Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١
الُ (١٦) - ظّئْنٌ: ٢٠ / ٣٦-٤١
أم موسى وقلقت على ابنها بعد إلقائه في البحر، ولكن الله الرحيم بعباده ردّ
إليها ابنها، وأقرّ عينها، وأزال حزنها وغمها.
٨ - لم يكن قتل موسى قبطياً كافراً عمداً، وإنما كان خطأ، وقبل النبوة
حال الصغر، قال كعب كما روى مسلم في صحيحه: وكان إذ ذاك ابن اثنتي
عشرة سنة.
ـة - آمن الله موسى من الخوف والقتل والحبس، واختبره اختباراً عسيراً
شاقاً في مراحل حياته أثناء الشباب، حتى صلح للرسالة.
٠ ١ - أتم موسى عليه السلام عشر سنوات في رعي غنم شعيب الرجل
الصالح مهراً لامرأته، وهو أتم الأجلين. وقال وهب: لبث موسى عند شعيب
ثمانياً وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته ((صفورا)) ابنة شعيب، وثماني عشرة
إقامة عنده حتى ولد له عنده.
١١ - بعد مرور موسى بمحن كثيرة حان وقت نبوته، فجاء في وقت مقدر
سابقاً في علم الله وقضائه، موافقاً للنبوة والرسالة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا
أبناء أربعين سنة.
فاصطفاه الله واختاره لوحيه ورسالته، وأرسله إلى فرعون وملئه. وتتمة
القصة في الآيات التالية.
أخرج البخاري ومسلم في تفسير الاصطفاء عن أبي هريرة عن رسول الله
وَله قال: ((التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس،
وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته،
واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته مكتوباً
علي قبل أن يخلقني، قال: نعم، فحج آدم موسی)).
٥٦٢
للزُ (١٦) - ظ٢: ٢٠ / ٤٢-٤٨
- ٥ -
التوجيهات لموسى وهارون في دعوة فرعون
اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِثَايَتِى وَلَا نَنِيَا فِى ذِكْرِى (19)
٤٢
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ
٤٤
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيْنَا لَّعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴿ قَالَ لَا تَخَفَا إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىْ ﴿ فَأْنِيَاهُ
فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن
رَبِّكَّ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ الْهُدَى ٨ إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن
٤٨
كَذَّبَ وَتَوَلَّى
القراءات:
﴿جِئْنَكَ﴾.
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيناك).
المفردات اللغوية:
﴿بِفَايَتِ﴾ بمعجزاتي التسع كالعصا واليد البيضاء، فإن فرعون لما قال
لموسى: فأت بآية، ألقى العصا ونزع اليد، وقال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن
رَّيِّكَ﴾ . ﴿ وَلَا نَنِيَا﴾ لا تفتُرا ولا تُقَصِّرا ﴿فِ ذِكْرِى﴾ أي لا تنسياني حيثما
تقلبتما بتسبيح وغيره، واتخذا ذكري عوناً ومدداً وتأييداً مني إليكما. قال
الزمخشري: ويجوز أن يريد بالذكر: تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر
العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها.
وأما وقت نبوة هارون: فروي أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر
أن يتلقى موسى، وقيل: سمع بمقبله، وقيل: ألهم ذلك، وخوطب مع أخيه
موسى لأنه كان تابعاً، وموسى متبوعاً.
٥٦٣
الُ (١٦) - وظائف: ٢٠ /٤٢-٤٨
﴿طَغَى﴾ تجاوز الحد بادعائه الربوبية ﴿قَوْلاً لَِّنًا﴾ فيه تلطف وبعد عن الغلظة
١٩)
والشدة، نحو قوله تعالى: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَّكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى
[النازعات: ١٨/٧٩-١٩]. ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتأمل ويتعظ فيؤمن. وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
أَوْ يَخْشَى﴾ متعلق باذهبا، أو قولا، أي باشرا الأمر على رجاء وطمع منكما
أنه يثمر. والفائدة في إرسالهما مع علمه تعالى بأنه - أي فرعون - لا يؤمن:
إلزام الحجة وقطع المعذرة ﴿يَخْشَى﴾ أي يخاف من بطش الله وعذابه. وقدم
التذكر على الخشية؛ لأن التذكر للمتحقق، والخشية للمتوهم، أي إن لم يتحقق
صدقكما، ولم يتذكر، فلا أقل من أن يتوهمه، فيخشى . ﴿يَفْرُطَ﴾ يعجل
بالعقوبة ﴿أَوْ أَن يَطْغَى﴾ علينا، أي يتكبر ويزداد طغياناً ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾
بالعون والحفظ والنصرة ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يقول ﴿وَأَرَى﴾ ما يفعل، بل أسمع
وأرى ما يجري بينكما من قول أو فعل، فأصرف شرّه عنكما.
﴿فَأَنِيَاهُ﴾ قابلاه مواجهة ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ أطلقهم من الأسر،
ودعهم يذهبون معنا إلى الشام ﴿ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ﴾ ولا تبقهم عندك معذبين
بالتكاليف الصعبة والأشغال الشاقة كالحفر والبناء وحمل الأثقال، وقتل
الوِلْدان، وهذا دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى
الإيمان ﴿قَدْ جِثْنَكَ بَِايَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي بحجة على صدقنا بالرسالة. وهي جملة
مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة. وإنما وحّد الآية وكان معه
آيتان؛ لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها، فالمراد: جنس الآية، لا الإشارة
إلى وحدة الحجة وتعددها.
﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ اُلْهُدَى﴾ أي السلامة من العذاب في الدارين، لمن
صدّق بآيات الله الدالة على الحق ﴿كَذَّبَ﴾ ما جئنا به ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض عنه.
ويلاحظ أنه قدم البشارة بالسلام للترغيب وعملاً بسياسة اللين المأمور بها، ثم
جاء التصريح بالوعيد والتوكيد فيه؛ لأن العقاب مؤيد والتهديد مهم.
٥٦٤
لُحُ (١٦) - طئة: ٢٠ /٤٢-٤٨
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى النعم الثماني على موسى في مقابل طلباته الثمانية،
ذكر هنا الأوامر والنواهي أو التوجيهات التي ينفذها هو وأخوه هارون،
كالتعليمات التي تعطى للرسل والسفراء والقناصل لدى الذهاب في مهمة إلى
دولة أخرى، للتوصل إلى نجاح المهمة، وأداء الرسالة على أكمل وجه،
والخلاصة: إنه لما قال تعالى: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ﴿4﴾ عقبه بذكر ما لأجله
اصطنعه، وهو الإبلاغ والأداء.
التفسير والبيان:
هذه هي الأوامر والنواهي الصادرة من الله لموسى وأخيه، فقال تعالى:
﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِثَايَتِى وَلَا نَنِيَا فِى ذِكْرِى ﴾﴾ أي اذهب يا موسى مع
أخيك إلى فرعون وقومه بحججي وبراهيني ومعجزاتي التي جعلتها لك آية
وعلامة على النبوة، وهي تسع الآيات التي أنزلت عليك، ولا تضعفا، ولا
تفترا عن ذكر الله، ولا عن تبليغ الرسالة إليهم، فإن ذكر الله عون وقوة
وسلطان، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن عمارة بن دسكرة:
((إن عبدي كل عبدي: الذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه)) أي نظيره في الشجاعة
والحرب. والذكر يقع على كل العبادات، وتبليغ الرسالة من أعظمها، وذلك
بأن يبِّينا لهم أن الله أرسلهما مبشرين ومنذرين، وأنه لا يرضى منهم بالكفر،
ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب.
1﴾ اذهبا إلى فرعون، وأبطلا دعواه
﴿ أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
الألوهية بالحجة والبرهان؛ لأنه جاوز الحد في الكفر والتمرد، وتجبر على الله
وعصاه، حين قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤/٧٩].
وبدأ بفرعون لأنه الحاكم، فإذا آمن تبعه الرعية، ثم بين الله تعالى أسلوب
الدعوة، فقال:
٥٦٥
لُ (١٦) - ظئة: ٢٠ / ٤٢-٤٨
أي فكلماه كلاماً رقيقاً
٤٤
﴿فَقُولَا لَهُمْ قَوْلًا لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
لطيفاً لا خشونة فيه، وخاطباه بالقول اللين، فذلك أدعى به وأحرى أن يفكر
فيما تبلغانه، ويخشى عقاب الله الموعود به على لسانكما. والمراد تركهما
التعنيف، كقولهما: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزََّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى
١٩
[النازعات: ١٨/٧٩-١٩] لأن نفس الحاكم مستعلية قاسية، لا تقبل القسر
والقسوة، وتلين للمديح والاستعطاف. وكلمة (لعل) هنا لتوقع حصول ما
بعدها، واحتمال تحققه، فالتوقع فيها من البشر، أي على أن تكونا راجيين
لأن يتذكر أو يخشى. والخطاب وإن كان مع موسى، فإن هارون تابع له،
فجعل الخطاب معه خطاباً مع هارون.
وفي هذه الآية عبرة وعظة وهي أن فرعون في غاية العتو والاستكبار،
وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا
بالملاطفة واللين، كما قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦].
فأجاب موسى وهارون بقولهما :
﴾ أي قال موسى
٤٥
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى
وهارون: يا ربنا، إننا نخاف من فرعون إن دعوناه إلى التوحيد وعبادتك، أن
يعجِّل ويبادر بعقوبتنا، ويشتط في أذيتنا ويعتدي علينا، لتجبره وعتوه
وقساوته.
أي قال الله لموسى
٤٦
﴿قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
وهارون: لا تخافا من فرعون، فإنني معكما بالنصر والتأييد، والحفظ والعون
عليه، وإنني سميع لما يجري بينكما وبينه، ولست بغافل عنكما، وأرى كل ما
يقع، فأصرف شره عنكما. والمراد أنه تعالى حثهما على التبليغ بجرأة وحكمة،
وتكفل لهما بالحفظ والمعونة والنصرة والوقاية من شر فرعون وغضبه. وتدل
٥٦٦
الُ (١٦) - ظّفْن: ٢٠ / ٤٢-٤٨
هذه الآية على أن كونه تعالى سميعاً بصيراً صفتان زائدتان على العلم؛ لأن
قوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾ دل على العلم، و﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ على السمع
والبصر.
﴿فَأَنْيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ أي فأتياه في مجلسه وقابلاه وقولا له: إن
الله أرسلنا إليك. وقوله ﴿رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أن الرب الحقيقي هو الله، وأن
دعواك الربوبية لنفسك لا معنى لها.
﴿فَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ﴾ أي أطلق سراح بني إسرائيل من
الأسر، وخلِّ عنهم، ولا تعذبهم بتذبيح أبنائهم، واستحياء نسائهم،
وتكليفهم مالا يطيقون من السخرة في أعمال البناء والحفر ونقل الأحجار.
وإنما بدأ موسى وهارون بهذا الطلب لأنه أخف وأسهل من الدعوة المباشرة إلى
الإيمان بالله تعالى.
﴿قَدْ جِثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِكٌ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ الْهُدَى﴾ أي قد أتيناك
بمعجزة ودلالة وعلامة من ربك على أنَّا مرسلون لك، والسلامة والأمن من
سخط الله ومن عذابه على من اتبع هدی ربه، فآمن برسله، واسترشد بآياته
الداعية إلى الحق والخير وترك الظلم والضلال. وهذا ليس بتحية. والعبارة
الأخيرة كانت تكتب في مكاتبات النبي وقلّه إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها
إلى الإسلام.
مثل كتاب الرسول وقيم إلى هرقل عظيم الروم، ونصه: ((بسم الله الرحمن
الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع
الهدى، أما بعد :
فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين)).
ولما كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله وَالتر كتاباً صورته:
٥٦٧
لجُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٤٢-٤٨
من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني
قد أشركتك في الأمر، فلك المدر، ولي الوبر، ولكن قريش قوم يعتدون.
الله
فكتب إليه رسول الله
((من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما
بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)).
أي إننا وجهنا
٤٨
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَى
لك النصح والإرشاد؛ لأن الله أخبرنا فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم:
أن العذاب متمحض خالص لمن كذب بآيات الله وبما ندعو إليه من توحيده،
وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى: ﴿ وَءَاتَرَ الْخَيَّوَةَ الدُّنْيَا
﴾ [النازعات: ٣٧/٧٩-٣٩]، وقال سبحانه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ
٣٩
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى
[الليل: ٩٢ ١
@
١٦
نَارًا تَلَظَّى ﴿ لَا يَصْلَهَا إِلَّ اُلْأَشْقَى ﴿ الَّذِىِ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (
١٤-١٦]، وقال عزّ وجلّ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
٣٢١
[القيامة: ٣١/٧٥-٣٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - ربط الله تعالى بين اصطناع موسى لنفسه، أي اختياره لوحيه ورسالته،
وبين ما اختاره له، وهو إبلاغ الرسالة، وأداء الوحي إلى الناس.
اَ - أيَّد الله تعالى موسى وأخاه هارون عليهما السلام بتسع آيات أنزلت
على موسى، لتكون دليلاً وآية على النبوة، ومعجزة تثبت الصدق، وبرهاناً
لفرعون وقومه على أن موسى وأخاه هارون أرسلهما الله إليهم.
◌َّ - أمر الله تعالى موسى وهارون بالذهاب إلى دعوة فرعون إلى عبادة الله
٥٦٨
لِلْزُعُ (١٦) - ظئة: ٢٠ / ٤٢-٤٨
والإقرار بربوبيته وألوهيته وحده لا شريك له، وقد خاطب أولاً موسى وحده
تشريفاً له، ثم كرر الخطاب له مع أخيه للتأكید.
٤ - قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ فَلَا لَِّنَا﴾ دليل على جواز الأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوّة، وضمنت
له العصمة، فنحن أولى بذلك، وحينئذٍ يحصل الآمر أو الناهي على مرغوبه،
ويظفر بمطلوبه.
والقول الليِّن: هو القول الذي لا خشونة فيه.
٥ - الخوف من عدوان الظلمة العتاة الجبابرة كفرعون من طبيعة البشر،
لذا لم يكن مستغرباً أن يقول موسى وهارون: ﴿إِنَّنَا غَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ
يَطْغَى﴾ أي أن يشطط في أذيتنا أو يعتدي علينا.
أَ - قال العلماء: لما لحقهما - أي موسى وهارون - ما يلحق البشر من
الخوف على أنفسهما، عرَّفهما الله سبحانه أن فرعون لا يصل إليهما ولا
قومه. وهذه الآية رد على من قال: إنه لا يخاف؛ والخوف من الأعداء سنة الله
في أنبيائه وأوليائه مع معرفتهم به وثقتهم.
لذا حكى القرآن عن موسى: ﴿فَرَجَ مِنْهَا خَبِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١/٢٨]،
وقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِىِ الْمَدِينَةِ خَابِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨/٢٨]، وقال حين ألقى
السحرة حبالهم وعصيهم: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى (19) قُلْنَا لَا تَّخَفْ
﴾ [طه: ٢٠ /٦٧ - ٦٨]، وقال في الآيات المتقدمة في هذه
٦٨
إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
السورة: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفَّ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾.
ومنه حفر النبي ◌َّهر الخندق حول المدينة تحصيناً للمسلمين وأموالهم، مع
كونه من التوكل والثقة بربِّه بمحل لم يبلغه أحد. ثم كان من أصحابه ما لا
يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، مرّة إلى الحبشة، ومرّة إلى المدينة، تخوّفاً على
أنفسهم من مشركي مكة، وهرباً بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم.
٥٦٩
الجُزُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٤٢-٤٨
قال العلماء: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله نفوس بني آدم عليه
كاذب، وقد طبعهم على الهرب مما يضرّها ويؤلمها أو يتلفها.
لاً - العصمة للأنبياء من الله تعالى وحده، لذا قال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِى
مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي إنه معهما بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون.
والسماع والبصر: عبارة عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية.
والآية دليل كما تقدم على العلم الإلهي، وعلى كونه تعالى سميعاً وبصيراً.
٨ - كان أول مطلب موسى وهارون من فرعون إطلاق سراح بني إسرائيل
من الأسر، وإنقاذهم من السّخرة والتعب في العمل؛ لأن بني إسرائيل كانوا
عند فرعون في عذاب شديد، ينبِّح أبناءهم، ويستخدم نساءهم، ويكلفهم من
العمل في الطين واللَّيِن وبناء المدائن ما لا يطيقونه.
ـة - كان خطاب موسى وهارون في غاية اللطف واستعمال المنطق، فقالا
له: قد جئناك بآية دالة على نبوتنا ورسالتنا إليك، ومن اتبع الهدى سلم من
سخط الله عزّ وجلّ وعذابه، وليس هذا بتحية، بدليل أنه ليس بابتداء لقاء
ولا خطاب.
وأضافا أيضاً في كلامهما: إنا قد أوحى إلينا أن العذاب أي الهلاك
والدمار في الدنيا، والخلود في جهنم في الآخرة على من كذَّب أنبياء الله،
وتولى، أي أعرض عن الإيمان. قال ابن عباس: هذه أرجى آية للموحِّدين؛
لأنهم لم يكذِّبوا ولم يتولوا.
٥٧٠
الُ (١٦) - ظئة: ٢٠ /٤٩-٥٥
- ٦ -
الحوار بين فرعون وموسى حول الربوبية
قَالَ رَبَُّا الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
٤٩
﴿قَالَ فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى
هَدَی
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ اٌلْأُوْلَىِ ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ فِ كِتَبِّ لَا
يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنَسَى ﴿﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فَِهَا سُبُلًا
وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِن تَّبَاتٍ شَتَّى
حجّ كُواْ وَأَرْعَوْاْ
أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِأُوْلِ النُّهَى
﴿ ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ
وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
٥٥
القراءات:
قرئ :
١- (مَهْداً) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (مِهَاداً) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ﴾: ﴿عِلْمُهَا﴾: مبتدأ، و﴿فِ كِتَبٍ﴾: خبره،
و﴿عِنْدَ رَبِ﴾ : ظرف يتعلق بالخبر، وتقديره: علمها کائن في كتاب عند ربي.
ويحتمل أن يكون ﴿عِندَ رَبِ﴾ في موضع نصب على الحال؛ لأنه في الأصل
صفة لكتاب وهو نكرة، فلما تقدمت صفة النكرة عليها، وجب النصب على
الحال. ويحتمل أن يكون ﴿فِي كِتَبِّ﴾ بدلاً من قوله: ﴿عِنْدَ رَبِ﴾ ويكون
عِنْدَ رَبِ﴾ خبر المبتدأ.
٥٧١
لِلُ (١٦) - ظائم: ٢٠ /٤٩-٥٥
و ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِ﴾ أي لا يضل ربي عنه، فحذف الجار والمجرور، كما
النازعات: ٤١/٧٩] أي المأوى له.
حذفا في آية ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أو صفة لربي، أو منصوب على
المدح.
{كُواْ وَأَرْعَوْا﴾ حال من ضمير أخرجنا، أي مبيحين لكم الأكل ورعي
الأغنام.
البلاغة:
﴿نُعِيدُكُمْ﴾ و﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ بينهما طباق.
﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم.
﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ﴾ مقابلة، قابل بين ﴿مِنْهَا﴾ و﴿وَفِيهَا﴾ وبين
الخلق والإعادة.
المفردات اللغوية:
﴿قَالَ﴾: فرعون. ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى﴾؟ إنما خاطب الاثنين، وخص
موسى بالنداء؛ لأنه الأصل، وهارون وزيره وتابعه . ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾
أي منح كل نوع من المخلوقات صورته وشكله الذي يطابق كماله، ويناسب
خواصه ومنافعه، ومميزاته التي يتميز بها من غيره . (ثُمَّ هَدَى﴾ ثم عرفه کیف
يرتفق بما أُعطي له.
﴿قَالَ﴾ فرعون. ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ فما حالهم بعد موتهم من السعادة
والشقاوة. والبال في الأصل: الفكر، يقال: خطر ببالي كذا، ثم أطلق هنا على
الحال المعني بها. و﴿ الْقُرُونِ﴾ الأمم، مثل قوم نوح وهود ولوط وصالح في
عبادتهم الأوثان.
٥٧٢
لُزُ (١٦) - ظف٢: ٢٠ / ٤٩-٥٥
﴿قَالَ﴾ موسى (عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبٍ﴾ أي علم حالهم محفوظ عند
ربي في اللوح المحفوظ، يجازيهم عليها يوم القيامة. والمراد أن حالهم غيب لا
يعلمه إلا الله، وقصد بذلك كمال علم الله الذي لا يضيع منه شيء .﴿لَا
يَضِلُّ﴾ لا يخطئ مكان الشيء، والضلال: أن تخطئ الشيء في مكانه، فلم
تهتد إليه .﴿ وَلَا يَنسَى﴾ ربي شيئاً، والنسيان: عدم تذكر الشيء بحيث لا يخطر
ببالك. وهما محالان على الله العالم بالذات.
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ﴾ أي هو الذي جعل للناس في جملة الخلق. ﴿مَهْدًا﴾
وقرئ: مهاداً، أي فراشاً، أي جعل الأرض كالمهد تتمهدونها. والمهد:
مصدر سمي به، والمهاد: اسم ما يمهد كالفراش، أو جمع مهد.
﴿وَسَلَكَ﴾ سهَّل. ﴿سُبُلًا﴾ طرقاً، أي جعل لكم فيها طرقاً بين الجبال
والأودية والبراري، تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. ﴿مَاءَ﴾
مطراً . ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ- أَزْوَجًا﴾ أصنافاً وفيه التفات من لفظ الغيبة إلى صيغة
المتكلم، على الحكاية لكلام الله تعالى، للتنبيه على ما فيه من الدلالة على كمال
القدرة والحكمة، وللإشعار بأنه تعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته . ﴿مِّن
ثَّبَاتٍ شَقََّ﴾ شتى صفة. ﴿أَزْوَاجًا﴾ أي مختلفة الألوان والطعوم، و﴿شَتَّىَ﴾ جمع
شتيت، كمريض ومرضى، من شت الأمر: تفرق.
(كُواْ﴾ منها. ﴿وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ فيها، والأنعام جمع نَعَم: وهي الإبل
والبقر والغنم. والأمر للإباحة وتذكير النعمة. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور هنا.
﴿لَيَتٍ﴾ لدلالات. ﴿لِأُوْلِ النُّهَى﴾ أصحاب العقول، جمع ◌ُهية، كُغُرفة
وغرف، سمي به العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح.
﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾ من الأرض، فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول
مواد أبدانكم . ﴿وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ﴾ بالموت، وتفكيك الأجزاء. ﴿ وَمِنْهَا تُخْرِئُكُمْ﴾
عند البعث. ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى، كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.
٥٧٣
لُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٤٩-٥٥
المناسبة:
بعد مبادرة موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون امتثالاً لأمر الله،
ووصولهما إلى قصر فرعون، والإذن لهما بالدخول بعد انتظار طويل، وصف
الله تعالى الحوار الذي دار بينه وبينهما، فسألهما سؤال إنكار للرّب تكبراً
وتجبراً، بعد أن أثبت نفسه ربّاً في قوله: ﴿أَلَمّ نُرَبِّكَ فِيِنَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ
عُمْرِكَ سِنِينَ﴾. فاستدل موسى على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات.
التفسير والبيان:
﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾﴾ أي إذا كنتما رسولي ربّكما إلي، فأخبراني:
من ربّكما الذي أرسلكما؟ ويلاحظ أنه أضاف الرب إليهما، ولم يضفه إلى
نفسه، لعدم تصديقه لهما، ولجحده للربوبية الحقة، ثم إنه خص موسى بالنداء
بعد خطابهما مراعاة لرؤوس الآي، ولما ظهر له أنه الأصل المتبوع، وهارون
وزيره وأخوه. وأراد أن يقول: من هذا الرّب الذي بعثك يا موسى وأرسلك؟
فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري.
فأجابه موسی:
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾﴾ أي قال موسى: ربنا
هو الذي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يليق به، ويطابق المنفعة المنوطة
به، كاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن
للسمع.
ثم أرشدهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم، فانتفعوا بكل شيء فيما خلق
له، إما اختياراً كالإنسان والحيوان، وإما طبعاً كالنبات والجماد، كقوله
﴾ [الأعلى: ٣/٨٧] أي قدر قدراً، وهدى الخلائق
تعالى: ﴿وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى
إليه، أي كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم مشى الخلائق على ذلك، لا
٥٧٤
الجزءُ (١٦) - طئة: ٢٠ /٤٩-٥٥
يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. والآية لإثبات الصانع بأحوال
المخلوقات.
قَالَ فَمَا بَالُ
بعد أن أخبر موسى فرعون بأن ربه الذي
القُرُونِ الأولى
أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى،
قائلاً: إذا كان الأمر كذلك، فما حال وما شأن الأمم الماضية، لم يعبدوا
ربك، بل عبدوا غيره من الأوثان وغيرها من المخلوقات؟
فأجاب موسی:
﴾ قال موسى:
٥٢
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبٍ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَسَى
إن كل أعمالهم محفوظة عند الله، مثبَّتة عنده في اللوح المحفوظ، يجازي بها، لا
يخطئ في علم شيء من الأشياء، ولا ينسى ما علمه منها، فعلم الله محيط بكل
شيء. أما علم المخلوق فيعتريه الأمران: عدم الإحاطة بالشيء، ونسيانه بعد
علمه، والله منزه عن ذلك.
وقصد فرعون بالسؤال عن الأمم الماضية أن يصرف موسى عن البراهين
القوية، فيتبين للناس صدقه، ويشغله بالتواريخ والحكايات، لكن موسى تنبه
لهذا، فأجاب عن إثبات الإله بأوجز عبارة وأحسن معنى، وفوض أمر الماضي
إلى علام الغيوب.
وبعد أن ذكر موسى الدليل الأول العام الذي يتناول جميع المخلوقات من
الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات، ذكر بعدئذ أدلة خاصة
وهي ثلاثة :
أولها - قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي ربي الذي جعل
الأرض ممهدة كالفراش، تعيشون فيها بيسر وسهولة، وقراراً تستقرون عليها
وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها.
٥٧٥
المُ (١٦) - ظَبْن: ٢٠ / ٤٩-٥٥
ثانيها - ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا﴾ أي جعل لكم فيها طرقاً تسلكونها
وسهلها لكم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾
[الأنبياء: (٣١/٢]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ
لَكُمْ فِيهَا سُبُلًاً لَّعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ (جم)
﴾ [الزخرف: ١٠/٤٣]، وقال عزّ وجلّ:
﴿ وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿ لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (﴿٢﴾ [نوح: ٧١/
١٩- ٢٠] .
ثالثها - ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى﴾ أي وأنزل
من السحاب مطراً، أخرجنا به أنواعاً من أصناف النبات المختلفة، من زروع
وثمار حامضة وحلوة ومرة، وذات ألوان وروائح وأشكال مختلفة، بعضها
صالح للإنسان، وبعضها للحيوان، لذا قال:
﴿كُوْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَىِ (@) أي خلقنا
أصناف النبات، بعضه للإنسان، وبعضه لطعام الحيوان، فكلوا وتفكهوا مما
يناسبكم، وارعوا أنعامكم (الإبل والبقر والغنم) في الأخضر واليابس، إن
فيما ذكرت لكم لدلالات وحججاً وبراهين لذوي العقول السليمة المستقيمة،
على أن الخالق لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه.
وبعد أن ذكر الله تعالى منافع الأرض والسماء، بَيَّن أنها غير مطلوبة
لذاتها، بل هي وسائل إلى منافع الآخرة، فقال:
﴿ مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيذُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (@) أي من
الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب، والنطفة المتولدة من الغذاء
مرجعها إلى الأرض، لأن الغذاء الحيواني من النبات، والنبات من امتزاج
الماء والتراب.
وإلى الأرض مصيركم بعد موتكم، فتدفنون فيها، وتتفرق أجزاؤكم حتى
تصير من جنس الأرض تراباً ..
٥٧٦
الجُمُ (١٦) - ظنّ: ٢٠ /٤٩-٥٥
وسوف نخرجكم من قبوركم في الأرض مرة أخرى بالبعث والنشور،
والمعنى: من الأرض أخرجناكم، ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة
أخرى. والغرض من الآية هنا تنزيه الرّب نفسه وتذكير فرعون بأصله وأنه من
تراب عائد إليه، فلا يغتر بدنياه وملكه، وليعلم أن أمامه يوماً شديد
الأهوال، يسأل فيه عن كل شيء، ويحاسب على أعماله.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فِيَهَا تَحْيُوَّنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾
[الأعراف: ٢٥/٧]، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن
﴾ [الإسراء: ١٧ /٥٢].
Cor
أَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
وجاء في الحديث المروي عند أصحاب السنن: ((إن رسول الله وَ ل حضر
جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب، فألقاها في القبر، وقال: منها
خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم؟ ثم أخرى وقال: ومنها
نخرجكم تارة أخرى)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لم يؤمن فرعون بدعوة موسى وهارون، وظل على كفره، وتساءل
تكبراً وتجبراً وزوراً وبهتاناً، مع كونه عارفاً بالله تعالى، وقال: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا
يَمُوسَى﴾؟
اً - تدل الآية المذكورة على أنه يجوز حكاية كلام المبطل؛ لأنه تعالى حكى
كلام فرعون في إنكاره الإله، وحكى شبهات منكري النبوة، وشبهات منكري
الحشر، لكن يجب قرن الجواب بالسؤال، لئلا يبقى الشك.
◌َّ - وتدل الآية أيضاً على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل،
والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش، كما فعل موسى بفرعون هنا، وكما
٥٧٧
المُ (١٦) - ظئة: ٢٠ /٤٩-٥٥
أمر الله تعالى رسوله في قوله: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اٌللَّهِ﴾ [التوبة: ٦/٩].
٤ - كان جواب موسى لفرعون: إن الله تعالى يعرف بصفاته، فهو خالق
العالم، وهو الذي خصّ كل مخلوق بهيئة وصورة معينة. قال مجاهد: أعطى كل
شيء صورة؛ لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق
الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدَّره تقديراً. وقال الشاعر:
وله في كل شيء خِلْقةٌ وكذاك الله ما شاء فعل
أراد بالخلقة: الصورة.
٥ - الله هو المختص بعلم الغيب في الماضي والحاضر والمستقبل، فلما سأل
فرعون عن حال وشأن الأمم الغابرة، أجابه موسى وأعلمه أن علمها عند الله
تعالى، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه، وهو مما استأثر الله تعالى
به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام
الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله تعالى في اللوح المحفوظ.
٩ - هذه الآية: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ﴾ ونظائرها تدل على تدوين
العلوم وكتبها لئلا تُنسى، فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان.
وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع، فيقيده لئلا يذهب عنه. جاء في صحيح مسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((لما قضى الله الخلق
کتب في کتاب على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي». وفي
صحيح مسلم أيضاً أن النبي وقيم أمر بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي
شاه - رجل من اليمن - لما سأله كتبها. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده عن النبي ◌َِّ قال: ((قَيِّدُوا العلم بالكتابة)). وأسند الخطيب عن أبي هريرة
إن النبي وَّ قال لرجل من الأنصار لا يحفظ الحديث: ((استعن بيمينك)).
٥٧٨
لُرُ (١٦) - فن: ٢٠ / ٤٩-٥٥
وأما النهي عن كتابة الأحاديث، فكان ذلك متقدماً، فهو منسوخ بأمره
وَل* بالكتابة، وإباحتها لأبي شاه وغيره.
قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد، ثم الحبر خاصة،
دون المداد(١)؛ لأن السواد أصبغ الألوان، والحبر أبقاها على مرّ الدهور،
وهو آلة ذوي العلم، وعُدّة أهل المعرفة.
لاً - دل قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنَسَى﴾ على أن الله عالم بكل
المعلومات، وهو اللفظ الأول، وعلى بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة
إلى نفي التغير، وهو اللفظ الثاني.
٨ - من نعم الله تعالى أن جعل الأرض رغم كرويتها الكلية ممهدة
كالفراش، وقراراً للاستقرار عليها، لتصلح للعيش عليها.
١ - ظاهر آية ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ=﴾ يدل على أنه سبحانه إنما
يخرج النبات من الأرض بواسطة إنزال الماء، فيكون للماء فيه أثر، وهذا
التأثير على تقدير أن الله تعالى هو الذي أعطى الماء هذه الخواص والطبائع،
فيكون الماء المنزل سبب خروج النبات في الظاهر.
٠ ١ - إن إخراج أصناف من النبات المختلفة الأنواع والألوان من الأرض
دليل واضح على قدرة الله تعالى ووجود الصانع. وإِن جعل بعض النبات
صالحاً للإنسان وآخر للحيوان: ﴿كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ من أجل النعم على
الإنسان، ومما يقتضي التأمل والتفكير عند ذوي العقول الصحيحة.
١١ - ما أعظم خيرات الأرض، وما أحوج الناس إليها! فالله خلقنا منها،
ويعيدنا إليها بعد الموت، ويخرجنا منها للبعث والحساب. أما كيفية الإخراج
(١) الحبر والمداد في اللغة سواء. ولعل المراد به المداد الذي لا لون له أو لونه باهت.
٥٧٩
الجزءُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٥٦-٥٩
من الأرض فهو أن الله تعالى خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب،
فكنا تبعاً له، وأما استمرار الخلق فهو أن تولد الإنسان من النطفة ودم
الطمث، وهما يتولدان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني
ينتهي إلى النبات، والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب.
- ٧ -
اتهام موسى بالسحر
﴿ وَلَقَدْ أَرََّهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا
بِسِحْرِكَ يَمُوسَى ﴿﴿ فَلَنَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لََّ نُخْلِفُهُ.
◌َحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَانًا سُوَى: ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الْزِينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى
٥٩
القراءات:
﴿أَجِئْتَنَا﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (أجيتنا).
﴿ سوی ﴾ :
قرئ:
١- (سِوَى) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي.
٢- (سُوَّى) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مَكَنَا سُوَى﴾ ﴿مَكَانًا﴾ بدل منصوب من ﴿مَوْعِدًا﴾ ولا يجوز نصبه بقوله:
٥٨٠
لُحُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٥٦-٥٩
{مَوْعِدًا﴾؛ لأن ﴿مَوْعِدًا﴾ قد وصف بقوله: ﴿لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ﴾ والمصدر إذا
وُصف لا يعمل. ويجوز أن يجعل ﴿مَكَانًا﴾ منصوباً بنزع الحافض: في.
﴿سُوَكَ﴾: يقرأ بكسر السين وبضمها، فمن قرأ بالكسر، فلأن ((فِعَل)) لم
يأت في الوصف إلا نادراً نحو: قوم عِدَى، ولحم زِيمَ. والضم أكثر؛ لأن
((فُعَل)) في الوصف كثير، نحو: لُكَع وحُطَم.
﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ ﴿يَوْمُ﴾: خبر ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ على تقدير
حذف مضاف، أي موعدكم وقت يوم الزينة، ولا يجوز أن يكون ﴿ يَوْمُ﴾
ظرفاً؛ لأن العرب لم تستعمله مع الظرف استعمال سائر المصادر، ولهذا قال
تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ﴾ [هود: ٨١/١١] بالرفع إذ يراد به هنا المصدر،
ولو قلت: إن خروجكم الصبحَ، لم يجز فيه إلا النصب، أي وقت الصبح.
و ﴿مَوْعِدًا﴾ مصدر بمعنى الوعد في الأظهر.
والموعد: يكون مصدراً وزماناً ومكاناً بلفظ واحد، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾
معطوف بالرفع على ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أي موعدكم وقت يوم الزينة، وموعدكم
وقت حشر الناس، فحذف المضاف أيضاً.
البلاغة:
﴿سُوَى﴾ ﴿ضُحَى﴾ سجع حسن.
المفردات اللغوية:
كُلَّهَا﴾ بصّرنا فرعون آيات معهودة هي الآيات التسع
﴿أَرَّنَهُ ءَايَِنَا
المختصة بموسى . ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها وزعم أنها سحر. ﴿ وَأَبَ﴾ امتنع أن يوحد الله
تعالى أو أبى الإيمان والطاعة، لعتوه. ﴿لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ مصر، ليصبح لكِ
الملك فيها. ﴿بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ يعارضه. ﴿مَوْعِدًا﴾ ميعاداً معيناً لذلك . ﴿لَّا