Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
الُعُ (١٦) - فَينَ: ١٩ / ٤١-٥٠
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
﴿َرِّ إِنَّهُ﴾ :
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ربيَ إنه).
الإعراب:
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ﴾ ﴿إِذْ﴾ في موضع نصب على البدل من قوله: ﴿ وَأَذْكُرْ فِى
اَلْكِنَبِ إِبْرَهِيمٌ﴾ أي واذكر في الكتاب قصة إبراهيم، ثم بَيَّن ذلك: فقال: ﴿إِذْ
قَالَ لِأَبِهِ﴾ أي واذكر إذ قال لأبيه.
﴿أَرَغِبُّ أَنْتَ﴾ ﴿أَرَغِبُ﴾ مبتدأ، وابتدئ بالنكرة لاعتمادها على همزة
الاستفهام. و﴿أَنْتَ﴾ فاعل ﴿أَرَاغِبُ﴾، لاعتماد اسم الفاعل على همزة
الاستفهام، فيجري حينئذ مجرى الفعل، والفاعل هنا يسد مسد خبر المبتدأ.
﴿سَلَمُ عَلَيْكَ﴾ (سَلَمُّ﴾ مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة إذا كان فيها فائدة
عند المخاطب، والفائدة هنا: تضمنها معنى الدعاء والمتاركة والتبرؤ.
البلاغة:
صِدِّيقًا نِّيًّا﴾ الصّدّيق: صيغة مبالغة، أي المبالغ في الصدق.
﴿أَرَاغِبُ﴾ الهمزة للإنكار والتعجب.
﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ كناية عن الذكر الحسن والثناء الجميل
باللسان؛ لأن الثناء يكون باللسان.
﴿َنِيًّا﴾، ﴿عَلِيًّا﴾، ﴿حَفِيًّا﴾ (سَوِيًا﴾، ﴿عَصِيًّا﴾، ﴿وَلِيًّا)
حَفِيًّا﴾، ﴿شَفِيًّا﴾ سجع رصين.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمٌ﴾ أي اذكر لهم واتل عليهم في هذه السورة قصة

٤٤٢
الُرُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ٤١-٥٠
إبراهيم أو خبره. ﴿صِدِّيقًا﴾ مبالغاً في الصدق، لم يكذب قط. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِّهِ﴾
آزر. ﴿يَأَبَتِ﴾ التاء: عوض عن ياء الإضافة (أبي) فلا يجمع بينهما، وكان
آزر يعبد الأصنام، فناداه: ﴿يَأَبَتِ﴾ وهو تلطف واستدعاء . ﴿ وَلَا يُغْنِىِ﴾ لا
يكفيك. ﴿شَيْئًا﴾ من نفع أو ضرّ. ﴿صِرَطًا سَوًِا﴾ طريقاً مستقيماً مؤدياً
للسعادة . ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ﴾ إن عبادة الأصنام هي في الحقيقة عبادة
للشيطان، لأنه الآمر بها، فبإطاعتك إياه في عبادة الأصنام، تكون عابداً له.
﴿عَصِيًا﴾ كثير العصيان. والمطاوع للعاصي عاصٍ، والعاصي جدير بأن ينتقم
منه.
﴿أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ إن لم تتب. ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا﴾
ناصراً، وقريناً في اللعن، أو العذاب في النار. ﴿أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى﴾ أي
أكاره لها، فتعيبها؟ ﴿لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ﴾ عن التعرض لها ومقالك فيها
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي لأشتمنك بالكلام القبيح، أو لأرجمنك بالحجارة،
فاحذرني . ﴿ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ واتركني دهراً طويلاً.
﴿سَلَمُ عَلَيَكٌ﴾ مني، أي سلام توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة، أي
لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعدُ ما يؤذيك. ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ﴾ أي
ولكن سأستغفر لك الله، لعله يوفقك للتوبة والإيمان، فإن حقيقة الاستغفار
للكافر: استدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته . ﴿حَفِيًّا﴾ مبالغاً في برّي
وإكرامي، فيجيب دعائي. وقد وفى بوعده المذكور، فقال في سورة الشعراء:
﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِىّ﴾.
﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ وأترككم وما تعبدون ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره.
﴿وَأَدْعُواْ رَبٍِ﴾ وأعبده وحده. ﴿بِدُعَاءِ رَبِىِ﴾ بعبادته. ﴿شَفِيًّا﴾ خائب
المسعى، مثلكم في دعاء آلهتكم. وفي تصدير الكلام بعسى: تواضع وتنبيه على
أن الإجابة والإثابة تفضل من الله غير واجب عليه . ﴿فَلَمَّا أُعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ

٤٤٣
لُحُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٤١-٥٠
مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بالهجرة إلى الشام، والذهاب إلى الأرض المقدسة. ﴿وَهَبْنَا لَهُ﴾
ابناً وابن ابن يأنس بهما، وهما إسحاق من سارة التي تزوج بها، ثم ولد
لإسحاق يعقوب، ولعل تخصيصهما بالذكر؛ لأنهما شجرتا الأنبياء . ﴿ وَكُلَّ
جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ وكلاً منهما أو منهم وهبناه النبوة. ﴿وَوَهَبْنَا لَمُمْ﴾ للثلاثة ﴿مِّن
رَّحْمَئِنَا﴾ الأموال والأولاد ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي ثناءً حسناً
رفيعاً في جميع أهل الأديان.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة في سورة مريم، فبعد أن أبان الله تعالى ضلال
النصارى، ذكر ضلال عبدة الأوثان. والفريقان، وإن اشتركا في الضلال إلا
أن ضلال الفريق الثاني أعظم؛ لأن مقصد السورة إثبات التوحيد والنبوة
والبعث والحشر، والمنكرون للتوحيد فريقان: فريق أثبت معبوداً غير الله حياً
عاقلاً وهم النصارى، وفريق أثبت معبوداً غير الله جماداً ليس بحي ولا عاقل،
وهم عبدة الأصنام، فذكر الفريق الأول، ثم الثاني، لإبطال المذهبين.
والسبب في ذكر قصة إبراهيم هو أنه أبو العرب، وكانوا معترفين بملته
ودينه ﴿مِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِبْرَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨/٢٢] فنبههم تعالى إلى منهج إبراهيم من
خلال حجاجه مع أبيه آزر.
وقد ذكرنا قصة إبراهيم في سورة البقرة، ويلاحظ أن إبراهيم عليه السلام
- كما ذكر السيوطي - عاش من العمر مئة وخمساً وسبعين سنة (١٧٥) وبينه
وبين آدم ألفا سنة (٢٠٠٠) وبينه وبين نوح ألف سنة (١٠٠٠) ومنه تفرعت
شجرة الأنبياء.
إسحاق عليه السلام:
هو ابن سارّة، ولم يذكر في القرآن من قصصه إلا بشارة الملائكة به، وأنه
غلام عليم، وأنه نبي من الصالحين، وأن الله بارك عليه.

٤٤٤
الُزُحُ (١٦) - فَرشير: ١٩ / ٤١-٥٠
واليهود والنصارى يدَّعون أنه الذبيح، مع تكذيب التوراة لهذه الدعوى،
كما سأذكر في قصة إسماعيل قريباً.
وقد عاش إسحاق مئة وثمانين سنة، ودفن في حبرون، وهي مدينة الخليل
اليوم، بمغارة المكفيلة.
يعقوب عليه السلام:
هو إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، تزوج بابنتي خاله
(لا بان) وهما (ليئة وراحيل) في فدان آرام، ثم تزوج بجاريتيهما: زلفا وبلها،
ومنهن كان أولاده الذين ولدوا جميعاً في (آرام) إلا بنيامين الذي ولد في
فلسطين.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة بعد قصتي زكريا ويحيى، وعيسى
ومريم، وهي قصة إبراهيم عليه السلام. ومن المعلوم أن الغرض من هذه
السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للتوحيد أثبتوا معبوداً سوى
الله تعالى، وهؤلاء فريقان: منهم من أثبت معبوداً غير الله حياً عاقلاً فاهماً
وهم النصارى، ومنهم من أثبت معبوداً غير الله جماداً، ليس بحي ولا عاقل
ولا فاهم، وهم عبدة الأوثان.
والفريقان وإن اشتركا في الضلال، إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم،
فلما بيَّن تعالى ضلال الفريق الأول، تكلم في ضلال الفريق الثاني، وهم عبدة
الأوثان.
التفسير والبيان:
﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيْمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِيًّا
و هذا عطف على قوله

٤٤٥
الُ (١٦) - فَريفر: ١٩ / ٤١-٥٠
تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ اَلْكِنَبِ مَرْيَمَ﴾ الذي هو عطف على قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ
رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاً ﴾﴾ أي واذكر أيها الرسول إبراهيم الصدِّيق النبي،
خليل الرحمن، أبا الأنبياء، واتل خبره على الناس في الكتاب المنزل عليك،
فهو الكثير الصدق، القوي التصديق لآيات الله، الذي دعا قومه إلى توحيد
الله، وترك عبادة الأصنام، كما قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا ﴾﴾﴾ اذكر
إبراهيم حين قال بلطف وعقل واع وبرهان قاطع لأبيه آزر: يا أبت، لم تعبد
ما لا يسمع دعاءك إياه، ولا يبصر ما تفعله من عبادته، ولا يجلب لك نفعاً،
ولا يدفع عنك ضرراً، وهي الأصنام الجمادات.
﴿يَأَبَتِ إِ قَدْ جَاءَتِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدَِكَ صِرَطًا سَوِنًا (®﴾ أي
يا أبي، وإن كنت من صلبك، وتراني أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد
اطلعت من العلم من الله، على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك،
فاتبعني في دعوتي أرشدك طريقاً سوياً موصلاً إلى نبل المطلوب، منجياً من كل
مرهوب ومكروه.
والمراد بالهداية: بيان الدليل وشرحه وإيضاحه، وقوله: ﴿فَاتَّبِعْتِىّ﴾ ليس
أمر إيجاب، بل أمر إرشاد، وكانت هذه المحاورة بعد أن صار إبراهيم نبياً.
ويلاحظ أنه لم يصف أباه بالجهل، ولا نفسه بالعلم الكامل، لئلا ينفر منه،
وإنما قال: أعطيت شيئاً من العلم لم تعطه.
﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (®﴾ أي يا أبي، لا
تطع الشيطان في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى عبادتها، المستن
(﴿ أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِىّ ءَادَمَ أَن لَّا
لها، الراضي بها، كما قال تعالى:
تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
﴾ [يس: ٦٠/٣٦] وقال سبحانه:
٦٠
﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا مَرِيدًا
[النساء: ١١٧/٤].

٤٤٦
لُ (١٦) - فَرشيً: ١٩ / ٤١-٥٠
لا تطع الشيطان، فإن عبادة الأصنام، هي من طاعة الشيطان، والشيطان
عاص (كثير العصيان) مخالف مستكبر عن طاعة ربه، حين ترك ما أمره به من
السجود لآدم، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم، وتحلّ به النقم، لذا
طرده ربه وأبعده من رحمته، فلا تتبعه تَصِرْ مثله، فإن عبادة الأصنام لا يتقبلها
عقل، ولكنها تنشأ من وسوسة الشيطان وإغوائه، فكانت عبادتها عبادة له،
وطاعة لإغوائه، والشيطان عدو آدم وذريته، لا يريد لكم إلا الشر.
﴿يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَن يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا
٤٥
يا أبي، إني أخشى أن يصيبك عذاب الله على شركك وعصيانك لما أطلبه
منك، فتكون بذلك موالياً للشيطان، وقريناً معه في النار، بسبب موالاته.
وهذا تحذير لأبيه من سوء العاقبة، وإنذار بالشر، حيث لا يكون له مولى ولا
ناصر ولا مغيث إلا إبليس، وليس له ولا لغيره من الأمر شيء، بل اتباعه
موجب لإحاطة العذاب به، كما قال تعالى: ﴿ثَلَِّ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمٍَ مِّن
قَبْلِكَ فَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُهُمْ أَلْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٦٣
[النحل: ٦٣/١٦] .
وبالرغم من هذا الأدب في الدعوة إلى التوحيد مع البراهين والأدلة الدالة
على بطلان عبادة الأوثان، أجابه أبوه بما هو غير مأمول منه، فقال تعالى:
﴿قَالَ أَرَغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَِرَهِيْمٌّ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنََّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا
﴾ أجاب أبو إبراهيم ولده إبراهيم فيما دعاه إليه قائلاً: أمعرض أنت عن
تلك الأصنام ومنصرف إلى غيرها؟ وإن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها،
فامتنع عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك لأرجمنك بالحجارة
أو لأشتمنك، وفارقني زمناً طويلاً.
ويلاحظ أن الأب قابل ابنه بالعنف، فلم يقل له: يا بني، كما قال الابن
له: يا أبت، وقابل وعظه الرقيق بالتهديد والوعيد بالشتم أو بالضرب

٤٤٧
اِلُ (١٦) - فَرَت: ١٩ / ٤١-٥٠
بالحجارة، وفي ذلك إيناس للنبي ◌َل# عما يلقاه من أذى قومه، وغلظة عمه أبي
لهب، وفظاظة أبي جهل.
ومع كل هذا أجابه إبراهيم باللطف قائلاً :
. ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا (®) أي قال
إبراهيم لأبيه: سلام عليك سلام توديع وترك لا سلام تحية، فلا ينالك مني
مكروه ولا أذى، لحرمة الأبوة، وكما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣/٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ
الَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْنَفِى الْجَاهِلِينَ
[القصص: ٥٥/٢٨] .
۵۵
ولكن سأطلب لك من الله أن يهديك ويغفر لك، بأن يوفقك للإيمان،
ويرشدك للخير، إن ربي كان بي لطيفاً كثير البِرّ، يجيبني إذا دعوته. ونظير
[الشعراء: ٨٦/٢٦] ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ
الآية: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِيْنَ
لِ وَلَوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
[إبراهيم: ٤١/١٤]. والمراد
٤١
بكل ذلك طلب الهداية وترك الضلال.
وإنما استغفر له؛ لوعد سابق منه أن يؤمن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
أُسْتِغْفَارُ إِنْزَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ, عَدُوٌّ
◌ِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤/٩].
ويرى ابن كثير أن الاستغفار للمشركين كان جائزاً ثم نسخ في شرعنا،
فقال: وقد استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى
الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما
السلام في قوله: ﴿رَبََّا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
(ج) وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء
الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ

٤٤٨
لُعُ (١٦) - فَرشير: ١٩ / ٤١-٥٠
كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِيَّ إِنَزَهِيمَ وَاُلَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤْ مِنَكُمْ وَمِقًا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ
مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤/٦٠] الآية، يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا
به. ثم بيَّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، واستقر التشريع بما دلَّ
عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
كَانُواْ أُوْلِ قُرْبِى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
[التوبة: ١١٣/٩](١) ..
والخلاصة: إن الاستغفار بمعنى طلب الهداية والتوفيق حال الحياة لا بأس
به، أما بعد الموت على الشرك أو الكفر، فهو ممنوع، فقول بعض الناس:
المرحوم فلان، وهو يعلم أنه مات كافراً، غير جائز.
ثم قرر إبراهيم عليه السلام الهجرة إلى بلاد الشام، فقال تعالى:
﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَنِىّ ◌َلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ
رَبِ شَقِيًّا (٨﴾ أي وأبتعد عنكم، وأهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم،
حين لم تقبلوا نصحي، وأعبد ربي وحده لا شريك له، وأجتنب عبادة غيره،
لعلي لا أكون بدعاء ربي خائباً، كما خبتم أنتم بعبادة تلك الأصنام التي لا
تجيب دعاءكم ولا تنفعكم ولا تضركم. و﴿عَسَىّ﴾ ذكر ذلك على سبيل
التواضع، كقوله: ﴿وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيّئَتِى يَوْمَ الَّذِينِ
[الشعراء: ٨٢/٢٦] ويراد بها التحقق لا محالة، فهو عليه السلام أبو الأنبياء.
كذلك قوله: ﴿شَقِيًّا﴾ ذكره على سبيل التواضع، وفيه تعريض بشقاوتهم في
دعاء آلهتهم في قوله المتقدم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ
شَئًا﴾
(١) تفسير ابن كثير: ١٢٣/٣ - ١٢٤

٤٤٩
الُ (١٦) - فَرِينَ: ١٩ / ٤١-٥٠
ولما أنفذ ما نواه وعزم عليه، حقق الله رجاءه ودعاءه، فقال:
﴿فَمَّا أَعْتَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلَّا جَعَلْنَا
نَبِيًّا (®) أي فلما اعتزل إبراهيم الخليل أباه وقومه، وترك أرضه ووطنه،
وهجر موضع عبادتهم غير الله، وهاجر في سبيل الله إلى أرض بيت المقدس
حيث يقدر على إظهار دينه، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق
بعد أن تزوج من سارّة، وابنه يعقوب حفيده، بدل الأهل الذين فارقهم،
وجعل الله كل واحد من إسحاق ويعقوب نبياً أقرَّ الله بهم عينيه، فكل الأنبياء
من سلالتهما، وكل الأديان تحب إبراهيم وتحترمه مع إسحاق ويعقوب.
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (®َ﴾ أي وأعطيناهم
من فضلنا ورحمتنا النبوة والمال والأولاد والكتاب، وجعلنا لهم الثناء الحسن
على ألسن العباد، كما قال تعالى: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِينَ
٨٤
[الشعراء: ٨٤/٢٦]. قال ابن جرير: وإنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل
والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وبما أن العرب من سلالة إبراهيم، وتدعي أنها على دين إبراهيم، فالله
ذكر لهم قصته، ليعتبروا ويتعظوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
اً - إن أسباب إيراد قصة إبراهيم عليه السلام ثلاثة :
الأول - كان إبراهيم عليه السلام أبا العرب، وكانوا مقرين بعلو شأنه
وطهارة دينه، فقال الله لنبيه: اقرأ عليهم في القرآن أمر إبراهيم، فهم من
ولده، وإنه كان حنيفاً مسلماً، لم يتخذ الأنداد، فإن كنتم مقلدین لآبائكم،
فقلدوا إبراهيم في ترك عبادة الأوثان، وإن كنتم مستدلين فانظروا في هذه

٤٥٠
الجُزُعُ (١٦) - فَرت: ١٩ / ٤١-٥٠
الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان،
وبالجملة: فاتبعوا إبراهيم إما تقليداً وإما استدلالاً، ولَمَ تتخذِون الأنداد؟!
ج
والله يقول: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢/
١٣٠ ] .
الثاني - كان كثير من الكفار في زمن الرسول 3 8* يقول: كيف نترك دين
آبائنا وأجدادنا، فذكر الله قصة إبراهيم عليه السلام، وبيَّن أنه ترك دين أبيه
وأبطل قوله بالدليل، فكونوا مثله.
الثالث - كان كثير من الكفار يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال،
كما حكى الله تعالى عنهم: ﴿قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىَّ أُمٍَّ﴾ [الزخرف: ٤٣/
٢٢] و﴿ قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَبِدِينَ
﴾ [الأنبياء: ٥٣/٢١] فحكى الله تعالى
٥٣)
عن إبراهيم عليه السلام التمسك بطريق الاستدلال، تنبيهاً على فساد هذه
الطريقة.
أَ - وصف تعالى إبراهيم عليه السلام بأنه كان صديقاً نبياً، أي مبالغاً في
كونه صادقاً: وهو الذي يكون عادته الصدق، أو كثير التصديق بالحق حتى
يصير مشهوراً به.
٣ - كان إبراهيم عليه السلام في محاورته أباه في غاية الأدب واللطف
والرفق، فكان يكرر قوله استعطافاً وشفقة: ياأبت، ولما يئس من استجابته
لدعوته، قال: سلام عليك، سلام متاركة وتوديع، لا سلام تحية، سأستغفر
لك ربي، طالباً منه هدايتك، وكان في خطابه كله له شديد الخوف عليه من
الكفر والعذاب في النار.
وكان الأب آزر مستعلياً مترفعاً يعتمد على التهديد والقطيعة والسب
والشتم والرجم بالحجارة.

٤٥١
الجزءُ (١٦) - فَرين: ١٩ / ٤١-٥٠
٤ - عاب إبراهيم عليه السلام الوثن من ثلاثة أوجه:
أحدها - لا يسمع.
الثاني - لا يبصر.
الثالث - لا يغني عنك شيئاً، كأنه قال له: بل الألوهية ليست إلا لربي،
فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ويبصر، كما قال: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ
وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦/٢٠] ويقضي الحوائج: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
[النمل: ٦٢/٢٧] .
٥ - ليحذر الإنسان طاعة الشيطان فيما يأمره به من الكفر، ومن أطاع
شيئاً في معصية فقد عبده، والشيطان دائماً عاص لربه مخالف أوامره.
٩ - حذر إبراهيم عليه السلام أباه آزر من الكفر وعاقبته، فقال: إني
أخاف أن تموت على الكفر، فيمسَّك العذاب، فتكون للشيطان قريناً في النار.
لاً - يرى جمهور العلماء أنه لا يُبدأ الكافر بالسلام؛ لأن ذلك إکرام،
والكافر ليس أهله، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام،
فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)) وربما كان هذا الحديث
لواقعة معينة إثر تآمر اليهود على قتل النبي ◌َّر كما أشار بعضهم.
وجوز سفيان بن عيينة تحية الكافر وأن يبدأ بها، قيل لابن عيينة: هل يجوز
السلام على الكافر؟ قال: نعم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَتِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ نَبَرُوهُمْ وَتُفْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
﴾ [الممتحنة: ٨/٦٠]؛ وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ
٨
اُلْمُقْسِطِینَ
إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤/٦٠] الآية؛ وقال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَمُ عَلَيْكَ﴾ ويؤيده
حديث آخر في الصحيحين عن أسامة بن زيد: أن النبي وَل سلم على مجلس فيه

٤٥٢
لُحُ (١٦) - فَينَ: ١٩ / ٤١-٥٠
أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أُبي
ابن سَلُول. وقال الطبري: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل
الكتاب، وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه، وقال: ولكن حق
الصحبة. وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته، لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا
صغير ولا كبير إلا سلم عليه؛ فقيل له في ذلك، فقال: أُمرنا أن نفشي
السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر فسلّم عليه، فقال: إن سلَّمت
فقد سلّم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك.
وأما الاستغفار للكافر فقد أوضحناه في تفسير الآيات هنا، وخلاصته:
إنه ممنوع بعد الموت، جائز في الحياة بمعنى طلب الهداية والرشاد. والدليل
على أن الاستغفار للكافر لا يجوز آيتان تقدمتا هما: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُوْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣/٩] و﴿إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ
لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤/٦٠] أي لا تتبعوه في ذلك.
٨ - قال الرازي: اعلم أنه ما خسر على الله أحد، فإن إبراهيم عليه
السلام لما اعتزل قومه في دينهم وفي بلدهم، واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث
أمره، لم يضره ذلك ديناً ودنيا، بل نفعه فعوضه أولاداً أنبياء، وذلك من
أعظم النعم في الدنيا والآخرة. ثم إنه تعالى وهب لهم مع النبوة ما وهب من
المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة، ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي ثناء حسناً؛ لأن جميع الملل تُحسن الثناء عليهم (١).
واللسان یذگّر ويؤنث.
(١) تفسير الرازي: ٢٣٠/٢١

٤٥٣
الُعُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٥١-٥٣
قصة موسى عليه السلام
٥١
وَنَدَيْنَهُ مِن
١٠٠
﴿ وَأَذْكُرْ فِ الْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا فِيًّا
جَانِبِ الْطُورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَبْنَهُ نَجِيَّا ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِنَآ أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا
٥٣
القراءات:
مُخْلَصًا﴾
.
قرئ:
١- (ُخْلَصاً) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٠
٢- (ُخْلِصاً) وهي قراءة الباقين.
﴿َنِيًّا﴾ :
وقرأ نافع (نبيئاً).
الإعراب:
﴿ اَلْأَيُّمَنِ﴾ صفة الطور أو الجانب، والظاهر أنها صفة الجانب لقوله في آية
أخرى ﴿وواعدناكم جانب الطور الأيمن﴾ [طه: ٢٠/٨٠].
﴿َجِيَّا﴾ حال من أحد الضميرين في ﴿وَنَدَيْنَهُ﴾ و﴿وَقَرَبْنَهُ﴾.
﴿أَخَاهُ هَرُونَ﴾ ﴿هَرُونَ﴾: بدل أو عطف بيان، و﴿أَخَاهُ﴾ مفعول لوهبنا.
﴿نِيَّا﴾ حال، هي المقصودة بالهبة، إجابة لسؤاله أن يرسل أخاه معه،
وكان أسنّ منه.

٤٥٤
الْجُرُ (١٦) - فَرِيرَ: ١٩ / ٥١-٥٣
المفردات اللغوية:
﴿مُخْلَصًا﴾ مختاراً مصطفى مخلَّصاً من الدنس، وقرئ بكسر اللام، أي
مخلصاً في عبادته عن الشرك والرياء، موحداً أسلم وجهه لله . ﴿ وَنَدَيْنَهُ﴾
يقول: يا موسى، إني أنا الله. ﴿مِن جَانِبِ الْطُورِ الْأَيْمَنِ﴾ من ناحية الجبل
اليمنى، وهي التي تلي يمين موسى حين أقبل من مدين، بأن تمثل له الكلام من
تلك الجهة، والطور: الجبل بين مصر ومدين .﴿وَقَرَّبْنَهُ﴾ تقريب تشريف
وتكريم . ﴿َجِيًّا﴾ مناجياً، مكلماً الله بلا واسطة، بأن أسمعه الله تعالى كلامه.
﴿مِن رَّحْمَئِنَا﴾ نعمتنا، أي من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا. ﴿أَخَاهُ﴾ معاضدة
{وَ﴾ [طه: ٢٩/٢٠]
أخيه ومؤازرته، إجابة لدعوته: ﴿ وَأَجْعَل لَّىِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِىِ
فإنه كان أسنّ من موسى.
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة لإخبار العرب وغيرهم أن موسى عليه السلام مثل
إبراهيم عليه السلام أخلص العبادة لله عن الشرك والرياء، وأسلم وجهه لله
تعالى. ومثله أيضاً أخوه هارون. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هارون
عليه السلام أكبر من موسى عليه السلام، وإنما وهب الله له نبوته، لا لشخصه
هَرُونَ أخِى
٢٩
زيرًا
مِّنْ أهلى
﴿ وَاجْعَل لِ
وأخوته، وذلك إجابة لدعائه في قوله :
﴾ [طه: ٢٩/٢٠-٣١]، فأجابه الله تعالى إليه بقوله:
٣١
أُشْدُدْ بِهِ، أَزْرِی
﴿قَدْ أُوِيِتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦/٢٠]، وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾
[القصص: ٣٥/٢٨].
التفسير والبيان:
﴿ وَأَذْكُرْ فِي الْكِنَبِ مُوسَىَّ﴾ لما ذكر الله تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه،
عطف بذكر موسى الكلّيّم، فقال: واذكر يا محمد في الكتاب، واتل على
قومك أوصاف موسى التي سأخبرك عنها وهي خمس صفات:

٤٥٥
المُعُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٥١-٥٣
اً - ﴿إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا﴾ أي جعلناه مختاراً مصطفى، وأخلصناه مطهراً من
الآثام والذنوب، كما قال تعالى: ﴿إِنّ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَِ
وَبِكَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤/٧]. وقرئ بالكسر (مخلصاً) ومعناه: أخلص لله في
التوحيد والعبادة، والإخلاص: هو القصد في العبادة إلى أن يعبد المعبود بها
وحده. قال الثوري عن أبي لبابة قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا
عن المخلص لله، قال: الذي يعمل لله، لا يجب أن يحمده الناس.
٣ - ﴿وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين
الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد
عليهم صلوات الله وسلامه) أرسله الله إلى عباده داعياً ومبشراً ونذيراً،
فأنبأهم عن الله بشرائعه.
والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وكان معه كتاب فيه
شريعته كموسى عليه السلام، سواء أنزل عليه كتاب مستقل أم كتاب من
سبقه. والنبي: هو من أوحي إليه بشرع يخبر به عن الله ويخبر به قومه، ولیس
معه كتاب، كيوشع عليه السلام.
◌َّ - ﴿وَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ أي كلمناه من جانب الطور عن
يمين موسى أو عن يمين الجبل نفسه، حين جاء من مدين متجهاً إلى مصر، فهو
كليم الله بعدئذٍ، وأصبح رسولاً، وواعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون،
وأنزلنا عليه كتاب التوراة. والمناداة عن يمين موسى أصح، فإن الجبال لا يمين
لها ولا شمال.
٤َ - ﴿وَقَرَّبْنَهُ نَجِيًّا﴾ أي أدنيناه إدناء تشريف وتقريب منزلة، حتى كلمناه،
أو حين مناجاته لنا. فقوله: ﴿نَجِيًّا﴾ من المناجاة في المخاطبة، أي إنه أصبح في
العالم الروحي قريب المنزلة من الله تعالى.
هَ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا
· أي منحناه من فضلنا
(٥٣

٤٥٦
لِلُعُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٥١-٥٣
ونعمتنا، فجعلنا أخاه نبياً، حين سأل ربه قائلاً: ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِىِ
٢٩٦
هَرُونَ أَخِىِ ﴿٣) أُشْدُدْ بِهِ: أَزْرِى ﴿ وَأَشْرِكُهُ فِيَّ أَمْرِى
٣٢
﴾ [طه: ٢٩/٢٠-
٣٢] فحقق له مطلبه وأجاب دعاءه وسؤاله وشفاعته بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ
[طه: ٣٦/٢٠]، وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾
٣٦
سُؤْلَكَ يَمُوسَى
[القصص: ٣٥/٢٨] .
قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة
موسى في هارون أن يكون نبياً، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَنِنَا أَخَاهُ هَرُونَ
(@)). قال ابن عباس: کان هارون أکبر من موسی بأربع سنين.
نِيَّاً
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يَبْلُغْ رسول مرتبة أولي العزم إلا بمقومات عالية، وخصائص فريدة
رفيعة، وهذه بعض خصائص موسى وصفاته، أخلصه ربه واختاره، فكان
مخلصاً لله في عبادته، بعيداً عن الشرك والرياء، وجعله رسولاً بشرع وكتاب
ونبياً من الصالحين، وكلمه ربه من غير وحي، وناجاه من جانب الطور، في
البقعة المباركة، عند الشجرة، عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر.
وقربه إليه ربه تقريب تشريف وإجلال، حالة كونه مناجياً حضرة الله
تعالى، مثل تقريب الملك لمناجاته، وأنعم عليه مجيباً سؤاله ودعاءه بجعل أخيه
هارون الأكبر منه سناً نبياً ورسولاً، وتلك نعمة كبرى على الأخوين، إذ
آزرهما ببعضهما، وجعلهما متعاضدين متعاونين في تبليغ الرسالة الإلهية إلى
فرعون وآله وإلى بني إسرائيل.

٤٥٧
لُرُ (١٦) - فريزرًا: ١٩ / ٥٤-٥٥
قصة إسماعيل عليه السلام
﴿﴿ وَكَانَ
﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا
يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
الإعراب:
﴿مَرْضِيًا﴾ خبر كان، وأصله ((مرضُوياً)) فأبدلوا من الضمة كسرة، ومن
الواو ياء، على لغة من ثنى ((الرضا)) ((رِضَوَان)). ومن قال: ((رِضَيَان)) كان من
ذوات الياء، وأصله ((مَرْضُوي)) فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما
ساكن، فقلبوا الواو ياء، وأدغموا الياء في الياء، وكسروا ما قبل الياء مناسبة
لها.
المفردات اللغوية:
﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ذكره بالمشهور به، فلم يعد شيئاً إلا وفى به، وانتظر من
وعد ثلاثة أيام، أو حولاً، حتى رجع إليه في مكانه .﴿وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّا﴾ إلى
قبيلة جُرْهم. وهو يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإن
أولاد إبراهيم عليه السلام كانوا على شريعته.
◌َكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ قومه، اشتغالاً بما هو الأهم، وهو أن يعنى الإنسان
بتكميل نفسه ومن هو أقرب الناس إليه أولاً، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَبِينَ (
[الشعراء: ٢١٤/٢٦]، ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ [طه: ١٣٢/٢٠]،
٢١٤
﴿قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦/٦٦]. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا﴾
الاستقامة أقواله وأفعاله، والمرضي عند الله: الفائز في كل طاعاته بأعلى
الدرجات.

٤٥٨
لُرُ (١٦) - فَريفر: ١٩ / ٥٤-٥٥
المناسبة:
هذه هي القصة الخامسة في سورة مريم، وهي قصة إسماعيل بن إبراهيم
عليهما السلام، وكان على شريعة أبيه في توحيد الله ومحاربة الوثنية وعبادة
الأصنام، وإبراهيم كما عرفنا أبو العرب يمنيها ومضريها. قال الزمخشري:
كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة، ليجعلهم قدوة لمن وراءهم،
ولأنهم أولى من سائر الناس.
وقدم الله تعالى قصة موسى عليه السلام على قصة إسماعيل عليه السلام،
لينسجم الكلام عن يعقوب وبنيه دون فاصل بينهما.
أضواء على قصة إسماعيل الذبيح:
رأى إبراهيم عليه السلام في منامه - ورؤيا الأنبياء حق - أنه يذبح ولده
قرباناً لله تعالى، وكان ذلك الولد على الأصح الراجح إسماعيل، فعرض الأمر
على ولده، فتقبل القضاء بالرضا وقال: ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ
اُللَّهُ مِنَ الصَّبِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢/٣٧].
فلما بدأ بتحقيق الأمر، وأهوى بالمدية إلى ذبح ولده، ناداه الله بالكفّ،
وأن هذا العمل منه يكفي تصديقاً للرؤيا، ورأى إبراهيم كبشاً قريباً منه،
فذبحه فدية عن ولده، ولم تعين الآيات اسم ذلك الولد، ولكن سياق الآيات،
وتبشير إبراهيم بإسحاق بعدها، يدل على أن الذبيح إسماعيل، وذلك في
الآيات من سورة الصافات [٩٩-١١٣]، وفيها: ﴿فَبَشَرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
[١٠٨]، والضمير
١٠٨
[١٠١]، ثم قال: ﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ
(٣) ﴾ [١٢]،
يعود إلى الذبيح. ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْخَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ
فالإتيان بالبشرى بإسحاق بعد ذكر قصة الذبيح صريح في أن إسحاق غير
الغلام المأمور بذبحه، وعود الضمير إلى الغلام الذبيح، وذكر اسم إسحاق معه
صريحاً يقتضي التغاير بين الذبيح وإسحاق.

٤٥٩
الُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ٥٤-٥٥
ويرى اليهود أن إسحاق هو الذبيح ليفتخروا بأن أباهم هو الذي جاد
بنفسه في طاعة ربه، وهو في حالة صغره.
والدليل على أن الذبيح إسماعيل من التوراة نفسها: أن الذبيح وصف بأنه
ابن إبراهيم الوحيد، والإقدام على ذبح الولد الوحيد هو الإسلام بعينه، أي
الطاعة والامتثال، ولم يكن إسحاق وحيداً لإبراهيم في يوم من الأيام؛ لأن
إسحاق ولد، ولإسماعيل أربع عشرة سنة، كما هو صريح التوراة، وبقي
إسماعيل إلى أن مات إبراهيم، وحضر إسماعيل وفاته ودفنه. وذبح إسحاق
يناقض وعد الله لإبراهيم أن سيكون له ابن هو يعقوب. ثم إن مسأله الذبح
وقعت في مكة؛ وإسماعيل هو الذي ذهب به أبوه إليها رضيعاً، كما في حديث
البخاري الآتي (١)، وعند الزمخشري في الكشاف حديث: ((أنا ابن الذبيحين))
رواه الحاكم في المناقب.
إسماعيل وأمه هاجر في مكة:
لم يُبن بمكة شيء بعد البيت إلا في القرن الثاني قبل الإسلام، في عهد قصي
ابن كلاب، فإنه بنى دار الندوة، وتبعته قريش في البناء حول المسجد.
جاء في البخاري عن ابن عباس: أن النبي وَلقوله قال: ((أول ما اتخذ النساء
المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها
إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، وضعهما عند البيت عند دوحة فوق
زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، ووضعهما
هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفَى إبراهيم منطلقاً،
فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي
ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها؛ فقالت
له: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت.
(١) قصص القرآن للأستاذ عبد الوهاب النجار ١٠١ - ١٠٣

٤٦٠
الُعُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ٥٤-٥٥
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت،
ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ
غَيِّرِ ذِى زَرْجِ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمْ﴾، حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧/١٤].
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد
ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال:
يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض
يليها؛ فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً،
فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت
سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها،
ونظرت، هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات)).
قال ابن عباس: قال النبي ◌ُّر: ((فذلك سعي الناس بينهما)). فلما أشرفت
على المروة، سمعت صوتاً، فقالت: صَهْ - تريد نفسها، ثم تسمَّعت، فسمعت
أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غوث؛ فإذا هي بالملَك عند موضع
زمزم، فبحث بعَقِبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه،
وتقول بيدها هكذا. وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما
تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ◌َلير: ((يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت
زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً)).
وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت
الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. إلخ الحديث.
بناء البيت:
كان إبراهيم عليه السلام يزور ولده إسماعيل حيناً بعد آخر، ففي إحدى
هذه الزيارات أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، فصدعا بالأمر
وبنيا الكعبة. ولما تم بناؤها أمره الله تعالى أن يعلم الناس بأنه بنى بيتاً لعبادة الله