Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الجُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٧١-٧٢
وعاقبة الحساب معروفة في الدنيا قبل الآخرة، فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اُلْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (®﴾ أي
ومن كان في الحياة الدنيا أعمى عن حجج الله وبيناته وآياته التي أبانها في
الكون، فهو يكون كذلك أعمى في الآخرة، لا يجد طريق النجاة، بل وأضل
سبيلاً من الأعمى في الدنيا. وليس المراد بالأعمى عمى البصر، بل المراد منه
عمى القلب.
والأعمى مستعار لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة، أما في الدنيا فلفقد
النظر، وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يلي:
اً - الحساب بين الخلائق يوم القيامة يكون مدعماً بالوثائق والمستندات،
فكل إنسان يدعى للحساب بكتابه الذي فيه عمله، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ
﴾ [الجاثية: ٢٨/٤٥].
(٢٨)
◌ُثَّةٍ جَائَِةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
والدعوة تكون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، خلافاً لمن قال كمحمد
ابن كعب أن الدعوة تكون بأسماء أمهاتهم؛ لأن في ذلك ستراً على آبائهم،
بدليل حديث الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالر: ((إذا جمع الله
الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غَدْرة فلان
ابن فلان)) فقوله: ((هذه غَدْرة فلان بن فلان)) دليل على أن الدعوة تكون
بأسماء الآباء لا بأسماء الأمهات.
أَ - ليس هناك فرحة بعد أهوال الحساب أشد وأغبط للنفس من فرحة
تَلَقِّي الكتاب باليمين؛ لأنه دليل النجاة والفوز والسعادة الأبدية، فاللهم
اجعلنا من أهل اليمين.

١٤٢
الجُزءُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
٣ - إن الأعمى في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق والاستدلال بآيات الله
في الكون الدالة على وجوده ووحدانيته هو في الآخرة أعمى، وأضل سبيلاً،
لا يهتدي إلى طريق النجاة، ولا يجد طريقاً إلى الهداية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى
١٢٤
[طه: ١٢٤/٢٠] وقال سبحانه: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَكْمًا
[الإسراء: ١٧ / ٩٧] .
وَصُغَّ مَأْوَهُمْ جَهٌَّّ﴾
صادى
محاولة المشركين فتنة النبي
وَسَّلا
: وطرده من مكة
مَكَلىالله
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا
لََّتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا (٣َ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
٧٤
٧٥
وَإِن كَادُواْ لَسْتَفِرُونَكَ مِنَ اْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا
٧٦
خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا
(VV
تَحْوِيلًا
القراءات:
خِلَفَكَ﴾: قرئ:
١- (خِلافك) وهي قراءة ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي،
وخلف.
٢- (خلفك) وهي قراءة الباقين.
﴿ُرُسُلِنَّا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).

١٤٣
الجُزُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
الإعراب:
﴿وَإِن كَادُواْ﴾ ﴿وَإِن﴾: مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وكذلك
في قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾.
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ﴾ ﴿سُنَّةَ﴾: منصوب على المصدر المؤكد لما قبله،
والتقدير: أهلكناهم إهلاكاً مثل سنة من قد أرسلنا قبلك، أو سن الله ذلك
سنة، فحذف المصدر وصفته، وأقيم ما أضيفت إليه الصفة مقامه.
البلاغة:
ضِعُفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِن كَادُواْ﴾ قاربوا. ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ليستنزلونك وليخدعونك في ظنهم،
لا أنهم قاربوا ذلك، إذ هو معصوم ﴿ أن يقاربوا فتنته عما أوحى الله إليه.
﴿عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الأحكام. ﴿لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ غير ما
أوحينا إليك. ﴿وَإِذَا لَّأَ تَّخَذُوَكَ خَلِيلًا﴾ أي لو فعلت ذلك، واتبعت مرادهم
لاتخذوك بافتتانك ولياً لهم، بريئاً من ولا يتي.
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْشَكَ﴾ ولولا تثبيتنا إياك على الحق بالعصمة. ﴿لَقَدْ كِدتَّ
تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم اتباعاً قليلاً،
لشدة احتيالهم وإلحاحهم، ولكن أدركتك عصمتنا، فمنعت أن تقرب من
الركون، فضلاً عن أن تركن إليهم. وهو صريح في أنه وَ له لم يركن إليهم ولا
قارب ولا هَمَّ بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، وهو دليل أيضاً على أن
العصمة بتوفيق الله وحفظه.
﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ﴾ أي لو قاربت لأذقناك. (ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ اٌلْمَمَاتِ}
أي ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، أي مثلي ما يعذب غيرك في
الدنيا والآخرة. ﴿نَصِيرًا﴾ مانعاً منه، يدفع العذاب عنك.

١٤٤
الجُزءُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
﴿ لَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ليزعجونك ويثيرونك بمعاداتهم ومكرهم
لإخراجك من أرض مكة، وقال السيوطي: أرض المدينة. قال قتادة: هم
أهل مكة بإخراج النبي وق طر من مكة، ولو فعلوا ذلك، ما أمهلوا، ولكن الله
تعالى منعهم من الخروج، حتى أمره بالخروج(١). ﴿وَإِذَا﴾ لو أخرجوك. ﴿لَّا
يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ﴾ لا يمكثون أو لا يبقون فيها بعدك أي بعد خروجك. ﴿إِلَا
قَلِيلًا﴾ إلا زماناً قليلاً، ثم يُهلكون.
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن زُسُلِنَّا﴾ أي سنتنا بك سنة الرسل قبلك،
أي كسنتنا فيهم من إهلاك من أخرجهم . ﴿تَحْوِيلًا﴾ أي تبديلاً وتغييراً.
سبب النزول:
نزول الآية (٧٣):
﴿ وَإِن كَادُوْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم وابن إسحاق
وغيرهم عن ابن عباس قال: خرج أُمية بن خَلَف، وأبو جهل بن هشام،
ورجال من قريش، فأتوا رسول الله وَله، فقالوا: يا محمد، تعالَ تمسّح
بآلهتنا، وندخل معك في دينك، وكان يحب إسلام قومه، فرقَّ لهم، فأنزل
الله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾.
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن سعيد بن جبير قال: كان
رسول الله وَلا يستلم الحجر، فقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا،
فحدَّث نفسه وقال: ما علي أن أُلَّ بها بعد أن يَدَعوني أستلم الحجر، والله
يعلم، إني لها كاره، فأبى الله ذلك، وأنزل عليه هذه الآية. وأخرج نحوه عن
ابن شهاب الزهري.
(١) تفسير الرازي: ٢٣/٢١

١٤٥
لُعُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
وقيل: نزلت الآية في ثقيف وقد سألوه وَ لهو أن يحرِّم واديهم، وألحوا عليه.
نزول الآية (٧٦):
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن
عبد الرحمن بن غنم: أن اليهود أتوا النبي وَله فقالوا: إن كنت نبياً فالحق
بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فصدّق رسول الله وَالآن ما
قالوا، فغزا غزوة تبوك يريد الشام، فلما بلغ تبوك، أنزل الله آيات من سورة
بني إسرائيل، بعدما ختمت السورة: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ وأمره بالرجوع إلى المدينة، وقال له جبريل: سل ربك، فإن
لكل نبي مسألة، فقال: ما تأمرني أن أسأل قال: قل: ﴿رَّبِّ أَدْخِى مُدْخَلَ
صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنَكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧/
٨٠] فهؤلاء نزلن في رجعته من تبوك. قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف
الإسناد، وله شاهد من مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم، ولفظه: قال
المشركون للنبي وَّ: كانت الأنبياء تسكن الشام، فمالك وللمدينة؟ فهَمَّ أن
يشخَصَ، فنزلت. وله طريق أخرى مرسلة عند ابن جرير: أن بعض اليهود
قال له. والمراد أن هذه الروايات يقوي بعضها بعضاً، فتصبح مقبولة، أي إن
هذه الآية نزلت لما قال اليهود للنبي وَلّر: إن كنت نبياً، فالحق بالشام فإنها
أرض الأنبياء. روي أنه لما نزلت قال رسول الله وَتليفون: ((اللهم لا تكلني إلى
نفسي طرفة عين)) .
المناسبة:
لما عدّد الله تعالى نعمه على بني آدم، وذكر حالهم في الآخرة من إيتاء
الكتاب باليمين لأهل السعادة، ومن عَمَى أهل الشقاوة، أتبع ذلك بما يهمّ به
الأشقياء في الدنيا من المكر والخداع والتلبيس على النبي ◌َّ سيد أهل
السعادة، المقطوع له بالعصمة.

١٤٦
الُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
وسبب هذه المساومات والخديعات: رجاؤهم أن يفتري على الله غير ما
أوحى الله إليه من تبديل الوعد وعيداً، وبالعكس، وما اقترحته ثقيف من أن
يضيف إلى الله ما لم ينزل عليه.
التفسير والبيان:
المعنى وإن همَّ المشركون وقاربوا بمكائدهم وخداعهم أن يصرفوك عما
أوحينا إليك من الشرائع والأحكام من أوامر ونواه ووعد ووعيد، لتفتري
علينا غير الذي أوحيناه إليك، وتتقول علينا مالم نقل، وتخترع غيره وتبدل فيه
كما أرادوا من تبديل الوعد وعيداً، والوعيد وعداً، وما اقترحته ثقيف من أن
تضيف إلى الله مالم ينزل عليك.
﴿وَإِذَا لَّأَ تَّخَذُوَكَ خَلِيلًا﴾ أي وحينئذ لو اتبعت ما يريدون، وفعلت ما
يطلبون لاتخذوك صديقاً لهم، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على ما هم عليه
من الشرك، ولكنت لهم ولياً مناصراً، وخرجت من ولايتي.
﴿وَلَوْلَآ أَنْ ثَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾﴾ أي ولولا
تثبيتنا لك على الحق وعصمتنا إياك، لقاربت أن تميل إلى خداعهم ومكرهم،
میلاً ورکوناً قليلاً.
وهذا تهييج من الله لنبيه، وبيان فضل تثبيته له، ولطف بالمؤمنين، أي إنه
ربما هادنتهم، لا لضعف إيمانك، بل لشدة مبالغتهم في المكر والحيلة
. والخداع، ولكن عنايتنا منعتك من الركون إليهم. وهو تصريح بأن النبي وَلّ لم
يصدر منه همّ بمجاملتهم ومجاراتهم، بل ولم يقترب من ذلك.
وهو دليل على تأييد الله لرسوله وتثبيته وعصمته وتسليمه من مكائد
الكفار، وأنه تعالى هو المتولي أمره وحافظه وناصره، وأنه لا يكله إلى أحد من
خلقه، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه.

١٤٧
الُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي وَّ: ((اللهم لا تكلني إلى نفسي
طرفة عين)).
وإمعاناً في العصمة والصون توعده الله على ماقد يكون على سبيل الاحتمال
والافتراض، وإن لم يحصل فقال:
﴿إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي لو فعلت ذلك
لعاقبناك بعقوبة مضاعفة في الدنيا والآخرة ويكون المراد بالآية ضعف عذاب
الحياة وضعف عذاب الممات أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ لأن ذنب
القائد أو العظيم يستحق عقاباً أشد وأعظم، لذا يعاقب العالم القدوة أشد من
عقوبة العامي التابع له، قال ◌َ ر فيما أخرجه مالك وأحمد ومسلم وأصحاب
السنن إلا أبا داود عن أبي جحيفة وواثلة بن الأسقع: ((من سنَّ سنة سيئة،
فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)). والضعف: أن يضم إلى
الشيء مثله.
وهذا وارد أيضاً في عقوبة نساء النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ
مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعُفَيْنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠/٣٣].
ومن مكائد أهل مكة محاولة إخراج النبي وَّر من مكة، كما قال تعالى:
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ أي ولقد قارب أهل
مكة أيضاً أن يزعجوك بعداوتهم ومكرهم، ويخرجوك من أرضهم التي أنت
فيها أي أرض مكة.
﴿وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي وإذا أخرجوك لا يبقون بعد
إخراجك إلا زماناً قليلاً، فإن الله مهلكهم، وحدث هذا الوعيد كما قال،
فقد أهلكهم الله ببدر بعد إخراجه بقليل، وهو ثمانية عشر شهراً بعد الهجرة أو
الإخراج.

١٤٨
لُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَّا﴾ أي هكذا عادتنا في الذين كفروا
برسلنا وآذَوْهم أن يأتيهم العذاب، بخروج الرسول من بينهم، فكل قوم
أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم، فسنة الله أن يهلكهم، ولولا أنه وله
الرحمة المهداة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣/٨].
﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَحْوِيلًا﴾ أي لا تغيير لسنة الله ونظامه وعادته، ولا خُلْف
في وعده.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى العبر والعظات والأحكام التالية:
اً - تعرض النبي وَله لأنواع شتى من مكائد المشركين في مكة وألوان
خداعهم ومساوماتهم، ومن أخطرها محاولات افتراء تغيير الوحي وتبديله،
وإخراجه وطرده من مكة موطنه الأصلي.
أما محاولة تبديل الوحي وإقرارهم على شيء من قواعد شركهم وجاهليتهم
فباءت بالفشل والخيبة، ولم يتم لهم ما أرادوا، لا قليلاً ولا غيره بتأييد الله
وعصمته.
وأما محاولة الإخراج من مكة فتم لهم مرادهم حينما أمره الله بالخروج،
ولكنهم بعدها تعرضوا للقتل في بدر، وإلى فتح مكة موطنهم، وإسلام بعض
زعمائهم، وانتشار الإسلام فيها وفي أنحاء الجزيرة العربية، فتداعت معاقل
الشرك، وتهدمت حصون الوثنية، وحل الإسلام محلها.
٣ - لا يشكن أحد في أن النبي وَلّ معصوم، وأنه لم يهادن الكفر والكفار
والشرك والمشركين، بل ولم يهتمّ في ذلك، وإنما كانت الآيات تهيجاً له،
وتهديداً على مجرد الاحتمال والافتراض.

١٤٩
الُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٧٣-٧٧
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يدل على قرب وقوعه في الفتنة، لا
على الوقوع في تلك الفتنة، فلو قلنا: كاد الأمير أن يضرب فلاناً، لا يفهم منه
أنه ضربه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن تَبَّنْتَكَ﴾ لا يدل على قرب ركونه إلى دينهم والميل
إلى مذهبهم؛ لأن كلمة ﴿وَلَوْلَا﴾ تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، تقول: لولا
علي لهلك عمر، معناه أن وجود علي منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك
معنى الآية: أنه حصل تثبيت الله تعالى لمحمد ◌َله، فكان حصول ذلك التثبيت
مانعاً من حصول ذلك الركون.
والوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَّأَذَقْنَكَ﴾ لا يدل على سبق وجود
جرم وجناية؛ لأن التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها، كما في
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا
33
آيات أخرى: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اٌلْأَفَاوِيلِ
﴾ [الحاقة: ٤٤/٦٩-٤٦] ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٣٩/
مِنْهُ أَلْوَتِينَ
٤٦
٦٥]. ﴿وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَاَلْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨/٣٣].
◌َ - احتج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ
، على أنه لا عصمة عن المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى،
إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا (9َ))
فالله عاصمه وناصره ومؤيده ومُثبّته.
٤ - منع الله أهل مكة من إخراج النبي وَلخير من مكة، ولو فعلوا ذلك ما
أمهلوا، ولكن الله منعهم من إخراجه، حتى أمره الله بالخروج، ثم إنه قلَّ
لبثهم بعد خروج النبي ◌ُّر من مكة، حتى قتلوا يوم بدر.
فالأصح الذي عليه المفسرون هو قول قتادة ومجاهد: أن هذه الآية ﴿وَإِن
كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ﴾ نزلت في هَمِّ أهل مكة بإخراج النبي ◌َّ، ولو أخرجوه
لما أمهلوا، ولكن الله أمره بالهجرة فخرج؛ لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها
خبر عن أهل مكة. فقوله ﴿مِنَ اُلْأَرْضِ﴾ يريد أرض مكة، وقوله: ﴿وَكَأَتِنِ مِّن

١٥٠
الجُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ﴾ [محمد: ١٣/٤٧] يعني مكة، ومعناه: همّ أهلها
بإخراجه.
٥ - سنة الله الثابتة الدائمة تعذيب كل قوم أخرجوا رسولهم من بلده، فإذا
أخرجوه أهلكوا ودمّروا.
صلالله
وسام
أوامر وتوجيهات وتعليمات للنبي
﴿أَفِعِ الضَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اٌلَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودًا ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامًا مَّحْمُودًا (﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى نُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِّي
مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا
خَسَارًا
﴾ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِحَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّئُ كَانَ يَئُوسًا
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا
وَيَسْتَلُونَكَ
٨٤
عَنِ الرُّوحَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
٨٥
القراءات:
﴿ وَقُرْءَانَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (وقران).
﴿ وَنُنَزِّلُ﴾:
وقرأ أبو عمرو (ونُنْزِل).
﴿ وَنَا﴾:

١٥١
لِلُ (١٥) - الإشرارةِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
وقرأ ابن ذكوان (وناء).
الإعراب:
﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ اللام لام الوقت والأجل؛ لأن الوقت سبب الوجوب.
﴿وَقُرْءَانَ اُلْفَجْرِّ﴾ معطوف منصوب على قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ﴾ أي أقم
الصلاة وقرآن الفجر، أو منصوب بفعل مقدّر، أي واقرؤوا قرآن الفجر.
﴿مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ منصوب على الظرف بإضمار فعله، أي فيقيمك مقاماً، أو
بتضمين يبعثك معناه، أو حال أي أن يبعثك ذا مقام.
﴿ وَمِنَ الَِّلِ﴾ الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: قم، و ﴿من﴾
للتبعيض، والمعنى قم بعض الليل.
البلاغة:
﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ مجاز مرسل من إطلاق الجزء على الكل، أي قراءة
الفجر، وهي صلاة الفجر؛ لأن القراءة جزء منها.
﴿إِنَّ قُرْءَانَ أَلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ إظهار محل الإضمار لمزيد العناية
والاهتمام، بعد قوله: ﴿قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ﴾.
﴿ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى نُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ بينهما مقابلة، وكذا بين
جَّةَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَشَا بِجَانِهٌ وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ﴾ فيه إسناد الخير
إلى الله والشر لغيره، لتعليم الأدب مع الله تعالى.
﴿مِنَ اُلْقُرْءَانِ﴾ ﴿مِنَ﴾: للتبيين أو للتبعيض.
المفردات اللغوية:
﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ هو زوال الشمس عن منتصف كبد السماء نصف

١٥٢
لِلُعُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
النهار، وتحولها من جهة المشرق إلى جهة المغرب ﴿إِلَى غَسَقِ اُلَتْلِ﴾ إقبال
ظلمته، وقدوم سواد الليل وشدة الظلمة، وهذا يشمل أربع صلوات: الظهر
والعصر والمغرب والعشاء ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ صلاة الصبح ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾
تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أو شواهد القدرة من تبدل بالظلمة
الضياء، وبالنوم اليقظة والحركة، وبهذا تكون الآية جامعة الصلوات الخمس.
﴿فَتَهَجَدْ بِهِ﴾ فصل صلاة التهجد، والضمير للقرآن. والتهجد: ترك
الهجود أي النوم للصلاة، أي الاستيقاظ من النوم للصلاة ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾
فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك، لاختصاص وجوبه
بك، دون أمتك ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ﴾ يقيمك ﴿رَبُّكَ﴾ في الآخرة ﴿مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾
يحمدك فيه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء؛
لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((هو المقام
الذي أشفع فيه لأمتي)».
﴿أَدْخِلْنِى﴾ المدينة ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدخالاً مرضياً لا أرى فيه ما أكره
﴿ وَأَخْرِجْنِى﴾ من مكة ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ إخراجاً لا ألتفت بقلبي إليه ﴿سُلْطَانًا
نَّصِيرًا﴾ قوة تنصرني بها على أعدائك، والسلطان: الحجة البينة، والنصير:
الناصر والمعين ﴿وَقُلْ﴾ عند دخولك مكة ﴿جَآءَ اُلْحَقُّ﴾ الإسلام ﴿وَزَهَقَ
الْبَاطِلُ﴾ ذهب أو بطل وزال، أو اضمحل الشرك والكفر ﴿زَهُوقًا﴾ مضمحلاً
زائلاً. روى الشيخان عن ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة يوم
الفتح، وفيها ثلاث مئة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول
ذلك - أي ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾ - حتى سقطت، وبقي صنم خزاعة
فوق الكعبة، وكان من صُفْر - نحاس - فقال: يا علي، ارم به، فصعد، فرمى
به و کسره.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ﴾ ﴿مِنَ﴾: لبيان الجنس وقيل: للتبعيض ﴿مَا هُوَ
١

١٥٣
الُزُ (١٥) - الإشراءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
لا
شِفَاءٌ﴾ من الضلالة ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ به، والمعنى على أن ﴿مِنَ﴾ للبيان فإن
كله كذلك: ننزل القرآن الذي فيه تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم، کالدواء
الشافي للمرضى، والمعنى على أن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض: أن منه ما يشفي من
المرض كالفاتحة وآيات الشفاء . ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ولا يزيد
الکافرین إلا خسارة، لتکذیبهم وكفرهم به.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ﴾ بالصحة والسعادة على جنس الإنسان، وقيل:
الكافر ﴿أَعْرَضَ﴾ عن الشكر وعن ذكر الله ﴿وَنَا بِجَانِبٌِّ﴾ لوى جانبه (عِظْفه)
عن الطاعة وولاه ظهره متبختراً ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ﴾ من مرض أو فقر أو شدة
﴿كَانَ يَئُوسًا﴾ قنوطاً من رحمة الله أو شديد اليأس من روح الله.
﴿قُلْ كُلُّ﴾ قل يا محمد: كل منا ومنكم ﴿يَعْمَلُ عَلَى شَاكِتِهِ،﴾ مذهبه
وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، فالشاكلة: الطبيعة والعادة
والدين ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أسدّ طريقاً وأقوم منهجاً، فيكافئه حسبما يستحق.
﴿ وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أي اليهود ﴿عَنِ الرُّوحِّ﴾ أي عن ماهيتها وحقيقتها وهي ما
يحيى به البدن، وهو اسم جنس على الظاهر ﴿قُلِ﴾ لهم ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِِّ﴾ أي
من الإبداعات الكائنة بكن من غير مادة ولا تولد من أصل، وقيل: مما
استأثره الله بعلمه، لما روي أن اليهود قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب
الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس
بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض، فهو نبي، فبين لهم القصتين،
وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
بالنسبة إلى علمه تعالى، وهو ما تستفيدونه بحواسكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٨٠):
﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى﴾ الآية: أخرج الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس

١٥٤
الُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
قال: كان النبيِ وَّه بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى
مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.
نزول الآية (٨٥):
﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾: أخرج البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي
مع النبي ◌َّ بالمدينة، وهو متوكئ على عسيب، فمر بنفر من قريش، فقال
بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حَدِّثنا عن الروح، فقام ساعة، ورفع رأسه،
فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿اُلُّوجَّ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ
رَبِى وَمَا أُوْتِبْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وأخرج الترمذي عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: علمونا شيئاً
نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ
عَنِ الرُّوحَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ لكن حديث البخاري يدل على أن الآية
مدنية، مع أن السورة كلها مكية، وأن سؤال قريش يدل على أنها مكية.
قال ابن كثير: يجمع بين الحديثين بتعدد النزول، أي قد تكون نزلت عليه
بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه
يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي آية: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحْ﴾(١). وكذا قال الحافظ ابن حجر. قال السيوطي: أو يحمل سكوته حين
سؤال اليهود على توقع مزيد بيان في ذلك، وإلا فما في الصحيح أصح،
ويرجح ما في الصحيح بأن راويه حاضر القصة، بخلاف ابن عباس.
والحقيقة، كما سنذكر في سبب نزول قصة أصحاب الكهف أن النفر من
قريش قدموا إلى المدينة، واستشاروا اليهود، كما ذكر ابن إسحاق، وتظل
الآية مكية.
(١) تفسير ابن كثير: ٦٠/٣

١٥٥
الُعُ (١٥) - الإشرارةِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى كيد الكفار واستفزازهم للرسول ◌َلقر، وما كانوا
يرومون به، أمره تعالى بالإقبال على عبادة ربه، وألا يشغل قلبه بهم. وقد تقدم
القول في الإلهيات والمعاد والنبوات، فأردف ذلك بالأمر بأشرف العبادات
والطاعات بعد الإيمان، وهي الصلاة.
ثم وعده ربه في الآخرة بالمقام المحمود وهو الشفاعة العظمى باتفاق
المفسرين، ولما أمره تعالى بإقامة الصلاة والتهجد ووعده بالمقام المحمود، أمره
بأن يدعوه بما يشمل الأمور الدينية والأخروية بقوله: ﴿وَقُل رَّبٍّ أَدْخِنِى﴾
والظاهر - كما قال أبو حيان - أنه عام في جميع موارده ومصادره دنيوية
وأخروية. والصدق هنا: لفظ يقتضي رفع المذامّ، واستيعاب المدح.
ثم أبان الله تعالى أن ما أنزل عليه من القرآن فيه شفاء النفوس والقلوب من
الداء الحسي والمعنوي وهو مرض الاعتقاد، ثم عرّض بما أنعم به، وما حواه
من لطائف الشرائع على الإنسان، وإعراضه عنه تكبراً، ثم رد على اليهود
والمشركين المعرضين عن الإيمان، السائلين عن الروح تعنتاً وتعجيزاً.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى رسوله وَله في الآية الأولى بإقامة الصلوات المكتوبات في
أوقاتها، والمعنى: أيها الرسول، أدّ الصلاة المفروضة عليك وعلى أمتك تامة
الأركان والشروط، من بعد زوال الشمس إلى ظلمة الليل، وذلك يشمل
الصلوات الأربع: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. والدلوك: ميل الشمس
وزوالها عن كبد السماء ووسطها وقت الظهر. وإنما وجه الخطاب للنبي وَط هور
والمراد أمته أيضاً لمكانة المأمور به وهو الصلاة.
﴿ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ أي وأقم صلاة الفجر، وتلك هي الصلاة الخامسة.

١٥٦
الجُزُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
وقد أبانت السنة المتواترة من أقوال الرسول و لي﴾ وأفعاله مقادير أوقات الصلاة
بدءاً وانتهاءً، على النحو المعروف اليوم.
﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي إن صلاة الفجر تشهدها ملائكة
الليل والنهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء في وقت تبادل المهام والوظائف.
وسميت صلاة الصبح قرآناً وهو القراءة؛ لأنها ركن، كما سميت الصلاة
ركوعاً وسجوداً وقنوتاً. ويجوز أن يكون ﴿وَقُرْءَانَ اٌلْفَجْرِّ﴾ حثاً على طول
القراءة في صلاة الفجر، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة (١).
روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي وَّ في
قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: ((تشهده ملائكة
الليل وملائكة النهار)).
وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً عن النبي وَلّه قال:
((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح،
وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم -
كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم
يصلون)».
وقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء
ويقيم هؤلاء.
وقد يكون المراد بقوله ﴿مَشْهُودًا﴾ الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة
بجماعة، والمعنى كونها مشهودة بالجماعة الكثيرة، أو شهود كمال قدرة الله
تعالى، من اختلاط الظلمة بالضوء، والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء
(١) الكشاف: ٢٤٣/٢

١٥٧
الُ (١٥) - الاشِرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
مناسب للحياة والوجود، وينتقل العالم من الظلمة إلى الضوء، ومن الموت
بالمنام إلى الحياة، ومن السكون إلى الحركة، ومن العدم إلى الوجود (١).
﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ هذا فرض آخر خاص بالنبي ◌َّ وهو
صلاة التهجد، والمعنى: قم للصلاة في جزء من الليل وهو أول أمر للنبي وَّ
بقيام الليل، زيادة على الصلوات المفروضة (المكتوبة). روى مسلم عن أبي
هريرة أن النبي و # سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: ((صلاة الليل))
ولهذا أمر الله تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد: ما كان
بعد نوم. وثبت عن جماعة من الصحابة أن النبي ◌ّقر كان يتهجد بعد نومه.
وقوله ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، مخصوصة
بك دون الأمة، وهي فريضة عليك خاصة، دون غيرك، وأما أمتك فهي لهم
مندوبة أو تطوع لهم. وهذا هو الراجح. وقيل: المراد أن قيام الليل في حقه وله
نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما غيره
من أمته فإن النوافل تُكفِّر ذنوبهم. ورد ابن جرير هذا القول؛ لأنه وَل# كان
مأموراً بالاستغفار ﴿وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣/١١٠] وكان ◌َله
يزيد في الاستغفار في اليوم على مئة مرة، وكلما اشتد قرب العبد من ربه،
كلما زاد خوفه منه، وإن كان السيد قد أمَّنه، وذلك مقام يعرفه أهله.
﴿عَسَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ أي افعل هذا الذي أمرتك به،
لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم تبارك
وتعالى، كما قال ابن كثير.
وأجمع المفسرون - كما ذكر الواحدي - على أنه مقام الشفاعة العظمى في
(١) تفسير الرازي: ٢٨/٢١

١٥٨
◌ِلُعُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
إسقاط العقاب. وهو - كما ذكر ابن جرير - مقام النبي * يوم القيامة
للشفاعة بالناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم.
وكلمة ﴿عَسَى﴾ في كلام العرب تفيد التوقع، وهي هنا للوجوب؛ لأنها
تفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه، كان غارًّاً، وهذا المعنى
مستحيل على الله تعالى، فهذه الكلمة من الكريم إطماع محقق الوقوع، وهي
من الله باتفاق المفسرين واجب.
والمقام المحمود: هو المكان المرموق، والمركز المعلوم المعدّ للنبي ◌َّ، وهو
كما بينا مقام الشفاعة التي يتخلى عنها كل نبي ورسول، أما الرسول وَله
فيقول: ((أنا لها أنا لها))، فيشفع بالخلق جميعاً لتقديمهم للحساب، وتخليصهم
من وهج الشمس الشديد التي تدنو من الرؤوس، ويتمنون الانصراف ولو إلى
النار.
روى مسلم بسنده عن النبي ◌ََّ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ قال: ((هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه)).
وروى النسائي والحاكم عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((يجمع الله الناس في
صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حُفَاة عُراةً كما خلقوا، قياماً
لا تَكلم نفس إلا بإذنه، فينادِي: يا محمد، فيقول: لبّيك وسَعْديك، والخير في
يديك، والشر ليس إليك، والمهديُّ: من هَديتَ، وعبدُك بين يديك، وبك
وإليك، لا ملجأ ولا مَنْجى منك إلا إليك، تباركتَ وتعاليتَ، سبحانك ربَّ
البيت، فهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل)).
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَلام قال: ((من قال
حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتٍ محمداً
الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم
القيامة)).

١٥٩
الُ (١٥) - الأشْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي بن كعب، عن النبي ◌َّ قال:
((إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير
فخر)).
وبمناسبة أمر النبي ◌َّهِ بالهجرة أنزل الله: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾
أي وقل يا محمد داعياً: ربّ أدخلني في الدنيا والآخرة إدخالاً مرضياً حسناً،
لا يكره فيه ما يكره، يوصف صاحبه بأنه صادق في قوله وفعله، وأخرجني
إخراجاً مرضياً حسناً، مكللاً بالكرامة، آمناً من السخط، يستحق الخارج منه
أن يوصف بأنه صادق.
وهذا يشمل كل مدخل للنبي وكل مخرج كدخوله المدينة وخروجه من مكة،
ودخوله القبر وخروجه منه للبعث، ودخوله مكة فاتحاً وخروجه منها آمناً.
وخصص بعضهم الآية بأنها نزلت حين أمر النبي وَل 9 بالهجرة، يريد إدخال
المدينة والإخراج من مكة، أو إدخاله مكة منتصراً فاتحاً وإخراجه منها آمناً من
المشركين.
﴿ وَأَجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أي واجعل لي حجة بينة تنصرني على
من خالفني، أو ملكاً وعزاً قوياً، ناصراً للإسلام على الكفر، ومظهراً له
عليه، قال الحسن البصري: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس،
وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له.
وقد أنجز له وعده، وأجيبت دعوته، فتحقق له العصمة الشخصية: ﴿وَاَللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧/٥] وانتشار الإسلام وتفوقه على الأديان
كلها: ﴿ُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣/٩] وانتصار الدولة والملك:
﴿فَإِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦/٥] ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [النور:
٥٥/٢٤].

١٦٠
لِلُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٧٨-٨٥
وطلبه السلطة والملك ليس لشهوة السلطة وإنما لحماية حرمات الإسلام؛
لأنه لابد للحق من قهر لمن عاداه وناوأه، وناصر وحام له، لذا قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَِّّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَأَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥/٥٧] فقرن
الله بين الرسالة والبيان وبين الحديد والقوة، وفي الأثر عن عثمان: ((إن الله
لَيَزَعُ بالسلطان مالا يَزَعُ بالقرآن)» أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش
والآثام مالا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعد الأكيد والتهديد
الشديد، وهذا هو الواقع.
ثم هدد كفار قريش وأوعدهم بقوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلٌ﴾ أي
وقل للمشركين: جاء الحق من الله الذي لا مرية فيه، وهو الإسلام، وما بعثه
الله به من القرآن والإيمان، والعلم النافع، واضمحل وهلك الباطل وهو
الشرك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء، كما قال تعالى: ﴿بَلْ
نَفْذِفُ بِلَلَّْ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨/٢١].
﴿إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾ أي إن الباطل كان مضمحلاً لا قرار له، غير
ثابت في كل وقت.
وقد تلا النبي ◌َّر هذه الآية حين كسر الأصنام، وهو يفتح مكة.
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود، قال:
دخل النبي وَل مكة، وحول البيت ستون وثلاث مئة نصب، فجعل يطعنها
بعود في يده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُ وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾، ﴿قُلْ
﴾ [سبأ: ٤٩/٣٤]. وقال الحافظ أبو
٤٩
جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ
يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله وَلفي مكة،
وحول البيت ثلاث مئة وستون صنماً تُعبد من دون الله، فأمر بها رسول الله
وَهِ، فَأُكَبَّت على وجوهها، وقال: ﴿جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
زَهُوقًا﴾.