Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الُرُ (١٥) - الإشراءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ ثم أخبر الله عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد رَّ ر أنه شفاء ورحمة، فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وننزل عليك أيها النبي قرآناً فيه شفاء، فكل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيماناً، ويستصلحون به دينهم، فهو يذهب ما في القلوب من أمراض الشك والنفاق، والشرك والزيغ والإلحاد، والجهل والضلالة، فالقرآن يشفي من ذلك كله؛ وهو أيضاً رحمة لمن آمن به وصدقه واتبعه؛ لأنه يرشد إلى الإيمان والحكمة والخير، فيؤدي إلى دخول الجنة والنجاة من العذاب، وعن النبي ◌َّ فيما رواه الديلمي في الفردوس: ((من لم يستشف بالقرآن، فلا شفاه الله)). ﴿وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ أي لا يزيد سماع القرآن الكافر الظالم نفسه إلا بعداً عن الإيمان وكفراً بالله؛ لتأصل الكفر في نفسه. ونظير الآية: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌ وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤/٤١] وأيضاً قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ [التوبة: ١٢٤/٩-١٢٥] . قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين. ثم يخبر الله تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله فقال: ﴿ وَإِذَا أَتْعَمْنَا عَلَى الْإِنَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِيٌِّ﴾ أي وإذا أمددنا الإنسان بنعمة من مال وعافية ورزق ونصر ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته، ونأى بجانبه، وهذا تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض: التولي بالوجه، والنأي ١٦٢ ◌ِلُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ بالجانب: لوي الجانب وتولية الظهر، والمراد بذلك الاستكبار والتباعد؛ لأن ذلك عادة المتكبرين. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ كَانَ يَُوسًا﴾ أي وإذا أصابه الشر وهو المصائب والحوادث، كان يؤوساً قنوطاً من رحمة الله ومن الخير بعدئذ. والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ اُلُُّّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَبِمَا فَلَمَّا كَثَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: ١٢/١٠]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنِسَنَ مِنَا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسُ كَفُورٌ وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرٌِ فَخُورُ [هود: ٩/١١ - ١٠] . ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾ قل يا محمد: كل أحد يعمل على مذهبه وطريقته التي تشاكل وتشبه حاله من الهدى والضلالة. ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي فالله ربكم الذي ربّاكم وأوجدكم وأنعم عليكم أعلم من كل أحد بمن هو أسدّ مذهباً وأوضح طريقاً واتباعاً للحق، وسيجزي كل عامل بعمله. وفي الآية تهديد ووعيد للمشركين. والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ [هود: ١٢١/١١- ١٢٢]. وَأَنْتَظِرُوْاْ إِنَّا مُنَظِرُونَ ١٢١ ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ أي ويسألك المشركون عن حقيقة الروح التي تحيى بها الأبدان، فقل: الروح من شأن ربي، يحدث بتكوينه وإيجاده، وقد استأثر بعلمه، فلا يعلمه إلا هو، ولا يستطيعه إلا هو، وما أوتيتم أيها الناس من العلوم والمعارف إلا علماً قليلاً، مصدره إحساس الحواس وملاحظة المرئيات، أما ما وراء ذلك فلا قدرة لكم عليه، ولا اطلاع لأحد على حقيقته. ١٦٣ الُزُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اَ - دلت آية ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ﴾ على فرضية الصلوات الخمس المفروضة، وعلى أوقاتها في الجملة التي فصلتها وحددتها السنة النبوية. أَ - في قوله: ﴿وَقُرْءَانَ اُلْفَجْرِّ﴾ فوائد وهي أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة، ووجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه. وأبانت السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات، فالمقصود من قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ الحث على تطويل القراءة فيها، ووصف قرآن الفجر بأنه مشهود معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام، وهو دليل قوي على أن التغليس (الصلاة وقت الظلمة) أفضل، وهذا قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس. واجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الصبح وكذا في صلاة العصر، كما جاء في الحديث المتقدم لا يعني أن هاتين الصلاتين ليستا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار، كما فهم بعض العلماء، وإنما هما من النهار، بدليل . الصيام فيه. ◌َّ - كانت صلاة التهجد (قيام الليل) مطلوبة من النبي ◌َّ و نافلة زيادة وكرامة له، واختلف العلماء في تخصيص النبي وَل﴿ بالذُّكْر دون أمته، فقال جماعة: كانت صلاة الليل فريضة واجبة عليه؛ لقوله ﴿نَافِلَةُ لَّكَ﴾ أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة، ثم نسخت، فصارت نافلة، أي تطوعاً وزيادة على الفرائض. ١٦٤ الجُرُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ وقال آخرون: صلاة الليل تطوع في حق النبي ◌َّ وفي حق أمته، فيكون الأمر بالتنفل على جهة الندب، ويكون الخطاب للنبي وَّ؛ لأنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في الدرجات، وأما غيره من الأمة فتطوعهم كفارات لذنوبهم، وتدارك الخلل الذي يقع في الفرض. ٤ - للنبي وَلَّ المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى للناس يوم القيامة، ولأجل ذلك قال فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر)) قال النقَّاش: لرسول الله وَّ ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. وقال ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية ثابتة أيضاً للأنبياء وللعلماء. وذكر أبو الفضل عياض خمس شفاعات: العامة، ولإدخال قوم الجنة دون حساب، ولإخراج عصاة الأمة من النار، وللحيلولة دون إدخال بعض المذنبين من موحِّدي الأمة النار، ولزيادة الدرجات في الجنة لأهلها. وقال القاضي عياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح الشفاعة النبي ◌َّ ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي وَليّة؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ومع الشفاعة لواء الحمد، روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله *: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)). ٥ - وللنبي وَر المقام السامي المرضي الحسن في الدنيا والآخرة، فيشمل كل دخول وخروج كإدخاله المدينة مهاجراً، ومكة فاتحاً، وفي القبر مغفوراً له ١٦٥ الجُزءُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ آمناً، وإخراجه من مكة مهاجراً، وإخراجه من القبر للبعث مطمئناً موصوفاً بالصدق. أَ - ومن خصائص النبي عليه الصلاة والسلام قوة الحجة، والسلطان والقهر والقدرة والعصمة من الناس، فكانت له حجة بينة ظاهرة ينتصر بها على جميع من خالفه، ورزقه الله السلطة والتفوق والنصر على أعدائه، وأظهر دينه على الدين كله أي على الأديان والشرائع، وعصمه من أذى الناس ومکرهم. لاً - أيد الله تعالى نبيه وَ له بما أنزله عليه من القرآن والإيمان والحق الذي لا مرية ولا جدال فيه، فبه جاء الحق، وهو الإسلام والقرآن، واضمحل الباطل وهو الشرك والشيطان. ٨ - في آية ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾ دليل على كسر نُصُب المشركين والأصنام وجميع الأوثان. قال القرطبي: ويدخل بالمعنى: كسر آلة الباطل ومالا يصلح إلا لمعصية الله، كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى(١). قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصُّوَر المتخذة من المدَر (الطين المتحجر) والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غُيِرت عما هي عليه وصارت سبيكة أو قطعاً، فيجوز بيعها والشراء بها. ـة - القرآن الكريم شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد سماعه الكافرين الظالمين أنفسهم إلا خساراً لتكذيبهم وزيادتهم غيظاً وغضباً وحقداً وحسداً. (١) تفسير القرطبي: ٣١٤/١٠ ١٦٦ الُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ قال قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، ثم قرأ: ﴿ وَنَُزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. وللعلماء قولان في كونه شفاء: أحدهما - إنه شفاء للقلوب: بزوال الجهل عنها وإزالة الرّيب، وكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى. الثاني - شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه. وقد أقر النبي ◌َ ر - فيما رواه الأئمة - الاستشفاء بالقرآن، والرقية بالفاتحة بقراءتها سبع مرات على لديغ، وإعطاء قارئها عوضاً عن الرقية ثلاثين شاة. وأجاز سعيد بن المسيب ما يسمى بالنَّشرة: وهي أن يكتب شيئاً من أسماء الله تعالى، أو من القرآن، ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض، أو يسقيه. وقال الإمام مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عزَّ وجلّ على أعناق المرضى على وجه التبرك بها، إذا لم يُرِد معلّقها بتعليقها مدافعة العين، أي قبل أن ينزل به شيء من العين، ووافقه على ذلك جماعة من أهل العلم. وكره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال، قبل نزول البلاء وبعده. قال القرطبي: والقول الأول أصبح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى. وعلى كل حال، إن الفاعل الحقيقي المؤثر هو الله تعالى، أما الأدعية المأثورة، وتلاوة آيات الشفاء، والفاتحة والمعوذات وغير ذلك فهي من وسائل الفرج والبرء بإذن الله تعالى، بشرط تعظيم القرآن في الصدور، والإيمان الصادق به، والبعد عما لا يتناسب مع تعظيم آيات الله تعالى. ولا يعني هذا الاكتفاء بالرقى عن المداواة والعلاج بالأدوية الناجعة، فذلك كله من الوسائل التي أذن الشرع بها، بل وأوجبها لصيانة حق الحياة. أما ما يفعله بعض العوام ١٦٧ الجُزُ (١٥) - الاشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ من إهمال علاج المريض المحموم أو المبتلى بداء خطير مثلاً، اعتماداً على مجرد التلاوة لشيء من القرآن أو التميمة، فهذا جهل بحقائق الدين، وإهدار لقدسية العلم الذي عظمه الله، ورفع شأن علمائه وأتباعه. وأما ما روي عن ابن مسعود: ((إن التمائم والرقى والتّوْلَة من الشرك، قيل: ما التِّوْلَة؟ قال: ما تحبَّبت به لزوجها)) فيجوز أن يريد بما ذكره تعليق غير القرآن أشياء مأخوذة عن العَرَّافين والكُهَّان؛ إذ الاستشفاء بالقرآن معلّقاً وغير معلَّق لا يكون شِرْكاً. . ١ - إن هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خساراً صفتهم الإعراض عن تدبر آيات الله والكفران لنعمه. وكذلك شأن الإنسان عموماً النسيان وكفران النعم إلا من عصمه الله، فتراه إذا كان منعماً مترفاً بَعُد عن القيام بحقوق الله عزَّ وجلّ، وإذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط؛ لأنه لا يثق بفضل الله تعالى. ااً - إذا أفلس نداء العقل والقلب والوجدان، لتعطيل الفكر والبصر بآيات الله كالمشركين، فلم يبق معهم إلا التهديد والوعيد، وإهمال هؤلاء المعطلين عقولهم، وتركهم يعملون على شاكلتهم من الهدى والضلال وما هو الأولى بالصواب في اعتقادهم. والله تعالى أعلم بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كل واحد منهم. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره، فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان، ولا يشاكل بالرب إلا الغفران. ١٢ - سأل المشركون عن الروح الذي هو سبب الحياة، فأجابهم القرآن جواباً مبهماً يدل على أن خلق الروح من الله، وهو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، تاركاً تفصيله، ليعرف الإنسان يقيناً عجزه عن علم حقيقة ١٦٨ لِمُعُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥ نفسه، مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه جاهلاً حقيقتها ، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك ومعرفة مخلوق مجاور له، للدلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز، وبذلك ثبت أن أكثر الماهيات والحقائق مجهولة للإنسان، ولكن لا يلزم من كونها مجهولة نفيها. وأما حقيقة الروح فللعلماء فيها قولان: القول الأول للرازي وابن القيم في كتاب الروح: إن الروح جوهر بسيط مجرد، وجسم نوراني مخالف بطبعه للجسم المحسوس، سار فيه سريان الماء في الورد، لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. والقول الثاني للغزالي وأبي القاسم الراغب الأصفهاني: الروح ليس بجسم ولا جسماني، متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف. ١٣ - لم يؤت العالم كله من العلم إلا القليل، ويظل الكثير مختصاً بعلم الله تعالى، قال القرطبي: والصحيح أن المراد بالخطاب في قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أُوْتِبِتُم﴾ العالم كله، وليس المراد: السائلين فقط، أو اليهود بجملتهم، كما قال بعضهم. فالله تعالى لم يطلع الناس من علمه إلا على القليل، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى. والخلاصة: إن علم الناس في علم الله قليل، والذي يسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. ١٦٩ الزُ (١٥) - الإشراءِ: ١٧ / ٨٦-٨٩ إعجاز القرآن ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا ﴿ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَّ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴿ قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ اُلْإِنسُ وَالْجِنُّ عَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيْرًا ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُ ٨٩٦ النَّاسِ إِلَّا ككُفُورًا القراءات: ﴿ شِئْنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شينا). ﴿اَلْقُرْءَانِ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران). الإعراب: ﴿ وَلَيِنِ شِئْنَا﴾ اللام لام القسم، أو الموطئة للقسم، و﴿ لَنَذْهَبَنَّ﴾: جوابه النائب مناب جواب الشرط، أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور. ﴿لَّيِنِ أَجْتَمَعَتِ﴾ اللام لام القسم أو الموطئة للقسم، وإن: حرف شرط، وجوابه محذوف قام مقامه قوله: ﴿لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ﴾ وليس هذا جواباً للشرط، لإثبات نون ﴿يَأْتُونَ﴾ وإنما هو جواب قسم مقدر هيّأته لام ﴿لَِّنِ﴾. والتقدير: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فوالله لا يأتون بمثله. ١٧٠ لُعُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٨٦-٨٩ ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَ﴾ الاستثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تركه ولم یذهب به، ويجوز أن یکون متصلاً. المفردات اللغوية: ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ﴾ أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور ﴿وَكِيلًا﴾ يتوكل ويلتزم استرداده محفوظاً مسطوراً، بعد الذهاب به ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ استثناء متصل، أي إلا إن نالتك رحمة الله، فلعلها تسترده عليك، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى: لكن رحمة من ربك أبقيناه، فيكون ذلك امتناناً بإبقائه بعد المنة في تنزيله ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ عظيماً، بإبقائه في حفظه، كإرساله وإنزاله، وكذلك بإعطائك المقام المحمود، وغير ذلك من الفضائل. ﴿عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ﴾ في الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى ﴿لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ﴾ وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان، وأهل النثر والنظم. وهو جواب قسم محذوف، دل عليه اللام الموطئة للقسم. ﴿ظَهِيْرًا﴾ معيناً في تحقيق المراد. وهو رد لقولهم: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١/٨] . ﴿صَرَّفْنَا﴾ بينا، وكررنا ورددنا بوجوه مختلفة، زيادة في التقرير والبيان. ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه موقعاً في الأنفس أو هو صفة لمحذوف أي مثلاً من جنس كل مثل، ليتعظوا ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أهل مكة وغيرهم ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ جحوداً للحق. سبب النزول: نزول الآية (٨٨): ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية: أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ١٧١ الُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٨٦-٨٩ ابن عباس قال: أتى النبيَّ وَّهِ سلامُ بن مشكم في عامة من يهود سماهم، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا؟ وإن هذا الذي جئت به، لا نراه متناسقاً، كما تتناسق التوراة، فأنزل علينا كتاباً نعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن امتن الله تعالى على نبيه وَ له بالنبوة وبإنزال وحيه عليه، وبتنزيل القرآن شفاء للناس، امتن عليه أيضاً ببقاء القرآن محفوظاً، رحمة بالناس، وذكّر ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر، وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإتيان بمثله، مع اشتماله على أصح القواعد، وأقوم الحكم والأحكام والآداب المفيدة للدنيا والآخرة، بل إن فصحاء اللسان الذي نزل به، وبلغاءهم عجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مثله، ولو تعاون الثقلان عليه. ويحتمل اندراج الملائكة تحت لفظ (الجن) لأنه قد يطلق عليهم هذا الاسم، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨/٣٧] وإن كان الأكثر استعماله في غير الملائكة من الأشكال الجنية المستترين عن أبصار الإنس. التفسير والبيان: بعد أن ذكر الله تعالى أنه ما آتى الناس من العلم إلا قليلاً، أبان أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل، فقال: ﴿ وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي ولو شاء ربك لذهب بهذا القليل، وسلب هذا القرآن الذي أوحينا به إليك يا محمد من الصدور والمصاحف، ولم نترك له أثراً، فهو تعالى قادر على أن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب. ١٧٢ الُعُ (١٥) - الإسْرَاةِ: ١٧ / ٨٦-٨٩ ﴿ُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي ثم لا تجد بعدئذ من تتوكل عليه وتستنصر به في رد شيء منه وإعادته محفوظاً. أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني وسعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: ((إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يُنزع منكم، قيل: كيف ينزع منا، وقد أثبته الله في قلوبنا، وثبتناه في مصاحفنا؟! قال: يُشْرَى عليه في ليلة واحدة، فينزع ما في القلوب، ويذهب ما في المصاحف، ويصبح الناس منه فقراء)) ثم قرأ: ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَ﴾ أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته ولم أذهب به، قال الرازي: وهذا امتنان من الله تعالى على جميع العلماء ببقاء القرآن بنوعين من المنة: أحدهما - تسهيل ذلك العلم عليهم. والثاني - إبقاء حفظه لهم(١). ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أي إن فضل الله عليك أيها الرسول عظيم وكبير بإرسالك للناس بشيراً ونذيراً، وبإنزال القرآن عليك وبحفظه في صدرك وفي المصاحف، وبحفظ أتباعك، وبسبب جعلك سيد ولد آدم، وختم النبيين بك، وإعطائك المقام المحمود. والخلاصة: إن الله تعالى يذكر في هذه الآية نعمته وفضله على عبده ورسوله الكريم فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأما بقية النعم والأفضال فهي تبع لذلك، فالقرآن الكريم مصدر العلوم والمعارف، ومنبع الحضارات والثقافات التي ظهرت في ربوع المسلمين. (١) تفسير الرازي: ٥٣/٢١ - ٥٤، وقال في الكشاف (٢٤٥/٢): وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً، بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه. ١٧٣ لُ (١٥) - الأشْراءِ: ١٧ / ٨٦-٨٩ ثم نبه الله تعالى على شرف هذا القرآن العظيم وأهميته وخطورته، فقال: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ﴾ قل يا محمد متحدياً: والله لئن اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا وتعاونوا وتظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن المنزل، في بلاغته، وحسن نظمه وبيانه، ومعانيه وأحكامه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان والفصاحة، لعجزوا عن الإتيان بمثله، حتى ولو كان الجميع متعاونين متآزرين فيما بينهم لتلك الغاية، فإن هذا أمر غير مستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثيل؟! ثم أبان تعالى مضمون القرآن، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي لقد بينا للناس، ورددنا البيان وكررناه على وجوه مختلفة، وألوان متعددة، وعبارات متنوعة، مرة بالإيجاز، وأخرى بالإطناب، وذكرنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، وأوضحنا الحق وشرحناه، وأتينا بالآيات والعبر، والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي، والحِكَم والتشريع، وقصص الأولين، والجنة والنار والقيامة، للعظة والعبرة. فقوله ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي من كل معنى، هو كالمثل في غرابته وحسنه ومع ذلك ﴿فَأَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ أي فأبى أكثر الناس، أي أهل مكة وأمثالهم إلا جحوداً وإنكاراً للحق، ورداً للصواب، وبقاء على الكفر. فقه الحياة أو الأحكام: تبين الآيات مدى فضل الله ونعمته على نبيه بإنزال القرآن عليه وحفظه في صدره وتثبيته في المصاحف، وانتفاع أمته به إلى يوم القيامة. وكما أن الله قادر على إنزاله، قادر على إذهابه حتى ينساه الخلق، ولكن لم يشأ الله ذلك رحمة منه بعباده. ١٧٤ لُرُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٨٦-٨٩ ومن فضل الله على نبيه أيضاً أن جعله سيد ولد آدم، وأعطاه المقام المحمود، كما أعطاه الكتاب العزيز. والقرآن هو المعجزة الباقية، والحجة الدائمة التي تحدى الله بها العرب كلهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، وهم فرسان الفصاحة، وأئمة البلاغة والبيان، ولم تنقصهم ثقافة الحياة بدليل المأثور عنهم في الجاهلية من الحكم والمعاني والقيم الإنسانية في النثر والخطابة والشعر. فوالله لئن تعاونوا مع البشر قاطبة ومع الجن، وكان بعضهم لبعض معيناً ونصيراً، كما يتعاون الشعراء على بيت شعر، لا يستطيعون الإتيان بمثل القرآن، وهذا تكذيب للكفار حين قالوا: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١/٨] . فظل القرآن هو المعجزة الباقية الناطقة بأنه من عند الله تعالى، وأنه وحي منه لرسوله وَله، وأنه حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة، فمن آمن به نجا، ومن كفر به خسر وهلك. وكان بيان القرآن شاملاً لكل شيء من شؤون الحياة، شافياً بلسم كل معذب ومحروم، موضحاً كل ما يحتاجه البشر من قضايا الدين والدنيا والآخرة، مبيناً الحق الأبلج، فأبى أهل مكة وأشباههم إلا الكفر بعد بيان الحق وتمييزه من الباطل، مع قدرتهم على طلب الحق ومعرفة الصواب. ١٧٥ لِلُزْءُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٩٠-٩٣ اقتراح المشركين إنزال إحدى آيات ست ﴿ وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن ◌َتَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا ﴿ أَوْ تُشْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًّا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَّبِكَةِ قَبِيلًا ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَاءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَّفْرَؤُهُ قُلْ ٩٣ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا القراءات: تفجر ﴾ قرئ: ١- (تفجِّر) وهي قراءة ابن کثیر، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر. ٢- (تَفْجُر) وهي قراءة الباقين. (كِسَفًا﴾: قرئ: ١- (كِسَفاً) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم. ٢- (كِسْفاً) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿ تُنَزِلَ﴾: وقرأ أبو عمرو (تُنْزِل). ﴿قُلْ سُبْحَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وابن عامر (قال سبحان). الإعراب: ﴿ كِسَفًا﴾ جمع كِسْفة، جمع تكسير، نحو كِشرة وكِسَر، وقطعة وقطع، وسِدْرة وسِدَر. ١ ١٧٦ الُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٩٠-٩٣ وقرئ (كِسْفاً) فهو اسم جنس كثمرة وثَمَر، ودُرَّة ودُرّ، وبرّة وبُرّ، ونحو ذلك مما يفرق بين واحده وجمعه التاء. ﴿قَبِيلًا﴾ مقابلاً فهو حال من الله، وحال الملائكة محذوفة، لدلالتها عليها، فإن كان بمعنى جماعة فيكون حالاً من الملائكة. البلاغة: ﴿تَفْجِيرًا﴾ ﴿رَسُولًا﴾ سجع. المفردات اللغوية: ﴿تَفْجُرَ﴾ تجريها بقوة ﴿يَنْبُوعًا﴾ عيناً ينبع منها الماء دون أن ينضب ﴿جَنَّةُ﴾ بستان تغطي أشجاره الأرض ﴿خِلَلَهَا﴾ وسطها ﴿كِسَفًا﴾ جمع كِسْفة، كقطع وقطعة، لفظاً ومعنى ﴿قَبِيلًا﴾ مقابلة وعياناً، والمراد رؤيتهم عياناً، أو جماعة فيكون حالاً من الملائكة. ﴿زُخْرُفٍ﴾ ذهب، وأصله: الزينة ﴿تَرْقَى﴾ تصعد ﴿فِ السَّمَاءِ﴾ على السلم ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ﴾ لو رقيت فيها ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا﴾ منها ﴿كِنَبًا﴾ فيه تصديقك ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿سُبْحَانَ رَبِ﴾ تعجب ﴿هَلْ﴾ ما ﴿كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولاً﴾ كسائر الرسل، فهم لم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن الله تعالى. سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن رؤساء قريش اجتمعوا عند الكعبة، فقالوا: ابعثوا إلى محمد، فكلموه وخاصموه، حتى تُعْذَروا فيه، فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك، فجاءهم سريعاً - وكان حريصاً على رُشدهم - فقالوا : - يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلتَ : ١٧٧ لُزُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٩٠-٩٣ على قومك، لقد شتمتَ الآباء، وعبتَ الدين، وسَفَّهت الأحلام، وفرَّقت الجماعة، فإن كنتَ إنما جئت بهذا لتطلب مالاً، جعلنا لك من أموالنا ما تکون به أکثرنا مالاً. - وإن كنت إنما تطلب الشَّرَف فينا، سوَّدناك علينا. - وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّاً(١)، بذلنا أموالنا في طلب الطّب حتى نبرئك منه، أو نُعذَر فيك. فقال رسول الله وَالى: ((مابي ما تقولون، ما جئتكم أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبینکم)). فقالوا: يا محمد، إن كنت غير قابلٍ منا ما عرضنا، فقد علمتَ أنه ليس أحد من الناس أضيقَ بلاداً، ولا أشدّ عيشاً منا، فسل ربك يسيّر لنا هذه الجبال، ويجري لنا أنهاراً، ويبعث من مضى من آبائنا، حتى نسألهم أحقٌّ ما تقول؟ وسلْه أن يجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة، تغنيك عنا. فأنزل الله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا الآيات(٢). ٩٠ وفي لفظ: فأنزل عليه ما قال له عبد الله بن أبي أمية. (١) رئياً: أي تابعاً من الجن. (٢) أسباب النزول للواحدي ١٦٨ وما بعدها، بإيجاز وتصرف، وأسباب النزول للسيوطي بهامش تفسير الجلالين. ١٧٨ اِلُُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٩٠-٩٣ وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾: قال: نزلت في أخي أم سلمة: عبد الله بن أبي أمية، مرسل صحيح شاهد لما قبله، يجبر المبهم في إسناده. المناسبة: بعدما تحدى الله المشركين بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، وبعدما ألزمهم الحجة، وغُلبوا على أمرهم، ببيان إعجاز القرآن، مع ظهور معجزات أخرى غيره، فتبين عجزهم عن ذلك، وإعجاز القرآن، أخذوا يتعللون، ويقترحون آيات أخرى تعنتاً وحيرة، فطلبوا إحدى آيات ست. التفسير والبيان: بعد أن أثبت الله تعالى كون القرآن معجزاً؛ لأنه كلام الله، فأثبت بذلك كون محمد واله نبياً صادقاً، وبعد أن أخرستهم الحجة، ولم يجدوا رداً مقنعاً، راوغ رؤساء قريش باقتراح إنزال إحدى ستة أنواع من المعجزات فقالوا : اً - ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ﴾ أي وقال زعماء مكة وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وأمية بن خَلَف وأبو البَخْتَري: لن نصدق برسالتك حتى تخرج لنا من الأرض ينبوعاً يتدفق، وهو العين الجارية، فإننا في صحراء مجدبة قاحلة من أرض الحجاز، وذلك سهل على الله تعالى يسير. أَ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ أو يكون لك بستان من نخيل وأعناب وغيرهما تتدفق فيه الأنهار تدفقاً بقوة، حتى يسقى الزرع والشجر وتخرج الأثمار. ◌َّ - ﴿أَوْ تُتْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ أو تسقط السماء علينا قطعاً قطعاً كما زعمت أن ربك يفعل ذلك إن شاء، ونظيره آية أخرى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندَِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ١٧٩ لِلُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ /٩٠-٩٣ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨] لأنك وعدتنا أن السماء تنشق يوم القيامة، وتتساقط أطرافها، فعجِّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كِسَفاً، أي قطعاً. وهذا مشابه لما طلبه قوم شعيب إذا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ [الشعراء: ٢٦ /١٨٧] . الصَّدِقِينَ ٤ - ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا﴾ أو تأتي بالله والملائكة معاينة ومواجهة، فيحدثونا بأنك رسول من عند الله، والمعنى: أوتأتي بالله قبيلاً، وبالملائكة قبلاً أي بأصناف الملائكة قبيلاً قبيلاً. كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١/٢٥] والقبيل: الكفيل الضامن يضمنون لنا إتيانك به، أو الشاهد (الشهيد). ه - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْثُ مِّن زُخْرُفٍ﴾ أو أن يكون لك بيت من ذهب، كما في قراءة ابن مسعود، فإنك يتيم فقير. أَ - ﴿أَوْ تَرْقَى فِىِ السَّمَاءِ﴾ أو أن تصعد في السماء على سلّم تضعها، ثم ترقى عليه، ونحن ننظر، ثم تأتي بصك معه أربعة ملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول، أو تأتي بكتاب فيه تصديقك أنك رسول من عند الله، ونقرؤه کعادتنا. ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرَا رَسُولًا﴾ قل يا محمد متعجباً من اقتراحاتهم: تنزه ربي وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، فهو الفعال لما يشاء، وما أنا إلا رسول بشر كسائر الرسل أبلّغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وليس للرسل أن يأتوا بشيء إلا بما يظهره الله على أيديهم على وفق الحكمة والمصلحة، وأمركم فيما سألتم إلى الله عز وجل، · إن شاء أجابكم وإن شاء لم يحيكم. بل إنهم لن يؤمنوا ولو جاءت الآيات كما اقترحوا، كما ذكر تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨] وَلَوْ جَاءَتْهُمْ ﴾ [يونس: ٩٦/١٠ -٩٧] . ١٩٧ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوْ اْلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ١٨٠ لِخُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٩٠-٩٣ فقه الحياة أو الأحكام: إن ضعفاء العقول ومحدودي التفكير يظنون أن الإله يفعل لهم ما يريدون، كما يحاول زعماء البشر من استرضاء الأتباع، لتحقيق المصالح المادية وجلب المنافع، وتسيير الأمور. ثم إن طلبهم مقرون بالتحدي والمراوغة والتعجيز، لا من أجل التوصل إلى التصديق والإيمان، ومعرفة حقيقة النبوة؛ إذ لو أرادوا معرفتها بحق لأقنعهم القرآن المعجزة ولكفاهم آية على تصديق هذا النبي. إنهم طلبوا إحدى آيات ست: إما تفجير الينابيع (العيون الغزيرة) بكثرة من الأرض - أرض مكة- وإما تملك الرياض والبساتين والحدائق الغناء تجري الأنهار وسطها، وإما إسقاط السماء عليهم قطعاً قطعاً، كما زعم محمد بَّله، يعنون قول الله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفَ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩/٣٤]، وإما الإتيان بالله والملائكة معاينة ومواجهة، كفيلاً بما تقول، شاهداً بصحته، وإما أن يكون لك بيت أو قصر من ذهب، وإما الصعود في معارج السماء، ولن نؤمن من أجل رقيك أو صعودك، حتى تنزل علينا كتاباً من السماء فيه تصديقك، أي كتاباً من الله تعالى إلى كل رجل منا؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ ◌ُلُّ أَمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْثَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (﴿6﴾ [المدثر: ٥٢/٧٤]. فرد الله عليهم بالجواب الحاسم: قل يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبٍِّ﴾ أي تنزيهاً لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء، وعن أن يُعترض عليه في فعل. وقيل: هذا كله تعجب من فرط كفرهم واقتراحاتهم. فما أنا إلا بشر رسول أتبع ما يوحى إلي من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحداً من البشر أتى بهذه الآيات؟!