Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
لُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٦٠-٧٤
﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَّهُ ءَاِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا.
أي فلما تجاوز موسى وفتاه يوشع مجمع البحرين حيث نسيا الحوت فيه،
وسارا بقية اليوم والليلة، وفي اليوم التالي في ضحوة الغد أحس موسى
بالجوع، فقال لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا تعباً من هذا السفر.
وذلك أن موسى كان قد أمر بحمل حوت مملَّح معه، وذكر له أن عبداً من
عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل
إليه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثمة، وسار هو وفتاه، حتى بلغا مجمع
البحرين، وكان الحوت في مِكْتل (قفة) مع يوشع عليه السلام، فسقط في
البحر، وجعل يسير في الماء.
وعودة الحياة للحوت بعد موته كانت معجزة لموسى عليه السلام، علامة
على مكان وجود الخضر. والخضر: هو لقب العبد الصالح الذي أمر موسى
بالتعلم منه، واسمه بَلْيا بن مَلْكان، والأصح أنه لم يكن نبياً.
قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ
أَنْ أَذَكُرَهُ وَأَتَخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَجَمَاً
٦٣
أي قال له فتاه: أرأيت(١) أي أخبرني ما وقع لي حين لجأنا إلى الصخرة في
مجمع البحرين؟ فإني نسيت أن أخبرك بما حدث من أمر الحوت، فإنه قد
اضطرب وعاد حياً ووقع في البحر، وما أنساني ذكر ذلك إلا الشيطان، واتخذ
الحوت مسلكه في البحر عجباً. والمراد بالنسيان: اشتغال قلب الإنسان
بوساوس الشيطان التي هي من فعله.
(١) همزة ﴿أَرَءَيْتَ﴾ همزة الاستفهام، و(رأيت) على معناه الأصلي، وإدخال الهمزة عليه
، للتعجب، فإن المتعارف بين الناس أنه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قال لصاحبه: أرأيت
ما حدث لي؟

٣٢٢
الُزُجُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٦٠-٧٤
﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي قال موسى: هذا هو الذي نطلب؛ لأنه أمارة
الفوز بما نقصد.
﴿فَارْتَذَا عَلَىّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ أي رجعا على طريقهما يقصان آثار مشيهما،
ويقفوان أثرهما. قال البقاعي: إن هذا يدل على أن الأرض كانت رملاً لا
علامة عليها.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىّ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾﴾ أي وجد
٦٥
موسى وفتاه عند الصخرة في مجمع البحرين حين عادا إليها عبداً صالحاً من
عباد الله، قال الأكثرون: إن ذلك العبد هو الخضر، وكان مسجّى بثوب
أبيضٍ، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنَى بأرضك السلام؟! وقوله:
﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ يدل على أن تلك العلوم حصلت له من عند الله من
غیر وساطة.
فقال: أنا موسى، قال: موسى نبي إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل
أصحبك وأرافقك لتعلمني مما علمك الله شيئاً أسترشد به في أمري من علم
نافع وعمل صالح؟ وهذا سؤال تلطف وأدب، لا إلزام فيه ولا إجبار،
وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.
فأجابه الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (4) أي قال الخضر
لموسى: إنك لن تقدر على مصاحبتي، ولن تطيق صبراً ما تراه مني؛ لأني على
علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله، علمكه لا أعلمه،
وكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، فلا تقدر على صحبتي.
﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرً (٣٨)﴾ أي أؤكد لك أنك لن تصبر على
شيء تراه مني، ولم تطلع على حكمته ومصلحته الباطنة وحقيقة أمره التي
اطلعت أنا علينا دونك. فقوله: ﴿خُبْرًا﴾ أي لم يحط به خبرك، ولم تُلِمَّ بوجه
الحكمة فيه وطريق الصواب.

٣٢٣
المُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٦٠-٧٤
أي قال
﴿قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا (9)
موسى: ستجدني بمشيئة الله صابراً على ما أرى من أمورك، ولا أخالفك في
شيء.
﴿قَالَ فَإِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (®َ﴾ أي
قال الخضر شارطاً على موسى بقوله: إن سرت معي، فلا تسألني عن أمر
يحدث، حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.
قصة السفينة:
﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ أي فانطلق موسى وصاحبه مع
الخضر، انطلقا يمشيان على ساحل البحر، يطلبان سفينة، فمرت بهما سفينة،
فكلَّمَا أصحابها أن يركبا فيها معهم، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير أجر،
تكرمة للخضر، فلما ركبا وسارت بهم السفينة في وسط البحر، قام الخضر
بخرقها بفأس، مستخرجاً لوحاً من ألواحها، ثم رقعها.
﴿قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِنْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي لم يتمالك موسى عليه
السلام نفسه وقال منكراً عليه: أخرقتها لتغرق(١) أهلها، أي ليصير الخرق
سبباً في إغراق أهلها، لقد جئت شيئاً عظيماً منكزاً.
﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًّا ﴾﴾ أي قال الخضر لموسى: ألم
أقل سابقاً لك يا موسى: إنك لن تتمكن من الصبر معي على ما ترى مني من
أفعال.
﴿قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (®﴾ أي اعتذر
موسى للخضر قائلاً: لا تؤاخذني بنسياني، أي لا تؤاخذني بما تركت من
(١) اللام لام العاقبة أو الصيرورة، لا لام التعليل.

٣٢٤
الُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٦٠-٧٤
وصيتك أول مرة، ولا تكلفني أمراً شاقاً عسيراً على، أي لا تعسر علي
متابعتك، ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة.
قصة الغلام:
﴿فَانْطَلَقَا حَتََّ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ﴾ أي ثم خرجا من السفينة، وسارا يمشيان
على الساحل، فأبصر الخضر غلاماً - وهذا يشمل الشاب البالغ - يلعب مع
الغلمان، فقتله بفتل عنقه أو بضرب رأسه بالحائط، أو بغير ذلك، فقال
موسى: أتقتل نفساً طاهرة من الذنوب، طيبة لم تخطئ، بغير قتل نفس أي بغير
قصاص؟ وخصَّ موسى هذه الحالة من مبيحات القتل؛ لأنها أكثر وقوعاً.
﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا﴾ أي لقد أتيت شيئاً منكراً. والنكر في حال القتل أعظم
قبحاً من الإمر في حال خرق السفينة؛ لأن قتل النفس أعظم جرماً من خرق
السفينة؛ إذ قد لا يحصل الغرق.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه رحلة موسى بن عمران نبي بني إسرائيل مع فتاه يوشع عليهما السلام
للقاء العبد الصالح وهو الخضر عليه السلام، لتعليمه التواضع في العلم، وأنه
وإن كان نبياً مرسلاً، فقد يكون بعض العباد أعلم منه.
وفي هذا من الفقه: رحلة العالم لطلب الازدياد من العلم، والاستعانة على
ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء، وإن بَعُدت
أقطارهم، كما كان دأب السلف الصالح.
ونفع هذه القصة بوجه خاص في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء
المسلمين بكثرة الأموال والأنصار: هو أن موسى عليه السلام، مع كثرة علمه
وعمله وعلو منصبه، ذهب إلى الخضر، لطلب العلم مع التواضع له، وذلك
يدل على أن التواضع خير من التكبر.

٣٢٥
اِلُعُ (١٥) - الكَهْفِظ: ١٨/ ٦٠-٧٤
ونفع هذه القصة مع قصة أصحاب الكهف: هو أن اليهود قالوا لكفار
مكة: إن أخبركم مُحَمَّد ◌َلَّ عن هذه القصة فهو نبي، وإلا فلا، مع أنه لا يلزم
من كونه نبياً من عند الله تعالى أن يكون عالماً بجميع القصص والوقائع، كذلك
لم يمنع كون موسى عليه السلام نبياً صادقاً من عند الله أن يأمره الله بالذهاب
إلى الخضر، ليتعلم منه.
ودلَّ قوله: ﴿ءَائِنَا غَدَاءَنَا﴾ على تعليم الناس اتخاذ الزاد في الأسفار، ولا
يتنافى ذلك مع التوكل على الله تعالى، فهذا موسى نبي الله وكليمه قد اتخذ
الزاد، مع معرفته بربه، وتو کله على رب العباد.
وكان انقلاب الحوت حياً معجزة لموسى عليه السلام، وعلامة على مكان
وجود العبد الصالح، لذا قال موسى فرحاً لما أخبره فتاه بالأمر: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا
نَبْغْ﴾ أي قال موسى لفتاه: أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل
الذي جئنا إليه موجود هناك.
والعبد الصالح على الصحيح هو الخضر، وهو نبي في رأي جماعة كثيرين
بدليل ما يأتي(١) :
اً - أنه تعالى قال: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ والرحمةُ هي النبوة؛ لقوله
تعالى: ﴿أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣] وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ
أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌَ﴾ [القصص: ٨٦/٢٨].
أَ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا
بواسطة معلم، ولا إرشاد مرشد، وكل من علمه الله لا بواسطة البشر، وجب
أن يكون نبياً يعلم الأمور بالوحي من الله تعالى.
(١) تفسير الرازي: ١٤٨/٢١، تفسير القرطبي: ١٦/١١

٣٢٦
الجُّعْ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٦٠-٧٤
◌َّ- قال موسى عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم.
والراجح أن الخضر لم يكن نبياً وإنما هو عبد صالح كما قرر علماء الكلام
(التوحيد). والاستدلال بهذه الأدلة ضعيف، أما الدليل الأول: فلا يلزم أن
يكون كل رحمة نبوة، فرحمة الله تعالى وسعت كل شيء. وأما الدليل الثاني: إن
العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدل على النبوة. وأما
الدليل الثالث: فلا مانع يمنع النبي من اتباع غير النبي في العلوم التي لا تتعلق
بالنبوة.
ودلَّ قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىّ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ على أن المتعلم
تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما
يدل على أن الخضر كان أفضل منه؛ لأن الفضل لمن فضله الله، فإن كان
الخضر ولياً فموسى أفضل منه، وإن كان نبياً فموسى فضله الله بالرسالة. ولقد
كان موسى عليه السلام محقاً في إنكاره على العبد الصالح؛ لأن الأنبياء لا
يقرُّون على منكر، ولا يجوز لهم التقرير، لذا علَّق صبره على ما يحدث من أمر
في المستقبل على مشيئة الله، وأنه لا يدري كيف يكون حاله، لا أنه عزم الصبر
على المعصية.
وقد ذكر الرازي في قول موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ
رُشْدًا﴾ أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر،
ذكر منها اثني عشر نوعاً، منها: أنه جعل نفسه تبعاً له، واستأذن في هذه
التبعية، وأقر على نفسه بالجهل بقوله: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ وعلى أستاذه بالعلم، وصرح
بأنه يطلب الإرشاد والهداية.
وكان قول الخضر: ﴿فَإِنِ أُتََّعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْرًا﴾ أي حتى أكون أنا الذي أفسره لك، تأديباً وإرشاداً لما يقتضي دوام

٣٢٧
◌ِلُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٦٠-٧٤
الصحبة، فلو صبر وتأدب لرأى العجب، لكنه أكثر بالاعتراض، فتعين
الفراق.
وفي خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحاً،
كأن يخاف ظالماً على ما يملكه، فيخرِّب بعضه. وقال أبو يوسف: يجوز للولي
أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض.
وفي قول موسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ ما يدل على أن النسيان لا
يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق ولا
غيره، ولو نسي مرة ثانية له أن يعتذر أيضاً.
وقتل النفس أشد من خرق السفينة، لذا قال موسى في القتل: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ
شَيْئًا تُكْرًا﴾ وقال في الخرق: ﴿لَفَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ والنكر أعظم قبحاً من
الإمر، كما تقدم.
وكان عتاب الخضر في المرة الثانية أشد، لقوله: ﴿أَلَمَّ أَقُل لَّكَ﴾ وزيادة
﴿لَّكَ﴾ لزيادة التأنيب والتقريع على عدم الصبر في المرة الثانية.
ويأتي تمام القصة وما يستنبط منها في الجزء التالي بمشيئة الله.
تمّ الجزء الخامس عشر ولله الحمد

٠٠

بِشْرِ ال ◌َ الرّحيم
النَّفُِّ المُسْرُ
في العقيدة والشريعة والمنج
المُجْزُ السَّلِ عَبْ

٣٣١
الجُزْءُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
تتمة قصة موسى مع الخضر
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (١٥) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن
شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا ﴿ فَأَنَطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ
قَرْبَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
فَأَقَامَةِّ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَّ
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ
سَأَنِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا (®
يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ فَأَرَدِتُ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا
وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا ﴿ فَأَرَدْنَآ أَنْ
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُهْمًا (َ
يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَِحًا فَأَرَدَ رَبُّكَ أَن
يَبْلُغَآ أَشْدَهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَْ وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ
تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا
القراءات:
﴿مَعِىَ صَبْرًا﴾:
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون (معيَ صبراً).
﴿لَّئُنِ﴾.
وقرأ نافع (لَدُنِي).
(شِئْتَ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شيت).

٣٣٢
اِلُعُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ٧٥-٨٢
﴿ لَنَّخَذْتَ﴾
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (لَتَخِذْتَ).
{يُبْدِلَهُمَا﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (يُبَدَِّما).
وقرأ ابن عامر (رُُماً).
الإعراب:
﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرئ ﴿لَنَّخَذْتَ﴾ بالتشديد، وبالتخفيف.
(لَتَخَذْت). وأدخل اللام على الفعل الذي هو جواب ﴿لَوْ﴾.
﴿مِن لَُّنِ﴾ بالتشديد والتخفيف. وكذا ﴿أَن يُبْدِلَهُمَا﴾ بالتشديد
والتخفيف.
﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ﴾ إضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف
على الاتساع. والإضافة في ﴿وَيَيْنِكَ﴾ إضافة (بَيْنِ) إلى غير متعدد: سوغها
تكراره بالعطف بالواو.
﴿غَصْبًا﴾ منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ ﴿ذَكَوَةً﴾ ﴿رُحْمًا﴾
منصوبان على التمييز.
﴿رَحْمَةُ مِّن رَّبِّكْ﴾ مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ﴾ ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ لف ونشر مرتب بعد ذكر
ركوب السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار.

٣٣٣
اِلُعُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ٧٥-٨٢
﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي صالحة، لدلالة ﴿أَعِبَهَا﴾ عليه،
وكذا ﴿ وَأَمَّا اُلْغُلَمُ﴾ حذف منه لفظ الكافر، لدلالة قوله تعالى: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ
مُؤْمِنَيْنِ﴾.
﴿ أَبَوَاهُ﴾ أي أبوه وأمه، بطريق التغليب.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ استعارة؛ لأن الإرادة من صفات العقلاء، وإسنادها
إلى الجدار استعارة ومجاز.
﴿فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِيَهَا﴾ و﴿فَأَرَدْنَآَ﴾ و﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾: أسند ما ظاهره شر
لنفسه، وأسند الخير إلى الله تعالى، على سبيل الأدب مع الله تعالى.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ زاد ﴿لَّكَ﴾ هنا على ما تقدم لعدم العذر بعد التنبيه، ووسماً
له بقلة الثبات والصبر، مع سبق التذكير أول مرة، فاحتاج إلى الإنكار عليه
بما هو أشد مرة ثانية ﴿عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي إن سألت صحبتك بعد هذه المرة
﴿فَلَا تُصُحِبْنِّ﴾، أي لا تجعلني صاحباً ﴿فَدْ بَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾ أي قد
وجدتَ عذراً من قِبَلي، لما خالفتُك ثلاث مرات، في مفارقتك لي.
﴿أَهْلَ قَرْبَةٍ﴾ هي أنطاكية، كما روي عن ابن عباس، أو الأبلّة: أبلة
بصرة، أو الناصرة، والواقع لا دليل يوثق به على صحة تعيين القرية.
﴿أَسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ طلبا منهم الطعام بضيافة ﴿أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي ينزلوهما
أضيافاً، مأخوذة من ضيَّفه وقرئ: (يُضِفُوهما) مأخوذ من أضافه، أي أنزله
ضيفاً.
﴿جِدَارًا﴾ حائطاً ﴿يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ يداني أو يقرب أن يسقط لمیلانه،
فاستعيرت الإرادة للمشارفة، كما استعير لها الهم والعزم ﴿فَأَقَامَةٌ﴾ الخضر
بعمارته، أو بعمود عمده به، وقيل: مسحه بيده فقام كما روي عن ابن

٣٣٤
الُزُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
عباس، وقيل: نقضه وبناه، وهو الشائع. ﴿لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ جُعْلاً، حيث
لم يضيفونا، مع حاجتنا إلى الطعام، وهو تحريض على أخذ الجعل للارتفاق
والانتعاش به، وتعريض بأنه فضول واشتغال بما لا يعنيه.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ﴾ أي قال له الخضر: هذا وقت الفراق بيني وبينك
﴿سَأُنِبِتُكَ﴾ قبل فراقي لك ﴿لِمَسَكِينَ﴾ عشرة ﴿يَعْمَلُونَ فِ اَلْبَحْرِ﴾ يعملون بها
مؤاجرة لها، طلباً للكسب ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكٌ﴾ أمامهم الآن، أو خلفهم إذا
رجعوا عليه، وكان رجوعهم عليه، واسمه: جلندى بن كركر، أو منوار بن
جلندى الأزدي، وهو ملك كافر ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة ﴿غَصْبًا﴾ من
أصحابها، منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ.
﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ أن يغشاهما ﴿طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ لنعمتهما بعقوقه،
فيلحقهما شراً، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد
مؤمنان وطاغ كافر، أو يصيبهما بالعدوى فيرتدا بإضلاله، جاء في حديث
مسلم: ((طبع كافراً، ولو عاش لأرهقهما ذلك، لمحبتهما له، يتبعانه في ذلك))
قيل: اسم المقتول: خيسور.
﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً﴾ أي صلاحاً وتقى ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أقرب منه رحمة، وهي
البر بوالديه، فأبدلهما تعالى فتاة تزوجت نبياً، فولدت نبياً، فهدى الله تعالى به
أمة.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُمٍ كَفْرٌ لَّهُمَا﴾ الكنز: المال المدفون من ذهب وفضة ﴿وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾ كان أبو الغلامين تقياً صالحاً، فأكرمهما الله بصلاحه في
أنفسهما ومالهما. قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء،
واسمه كاشح ﴿أَنْ يَبْلُغَآ أَشْدَهُمَا﴾ أي إيناس الرشد، وكمال الرأي، قيل:
اسمهما: أصرم وصريم ﴿رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَ﴾ أي مرحومين من ربك، وهو
مفعول لأجله، عامله: أراد ﴿وَمَا فَعَلَنُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ أي ما فعلت ما ذكر من

٣٣٥
الجُزءُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، باختياري، بل بأمرٍ وإلهامٍ من
الله ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ أي تستطع، يقال: اسطاع واستطاع بمعنى أطاق، فجمع
بین اللغتين.
المناسبة:
الكلام واضح الصلة بما قبله، فهو في قصة موسى عليه السلام مع الخضر
الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى النبي، كما أنه تعالى أعطى موسى من
العلم ما لم يعلِّمه الخضر. وهذا أي قتل الغلام هو الحادث الثاني بعد خرق
السفينة الذي اختبر فيه الخضر صبر موسى، ولم يصبر؛ لمخالفته ظاهر شريعته؛
لأن القتل لا يكون إلا لأجل القصاص بالنفس، مع أنه قد يكون لسبب آخر.
التفسير والبيان:
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (١٥) أي قال الخضر
لموسى الذي خالف الشرط: ألم أخبرك أنك لا تتمكن من احتمال ما أفعله،
ولن تسكت على ما أقوم به. ويلاحظ أنه زاد هنا لفظ ﴿لَك﴾ على ما سبق؛
لأن سبب العتاب أوضح وأقوى بعد التذكير المتقدم، وتكرر المخالفة من موسى
للعهد أو الشرط الذي التزمه، وإن كان قتل الغلام الوضيء الجميل الحسن
الذي كان يلعب مع الغلمان في قرية أعظم جرماً وأقبح من خرق السفينة، لذا
قال موسى: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ والنكر أعظم من (الإمر) في القبح. وهذا
إشارة إلى أن قتل الغلام أقبح من خرق السفينة؛ لأن إتلاف النفس أخطر من
إتلاف المال.
فاعتذر موسى عليه السلام بقوله :
﴿قَالَ إِن سَأَلَُّكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّهُنِ عُذْرًا
٧٦
أي قال موسى للخضر: إن اعترضت على شيء يحدث بعد هذا الفعل، أو هذه

٣٣٦
الجزءُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
المرة، فلا تجعلني صاحباً لك، قد أعذرتَ إلي مرة بعد مرة، حيث أكون قد
خالفتك إلى الآن مرتین. وهذا كلام نادم شديد الندامة.
روى ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال: كان النبي ◌َّ إذا ذكر أحداً، فدعا
له، بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: ((رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع
صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: ﴿إِن سَأَلْنُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِّ
قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا﴾)) .
والحادث الثالث هو:
﴿فَأَنَطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي
فانطلق الخضر وموسى يمشيان بعد المرتين الأوليين، حتى إذا وصلا إلى قرية،
طلبا من أهلها إطعامهما وسد جوعتهما، فرفضوا ذلك وأبوا أن يعطوهما ما
هو حق واجب عليهم من الضيافة. وهذا إخلال بالمروءة، واتصاف بالبخل
والشح، وتلك القرية هي أنطاكية.
﴿فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَقَامَةُ﴾ أي وجد الخضر وموسى في
تلك القرية حائطاً آيلاً إلى السقوط، فردّه الخضر كما كان، جاء في الحديث
الصحيح: ((أنه مسحه بيده فإذا هو قد استقام)). وهذا من كراماته.
وإسناد الإرادة هنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة كما تقدم، فإن الإرادة
في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض: هو السقوط، والأول من أفعال
العقلاء والثاني من خواص الجمادات ونحوها.
فعند ذلك قال موسى للخضر:
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي قال موسى للخضر: ليتك تطلب
أجرة على إقامة الجدار وإصلاحه، فإنه نظراً لأنهم لم يضيفونا، كان ينبغي ألا
تعمل لهم مجاناً، فأجابه الخضر:

٣٣٧
الجُزْءُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
١٧٨
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَّ سَأُنِنْكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا
أي قال الخضر لموسى عليهما السلام: هذا الإنكار أو الاعتراض المتكرر
سبب الفراق بيننا أو المفرّق بيننا، بحسب الشرط الذي قبلته على نفسك، فقد
قلت بعد قتل الغلام: ﴿ إِن سَأَلَئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِّ﴾. وسأخبرك
بتفسير وبيان وجه الأفعال التي أنكرتها، ولم تطق صبراً عليها، وهي خرق
السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وهذا عتاب ولوم على عدم الصبر. ثم
ذكر الخضر سبب ما أقدم عليه من الأمور الثلاثة:
اً - ﴿أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ فَأَرَدِتُ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ
وَرَآءَ هُمْ مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (®﴾ أي إن السفينة التي خرقتها لأعيبها،
فكانت مملوكة لضعفاء أيتام ليس لهم شيء ينتفعون به غيرها، ولا يقدرون
على دفع من أراد ظلمهم، وكانوا يُكْرون تلك السفينة لركاب البحر،
ويأخذون الأجرة، فأردت بخرقها ونزع لوح منها أن أعيبها؛ لأنه كان أمامهم
ملك جبار ظالم يستولي على كل سفينة صالحة غير معيبة، ويغتصبها ظلماً
وعدواناً دون وجه حق، فكان عملي حماية لهذه السفينة لأصحابها الضعفاء،
فأنا لم أعمل سوءاً، وإنما ارتكبت أخف الضررين لدفع أعظمهما.
روى ابن جريج عن شعيب الجبائي: ((أن اسم ذلك الملك هدد بن بدد))
وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق.
ويلاحظ أن المراد بقوله: ﴿وَرَآءَ هُمْ﴾ أمامهم، كقوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآبِهِمْ
[الجاثية: ١٠/٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:
٧٦ /٢٧] .
◌َّ - ﴿ وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا
﴾ أي وأما الولد الغلام الذي قتلته، وكان اسمه شمعون أو حيشور أو
حَيْسون، فإنه كان كافراً، وقد أطلعني الله على مستقبله، وكان أبواه مؤمنين،

٣٣٨
الُعُ (١٦) - الكَهْف: ١٨ / ٧٥-٨٢
فخشينا إذا صار كبيراً أن يحملهما حبه على متابعته في الكفر والوقوع في الظلم
والعصيان والمنكرات؛ لأن حب الولد غريزة. وهذا من قبيل سد الذرائع
وفتحها، فإن كل ما كان وسيلة إلى المصلحة فهو مصلحة.
قال قتادة: قد فرح به أبواه حين وُلد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي
لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره
خير له من قضائه فيما يجب. وصح في الحديث: ((لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا
كان خيراً له)) وقال تعالى: ﴿وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:
٢١٦/٢] .
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴿4﴾ أي قال الخضر
العالم: فأردنا أن يرزقهما الله بدل هذا الولد ولداً خيراً منه ديناً وصلاحاً
وطهارة من الذنوب، وأقرب رحمة لوالديه، وعطفاً عليهما، وبراً بهما وشفقة
عليهما. ويلاحظ أن الغلام يشمل البالغ والصغير، ويرى الجمهور أن هذا
الغلام لم يكن بالغاً، لذا قال موسى: نفساً زكية أي لم تذنب. وقال الكلبي:
كان بالغاً.
◌َ - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِىِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزُ لَّهُمَا
وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَِحًا فَأَرَدَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن
رَّيِّكْ﴾ أي وأما الحائط الذي أصلحته، فكان لولدين صغيرين يتيمين في قرية
هي أنطاكية، وكان تحته كنز، أي مال جسيم مدفون، وكان أبوهما وهو الأب
السابع رجلاً صالحاً، فأراد الله إبقاء ذلك الكنز (وكان مالاً) مدفوناً حفظاً
لمالهما، ولصلاح أبيهما، فأمرني ربي بإصلاح ذلك الحائط، إذ لو سقط
لاكتشف وأخذ، وأراد الله أن يبلغ الغلامان كمالهما وتمام نموهما،
ويستخرجا الكنز من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، رحمة لهما، بصلاح
أبيهما. والمراد بالمدينة هي القرية المذكورة سابقاً: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ فَرْبَةٍ﴾

٣٣٩
اِلُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
وهو دليل على إطلاق القرية على المدينة. والظاهر أن الغلامين كانا صغيرين
بقرينة وصفهما باليتم، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود عن
علي: ((لا يُتم بعد احتلام)) .
ويلاحظ أنه هنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر
عليه إلا الله. وأما في السفينة، فأسند الفعل إلى الخضر العالم، فقال تعالى:
﴿ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِيَهَا﴾ كما أن الأدب يقضي إسناد الخير إلى الله، والشر إلى العباد.
﴿ وَمَا فَعَلَّئُهُ عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي إن ما فعلته
من الأمور الثلاثة لم يكن باجتهادي ورأيي، ولكنه بأمر الله وإلهامه ووحيه،
فالإقدام على ذلك كله من الاعتداء على المال والنفس وإصلاح الجدار، وهو
لا يكون إلا بالوحي والنص القاطع.
وذلك المذكور هو تفسير ما ضاق صبرك عنه، ولم تطق السكوت عنه، ولم
تصبر حتى أبيِّن لك السبب والحكمة فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن الأحداث الثلاثة التي فعلها الخضر كانت من قبيل اختيار أهون
الشرَّيْن، وأخف الضررَيْن، وتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وهو
معنى قوله تعالى: ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ﴾، فهي وإن كانت مستنكرة في الظاهر،
وحَقَّ لموسى عليه السلام إنكارها والاعتراض عليها، فهي خير في الحقيقة
والواقع، وذلك لا يتسنى لأحد ادعاؤه بغير وحي صريح، وأحكام العالم
والنبي في غير حال الوحي تنبني على ظواهر الأمور، وفي حال الوحي تنبني
على الأسباب الحقيقية الواقعية.
والوحي لا يحصل إلا لنبي أو رسول، والجمهور كما تقدم على أن الخضر

٣٤٠
الْجُرُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
كان نبياً؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ يدل على نبوته؛ لأن
بواطن الأفعال لا تكون إلا بوحي؛ ولأن الإنسان لا يتعلم ولا يتّبع إلا من
فوقه، وليس فوق النبي من ليس بنبي.
ويرى آخرون أن الخضر لم يكن نبياً، وقد يوجد في المفضول ما ليس في
الفاضل. قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال: كان نبياً؛ لأن إثبات النبوة
لا يجوز بأخبار الآحاد، وهذا هو المحقق في كتب العقائد، والمراد بقوله:
﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ الإلهام وليس الوحي.
أَ - إن ترك الضيافة المندوبة شرعاً من المستقبح عرفاً وعقلاً وشرعاً، وقد
تصبح أمراً واجباً في حال تعرض الجائع للهلاك، ولعل موسى والخضر
عليهما السلام كانا في حالة جوع شديد، وإن لم يبلغا حد الهلاك، مما سوغ
الغضب الشديد لدى موسى.
◌َّ - قوله تعالى: ﴿أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ دليل على جواز سؤال القوت، وأن
من جاع وجب عليه أن يطلب ما يسد جوعه، والاستطعام: سؤال الطعام،
والمراد به هنا سؤال الضيافة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْاْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ فاستحق
أهل القرية لذلك أن يُذَمُّوا، وينسبوا إلى اللوم والبخل، كما وصفهم بذلك
نبينا عليه الصلاة والسلام. قال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف
الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه. ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت
عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة. وهذا
هو الأليق بحال الأنبياء، ومنصب الفضلاء والأولياء.
٤ - إن ضرر المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة جدار أقل من
سقوطه؛ لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام، وفيه ضرر شدید.
وتسوية الجدار تمت بإعادة بنائه، ذكر ابن الأنباري عن ابن عباس عن أبي
بكر عن رسول الله وَ لل أنه «قرأ: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ ثم قال: