Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
الجُزُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٥٠-٥٣
والذي ثبت في هذا الموضوع ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين
عن سلمان قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تكن أول من يدخل السوق ولا
آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان وفرَّخ)) قال القرطبي: وهذا يدل على
أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم.
٥- لم يستعن الله تعالى بأحد في خلق السماوات والأرض، ولم يكن أحد
موجوداً عند الخَلْق، ولم يشهد المشركين وإبليس وذريته الخَلْق، أي لم
يشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقهم على ما
أراد، ولا يصلح المخلوقون اتخاذهم أولياء من دون الله تعالى.
وهذا رد على طوائف من المنجِّمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء
وسواهم وكل من يخوض في هذه الأشياء.
كذلك لم يتخذ الله تعالى المضلين عضداً، أي لم يتخذ الشياطين والكفار
أعواناً؛ لأنه تعالى لا يحتاج إلى عون أحد. وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم
والتوبيخ.
٩- هناك حاجز بين المؤمنين والكافرين، وبين المشركين وآلهتهم المزعومة
من الأوثان وغيرها يوم القيامة، فلا ينتفع الكفار بمن أشركوا، ولا يتمكنون
من منع العذاب عنهم، والكل هالكون في جهنم.
لاً- إذا عاين المشركون النار ظنوا أي تيقنوا أنهم مجتمعون فيها وواقعون
فيها، ولا يجدون عنها مَصْرِفاً، أي مَهْرَباً؛ لإحاطتها بهم من كل جانب.
ورجح الرازي في تفسير الظن: أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان
بعيد، فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة؛ لشدة ما
يسمعون من تغيظها وزفيرها، كما قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ
﴾ [الفرقان: ١٢/٢٥].
لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا
٣٠٢
الُعُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٥٤-٥٩
بيان القرآن ومهمة الرسل وظلم المعرض عن الإيمان
وسبب تأخير العذاب لموعد معين
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ
شَىْءٍ جَدَلاً ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ
) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا
أَنْ تَأْنِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلَّ (@)
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَّ وَيُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُوْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَّخَذُوَاْ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكِّرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا
٥٦
ءَيَتِى وَمَآ أُنذِرُوْ هُوًّا (
قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَاً وَإِن نَدْعُهُمْ
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا
إِلَى الْهُدَىْ فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا
كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابُّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا
٥٨
٥٩
وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا
القراءات:
﴿ اَلْقُرْءَانِ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران).
﴿قُبُلًا﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (قِبَلاً).
﴿هُزُوًا﴾: قرئ:
١- (هُزُواً) وهي قراءة حفص.
٢- (هُزْءاً) وهي قراءة حمزة وصلاً، وخلف في الحالين.
٣٠٣
الُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٥٤-٥٩
٣- (هُزُؤاً) وهي قراءة الباقين.
(يُؤَاخِذُهُم):
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (يواخذهم).
﴿لِمَهْلِكِهِم﴾:
قرأ حفص (لَهْلِكِهِم).
وقرأ شعبة (لِمَهْلَكِهم).
وقرأ الباقون (لُهْلَكِمْ).
الإعراب:
﴿حَدَلًا﴾ تمييز منقول من اسم (كان)، والمعنى: وكان جدل الإنسان أكثر
شيء فیه.
{قُبُلًا﴾ جمع قبيل، حال، أي ويأتيهم العذاب قبيلاً قبيلاً. وقيل: معناه
مقابلة، وهو معنى قراءة (قِيلاً) - بكسر القاف.
﴿وَمَآ أُنْذِرُواْ﴾ (ما): مصدرية بمعنى إنذارهم في موضع نصب عطفاً على
﴿ءَايَتِى﴾، أي: واتخذوا آياتي وإنذاري إياهم هزواً. و﴿هُزُوًا﴾: مفعول ثانٍ
لاتخذوا. ويجوز أن تكون (ما) موصولة وعائد الصلة محذوف.
﴿ وَتِلْكَ اُلْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ﴾ (تلك): مبتدأ، و﴿اٌلْقُرَىّ﴾: صفة
لتلك، و﴿أَهْلَكْنَهُمْ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِمَهْلِكِهِم﴾ وقرئ: مُهْلَك، ومَهْلَك،
ومَهْلِك، الأول مصدر أهلك مثل مُكْرَم، والثاني مصدر هَلَك مثل مَضْرَب،
والثالث اسم زمان، أي لوقت مَهْلكهم.
البلاغة:
﴿مُبَشِرِينَ﴾ ﴿ وَمُنْذِرِينَ﴾ بينهما طباق.
٣٠٤
لِلُحُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٥٤-٥٩
المفردات اللغوية:
﴿صَرَّفْنَا﴾ بَيَّنا مع الترداد والتكرار. ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ صفة لمحذوف، أي
مثلاً من جنس كل مثل، ليتعظوا، والمثل: الصفة الغريبة . ﴿الإِنسَنُ﴾ جنس
الإنسان، وخاصة الكافر ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ خصومة
بالباطل، وشيء هنا مفرد معناه الجمع، أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها
الجدال . ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي كفار مكة ونحوهم. ﴿أَن يُؤْمِنُواْ﴾ مفعول ثان
لمنع. ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى﴾ القرآن. ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ فاعل تأتيهم، أي سنتنا
فيهم، وهي الإهلاك المقدر عليهم، وهو عذاب الاستئصال، فحذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامه . ﴿قُبُلًا﴾ جمع قبيل، أي أنواعاً وألواناً، وقرئ
(قبلاً) أي مقابلة وعياناً، كالقتل يوم بدر.
﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين. ﴿ وَمُنذِرِينَ﴾ مخوفين للكافرين. ﴿ وَتُحَدِلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ﴾ بقولهم: أبعث الله بشراً رسولاً ونحوه من اقتراح الآيات.
﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ ليبطلوه ويزيلوه، مأخوذ من إدحاض القدم أي إزلاقها
وإزالتها عن مكانها، ويقال: دَحَضَتْ حجته: بطلت ﴿ وَأَّخَذُوَاْ ءَيَتِ﴾ يعني
القرآن. ﴿ وَمَآ أُنْذِرُواْ﴾ أي وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب. ﴿هُزُوَا﴾
استهزاء وسخرية، وأصله: هزؤاً.
﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتدبرها ولم يتذكر بها. ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ ما عمل
من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتها . ﴿أَكِنَّةً﴾ أغطية، جمع كِنان، وهو
تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم . ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أن
يفهموه، أي كراهة أن يفقهوه، أو من أن يفهموا القرآن، أي فلا يفهمونه.
وتذكير الضمير وإفراده مراعاة للمعنى . ﴿وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي ثقلاً في
السمع، يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه، أو فلا يسمعونه . ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوَأ
إِذَا أَبَدًا﴾ أي بالجعل المذكور صار ميئوساً من اهتدائهم؛ لأنهم لا يفقهون ولا
يسمعون، ولشدة تصميمهم، و﴿إِذَا﴾: جزاء وجواب للرسول وَل﴿ِ، فدلَّ على
٣٠٥
الزُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٥٤-٥٩
انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول ومثله، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب
وجود الاهتداء سبباً في انتفائه، و﴿أَبَدًا﴾ مدة التكليف كلها.
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ في الدنيا. ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ﴾ فيها. ﴿مَّوْعِدٌ﴾ هو يوم
القيامة. ﴿مَوْيِلًا﴾ ملجأً ومنجى. ﴿ وَتِلْكَ اُلْقُرَىّ﴾ أي أهلها وهي قرى
عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم. ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ كفروا كقريش بالتكذيب والمراء
وأنواع المعاصي. ﴿لِمَهْلِكِهِم﴾ هلاكهم، ومن قرأ بضم الميم وفتح اللام
فمعناه لإهلاكهم .﴿مَّوْعِدًا﴾ وقتاً معلوماً، لا يستأخرون عنه ساعة ولا
يستقدمون، فليعتبروا بهم، ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الجواب على شبهات الكفار المبطلين الذين افتخروا
على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، أردف ذلك ببيان كثرة الأمثال في
القرآن لمن تدبر فيها، ومع تلك الأمثلة الواقعية والإجابات الشافية، هؤلاء
الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة؛ لأن الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها
الجدال، ثم هددهم تعالى على عدم الإيمان متسائلاً: هل هناك مانع يمنعهم من
الإيمان إلا نزول عذاب الاستئصال، أو مجيئه عياناً؟ وأبان أن مهمة الرسل
هي الجدال في الدين من طريق تبشير المؤمنين بالجنان وإنذار العصاة بالنار،
وأوضح أن أشد الناس ظلماً هو المعرض عن هداية القرآن، ولله الفضل
العظيم في تأخير العقاب عن الناس، وتخصيصه بموعد، لا يتجاوزه، لعلهم
يثوبون إلى رشدهم.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي ولقد بيَّنا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم كل ما
٣٠٦
الْجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٥٤-٥٩
يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، كي يعرفوا طريق الحق والهدى، ولا
يضلوا عنه. وتصريف الأمثال يقتضي التكرار لمختلف وجوه البيان.
﴿وَكَنَ آلْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ أي ومع هذا البيان الشافي والتوضيح
الكافي، فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا
من هدى الله وبصره لطريق النجاة.
وهذا دليل على كثرة الجدال في الإنسان وحبه له، لسعة حيلته، وقوة
ذكائه، واختلاف نزعاته وأهوائه.
وبالرغم من بيان القرآن، وكثرة ما يشاهده الكفار من الآيات والدلالات
الواضحات، فإنهم قوم متمردون منذ القديم، فقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ
يُؤْمِنُواْ﴾ أي وما منع المشركين من أهل مكة من الإيمان بالله، حين شاهدوا
البينات والأدلة الواضحة على وجود الله وتوحيده، واستغفار ربهم والتوبة إليه
من ذنوبهم إلا طلبهم أحد أمرين:
إما أن تأتيهم سنة الأولين القدماء من إحاطة العذاب بهم وإبادتهم وهو
عذاب الاستئصال، كما قال جماعة لنبيهم: ﴿أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/٢٩] وقالت قريش: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ
اُلْحَقَ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمِ﴾
[الأنفال: ٨/ ٣٢] .
وإما أن يروا العذاب عياناً مواجهة ومقابلة.
والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال
فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا(١).
(١) تفسير الرازي: ١٤١/٢١
٣٠٧
لُعُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٥٤-٥٩
وقال في الكشاف: وما منع الناسَ الإيمانَ والاستغفارَ إلا انتظار أن تأتيهم
سنة الأولين وهي الإهلاك، أو انتظار أن يأتيهم عذاب الآخرة قُبُلاً أي
عياناً(١).
ومجيء العذاب بيد الله لا من قبل الرسول، لذا قال تعالى:
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ أي إن مهمة الرسل إما تبشير
من آمن بهم بالثواب على الطاعة، وإما إنذار من كذبهم وخالفهم بالعقاب على
المعصية لكي يؤمنوا طوعاً.
ومع هذه الأحوال يوجد الجدال بالباطل من الكفار لدحض الحق، فقال
تعالى مخبراً عنهم:
﴿ وَبُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ويجادل الكفار
جدالاً بالباطل لا بالحق، ليضعفوا بجدالهم الحق، الذي جاءتهم به الرسل،
وليس ذلك بحاصل لهم، فهم يقترحون الآيات بعد ظهور المعجزات،
ويقولون للرسل: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ لَأَنَزَلَ مَلَئِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤/٢٣].
﴿ وَأَتَّخَذُوْ ءَنِى وَمَآ أُنْذِرُواْ هُوًا﴾ أي اتخذوا آيات الله وهي القرآن والحجج
والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به
من العذاب هزواً أي استهزاء وسخرية، وهو أشد التكذيب، وكل ذلك يدل
على استيلاء الجهل والقسوة.
وبعد أن حكى الله تعالى عن الكفار جدالهم بالباطل، وصفهم بعده
بالصفات الموجبة للخزي والخذلان، فقال:
(١) الكشاف: ٢/ ٢٦٣
٣٠٨
الجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٥٤-٥٩
الصفة الأولى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ بِتَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي لا
أحد أظلم ممن أعرض عن آيات الله، ونسي ما قدم من الكفر والمعصية، أو
لا ظلم أعظم من كفر من يشاهد الآيات والبينات الدالة على الحق والإيمان،
ثم يعرض عنها، ومع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما
قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة، وعلى رأسها الكفر بالله،
والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم.
الصفة الثانية:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي وعلة
إعراضهم ونسيانهم بسبب جعل أغطية وغشاوة على قلوب هؤلاء، لئلا
يفهموا هذا القرآن والبيان، وجعْل صمم معنوي في آذانهم عن الرشاد وسماع
الحق وتدبره.
﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ أي وإن دعوت يا محمد
هؤلاء إلى دعوة الحق والهداية والاستقامة، فلن تجد منهم استجابة، ولن
يهتدوا بهديك هدي القرآن أبداً مهما قدمت من الدلائل وتأملت الخير منهم.
وذلك كله لفقدهم الاستعداد لقبول الإيمان والرشاد، بما أصروا عليه من
الكفر والعصيان، كما جاء في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
قُلُوبِهِمْ
اُللَّهُ عَلَ
خَتَـ
﴾ [المطففين: ١٤/٨٣] وقوله:
١٤
وَعَلَى سَمْعِهِمَّ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [البقرة: ٧/٢].
وهذه الآيات هي في قوم علم الله أنهم سيموتون على الكفر من مشركي مكة.
ثم ذكر الله تعالى ما يتصف به من رحمة وحلم وإرجاء للعقاب عن العصاة،
وأنه لا يعجل لهم العذاب، تاركاً الفرصة لهم ليتوبوا، فقال:
٣٠٩
الْخُرُ (١٥) - الكَهْفِتَ: ١٨ / ٥٤-٥٩
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾
أي وربك يا محمد غفور ستّار، ذو رحمة واسعة، لو يؤاخذ الناس فوراً بما
كسبوا من السيئات واقترفوا من الخطيئات، لعجل لهم العذاب في الدنيا، على
وفق أعمالهم. والغفور: البليغ المغفرة، فهي صيغة مبالغة، وذو الرحمة:
الموصوف بالرحمة.
ونظير الآية قوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى
ظَهْرِهَا مِن دَآبَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥] وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَّذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى
ظُلْمِهِمٌّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦/١٣].
ثم استشهد تعالى بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال، مع
إفراطهم في عداوة رسول الله وَله، فقال:
﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْيِلًا ﴾ أي إن الله أراد غير ذلك من
تعجيل العذاب، وجعل للعذاب موعداً حدده وهو إمّا يوم القيامة، وإما في
الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح، لن يجدوا عنه ملجأ ومنجىّ، وليس له
محيد ولا معدل عنه، والخلاصة: إن تأخير العقاب أو العذاب إمهال لا
إهمال.
وشاهد آخر: ﴿ وَتِلْكَ اُلْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَمُواْ﴾ أي وتلك القرى،
أي أهلها من الأمم الغابرة، كعاد وثمود ومدين وقوم لوط، أهلكناهم لما
ظلموا بسبب كفرهم وعنادهم، وجعلنا لهلاكهم موعداً لا محيد عنه، ومدة
معلومة لا تزيد ولا تنقص، أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم
ما أصابهم، فقد كذبتم رسولكم، ولستم بأعز علينا منهم. والمهلك: الإهلاك
أو وقته، والموعد: وقت أو مصدر. والمراد: إنا عجلنا هلاكهم، ومع ذلك
حددنا له وقتاً، رجاء أن يتوبوا.
٣١٠
الُعُ (١٥) - الكَهْفِظ: ١٨ / ٥٤-٥٩
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات المبادئ التالية:
اً - بيان القرآن من دلائل الربوبية والوحدانية ومن العبر والقرون الخالية
بیان ضافٍ وافٍ محقق لغاية الاهتداء به على أكمل وجه.
أَ- الإنسان وبخاصة الكافر كثير الجدال والمجادلة لطمس معالم الحق،
والإبقاء على ما ارتضاه لنفسه من اتباع الأهواء، وتقليد الأسلاف والآباء،
واحتضان الكفر، والاحتفاظ بالزعامة الدنيوية والمكاسب المادية.
٣ - الإنسان قاصر النظر غالباً، فما منع الناس بعد مجيء القرآن والإسلام
ومحمد عليه الصلاة والسلام عن الإيمان واستغفار ربهم والإنابة إليه إلا معاينة
أحد الأمرين: الإتيان بما هو عادة الأولين في عذاب الاستئصال، ومعاينة
العذاب، كما طلب المشركون فعلاً، وقالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ
اَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[الأنفال: ٣٢/٨] . أو مجيء العذاب عِياناً مواجهة.
٤ - إن مجيء العذاب بيد الله وحده على وفق ما يرى من الحكمة والعدل،
وأما الأنبياء المرسلون فمهمتهم التبشير بالجنة لمن آمن، والتخويف بالعذاب
لمن كفر، ومع كل هذه الدلائل الهادية إلى الرشاد يجادل الكفار بالباطل
لدحض الحق وهو الإيمان بالله وبقرآنه، والإبقاء على مهازل الكفر وأباطيله،
واتخاذ القرآن وما أنذروا به من الوعيد هزواً أي لعباً وباطلاً.
٥- لا أحد أظلم ممن وعظ بآيات ربه، فتهاون بها وأعرض عن قبولها،
وترك كفره ومعاصيه، فلم يتب منها، فالنسيان بمعنى الترك.
٦- علم الله من قوم معينين من أهل مكة ونحوهم أنهم لن يؤمنوا، فأخبر
تعالى عنهم أنه منعهم من دخول الإيمان في قلوبهم وأسماعهم، فلن تفلح معهم
٣١١
الُرُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٥٤-٥٩
بعدئذ دعوة النبي وَلّه إلى الإيمان، ولن يهتدوا أبداً إليه، لإصرارهم على
الكفر، وفقدهم الاستعداد لقبول الهداية.
٧- من صفات الله تعالى أنه الغفور لذنوب عباده، الرحيم بهم إن آمنوا
وتابوا وأنابوا إليه، بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤].
ومن رحمته ألا يعجل المؤاخذة أو العقاب على الكفر والمعاصي، ولكنه
يمهل ويؤخر، رجاء أن يتوب العباد، ويجعل للعذاب موعداً أي أجلاً مقدراً
يؤخرون إليه، كما قال: ﴿لِكُلِّ نَبَكرِ مُسْتَقَرٌ﴾ [الأنعام: ٦٧/٦] وقال: ﴿لِكُلِّ
أَجَلِ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨/١٣] أي إذا حلَّ لم يتأخر عنهم، إما في الدنيا وإما
في الآخرة، ولا ملجأ ولا منجى للناس حينئذ من ذلك العذاب.
.٨- أهلك الله تعالى جماعة من أهل القرى الغابرة للعبرة والزجر نحو قرى
عاد وثمود ومدين وقوم لوط، لما ظلموا وكفروا، وجعل لهلاكهم وقتاً معلوماً
وأجلاً محدداً لا يتجاوزوه.
٣١٢
لُحُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٦٠-٧٤
قصة موسى عليه السلام مع الخضر
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنُهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ سَرَبًا
حُقُبًا
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَمُهُ عَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿ قَالَ أَرَءَيْتَ
إِذْ أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَةٍ وَأَتَّخَذَ
سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَ ﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَذَا عَلَىّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا
٦٤
قَالَ
٦٥
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ
لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىّ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا لَّـ
مَعِىَ صَبْرًا، ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبًْ ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ
، قَالَ فَإِنِ أُتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتََّ
اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا (9َ
) فَأَنْطَلَقَا حَتَّ إِذَا رَكِبَا فِىِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًاً
لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
فَانْطَلَقَا حَتَّ إِذَا
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُشْرًا لَّـ
لَقِيَا غُلَمًا فَقَثَلَهُ قَالَ أَقَثَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا (
القراءات:
﴿أَنْسَئِنِيهُ﴾:
قرأ حفص (أنسانيهُ).
وقرأ الباقون (أنسانيهِ).
﴿ رُشْدًا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رَشَداً).
٣١٣
لُجُرُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٦٠-٧٤
﴿مَعِىَ صَبْرًا﴾:
قرأ حفص (معيَ صبراً).
وقرأ الباقون (معيْ صبراً).
﴿سَتَجِدُنِىِّ إِن﴾:
وقرأ نافع (ستجدني إن).
﴿فَلَا تَسْئَلْنِى﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (فلا تَسَأَلَئِّي).
{ لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ليَغْرَق أهلُها).
﴿ نُؤَاخِذْنِ﴾:
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (تواخذني).
﴿زَكِيَّةٌ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (زاكية).
:
وقرأ نافع، وابن ذكوان (نُكُراً).
الإعراب:
﴿سَرَبًا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿فَأَخَذَ﴾ ومفعوله الأول ﴿سَبِيلَهُ﴾.
﴿أَنْ أَذَكُرَهُ﴾ أن وصلتها في موضع نصب على البدل من هاء ﴿أَنَسَئِنِيهُ﴾ أي
وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وهو بدل اشتمال. ﴿عَجَبَا﴾ مفعول ثانٍ لـ (اتخذ).
٣١٤
اِلُُّ (١٥) - الكَهْفِت: ١٨ / ٦٠-٧٤
﴿قَصَصًا﴾ منصوب على المصدر بفعل مقدَّر، دلَّ عليه ﴿فَأَرْتَدًا﴾ أي
فارتدا يقصان الأثر قصصاً. ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّهُنَا عِلْمًا﴾ مفعول ثانٍ. ﴿عَلَى أَنْ
تُعَلِّمَنِ﴾ حال من كاف ﴿أَتَّبِعُكَ﴾.
﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي، و﴿ عُلِّمْتَ﴾: جملة
فعلية صلة ((ما)) والعائد محذوف تقديره: من الذي عُلِّمته رشداً، فحذف الهاء
وهي المفعول الثاني لعلِّمت تخفيفاً، و﴿رُشْدًا﴾: المفعول الثاني لتعلِّمني.
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُطْ بِهِ، خُبْرً ﴿3﴾ ﴿وَلَيْفَ﴾: في موضع نصب
على الظرف، وعامله ﴿تَصْبِرُ﴾ و﴿ خُبْرَا﴾: منصوب على المصدر بفعل دلَّ
عليه. ﴿مَا لَ تُحِطْ بِهِ﴾ وتقديره: ما لم تخبره خُبْراً.
البلاغة:
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآَ﴾ تنكير. ﴿عَبْدًا﴾ للتفخيم، والإضافة في
عِبَادِنَا﴾ للتشريف.
﴿حُقُبًا﴾ ﴿سَرَبًا﴾ ﴿نَصَبًا﴾ ﴿عَجَبَا﴾ سجع يناسب أواخر الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ واذكر حين قال موسى بن عمران نبي بني
إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم السلام الذي كان
يتبعه ويخدمه ويتعلم منه.﴿ لَآَ أَبْرَعُ﴾ لا أزال سائراً. ﴿حَتَّىَ أَبْلُغَ مَجْمَعَ
اُلْبَحْرَيْنِ﴾ حتى أصل ملتقى بحري فارس والروم (ملتقى المحيط الهندي والبحر
الأحمر عند مضيق باب المندب) مما يلي المشرق. وقيل: إنه ملتقى بحر الروم
والمحيط الأطلسي عند طنجة (ملتقى البحر الأبيض المتوسط عند مضيق جبل
طارق أمام طنجة) . ﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ دهراً طويلاً في بلوغه إن بعُد،
والحقُّب: جمع حِقْبة وهو زمان من الدهر غير محدود، قيل: ثمانون سنة،
وقيل : سبعون.
٣١٥
الُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٦٠-٧٤
(يَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ مكان الاجتماع بين البحرين. ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ نسي
يوشع حمله عند الرحيل، ونسي موسى تذكيره . ﴿فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾
فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً مثل السرب: وهو الشق الطويل لا نفاذ
له، فصار الماء عليه كالقنطرة، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت، فصار
کالطافي علیه.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من اليوم الثاني .﴿قَالَ﴾
موسى. ﴿لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا﴾ الغداء: هو ما يؤكل أول النهار، والمراد به
هنا: الحوت . ﴿نَصَبًا﴾ تعباً وإعياء.
﴿قَالَ أَرَءَيْتَ﴾ أي تنبَّه. ﴿إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي أرأيت ما دهاني، إذ
لجأنا إلى الصخرة بذلك المكان، التي رقد عندها موسى . ﴿فَإِنِّ نَسِيتُ الحُوتَ﴾
فقدته أو نسيت ذكره . ﴿ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ أي وما أنساني
ذكره إلا الشيطان، وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه.
﴿ وَأَمَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبَا﴾ أي اتخذ الحوت طريقاً عجباً أي يتعجب منه .
موسى وفتاه.
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ قال موسى: ذلك أي فقد الحوت الذي هو الذي
كنا نطلبه، فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه. ﴿فَأَرْتَدًا﴾ رجعا. ﴿عَلَى
ءَاثَارِهِمَا﴾ أي على طريقهما الذي جاءا منه. ﴿قَصَصًا﴾ أي يقصان الطريق
قصصاً، أي يتبعان آثارهما اتباعاً، أو مقتصَيْنٍ، حتى أتيا الصخرة.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ هو في رأي الجمهور الخضر، واسمه بَلْيا بن
مَلْكَان. ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ أي ولاية، في رأي أكثر العلماء، وقيل:
وحياً ونبوة. ﴿ وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ من قبلنا معلوماً من المغيبات.
﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ على شرط أن تُعلِّمني. ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
أي تعلِّمني بعض ما علمت علماً ذا رشد، أو صواباً أرشد به، والرشد:
٣١٦
لُُ (١٥) - الكَهْفِظَ: ١٨ / ٦٠-٧٤
إصابة الخير. ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن
شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه،
فيما بعث به من أصول الدين وفروعه، لا مطلقاً. وقد راعى موسى في ذلك
الطلب للتعلم غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون
تابعاً للعبد الصالح، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله
عليه؛ لأن الزيادة في العلم مطلوبة.
﴿مَا لَّمَ تُحِطْ بِهِ، خبراً﴾ علماً بالشيء ومعرفة، ومنه الخبير: العالم بدقائق
العلم، والمعنى: ما لم تخبر حقيقته. ﴿ وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ أي وغير عاصٍ لك
أمراً تأمرني به، وقيد الوعد على الصبر بالمشيئة؛ لأنه لم يكن على ثقة من نفسه
فيما التزم، وهي عادة الأنبياء ألا يثقوا بأنفسهم طرفة عين. وفيه دليل على أن
أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى.
﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَنْ شَىْءٍ﴾ تنكره مني في علمك، أي فلا تفاتحني بالسؤال عن
شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته . ﴿حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ بياناً، أي
حتى أبتدئك ببيانه، وأذكره لك بعلته، فقبل موسى شرطه، رعاية لأدب
المتعلم مع العالم.
﴿فَأَنْطَلَقَا﴾ يمشيان على ساحل البحر . ﴿رَكِبَا فِىِ السَّفِينَةِ﴾ التي مرت بهما.
﴿خَرَقَهَا﴾ ثقبها الخضر، بأن اقتلع لوحاً أو لوحين منها من جهة البحر
بفأس، حينما سارت في ثَبَج البحر وُجه. ﴿قَالَ أَخَرَقْنَهَا﴾ قال له موسى:
﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها، المفضي إلى غرق
أهلها. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أتيت أمراً عظيماً منكراً، من أَمِرَ الأمرُ، أي
عظم وكثر، روي أن الماء لم يدخلها.
﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ بالذي نسيته أو بشيء نسيته، يعني وصيته بأن
لا يعترض عليه، وهو اعتذار بالنسيان، أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة
٣١٧
الجُزءُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٦٠-٧٤
مع قيام المانع لها .﴿ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ لا تكلفني عسراً ومشقة، في
صحبتي إياك، أي عاملني بالعفو واليسر.
﴿فَنْطَلَقَا﴾ بعد خروجهما من السفينة يمشيان. ﴿حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا﴾ لم يبلغ
الحنث، يلعب مع الصبيان، وكان أحسنهم وجهاً ﴿فَقَثَلَهُ﴾ الخضر، إما
بالذبح بالسكين، أو باقتلاع رأسه بيده بفتل عنقه، أو الضرب برأسه الحائط،
أقوال مروية. وأتى بالفاء العاطفة هنا للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير تروّ
واستكشاف حال ﴿قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسِ﴾؟ أي قال موسى مستنكراً
- وهو جواب إذا - كيف تقتل نفساً طاهرة من الذنوب، لم تبلغ حد
التكليف، وقرئ ﴿زَكِيَّةَ﴾. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بغير حق من قصاص لك
عليها ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا ثُكْرًا﴾ أي لقد ارتكبت شيئاً منكراً، والمنكر: الذي
تنكره العقول والنفوس.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله قصة أصحاب الكهف لإثبات قدرته على البعث، وذكر
أمثلة ثلاثة لتقرير حقيقة أن الحق والعزة والعلو لا ترتبط بكثرة المال
والسلطان، وإنما بالعقيدة والإيمان، ليدرك تلك الحقيقة المشركون الذين
افتخروا على فقراء المؤمنين، وأبوا مجالستهم، بعد هذا أردف الله تعالى بقصة
ثانية هي قصة موسى مع الخضر، ليتعلم منه العلم، وذلك ليفهم المشركون أن
موسى النبي كليم الله مع كثرة علمه وعمله، أُمِرَ أن يتعلم من العبد الصالح
الخضر، مما يدل على أن التواضع خير من الکثر.
قصة موسى والخضر في السنة النبوية:
روى البخاري ومسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله وله
أنه قال: ((إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسُئل، أي الناس أعلم؟
٣١٨
الجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٦٠-٧٤
فقال: أنا، فَعَتب الله عز وجل عليه، إذْ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن
لي عبداً بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا ربّ، فكيف لي به؟
قال: تأخذ حوتاً، فتجعله في مِكْتل (قفة) فحيثما فقدتَ الحوت فهو ثَمّ،
فانطلق موسى، ومعه فتاه - يوشع بن نون - حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا
رؤوسهما، فناما واضطرب الحوت في المِكْتل، فخرج منه، فسقط في البحر
﴿فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.
وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ،
نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان
من الغد قال موسى لفتاه: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ -
قال: ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به - فقال فتاه:
﴿أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَّنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ
أَذَّكُرَهُ وَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَجَبَا﴾.
قال: فكان للحوت سَرَباً، ولموسى عجباً، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ
فَارْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: رجعا يقصان آثارهما، حتى انتهيا إلى
الصخرة، فإذا هو مسجَّىَ بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى
بأرضك السلام(١)! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟
قال: نعم أتيتك لتعلمني مما عُلِّمت رشداً ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
يا موسى، إني على علم من علم الله، لا تعلمه، علَّمَنيه، وأنت على علم
من علم الله علَّمكه، لا أعلمه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِيّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا
وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ فقال له الخضر: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتٌَّ
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
(١) أي من أين السلام في هذه الأرض التي لا سلام فيها؟
٣١٩
الُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٦٠-٧٤
فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم،
فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نَوْل - أي أجر - فلما ركبا السفينة لم يفجأ إلا
والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقُدُّوم، فقال له موسى: قوم قد
حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها: ﴿لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا
إِمْرًا﴾.
وقال رسول الله مَله: وكانت الأولى من موسى نسياناً، وجاء عصفور،
فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي
وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر
غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى:
﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ حِثْتَ شَيْئًا ثُكْرًا﴾ قال:
قَالَ أَلَمَّ أَقُل لَّكَ
إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
(٥َّ﴾ قال سُفيان: وهذه أشدُّ من الأولى.
٧٦
﴿قَالَ إِنْ سَأَلْنُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِيْنِّ قَدْ بَغْتَ. مِن لَّدُنِ عُذْرًا
فَأَنَطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ أُسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَبِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا
جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقال الخضر بيده هكذا - أي أشار بيده - فأقامه،
فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ
أَجْرًا﴾ قال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ
صَبْرًا﴾.
قال رسول الله وقال: ((يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر، حتى يقصَّ
الله علينا من أخبارهما)).
التفسير والبيان:
هذه هي القصة الثالثة التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة بعد قصة
٣٢٠
الْجُرُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٦٠-٧٤
أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين والأموال، وهي تلتقي أيضاً مع ما ذكره
الله تعالى من تشبيه الحياة الدنيا بماء السماء، وتفاخر الناس بالمال والبنين،
كما تلتقي معهما في نبذ الافتخار والتكبر والتعالي على الآخرين، ليكون ذلك
درساً بليغاً وعظة لرؤساء قريش الذين طلبوا تخصيص مجلس لهم، وطرد
الفقراء والمستضعفين من الجلوس معهم في مجلس النبي وَل ◌ِ أنفةً وكبرياء
واستعلاء، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ أي واذكر أيها النبي حين قال موسى لفتاه لا
أزال سائراً حتى أصل إلى المكان الذي فيه مجمع البحرين، ولو أني أسير حقباً
أي دهراً من الزمان. والحقب: ثمانون أو سبعون سنة، والمراد: زمان غير
محدود من الدهر.
والمقصود بموسى في رأي أكثر العلماء هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل
صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة.
وفتاه: هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليه السلام، وقد كان
خادماً لموسى، ويسمى الخادم فتى في لغة العرب.
و ﴿مَجْمَعَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾: هو مكان اجتماع البحرين وصيرورتهما بحراً
واحداً، وهما في رأي الأكثرين بحر فارس والروم، أي ملتقى البحر الأحمر
بالمحيط الهندي عند باب المندب، وقيل: إنه ملتقى بحر الروم والمحيط
الأطلنطي، أي ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي عند مضيق
جبل طارق عند طنجة. وهو المكان الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضر.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ سَرَّبًا ﴾﴾ أي
وصلا مجمع البحرين مكان اللقاء مع العبد الصالح، نسيا حوتهما، فاتخذ
الحوت طريقه في البحر مسلكاً، وغطاه الماء، حتى صار كالقنطرة عليه، وكان
ذلك للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً.