Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ والخلاصة: إن التدبير ليس إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى. من شبهات المشركين بشرية الرسل وإنكار البعث ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَىَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَلْنَا عَلَيْهِم ◌ِنَ ٩٤ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ بِعِبَادِهِ، خَيْرًا بَصِيرًا أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَكْنَا وَصُفُّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِعَايَكِنَا : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ وَقَالُوْ أَعِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَتَّا أَئِنَا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (®) . الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبِىَ الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (﴿﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لََّمْسَكْتُ خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِّ وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا ١٠٠ القراءات: ﴿مَأْوَنَهُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ماواهم). ونًا﴾: (أَءِذَا﴾ ، قرئ: ١- (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا) وهي قراءة نافع والكسائي. ٢- (إذا كنا عظاماً ورفاتاً أننا) وهي قراءة ابن عامر. ١٨٢ الجُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ ٣- (إئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا) وهي قراءة الباقين. ﴿رَبِّ إِذَا﴾ وقرأ نافع، وأبو عمرو (ربيَ إذاً). الإعراب: ﴿فِي الْأَرْضِ مَلَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ﴾ ﴿مَلَبِكَةٌ﴾: اسم ﴿كَانَ المرفوع، و﴿يَمْشُونَ﴾: جملة فعلية صفة له. و﴿ فِي الْأَرْضِ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. و﴿ مُطْمَيِنِّينَ﴾: حال. ( مَّأَوَنَهُمْ جَهَنٌَّ﴾ مبتدأ وخبر ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ جملة حالية من ﴿جَهَتٌَّ﴾ ولا يجوز أن تكون صفة؛ لأن ﴿جَهَنَّمٌ﴾ معرفة، والجملة هنا نكرة، والمعرفة لا توصف بالنكرة. ويجوز ألا يكون لهذه الجملة موضع من الإعراب، وتكون الواو العاطفة مقدَّرة، أي: وكلما خبت. ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُم﴾ مبتدأ وخبر و﴿يِأَنَّهُمْ﴾ في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بـ جَزَاؤُهُم﴾. ﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾: مرفوع بفعل مقدر، يفسره ﴿تَمْلِكُونَ﴾ أي لو تملكون، فلما حذف الفعل، صار الضمير المرفوع المتصل في ﴿ تَمْلِكُونَ﴾ ضميراً منفصلاً، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ ولا يجوز أن يكون ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ؛ لأن ﴿لَّوْ﴾ حرف يختص بالأفعال كإن الشرطية. و﴿خَشْيَةَ الْإِنَفَاقِ﴾ مفعول لأجله. البلاغة: ﴿ أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ استفهام إنكاري. ١٨٣ لُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٩٤-١٠٠ ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، اهتماماً بأمر الحشر. ﴿وَمَنْ يَهْدِ﴾ ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُ اُلْهُدَىّ﴾ أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾ إلا قولهم منكرين ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد وَله والقرآن إلا إنكارهم أن يرسل الله بشراً، ولم يبعث ملكاً. ﴿قُل﴾ لهم جواباً لشبهتهم ﴿لَّوْ كَانَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ بدل البشر ﴿مَلَتِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كما يمشي بنو آدم ﴿مُظْمَبِنِينَ﴾ ساكنين فيها مقيمين ﴿لَغَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، فلم يرسل الله إلى قوم رسولاً إلا من جنسهم يمكنهم مخاطبته والفهم عنه (شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ على صدقي وعلى أني رسول إليكم، بإظهار المعجزة على وفق دعواي ﴿إِنَُّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيْرًا بَصِيرًا﴾ عالماً ببواطنهم وظواهرهم. وفيه تسلية للرسول الل وتهديد للكفار. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اُلْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ يهدونهم من دونه، والمعنى: ومن يهديه الله إلى الخير فهو المهتدي الموفق؛ لأن نفسه ميَّالة إلى ذلك، ومن يضلله الله ویخذله، لإعراضه عن هداية ربه، فلن تجد له أولياء من دون الله یتولون أمره، ويدافعون عنه. ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي يسحبون عليها تجرهم الزبانية من أرجلهم إلى جهنم، أو يمشون بها، روى الشيخان عن أنس أنه قيل لرسول الله ◌َله: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: ((إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم)). وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم. ١٨٤ الْجُرُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ ﴿عُمْيًّا وَبَكْمًا وَصُمَّا﴾ قال البيضاوي: لا يبصرون ما يقر أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم؛ لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر، وتصاموا عن استماع الحق، وأبوا أن ينطقوا بالصدق. ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مَعطّلي القوى والحواس. ﴿كُلَمَا خَبَتْ﴾ سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ﴿زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ توقداً وتلهباً واشتعالاً، بأن تبدل جلودهم ولحومهم، فتعود ملتهبة مستعرة ﴿وَرُفَتَا﴾ ما بلي من الشيء. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ﴾ يعلموا فهي رؤية القلب، وهو استفهام إنكار وتوبيخ لهم على ما كانوا يستبعدونه من الإعادة بعد الإفناء ﴿قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فإنهم ليسوا أشد خلقاً منهم، وليست الإعادة أصعب عليه من الإبداء ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ للموت والبعث ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ مع وضوح الحق ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ إلا جحوداً ﴿خَزَابِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ﴾ خزائن رزقه وسائر نعمه، والمطر من أهم المصادر ﴿لَأَمْسَكْتُ﴾ لبخلتم ﴿خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ﴾ خوف نفادها بالإنفاق ﴿قَتُورًا﴾ بخيلاً. المناسبة: بعد أن أنكر المشركون الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات، وليست بدون ما اقترحوه، بل هي أعظم، أخبر الله تعالى عن السبب الواهي الضعيف الذي منعهم من الإيمان، وهو استبعاد أن يبعث الله رسولاً إلى الناس واحداً بشراً منهم، ولم يكن ملكاً. فهذه شبهة أخرى وهي استبعاد كون الرسل بشراً، بعد الرد عليهم بأن وظيفة الرسل إبلاغ الناس، وليس تلبية اقتراح الآيات، ثم الرد على شبهتهم بأن الرسول يكون عادة من جنس المرسل إليهم. ثم ذكر شبهة أخرى أيضاً وهي إنكار البعث، ولما أنكروا البعث، نبّههم تعالى على عظيم قدرته وباهر حكمته، بخلق السماوات والأرض. ١٨٥ الُرُ (١٥) - الإسْرَاةِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ ولما طلب المشركون إجراء الأنهار والعيون في بلدهم لتكثر أقواتهم وتتسع عليهم، بيَّن تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله، لبقوا على بخلهم وشحهم، ولما أقدموا على نفع أحد. التفسير والبيان: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ أي وما منع أكثر الناس ومنهم مشركو مكة أن يؤمنوا بالله، ويتبعوا الرسل، حين مجيء الوحي المعجز الذي يستهدف الهداية والإسعاد والنجاة إلا استغرابهم وتعجبهم من بعثة البشر رسلاً، غير متصورين كون الرسول من جنس البشر المرسل إليهم، وأنه كان لابد من أن يكون من الملائكة، وهذا تحكم فاسد وتعنت باطل. والآية مثل قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢/١٠] وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَنَت تَّأْنِهِمْ رُسُلُهُم ◌ِلْبِنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ ◌َّدُونَنَا﴾. [التغابن: ٦/٦٤]. والآيات في هذا كثيرة. ثم أجابهم الله تعالى منبهاً على لطفه ورحمته بعباده، وعلى منطق الأمور، فقال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن مقتضى الحكمة ومنطق الأشياء والرحمة بالناس أن يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليناقشهم ويخاطبهم، ويفقهوا عنه ويفهموا منه، فليس إرسال الرسول لمجرد إلقاء الموحى به إليه، ولو كان الرسول ملكاً لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، فإن الشيء يألف لجنسه، ويأنس به، فطبيعة الملَك لا تصلح للاجتماع بالبشر، وعقد حوار معه حول أحكام التشريع وتبيان أصول العقيدة، وأداء الرسالة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا (٢٢) [الأنعام: ٩/٦]. وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ بل إن إرسال الرسول من البشر نعمة وحكمة ومنّة عظمى، لذا قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ١٨٦ الُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ [(١٥) ﴾ [البقرة: ١٥١/٢] وقال اُلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤/٣] وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨/٩] . والخلاصة في معنى الآية: إنه لو كان في الأرض ملائكة يمشون عليها مطمئنين فيها، كما أنتم أيها البشر فيها، لنزلَّنا عليهم من عالم السماء رسولاً من جنسهم، وأنتم البشر رسولكم منكم، لكن يمكن أن يكون البشر رسولاً لغير البشر، فإن النبي ◌َّ رسول إلى الإنس والجن؛ لأنه يمكنهم تلقي الوحي عنه وفهم الخطاب منه. وأما تلقي النبي الوحي من جبريل عليه السلام فهذا يتطلب استعداداً خاصاً لا يتهيأ لغير نبي أو رسول. ثم أرشد الحق تعالى إلى حجة أخرى هي: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ أي إن القول الفصل بيني وبينكم، وإقامة الحجة الدامغة عليكم أن الله شاهد علي وعليكم، وحكم بيني وبينكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذباً لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اٌلْأَقَوِيلِ ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا [٤] [الحاقة: ٤٤/٦٩-٤٦] وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُ الْوَتِينَ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١/٦]. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي إن الله سبحانه عليم بأحوال عباده، يعلم ظواهرهم وبواطنهم، وخبير بمن يستحق الهداية، ممن يستحق الضلالة، مطلع على ما في قلوبهم، فهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا حسداً وحباً للزعامة، وإعراضاً عن قبول الحق. وفي ذلك تهديد ووعيد، وإيناس للنبي وَّ فيما يلقاه من صدود قومه وعنادهم. ثم يخبرالله تعالى عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، ١٨٧ الُعُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٩٤-١٠٠ فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِّ﴾ أي من يهده الله للإيمان فهو المهتدي إلى الحق، ومن يضلل الله، فلن تجد لهم أنصاراً يهدونهم من دون الله إلى الحق والصواب. والمقصود إيناس الرسول وَله، فمن سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية، لعلمه السابق بأنهم صائرون لذلك لميل نفوسهم إلى الحق، وجب أن يصيروا مؤمنین؛ لأن علم الله لا یتغیر، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل، لما علم الله منهم سوء الاختيار، والإصرار على الغَواية والضلال، استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، كما قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧/١٨]. ولا يقصد بوجود العلم والحكم السابق إجبار البشر على الإيمان والكفر، فإن الإنسان مختار في حدود ما اختاره الله له، أي إن الإنسان، وهو يختار بمشيئته فإنه في الحقيقة التي لا يعلمها لا يختار إلا ما اختاره الله له، فلا مشيئة للإنسان ولا لشيء إلا ما يشاؤه الله. وهذه المشيئة الكلية والشاملة الله في كل شيء كفلت للإنسان حرية الاختيار بين الأمرين، كفلت مشيئة الله للإنسان في عدله ورحمته أن يكون له ((الخيار)) بين الهدى والأمن مع الله، أو الضلال والشك، كما بيَّن تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [البلد: ٩٠ /١٠] . ١٠ [الإنسان: ٣/٧٦] ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴿ وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبَكْمًا وَصُمَّا﴾ أي ونجمعهم يوم القيامة في موقف الحساب بعد الخروج من القبور، مسحوبين على وجوههم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨/٥٤] عمياً لا يبصرون، بكماً لا ينطقون، صُمّاً لا يسمعون، أي أنهم كما كانوا في الدنيا معطلين هذه الحواس عن الانتفاع الحقيقي بها، وإن كانوا في الظاهر مبصرين ناطقين سامعين، فهم في الآخرة لا يبصرون طريق النجاة الذي يقر أعينهم، ١٨٨ الُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ ولا ينطقون بما يقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، كما قال تعالى: (٧٢) [الإسراء: ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ١٧/ ٧٢] قال ابن كثير: وهذا يكون في حال دون حال، جزاء لهم كما كانوا في الدنيا، بكماً وعمياً وصماً عن الحق، فجُوزوا في محشرِهم بذلك. أخرج الشيخان وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ((قيل: يارسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم)). وأخرج الترمذي: ((إن الناس يكونون ثلاثة أصناف في الحشر: مشاة، وركباناً، وعلى وجوههم)) وفي معناه أخرج الإمام أحمد عن حذيفة بن أسيد، قال: قام أبو ذر فقال: يابني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار)). ﴿مَّأْوَنُهُمْ جَهَنٌَّّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي منقلبهم ومصيرهم إلى جهنم، كلما سكن لهيبها زدناهم لهباً ووهجاً وجمراً، بأن تأكل جلودهم ولحومهم وتفنيها، فيسكن لهبها، ثم يبدلون غيرها، فترجع ملتهبة مستعرة، ويتكرر الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم بالبعث، كما [النبأ: ٣٠/٧٨]. ٣٠ قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا وعلة تعذيبهم ما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ أي إن ذلك الجزاء والعقاب الذي جازيناهم به من البعث عمياً وبكماً وصماً هو جزاؤهم الذي يستحقونه على كفرهم بالله تعالى، وتكذيبهم آياته أي أدلته وحجته على وجوده ووحدانيته وعلى البعث، وعلى قولهم منكرين وقوع البعث: أئذا كنا عظاماً نخرة ورفاتاً بالية وتراباً منتشراً، نعود خلقاً جديداً آخر؟ أَبَعْدَ ما صرنا ١٨٩ للكُرعُ (١٥) - الأشراءِ: ١٧ / ٩٤ -١٠٠ إلى ما صرنا إليه من البِلى والهلاك، والتفرق والذهاب في أنحاء الأرض، نعاد مرة ثانية؟ فنبههم الله على قدرته على البعث بأنه خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي ألم يعلموا ويتدبروا أن الذي أبدع خلق السماوات والأرض على غير مثال سبق، قادر على أن يخلق أمثالهم، ويعيد أبدانهم، وينشئهم نشأة أخرى، كما بدأهم، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك: ﴿لَخَلَّقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٤٠ / ٥٧]، ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا (٦)﴾ [النازعات: ٧٩/ ٢٧] فدل هذا على أن خلق الإنسان أو إعادته أهون وأيسر من خلق السماوات والأرض، وأن الإعادة أهون عليه من الابتداء. لكن للبعث والقيامة أو الموت وقتاً محدداً، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي وجعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلاً معيناً، ومدة مقدرة، لا بدّ من انقضائها، وبعد مضي تلك المدة تكون القيامة أمراً محتماً لا شكّ فیه. ﴿ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ أي وبالرغم من إقامة تلك الحجة الدامغة عليهم أبى الكافرون الظالمون أنفسهم إلا تمادياً في باطلهم وضلالهم، وجحوداً للثابت الصحيح، وإنكاراً للبعث. وسبب عدم إجابتهم لمطالبهم من القصور والجنات والعيون هو الشح، فقال الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ﴾ أي قل لهم يا محمد: لوأنكم ملكتم التصرف في خزائن أرزاق الله لبقيتم على الشح والبخل، ولأمسكتم عن الإنفاق، أي الفقر، كما قال ابن عباس، أي خشية الزوال والذهاب والنفاد والفراغ، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبداً؛ لأن هذا من طباعکم وسجایا کم. ١٩٠ الُعُ (١٥) - الإِسْرَةِ: ١٧ / ٩٤-١٠٠ ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا﴾ أي بخيلاً منوعاً، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ ﴾ [النساء: ٥٣/٤]. أي لوأن لهم نصيباً مِّنَ اٌلْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا في ملك الله تعالى، لما أعطوا أحداً شيئاً، ولا مقدار نقير، وهو الخيط في شق (﴿ إِنَّ اُلْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوَعًا ﴿ إِذَا مَسَهُ الشَّرُّ النواة، وقال الله تعالى أيضاً: ﴾ [المعارج: ١٩/٧٠- ٢٢]. ٣٢ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوْعًا ﴿ إِلَّا الْمُصَلِينَ جَرُوعًاً ا والآية دليل واضح على شح الإنسان وكرم الله تعالى وجوده وإحسانه، جاء في الصحيحين: ((يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سَخَّاء، الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يده)). فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: اً - إن كفار قريش قوم متكبرون معاندون، فقالوا للنبي ◌ّله: أنت مثلنا، فلا يلزمنا الانقياد لك، وغفلوا عن القرآن المعجزة الذي يثبت صدقه في رسالته. وادعاؤهم أن الرسول لا يصلح أن يكون بشراً: ادعاء مردود عليهم؛ لأن أداء الرسالة وما تقتضيه من إقناع ونقاش، ومراعاة لموجب الحكمة والمصلحة أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم. فالْمَلَك إنما يرسل إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل الله تعالى مَلَكاً إلى بني آدم لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على رؤيته، وخلق فيهم ما يقدرون به؛ ليكون ذلك آية لهم ومعجزة. اً - كفى بالله شاهداً ومصدقاً يشهد أن محمداً وَله رسول الله، يروى أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله تعالى: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣/١٧]: فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزل ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَيراً بَصِيرًا ٩٦٦ ٠ ١٩١ الْجُرُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٩٤-١٠٠ ◌َ - لو شاء الله أن يهدي الكفار لاهتدوا، فإن لم يهتدوا بهدي الله تعالى، لا يهديهم أحد. ٤ - يحشر الكفار يوم القيامة على وجوههم، وفيه وجهان: أحدهما - أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، كما يقول العرب: قدِم القوم على وجوههم: إذا أسرعوا. والثاني - أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم، كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه، قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لحديث أنسَ المتقدم. فإنهم يحشرون عمياً عما يسرّهم، بكماً عن التكلم بحجة مقبولة، صماً عما ينفعهم، وهذا يدل على أن حواسهم باقية على ما كانت عليه. وقيل: إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها، ليكون ذلك زيادة في عذابهم، ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوَاْ أَنَهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣/١٨]، وتكلموا؛ لقوله تعالى ﴿ رَعَوْأ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣/٢٥]، وسَمِعوا؛ لقوله تعالى ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢/٢٥]. ۵ - مأوی الکفار ومستقرهم ومقامهم جهنم، کلما سکنت نارها، زادها الله ناراً تلتهب، وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم. ٢ - ذلك العذاب جزاء كفرهم بآيات الله تعالى وحججه الدالة على وجوده وتوحيده، وجزاء جحودهم وإنكارهم البعث إنكار تعجب من إعادة ما بلي من العظام، وتفتت من الجسد، وزالت معالمه، وغفلوا عن أن الله هو الذي خلقهم أول مرة، والإعادة أهون عليه من الابتداء، كما قال الله تعالى: ◌ْ كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤/٢١]، ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠]. ١٩٢ الجُرُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ ومع كل هذه الدلائل أبى المشركون الظالمون إلا جحوداً بأجَل القيامة وبآيات الله تعالى. لاً - لو وسّع الله الرزق على العباد لبخلوا أيضاً، فإن قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَابِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ﴾ أي خزائن الأرزاق والنعم ﴿إِذَا لَّأَمْسَكُمُ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾ من البخل، هو جواب قولهم: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠/١٧] حتى نتوسع في المعيشة، والمعنى: لو توسعتم لبخلتم أيضاً، وكان الإنسان قتوراً أي بخيلاً مضيِّقاً، والآية على الصحيح عامة في المشركين وغيرهم. الآيات التسع لموسى عليه السلام وصفة إنزال القرآن ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَيَتٍ بَيِّنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا ﴿3﴾ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنَزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلََّ رَبُّ فَأَرَادَ أَنْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِى لَأَظُنُكَ يَنَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَلُ جَمِيعًا ﴿5﴾ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَلَّ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ـَ وَبِلْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ١٠٥ نَزَلَّ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ( وَنََّْهُ نَزِيلًا ﴿ قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ: أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ بَخِزُونَ لِلْأَذْفَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ ١٠٩) وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا؟ القراءات: ﴿فَسَْلْ﴾: وقرأ ابن كثير، والكسائي (فسَلْ). ١٩٣ المُزُ (١٥) - الإسْراءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ علمت ﴾: وقرأ الكسائي (علمتُ). جِثْنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جينا). ﴿وَقُرْءَانَا﴾﴾: وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (وقراناً). الإعراب: ﴿تِسْعَ ءَيَاتٍ بَيْنَتِ﴾ ﴿بَيِّنَتِّ﴾ إما وصف مجرور لآيات، أو وصف منصوب لتسع. ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَيَلْحَقِّ نَزَلْ﴾ الباء في ﴿وَبِالْحَقِّ﴾ في الموضعين: إما متعلقة بالفعلين على جهة التعدي، وإما أن الأولى حال من هاء ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ والثانية حال من ضمير ﴿نَزَلْ﴾. ﴿وَقُرْءَانًا﴾ إما منصوب بفعل مقدر، وتفسيره ﴿فَرَقْتَهُ﴾ أي فرقنا قرآنًا فرقناه، أو معطوف على قوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ على تقدير: وصاحب قرآن، ثم حذف المضاف، فيكون ﴿فَرَقْنَهُ﴾ وصفاً لقرآن. و﴿عَلَى مُكْثٍ﴾: حال، أي متمهلاً مُترفّقاً. البلاغة: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ بينهما طباق. ﴿مَسْخُورًا﴾ ﴿مَثْبُورًا﴾ بينهما جناس ناقص لتغير بعض الحروف. ١٩٤ الجُرُ (١٥) - الإسراء: ١٧ / ١٠١-١٠٩ ﴿إِّ لَأَظْتُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ ﴿وَإِنِّي لَأَظْتُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ بينهما مقابلة، وفيهما سجع. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ﴾ أي والله لقد أعطينا موسى تسع آيات واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله، وهي العصا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، وهذه سبع باتفاق، وأما الثنتان فقيل: انفلاق البحر، والسنون، وقيل: انفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل، وقيل: انفلاق البحر، وحل عقدة لسان موسى. وهما مرويان عن ابن عباس، وقيل عن مجاهد وآخرين: السنون، ونقص الثمرات. وقيل بغير ذلك كما ذكرنا في سورة الأعراف. خمس منها ذكرت في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُوفَانَ وَالْجَادَ وَالْفُعَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ﴾ [١٣٣] والباقي متفرقات. وقيل: المراد بالآيات: الأحكام، أخرج أحمد والبيهقي والطبراني والنسائي وابن ماجه: ((أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي فنسأله، فأتياه وََّ، فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتِ﴾ فقال: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تَسْحَروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذِفوا مُحْصَنة، وأنتم يا يهود عليكم خاصة ألا تَعْدوا في السبت، فقبَّلا يده ورجله، وقالا: نشهد إنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تُسْلما؟ قالا: إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود)) قال الشهاب الخفاجي: وهذا هو التفسير الذي عليه المعوّل في الآية. ﴿فَسْئَلْ﴾ يا محمد. ﴿بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ﴾ عنه سؤال تقرير للمشركين على ١٩٥ الْجُزْعُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ صدقك، أو: فقلنا له: اسأل. ﴿مَسْحُورًا﴾ سحرت، فأصبحت متخبط العقل محبولاً. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الآيات. ﴿بَصَابِرَ﴾ بينات واضحات وعبراً، ولكنك تعاند. ﴿مَثْبُورًا﴾ هالكاً، أو مصروفاً عن الخير، مطبوعاً على الشر. ﴿فَأَرَادَ﴾ فرعون. ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أن يخرج موسى وقومه وينفيهم من الأرض: أرض مصر، أو الأرض مطلقاً بالقتل والاستئصال. ﴿أَسْكُنُواْ اُلْأَرْضَ﴾ التي أراد أن يستفزكم منها. ﴿وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ أي الساعة أو الدار الآخرة يعني قيام القيامة. ﴿لَفِيفًا ﴾ جميعاً أنتم وهم، واللفيف: الجمع العظيم المختلط من الطائعين والعصاة وغيرهم . ﴿فَقْتَهُ﴾ نزلناه مفرقاً على مدى ثلاث وعشرين سنة. ﴿مُكْثٍ﴾ مَهْل وتؤدة وتأنٍ ليفهموه. ﴿وَنَزَّْنَهُ نَزِيلًا﴾ شيئاً بعد شيء على حسب المصالح والحوادث. ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة. ﴿ءَامِنُواْ بِهِ- أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ تهديد لهم ووعيد . ﴿مِن ج قَبْلِهِ﴾ قبل نزوله، وهم مؤمنو أهل الكتاب. ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ يسقطون على وجوههم تعظيماً لأمر الله، وشكراً لإنجازه وعده في تلك الكتب ببعثة محمد وَلقر على فترة من الرسل وإنزاله القرآن عليه. والمعنى: إن لم تؤمنوا به، فقد آمن به من هو خير منكم، وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب السابقة، وعرفوا حقيقة الوحي، وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين المحق والمبطل، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب. فالخرور: السقوط بسرعة، والأذقان جمع ذقن: وهو مجتمع اللحيين. ﴿سُبْحَنَ رَبِنَآَ﴾ تنزيهاً له عن خلف الوعد. ﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة. ﴿كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾ بإنزال القرآن وبعث النبي ◌َِّ. ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتْكُونَ﴾ عطف بزيادة صفة . ﴿ وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآن. ﴿خُشُوعًا﴾ تواضعاً لله. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن قريش تعنتهم في اقتراحهم وعنادهم للرسول ١٩٦ لُحُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ وَخَّر، سلاه تعالى وذكّره بما جرى لموسى مع فرعون، وقومه من قولهم: أرنا الله جهرة، وقول قريش: أو تأتي بالله، أو نرى ربنا، وأنه أنزل آيات تسعاً على موسى مثلما اقترحوا، فلم تفد تلك الآيات فرعون وقومه بالإقبال على ساحة الإيمان، ويكفيكم ما أنزل على محمد وَ له من آيات علمية غير مادية، فإن لم يؤمنوا، كانت عاقبتكم الدمار والهلاك، كما أهلك فرعون وقومه بالغرق. وبعد أن ذكر تعالى إعجاز القرآن بقوله: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنّ﴾ [الإسراء: ٨٨/١٧] عاد إلى بيان صفة نزول القرآن منجماً، وأنه حق ثابت لا يزول. وهكذا طريقة كلام العرب وأسلوبها، تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى شيء آخر ثم إلى آخر، ثم تعود إلى ما ذكرته أولاً (١). وهدد تعالى من لم يؤمن به، وأنه قد آمن به علماء أهل الكتاب. التفسير والبيان: أجاب الله تعالى المشركين في هذه الآيات عن قولهم: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾ حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَيَتٍ بَيْنَتٍ﴾ أي لقد أمددنا موسى عليه السلام وأعطيناه تسع آيات بيِّنات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه، فيما أخبر به، حين أرسله إلى فرعون وقومه، فلم يؤمنوا بها، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣/٧] وقال: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَا﴾ [النمل: ١٤/٢٧]. والآيات التسع هي كما ذكر ابن عباس فيما رواه عنه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر: ((العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم آيات مفصلات)). (١) البحر المحيط: ٨٧/٦ ١٩٧ الُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ لكن تخصيص التسع بالذكر لا يمنع ثبوت الزائد عليها؛ لأن القاعدة في أصول الفقه: أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد. وقد ذكر القرآن المجيد ست عشرة معجزة لموسى عليه السلام ذكرها الرازي(١) وهي: إزالة العقدة من لسانه؛ أي إذهاب العجمة وصيرورته فصيحاً، وانقلاب العصا حية، وتلقف الحية حبالهم وعصيهم على كثرتها، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وشق البحر: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ اُلْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠/٢] والحجر: ﴿أَنِ اضْرِب. بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠/٧] وإظلال الجبل: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١/٧] وإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، والجدب، ونقص الثمرات: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠/٧] والطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والنقود. وقال الرازي(٢) بعد أن ذكر أن الروايات ظنية غير يقينية في بيان الآيات التسع: أجود الروايات في تفسير قوله تعالى: ﴿تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيْنَتٍ﴾ ما روى صفوان بن عَسَّال المرادي أنه قال: إن يهودياً قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات، فذهبا إلى النبي وَلّ وسألاه عنها، فقال: ((هن ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصَنة، ولا تولوا الأدبار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت))، فقام اليهوديان، فقبَّلا يديه ورجليه، وقالوا: نشهد إنك نبي، ولولا نخاف القتل، وإلا اتبعناك))(٣). فالمراد بالآيات: الأحكام. (١) تفسير الرازي: ٦٤/٢١ (٢) المرجع السابق. (٣) أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي والطبراني والنسائي وابن ماجه. ١٩٨ الُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ ﴿فَسْئَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي فاسأل أيها النبي بني إسرائيل المعاصرين لك كعبد الله بن سَلام وصحبه سؤال تأكد واستيثاق واطمئنان، لتعلم ثبوت ذلك في کتابهم. ﴿إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ أي فاسألهم حين جاءهم موسى بتلك الآيات، وبلغها فرعون، فقال فرعون: إني لأظنك يا موسى أن الناس سحروك وخبلوك، فصرت مختلط العقل. ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ أي قال موسى لفرعون: لقد علمت علم اليقين أن هذه الآيات التسع ما أنزلها خالق الأرض والسماوات إلا حججاً وأدلة على صدق ما جئتك به، فهي تهدي الإنسان إلى الطريق الحق، وأنها من عند الله لا من عند غيره. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي مغلوباً هالكاً مصروفاً عن الخير، ميالاً إلى الشر. ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾ أي فأراد فرعون أن يخرج موسى وقومه بني إسرائيل من أرض مصر بالقتل، أو بالطرد. ﴿فَأَغْرَقْتَهُ وَمَن مَعَلُ جَمِيعًا﴾ أي فأهلكناه وجنوده جميعاً بالإغراق في البحر. ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرَّكِلَ أُسْكُنُواْ الْأَرْضَ﴾ أي ونجينا موسى وقومه بني إسرائيل، وقلنا لهم بعد هلاك فرعون: اسكنوا الأرض التي أراد فرعون إخراجكم منها وهي أرض مصر، أو أرض الشام التي وُعِدتم بها. ﴿فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم أنتم وعدوكم جميعاً، مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم. واللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدني، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف. ١٩٩ الُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ وبعد أن ردّ الله تعالى على الكفار بأنه لا حاجة للمعجزات؛ لأن قوم موسى آتاهم الله تسع آيات بينات، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، ولأنه لو جاءهم بتلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها، لأنزل بهم عذاب الاستئصال، فاقتضت الحكمة عدم تلبية مطالبهم لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن، ومنهم من لا يؤمن. بعد هذا عاد الله تعالى إلى تذكيرهم بالمعجزة الخالدة وهي القرآن، وإلى تعظيم شأنه، والاكتفاء به، فقال: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَيَلْحَقِّ نَزَلَّ﴾ أي إننا أنزلنا القرآن متضمناً للحق من تبيان براهين الوحدانية والوجود، وحاجة الناس إلى الرسل، والأمر بالعدل ومكارم الأخلاق، والنهي عن الظلم وقبائح الأفعال والأقوال، والأحكام التشريعية والأوامر والنواهي المنظمة لحياة الفرد والجماعة والدولة وغير ذلك من أصول التشريع الرفيع. ونزل إليك يا محمد هذا القرآن محفوظاً محروساً، لم يختلط بغيره، ولم يطرأ عليه زيادة فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك مع الحق وهو جبريل عليه السلام، الشديد القوي، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. وبعد بيان خواص القرآن أبان تعالى مهام النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ مُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾ أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشراً لمن أطاعك من المؤمنين بالجنة، ونذيراً لمن عصاك من الكافرين بالنار. ثم عاد إلى بيان كيفية نزول القرآن منجماً، أي مقسطاً بحسب الوقائع والمناسبات، فقال تعالى: ) أي وأنزلنا ﴿ وَقُرْءَنَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّْنَهُ نَزِيلًا ( قرآناً مفرقاً منجماً في مدى ثلاث وعشرين سنة، فلم ينزل في يومين أو ثلاثة، وإنما أنزلناه بحسب الوقائع والحوادث وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة العامة النافعة في الدنيا والآخرة على وفق المناسبات، وقد ابتدأ نزوله في ليلة ٢٠٠ الجُزُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩ مباركة هي ليلة القدر في رمضان، وقرئ (فرّقناه) بالتشديد، أي أنزلناه آية آية مبيناً مفسراً. وذلك لتبلغه للناس وتتلوه عليهم على مهل، ونزلناه تنزيلاً أي شيئاً بعد شيء، على الحد المذكور والصفة المذكورة. وفائدة قوله: ﴿وَنَزَّلْتَهُ نَنْزِيلًا﴾ بعد قوله ﴿فَرَقْتَهُ﴾ بيان كون التنزيل على حسب الحوادث. ثم هددهم الله محتقراً لهم غير مبال بشأنهم بقوله: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين لم يقتنعوا بكون القرآن معجزة كافية، وقالوا لك: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اْلْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٩٠] آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به، فهو حق في نفسه أنزله الله، وكتاب خالد إلى أبد الدهر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أي إن علماء أهل الكتاب الصالحين الذين تمسكوا بكتابهم ولم يبدلوه ولم يحرفوه، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يسجدون على وجوههم تعظيماً لله عز وجل، وشكراً على ما أنعم به عليهم، وعبر عن السجود بقوله ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ لأن الإنسان كلما ابتدأ بالخرور والإقبال على السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض: الذقن، أو هو كناية عن المبالغة في الخضوع والخشوع والخوف من الله تعالى. ويقولون في سجودهم: ﴿سُبْحَنَ رَبِّنَآ﴾ أي تنزيهاً لله تعالى وتعظيماً وتوقيراً على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد، لذا قال: ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي منجزاً واقعاً آتياً لا محالة. وهؤلاء كما قال مجاهد: ناس من أهل الكتاب، حين سمعوا ما أنزل على محمد بَّرَ خرُّوا سجداً، منهم زيد بن عمرو بن نُفَيل، وورقة بن نَوْفل، وعبد الله بن سَلام.