: ٢٠ / ٧٧-٨٢ أي أضل دخل الكل أغرقهم الله تعالى.﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى فرعون قومه عن سبيل الرشاد، وما هداهم إلى طريق النجاة حينما سلك بهم في الطريق الذي سلكه بنو إسرائيل في وسط البحر. ثم بدأ الله تعالى يعدِّد نعمه على بني إسرائيل، مقدِّماً إزالة المضرّة على جلب المنفعة، وهو ترتيب حسن معقول؛ لأن ((درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)) فقال : اً - ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيَلَ قَدْ أَنْتََّكُم مِّنْ عَدُؤَّكُمْ﴾ أي قلنا لهم بعد إنجائهم: يا بني إسرائيل، قد أنجيناكم من عدوكم: فرعون، الذي كان يذبح أبناءكم ويستحيي نساءكم، وأقررنا أعينكم منهم، حين أغرقتهم وأنتم تنظرون إليهم، فقد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما في آية أخرى: ﴿ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠/٢] وهو إشارة إلى إزالة الضرر. أَ - ﴿وَعَدْنَكُمْ جَانِبَ اُلُْورِ الْأَيْمَنَ﴾ أي جعلنا لكم ميقاتاً وهو موعد تكليم موسى بحضرتكم، وإنزال التوراة ذات الشريعة المفصلة، وأنتم تسمعون الكلام الذي يخاطبه به رب العزة. وكان مكان الموعد جانب جبل الطور الأيمن، وهو جبل في سيناء. قال المفسرون: ليس للجبل يمين ولا يسار، بل المراد أن طور سيناء عن يمين من انطلق من مدين إلى مصر. ◌َ - ﴿ وَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ أي وأنزلنا عليكم المن والسلوى، وأنتم في التيه، أما المن: فهو حلوى كانت تنزل عليهم من الندى من السماء، من الفجر إلى طلوع الشمس، على الحجارة وورق الشجر. وأما السلوى: فهو طائر السُّمانى الذي تسوقه ريح الجنوب، فيأخذ كل واحد منكم ما يكفيه. ﴿كُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ أي وقلنا لهم: انعموا بالأكل من تلك الطيبات المستلذات من الأطعمة الحلال. ٦١٢ لُعُ (١٦) - ظّفْنَ: ٢٠ / ٧٧-٨٢ ﴿ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىِّ﴾ أي ولا تتجاوزوا ما هو جائز إلى مالا يجوز، ولا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين، ولا تأخذوا من الرزق من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به من البعد عن السرف والبطر وارتكاب المعاصي والاعتداء على الحقوق، فينزل بكم غضبي، وعقوبتي. ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى﴾ أي ومن نزل به غضبي فقد شَقِيَ وهلك. أي وإني لستار ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى وذو مغفرة شاملة لمن تاب من الذنوب، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل عملاً صالحاً مما ندب إليه الشرع وحسَّنه، ثم استقام على ذلك حتى يموت. وفي التعبير بـ ﴿ثُمَّ أُهْتَدَى﴾ دلالة على وجوب الاستمرار على تلك الطريقة؛ إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة، حتى يستمر عليه في المستقبل، ويموت عليه، ويؤكده في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠/٤١] وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ هنا للتراخي، وليست لتباين المرتبتين، بل لتباين الوقتين، فكأنه تعالى قال: الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، مما قد يحدث أحياناً لكل أحد، ولا صعوبة في ذلك، إنما الصعوبة في المداومة والاستمرار على المطلوب. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت هذه الآيات إلى ما يأتي: اً - تفضل الله على بني إسرائيل بإنقاذهم وإنجائهم من ظلم فرعون وقومه، فأوحى الله إليه أن يتخذ لهم طريقاً يابساً في البحر لا طين فيه ولا ماء، بأن ضربه بعصاه، فانشق، وجفَّ بما هيّأ الله له من الأسباب كالرياح، فأضحى لا يخاف لحاقاً من فرعون وجنوده، ولا يخشى غرقاً من البحر. ٦١٣ لُهُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٧٧-٨٢ أَ - تورُّط فرعون بعد أن أرسل فريقاً من عسكره وراء بني إسرائيل في البحر، فلما لم يغرقوا، أمر جنوده بالمسير بقيادته، فتبعهم ليلحقهم مع جنوده، فأطبق عليهم البحر، ولم ينج أحد. ◌َّ - كان فرعون شؤماً على نفسه وعلى قومه، فإنه أضلَّهم عن الرشد، وما هداهم إلى خير ولا نجاة؛ لأنه قدَّر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه؛ لأن بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا عشر طريقاً، وكان الماء بين الطرق قائماً كالجبال، كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣/٢٦] أي الجبل الكبير، فأخذ كل ◌ِبْط من أسباط بني إسرائيل طريقاً. وأوحى الله إلى طود الماء بالتشبُّك، فصارت شبكات يرى بعضهم بعضاً، ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات. فلما أقبل فرعون، ورأى الطرق في البحر، والماءَ قائماً، أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابه، فانطبق البحر عليهم. وهذا كله يحتاج إلى إيمان بقدرة الله. ٤ - أنعم الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة، ذكر منها هنا ثلاثاً، وهي الإنجاء من آل فرعون، والمواعدة: إتيان جانب الطور، وإنزال المن والسلوى في التِّيه. ٥ - إن النعم تقتضي الحفظ والشكر، فقد يسر الله لهم الأكل من طيبات الرزق الحلال ولذيذه الذي لا شبهة فيه، فما عليهم إلا حفظ النعمة، فلا يؤخذ منها أكثر من الحاجة، وشكرها، فلا تؤدي إلى السرف والبطر والمعصية، وهذا هو الطغيان، أي التجاوز إلى مالا يجوز. ٦١٤ الزُ (١٦) - طفلٌ: ٢٠ / ٨٣-٨٩ ٩ - إن جحود النعمة يوجب حلول غضب الله ونزوله، ومن نزل به غضب الله وعقابه ونقمته وعذابه؛ فقد شقي وهلك وهوى، أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار. لاً - الله غفور على الدوام لمن تاب من الشرك والكفر والمعصية، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال بأداء الفرائض والطاعات، واجتنب المعاصي، ثم أقام على إيمانه حتى مات عليه. - ١١ - تكليم الله موسى في الميقات وفتنة السامري بصناعة العجل إلهاً قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ ٨٣ وَمَّا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى ٨٥ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَىِ فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَ قَالَ يَقَوْمِ أَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّاً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدِّثُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمُ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ مَوْعدِی فَقَذَفْنَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَِّيُّ ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلاً وَلَا يَمْلُِ ٨٩ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا القراءات: ﴿بِمَلْكِنَا﴾: قرئ: ٦١٥ لِلُزُ (١٦) - ظئن: ٢٠ / ٨٣-٨٩ ١- (بِمَلْكِنا) وهي قراءة نافع، وعاصم. ٢- (بِمُلْكِنا) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٣- (بِمِلْكِنا) وهي قراءة الباقين. : ◌ُّلْنَآ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (مَلْنَا). الإعراب: ﴿وَمَّا أَعْجَلَكَ﴾ (ما) مبتدأ، و﴿أَعْجَلَكَ﴾ خبره، وفيه ضمير يعود إلى (ما) وتقديره: أي شيء أعجلك؟ ﴿ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ ﴿وَعْدًا﴾ إما منصوب على المصدر، تقول: وعدته وعداً، كضربته ضرباً، وإما أن يكون الوعد بمعنى الموعود، كالخلق بمعنى المخلوق، فیکون مفعولاً به ثانياً لـ ﴿ یَعِدْكُمْ﴾ علی تقدیر حذف مضاف، أي تمامَ وعد حسن. ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدََكَ بِمَلْكِنَا﴾ بالفتح: هو اسم أي بإصلاح مِلْكنا ورعايته، ومن ضم الميم جعله مصدر ((مَلِك)) يقال: مَلِكٌ بَيِّن الملك، ومن كسر الميم جعله مصدر ((مالك)) يقال: مالكٌ بَيِّن المِلْك، والمصدر هنا مضاف إلى الفاعل. ﴿فَنَسِىَ﴾ الفاعل إما ﴿السَّامِيُ﴾ أي نسي طاعتنا وتركها، والنسيان بمعنى الترك، قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧/٩] أي تركوا طاعة الله فتركهم في النار، وإما الفاعل ﴿مُوسَى﴾ أي ترك موسى ذلك وأعرض عنه، والأول أوجه. ٦١٦ لِلُهُ (١٦) - طفز: ٢٠ / ٨٣-٨٩ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف: أنه. ﴿ أَلَّأَ بَرَّجِـ الـ المفردات اللغوية: ﴿وَمَّا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ لمجيء ميعاد أخذ التوراة، وهو يدل على تقدم قومه في المسير إلى المكان، وهو سؤال عن سبب العجلة، يتضمن إنكارها، من حيث إنها نقيصة في نفسها، انضم إليها إغفال القوم، وإيهام التعظم عليهم، فأجاب موسى عن الأمرين، وقدم جواب الإنكار؛ لأنه أهم فقال: ﴿هُمْ أُؤْلَاءِ عَلَى أَثَرِى﴾ أي ما تقدمتهم إلا بخطاً يسيرة لا يعتد بها عادة، وهم قادمون ورائي، ليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة، يتقدم الرفقة بها بعضهم بعضاً. ثم قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى﴾ عني، أي زيادة على رضاك، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. وقبل الجواب أتى بالاعتذار بحسب ظنه، يقال: جاء على أثره: أي لحقه بلا تأخير. قال تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ﴾ أي ابتليناهم واختبرناهم بعبادة العجل، بعد فراقك لهم، وأضلهم موسى السامري: أي أوقعهم في الضلال والخسران، باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته. وهم الذين خلفهم مع هارون، وكانوا ست مئة ألف، ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً. وقرئ: (وأضلُّهم السامري)، أي أشدهم ضلالة؛ لأنه كان ضالاً مضلاً. والسامري: منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ،﴾ بعدما استوفى للأربعين ليلة وأخذ التوراة ﴿غَضْبَنَ﴾ عليهم ﴿أَسِفًا﴾ شديد الحزن بما فعلوا ﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي صدقاً أنه يعطيكم التوراة فيها هدى ونور ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي زمان الإنجاز، يعني زمان مفارقته لهم ﴿أَن يَحِلَّ﴾ يجب عليكم ﴿غَضَبٌّ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل ﴿فَأَغْلَفْتُ مَّوْعِدِى﴾ وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام بما أمرتكم به، وتركتم المجيء بعدي. ٦١٧ الُ (١٦) - ◌َّفْ: ٢٠ / ٨٣-٨٩ ﴿بِمَلْكِنَا﴾ مثلث الميم أي بقدرتنا واختيارنا وأمرنا، إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول علينا السامري، لما أخلفنا موعدك ﴿وَلَكِنَّا حُلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ اَلْقَوْمِ﴾ وقرئ: وحملنا، و﴿أَوْزَارًا﴾ أثقالاً، وزينة القوم أي حلي قوم فرعون، أي حملنا أحمالاً من حلي القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر، باسم العروس ﴿فَقَذَفْنَهَا﴾ طرحناها في النار بأمر السامري ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّارِيُّ﴾ أي كما ألقينا فكذلك ألقى السامري ما كان معه منها من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ أي صاغ من تلك الحلي المذابة عجلاً جثة لا روح فيها ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ الخوار: صوت العجل، والمراد هنا صوت يسمع بسبب التراب الذي يكون أثره الحياة فيما يوضع فيه، وقد وضعه في فم العجل بعد صوغه. ﴿فَقَالُواْ﴾ أي السامري وأتباعه ﴿فَسِىَ﴾ أي نسي السامري وترك ما كان عليه من إظهار الإيمان، وقيل في زعم السامري: نسي موسى ربه هنا، وذهب يطلبه عند الطور. ﴿أَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ فَولاً﴾ ألا يردّ العجل لهم جواباً ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي لا يقدر على دفع ضر عنهم ولا جلب نفع لهم، فكيف يتخذ إلهاً؟! المناسبة: بعد تعداد النعم على بني إسرائيل، أردف هذا بقصة الكلام الذي جرى بينه تعالى وبين موسى في الميقات بحسب المواعدة التي واعده بها ربه سابقاً، ثم أعقبه ببيان فتنة السامري لبني إسرائيل باختراع العجل من الذهب، وجعله إلهاً، يصدر صوتاً حينما تهب رياح معينة، فتحرك التراب الذي في فمه، فوبخهم الله بأن هذا العجل لا يجيب سائله، ولايملك لهم ضراً ولا نفعاً. ٦١٨ لُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٨٣-٨٩ وتجاوب بني إسرائيل في تأليه العجل وعبادته نابع من ميلهم إلى الوثنية أثناء مخالطة المصريين، بدليل أنه لما نجاهم الله من طغيان فرعون، طلبوا من موسى نفسه عليه السلام أن يصنع لهم تمثالاً ليعبدوه، كما قال تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَِّ يلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءِ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّاً إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٨/٧]. التفسير والبيان: (3) أي ما حملك على أن وَمَّا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى تسبقهم، والقوم: هم بنو إسرائيل، والمراد بهم هنا النقباء السبعون، أي ما الذي حملك على العجلة حتى تركت النقباء وخرجت من بينهم. وذلك أن الله وعد موسى باللقاء في جبل الطور بعد هلاك فرعون، ليعطيه الألواح التي فيها الوصايا الدستورية لبني إسرائيل. فلما أهلك الله فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره أن يصوم ثلاثين يوماً، ثم زيدت إلى أربعين يوماً: ﴿﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِة أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (٢٢)﴾ [الأعراف: ٧/ ١٤٢]. وكانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فاختار موسى منهم سبعين رجلاً: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَئِنَا﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٥] وهم النقباء السبعون الذين اختارهم، فسار موسى بهم، ثم عجّل من بينهم شوقاً إلى ربه، أي لما قرب من الطور سبقهم شوقاً إلى سماع كلام الله، فقال الله له: ما أعجلك؟ أي ما الذي حملك على العجلة حتى تركت قومك وخرجت من بينهم؟. وهذا الإنكار إنكار للعجلة في ذاتها؛ لما فيها من عدم العناية بصحبه؛ لأن من شرط المرافقة الموافقة، وهو تعليم للأدب الحسن الرفيع في المصاحبة. ٦١٩ لُزُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٨٣-٨٩ (49) أي قال موسى ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى مجيباً ربه: هم بالقرب مني، واصلون بعدي، وما تقدمتهم إلا بخطاً يسيرة، وسارعت إليك ربّ لتزداد عني رضا بمسارعتي إلى الوصول إلى مكان الموعد، امتثالاً لأمرك، وشوقاً إلى لقائك. فهو عليه السلام يعتذر بالخطأ في الاجتهاد. أي قال الله ٨٥ ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ تعالى: إنا قد اختبرنا قومك بني إسرائيل من بعد فراقك لهم، وهم الذين تركهم مع أخيه هارون، وجعلهم موسى السامري في ضلالة عن الحق، باتخاذهم عبادة العجل من ذهب. والسامري من قبيلة السامرة، أو من قوم يعبدون البقر، والأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة السامرة، قال لمن معه من بني إسرائيل: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بینکم وبينه وهو عشر ليال، لما صار معكم من الحلي، وهي حرام عليكم، وأمرهم بإلقائها في النار، وكان منها العجل، الذي يصدر منه صوت أحياناً بفعل تأثير الرياح. ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَ﴾ أي فعاد موسى إلى قومه بني إسرائيل بعد انقضاء الليالي الأربعين، شديد الغضب والحنق، والأسف والحزن والجزع. ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي قال موسى: يا قوم أما وعدكم ربكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة، من إنزال الكتاب التشريعي العظيم لتعملوا به، والنصر على عدوكم، وتملککم أرض الجبارين وديارهم، والثواب الجزيل في الآخرة بقوله المتقدم: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ ٨٢ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدِّتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى﴾ أي هل طال عليكم الزمان في انتظار وعد الله ونسيان ما سلف من ٦٢٠ الجُعُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٨٣-٨٩ ﴿أَمْ﴾ (أيْ بل(١)) أردتم نعمه، ولم يمض على ذلك من العهد غیر شهر وأيام، بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم غضب ونقمة وعقوبة من ربكم؟ فأخلفتم وعدي، إذ وعدتموني أن تقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن أرجع إليكم من الطور. يعني هل طال العهد عليكم فنسيتم أو أردتم المعصية فأخلفتم؟. ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي أجابوه قائلين: ما أخلفنا عهدك ووعدك باختيارنا وقدرتنا، بل كنا مضطرين إلى الخطأ. وهذا إقرار منهم بالمعصية والوقوع في الفتنة بتسويل السامري وغلبته على عقولهم، كما قال تعالی: ﴿ وَلَكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِيُ﴾ أي ولكن حملنا أثقالاً من زينة القوم أي القبط المصريين، حين خرجنا من مصر معك، وأوهمناهم أننا نجتمع في عيد لنا أو وليمة. وسميت أوزاراً أي آثاماً؛ لأنه لا يحل لهم أخذها. وقال السامري لهم: إنما حُبس موسى عنكم بشؤم حرمتها، ثم أمرنا أن نحفر حفرة، ونملأها ناراً، وأن نقذف الحلي فيها، فقذفناها، أي فطرحناها في النار طلباً للخلاص من إثمها، فمثل ذلك قذف السامري ما معه، وصاغ من الحلي عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول جبريل. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ أي فأخرج السامري لبني إسرائيل من الذهب الملقى في النار (الأوزار) جسد عجل لا روح ولا حياة فيه، له خوار العجول؛ لأنه صنعه بطريقة معينة، عمل فيه خروقاً، وألقى فيه رملاً من أثر جبريل، فكان إذا دخلت الريح في جوفه خار. والخوار: صوت البقر. ﴿فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَسِىَ﴾ أي قال السامري ومن فتن به: (١) بل: للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم .. إلخ.