Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
الْجُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٤-١١٩
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
اً - إباحة الحلال الطيب الذي لا ضرر فيه، وتحريم الخبيث الضار الذي
يؤدي إلى الأذى والشر، وذلك بحق يقتضي شكر النعمة.
◌َ - المحرمات الأساسية في الشريعة أربعة: هي الميتة والدم ولحم الخنزير،
والمذبوح لغير الله من الأصنام وغيرها.
٣ - يباح للضرورة التي يترتب على مخالفتها غلبة الظن بالوقوع في الهلاك
تناول شيء من الأطعمة المحرمة المذكورة آنفاً.
٤ - تحذير المؤمنين من التشبه بالكفار في تحليل الحرام وتحريم الحلال، دون
دليل أو برهان من المشرع الحقيقي وهو الله، فذلك افتراء على الله الكذب،
والمفترون لا يفلحون في الدنيا والآخرة. فمتاعهم في الدنيا متاع قليل،
ونعيمها يزول عن قريب، ولهم استمتاع بمتاع قليل، ثم يردون إلى عذاب
أليم.
٥ - التحليل والتحريم إنما هو الله عز وجل، وليس لأحد أن يقول أو
يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يخبر الله تعالى بذلك عنه. وما يؤدي
إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول المجتهد فيه: إني أكره كذا، وهكذا كان يفعل
مالك وأحمد وغيرهما من أهل الفتوى من السلف الصالح. فإذا قوي دليل
التحريم فلا بأس بالقول بأنه حرام، كتحريم الربا في غير الأصناف الستة
الواردة في تحريم الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة.
أَ - الأنعام والحرْث (الزروع والثمار) حلال لهذه الأمة، فأما اليهود
فحرمت عليهم منها أشياء، وما ظلمهم الله بتحريم ما حرم عليهم، ولكن
ظلموا أنفسهم، فحرم عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم.

٥٨٢
لُعُ (١٤) - النخلِآ: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
لاً - اقتضت رحمة الله وفضله وكرمه أن يقبل توبة عباده الذين يعملون
السوء من الكفر والمعاصي، ثم يتوبون بعد فعلها، ويصلحون أعمالهم، فيغفر
الله لهم.
إبراهيم عليه السلام
واتباع ملته وتعظيم اليهود السبت
شَاكِرًا
٢٠
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَءَاتَيْنَهُ فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى
لِأَنْعُمِِّ اجْتَبَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
، ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
١٢٢
اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٢٣
لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
١٢٤
القراءات:
﴿صِرَاطٍ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
الإعراب:
صن
﴿حَنِيفًا﴾ حال من الضمير المرفوع في ﴿أَتَِّعْ﴾ ولا يحسن أن يكون حالاً
من ﴿إِبْرَهِيمَ﴾ لأنه مضاف إليه.
البلاغة:
﴿ كَانَ أُمَّةً﴾ أي كان رجلاً جامعاً للخير، كالأمة والجماعة؛ لاتصافه
بأوصاف كثيرة.

٥٨٣
الُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
﴿وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ التفات عن الغيبة إلى التكلم، زيادة في تعظيم
أمره.
المفردات اللغوية:
﴿أُمَّةً﴾ إماماً قدوة جامعاً لخصال الخير، والأصل في الأمة: الجماعة
الكثيرة، وسمي إبراهيم بذلك؛ لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا
متفرقة في أشخاص كثيرة، كما قال أبو نواس مادحاً الرشيد:
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
ولأنه عليه السلام كان وحده مؤمناً، وكان سائر الناس كفاراً.
﴿فَانِتًا﴾ مطيعاً لله قائماً بأمره. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الدين الباطل إلى الدين
الحق القيم . ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعموا، فإن قريشاً كانوا يزعمون
أنهم على ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِةِ﴾
ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة، فكيف
بالكثيرة؟ ﴿اَجْتَبَنَهُ﴾ اصطفاه للنبوة. ﴿وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الدعوة إلى
الله. ﴿ وَءَاتَيْنَهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة. ﴿حَسَنَةً﴾ هي الثناء الحسن ومحبة أهل
الأديان جميعاً له . ﴿لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ الذين لهم الدرجات العُلا، من أهل الجنة،
كما سأله بقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد، و﴿ثُمَّ﴾: إما لتعظيمه والتنبيه على أن أجل
ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول وَلّ ملته، أو لتراخي أيامه. ﴿أَنِ أَتَّعْ مِلَّةَ
إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ أن اتبع دين إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه بالرفق، وإيراد
الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه . ﴿وَمَا كَانَ مِنَ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان قدوة الموحدين. وكرر رداً على زعم اليهود والنصارى أنهم
کانوا علی دینه.

٥٨٤
الجُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ فرض تعظيمه، والتخلي فيه للعبادة، وترك الصيد
فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ أي على نبيهم، وهم اليهود، أمرهم موسى
عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة، فقالوا: لا نريده، وإنما نريد يوم
السبت؛ لأنه تعالى فَرَغ فيه من خلق السماوات والأرض، فشدَّد الله عليهم،
وألزمهم السبت. وقيل: معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين
اختلفوا فيه، فأحلوا الصيد فيه تارة، وحرموه أخرى، واحتالوا له الحيل.
وذكر ذلك هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ
لَيَحْكُمُ بَيَِّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالمجازاة على
الاختلاف، أو بمجازاة كل فريق من الذين أبوا تعظيم السبت والمعظمين له
بما يستحقه، من إثابة الطائع، وتعذيب العاصي بانتهاك حرمته.
المناسبة:
بعد أن أبطل الله تعالى مذاهب المشركين من إثبات الشركاء لله، والطعن في
نبوة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وتحليل أشياء حرمها الله وتحريم أشياء
أباحها الله، وكانوا مفتخرين بجدهم إبراهيم عليه السلام، مقرين بحسن
طريقته ووجوب الاقتداء به، بعد إبطال ذلك كله، ختم تعالى هذه السورة
بذكر إبراهيم رئيس الموحدين، وقدوة الأصوليين، ليتأسوا به إن كانوا
صادقين في اتباع ملته، ولحمل المشركين على الإقرار بالتوحيد، والرجوع عن
الشرك، والاقتداء به لاتصافه بصفات تسع.
وبعد وصف إبراهيم بهذه الصفات العالية، أمر الله نبيه محمداً وَله باتباع
ملة إبراهيم - ملة التوحيد.
وبما أن محمداً وَّيه اختار يوم الجمعة، فذلك يدل على أن إبراهيم عليه
السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وهذا يستدعي السؤال: لمَ اختار
اليهود يوم السبت؟ فأجاب الله تعالى بأن تعظيم السبت واتخاذه للعبادة لم يكن

٥٨٥
الجُ (١٤) - التحَلِآ: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
من شرع إبراهيم ولا دينه، وإنما كان مفروضاً على اليهود الذين اختلفوا على
نبيهم موسى عليه السلام في شأن تعظيمه، حيث أمرهم بالجمعة، فاختاروا
السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافاً على نبيهم في ذلك اليوم، وليس
اختلافهم في أن منهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به؛ لأن اليهود
اتفقوا على ذلك، وهذا هو ما صححه الرازي(١).
التفسير والبيان:
يمدح الله تعالى إبراهيم إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين،
ومن اليهودية والنصرانية، فيقول: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلِّ﴾.
أي إنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بتسع صفات هي:
اً - إنه كان أمة، أي كان وحده أمة من الأمم، لكماله في صفات الخير.
والمعنى: أنه الإمام الذي يقتدى به.
اَ - كونه قانتاً لله، أي خاشعاً مطيعاً لله قائماً بأمره.
◌َّ - كونه حنيفاً، أي مائلاً عن الشرك والباطل قصداً إلى التوحيد.
٤ - إنه ما كان من المشركين، بل كان من الموحدين في الصغر والكبر، فهو
الذي قال لملِك زمانه: ﴿رَبَِّ اُلَّذِى يُحْىِ، وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨/٢] وهو
الذي أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: ﴿لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام:
٧٦/٦] ثم كسر الأصنام حتى ألقوه في النار.
ونظير الآية قوله: ﴿مَا كَانَ إِنَزَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا
[آل عمران: ٦٧/٣].
◌ُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(١) تفسير الرازي: ١٣٧/٢٠

٥٨٦
الُرُ (١٤) - الْحَمِ}: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
٥ - شاكراً لأنعم الله عليه، والأنعم وإن كان جمع قلة إلا أن المراد به أنه
كان شاكراً لجميع نعم الله إن كانت قليلة، فبالأولى الكثيرة، وهذا كما قال
(ب) [النجم: ٣٧/٥٣] أي قام بجميع ما أمره الله
تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وََ
تعالى به. وهذا تعريض بكل من جحد بأنعم الله مثل قريش وغيرهم.
وَلَقَدْ
أَ - إنه اجتباه ربه، أي اختاره واصطفاه للنبوة، كما قال:
ءَنَيْنَآ إِنَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥١/٢١].
لاً - إنه هداه إلى صراط مستقيم، أي في الدعوة إلى الله والترغيب في الدين
الحق، والتنفير عن الدين الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣/٦].
٨ - وآتاه الله في الدنيا حسنة، أي إن الله حببه إلى جميع الخلق، فكل أهل
الأديان يُقرُّون به، سواء المسلمون واليهود والنصارى، أما كفار قريش وسائر
العرب، فلا فخر لهم إلا به، وهذا إجابة لدعائه إذ قال: ﴿ وَأَجْعَل لِى لِسَانَ
﴾ [الشعراء: ٨٤/٢٦].
١٨٤
صِدْقٍ فِ اَلْآَخِينَ
1 - وإنه في الآخرة لمن الصالحين أي في زمرتهم، تحقيقاً لدعائه ﴿رَبِّ هَبْ
◌َهُ﴾ [الشعراء: ٨٣/٢٦] وكونه مع الصالحين
لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
لا ينفي أن يكون من أعلى مقامات الصالحين؛ لقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ
ج
حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣/٦].
وبعد تعداد هذه الصفات العالية لإبراهيم عليه السلام، أمر الله نبيه
باتباعه، فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ وبناء على كماله وصحة توحيده
وطريقته، أوحينا إليك أيها الرسول أن اتبع ملة إبراهيم الحنيف المائل عن كل
الأديان والشرك والباطل إلى دين التوحيد، وما كان مشركاً، وذكر ذلك
لزيادة التأكيد، وهو يدل على أن اتباع ملة إبراهيم إنما هو في الأصول أي
الدعوة إلى التوحيد وفضائل الأخلاق والأعمال. أما الفروع فقد تختلف؛

٥٨٧
لُزُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ ﴾ [المائدة: ٤٨/٥] وذلك حسب
تطور الأزمنة واكتمال العقل والنضج الإنساني، ومراعاة أحوال الأمم
والشعوب. وذكر ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يدل على تعظيم منزلة
رسول الله وسلّ، والدلالة على أن أشرف كرامة وأجل نعمة لإبراهيم الخليل
اتباع الرسول ولله ملته.
ومتابعة إبراهيم تقتضي كونه اختار يوم الجمعة للعبادة، كما اختاره النبي
محمد ◌َّير؛ لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة وتمت النعمة فيه على
عباده، أما تعظيم السبت عند اليهود فأجاب تعالى عنه بقوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ
اُلسَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيةٍ﴾ وقد اختاروه لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه
الرب شيئاً من المخلوقات التي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في
شريعة التوراة.
أي إنما جعل تعظيم السبت مفروضاً على اليهود الذين اختلفوا على نبيهم
موسى في شأن تعظيمه، حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فكان
اختلافهم في السبت اختلافاً على نبيهم في ذلك اليوم، أي لأجله، وليس
اختلافهم فيه في أن منهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به؛ لأن اليهود
اتفقوا على ذلك، كما صحح الرازي(١).
وقال الزمخشري: المعنى إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على اليهود
المختلفين فيه، وهو أنهم أحلوا الصيد فيه تارة، وحرّموه تارة، وكان الواجب
عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة، بعد أن حتم الله عليهم الصبر عن
الصيد فيه وتعظيمه. والمقصود هو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين
لأوامره، والخالعين ربقة طاعته، فالله يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم
◌ُحلِّين تارة، ومحرّمين أخرى(٢).
(١) تفسير الرازي: ١٣٧/٢٠
(٢) تفسير الكشاف: ٢٢١/٢

٥٨٨
الجُرُ (١٤) - التحَلِ: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيِّنَهُمْ﴾ أي وإن الله ليفصل بين الفريقين فيما اختلفوا
فيه، ويجازي كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب.
والظاهر لدي هو التأويل الأول، قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ
السَّبْتُ﴾: اتبعوه وتركوا الجمعة. والمراد بقوله: ﴿أُخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ يوم
الجمعة، اختلفوا على نبيهم موسى وعيسى.
وظل اليهود متمسكين بتعظيم السبت حتى بعث الله عيسى بن مريم فيقال:
إنه حوَّلهم إلى يوم الأحد. ويقال: إنه ظل معظماً السبت، ولكن النصارى
بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد، مخالفة لليهود، كما
تحولوا إلى الصلاة شرقاً عن الصخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - إن وصف إبراهيم عليه السلام بتسع صفات عالية وشريفة، يقتضي
الاقتداء به، والقصد من ذلك دعوة مشركي العرب إلى ملة إبراهيم الذي دعا
الناس إلى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع الإلهية؛ إذْ كان إبراهيم أباهم
الذي يفتخرون به، ويعترفون بحسن طريقته، ويقرون بوجوب الاقتداء به،
وهو باني البيت الذي به عزهم.
أَ - أمر النبي وَّ باتباع ملة إبراهيم في عقائد الشرع وأصوله من الدعوة
إلى توحيد الله والتحلي بفضائل الأخلاق، لا اتباعه في الفروع؛ لقوله تعالى:
﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨/٥].
٣ - الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول؛ لأن النبي وَيّ أفضل
الأنبياء عليهم السلام، وقد أُمر بالاقتداء بهم، فقال: ﴿فَبِهُدَئُهُمُ أُقْتَدِّةٌ)
[الأنعام: ٩٠/٦] وقال هنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾.
٤ - لم يكن في شرع إبراهيم ولا من دينه تعظيم السبت، وإنما كان السبت

٥٨٩
الزُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٠-١٢٤
تغليظاً على اليهود في رفض الأعمال، وترك التبسط في المعاش، بسبب
اختلافهم فیه.
هَ - إن الله تعالى لم يعين يوماً للتفرغ فيه للعبادة، وإنما أمر بتعظيم يوم في
الأسبوع، فعينت اليهود السبت؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق، وعينت
النصارى يوم الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق، فألزم كل منهم ما أداه إليه
اجتهاده. وعيّن الله لهذه الأمة يوم الجمعة، من غير تفويض إلى اجتهادهم،
فضلاً منه ونعمة، فكانت خير الأمم أمة محمد وَطه. ثبت في الصحيحين،
واللفظ للبخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ الإله قال: ((نحن
الآخرون، السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا
يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه
تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد)).
ولفظ مسلم عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما: ((أضل الله عن الجمعة
من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء
الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم
تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة،
والمقضي بينهم يوم القيامة)).
٤ - إن المقصود من آية السبت أن النبي و ﴿ أمر باتباع الحق، وحذر الله
الأمة من الاختلاف فيه، فيشدّد عليهم كما شدَّد على اليهود.

٥٩٠
الجُزءُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
أسس الدعوة إلى الدين
وجعل العقاب بالمثل والصبر على المصاب
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ ﴿ وَإِنْ عَاقِّبْتُمْ
وَأَصْبِرْ وَمَا
فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ، وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِضَّبِينَ
صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ
إِنَّ
٢٧
١٣٨
اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ
القراءات:
﴿ضَيْقِ﴾ :
وقرأ ابن كثير (ضِيْق).
الإعراب:
﴿فِي ضَيْقٍ﴾ قرئ بفتح الضاد وكسرها، والضَّيْق بالفتح: المصدر،
والضِّيق بالكسر: الاسم.
المفردات اللغوية:
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ ادع يا محمد الناس إلى دين الله ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالمقالة
المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيج للشبهة ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ المواعظ
والعبر النافعة والقول الرقيق. قال البيضاوي: والأُولى - أي الحكمة - لدعوة
خواص الأمة الطالبين للحقائق، والثانية - أي الموعظة - لدعوة عوامهم
﴿ وَحَدِلْهُم ◌ِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ جادل معانديهم بالطريقة التي هي أحسن طرق
المجادلة من الرفق واللين وإيثار أيسر الوجوه وأقوم الأدلة وأشهر المقدمات،

٥٩١
الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
فإن ذلك أنفع في تسكين ثورتهم وتبيين شغبهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَ﴾
أي إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة
عليهما، فليس إليك، بل الله عالم بالضالين والمهتدين، وهو المجازي لهم.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ فيه دليل على أن للمقتص أن
يماثل الجاني، وليس له أن يجاوزه، وفيه أيضاً الحث على العفو تعريضاً بقوله:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ وتصريحاً على الوجه الآكد بقوله: ﴿وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِّلصَّبِينَ﴾ لهو، أي الصبر خير كله من الانتقام.
﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي واصبر يا محمد وما صبرك إلا بتوفيق
الله، وتثبيته، وهذا تصريح بالأمر به لرسول الله وَر؛ لأنه أولى الناس به،
لزيادة علمه بالله، ووثوقه عليه ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ على الكافرين إن لم
يؤمنوا، لحرصك على إيمانهم، أو على المؤمنين وما فعل بهم يوم أحد ﴿وَلَا
نَكُ فِ ضَيْقِ مِّمَا بَمْكُرُونَ﴾ لا تك في ضيق صدر من مکرهم، أي لا تهتم
بمكرهم، فأنا ناصرك عليهم ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ الكفر والمعاصي ﴿وَالَّذِينَ هُم
تُحْسِنُونَ﴾ في أعمالهم من طاعة وصبر، بالعون والنصر، والولاية والفضل.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢٦):
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ : أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل والبزار عن أبي هريرة
أن رسول الله وَ﴾ وقف على حمزة، حين استشهد، وقد مُثِّل به فقال: لأمثّلنَّ
بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل، والنبي ◌َّ واقف، بخواتيم سورة
النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ إلى آخر السورة، فكفّ
رسول الله وَال﴾، وأمسك عما أراد.
وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي بن كعب قال: لما كان أحد

٥٩٢
الجُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، ومنهم حمزة، فمثلوا
بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لَنْبَيَنَّ عليهم، فلما كان
فتح مكة، أنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ الآية.
قال السيوطي: وظاهر هذا تأخير نزولها - أي السورة - إلى الفتح، وفي
الحديث الذي قبله نزولها بأحد، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولاً بمكة، ثم
ثانياً بأحد، وثالثاً يوم الفتح، تذكيراً من الله لعباده.
والخلاصة: إن هذه الآية مدنية في رأي جمهور المفسرين، نزلت في شأن
التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السِّير.
فضيلة هذه الآيات:
قيل لهرِم بن حِبَّن حين احتضر: أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا
مال لي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى محمداً وَ له باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، بيّن الشيء
الذي أمره بمتابعته، وهو دعوة الناس إلى الدين بإحدى طرق ثلاث: وهي
الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن. والدعوة إلى دين الله
وشرعه تكون بتلطف، وهو أن يسمع المدعو الحكمة: وهو الكلام الصواب
القريب، الواقع من النفس أجمل موقع.
فالآية متصلة بما قبلها اتصالاً حسناً، لتدرج الآيات من الذي يُدعى
ويُوعظ، إلى الذي يُجادل، إلى الذي يُجازى على فعله.
ثم أمر الله تعالى برعاية العدل والإنصاف، وجعل القصاص بالمثل، ثم
صرح تعالى بالأمر بالصبر على المشاق والمصائب، والصبر بتوفيق الله
ومعونته، هو مفتاح الفرج.

٥٩٣
الجُزءُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
التفسير والبيان:
الدعوة إلى دين الله وتوحيده أو الإعلام بها أمر ضروري للعلم بها، لذا
كانت هي المهمة الأساسية للرسل عليهم السلام، فأمر الله رسوله وَالقر أن
يدعو الناس إلى الله بالحكمة قائلاً: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي ادع أيها
الرسول الناس إلى شريعة ربك، وهي الإسلام بالحكمة، أي بالقول المحكم،
والموعظة الحسنة، أي بالعبر والزواجر التي تؤثر بها في قلوبهم، ذكّرهم بها
ليحذروا بأس الله تعالی.
﴿ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ أي وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من
غيرها، ومن احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق
ولين وحسن خطاب، واصفح عمن أساء في القول، وترقّقْ بهم في الخطاب،
وقابل السوء بالحسنى، واقصد من الجدال الوصول إلى الحق، دون رفع
الصوت، وسبِ الخصم أو الأذى، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
اَلْكِتَبِ إِلَّا ◌ِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦/٢٩].
فهذا أمر للنبي وَلّ بلين الجانب ولطف الخطاب، كما أمر به موسى
وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ فَوَلَا لَّيْنًا
﴾ [طه: ٤٤/٢٠] فعلى كل داعية امتثال هذا الأمر
331
لَعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
الإلهي في دعوته.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهٌِ﴾ أي قد علم الله الشقيَّ منهم
والسعيد، ومن حاد عن منهج الحق، ومن اهتدى إليه، وهو مجازيهم على
ضلالهم واهتدائهم حين لقاء ربهم، فله الجزاء، لا إليك يا محمد ولا إلى
غيرك، وليس عليك هداهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٢٨/
ج
٥٦] وقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة:
٢/ ٢٧٢] . والآية مشتملة على وعد ووعيد.

٥٩٤
الُ (١٤) - النَحَلِآَ: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
ومن رفق النبي وَّر في الدعوة ما رواه أبو أمامة: أن غلاماً شاباً أتى النبي
وَثقة، فقال: يانبي الله، أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي وقالاته:
قربوه إذن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي وَليقول: أتحبه لأمك؟ قال:
لا، جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبُّه لابنتك؟
قال: لا، جعلني الله فداك، قال: وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبّه
لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبّونه لأخواتهم.
فوضع رسول الله وَّ يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه،
وحصّن فرجه، فلم یکن شيء أبغض إليه منه.
وبعد أن أمر سبحانه وتعالى بالرفق في الدعوة والخطاب، أمر بالعدل
والإنصاف في العقاب، والمماثلة في استيفاء الحق؛ إذ قد تكون الدعوة سبباً في
إغاظة الآخرين، وإقدامهم على القتل أو الضرب أو الشتم، فقال سبحانه:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ﴾.
أي وإن عاقبتم المسيء أيها المؤمنون، فعاقبوه بمثل جرمه، بلا زيادة ولا
تجاوز للحدود. وإن أخذ رجل منكم شيئاً، فخذوا مثله، فإن الزيادة ظلم،
والظلم لا يحبه الله ولا یرضی به.
وقوله: ﴿عُوقِبْتُم بِهِ﴾ إنما سماه الله عقاباً على سبيل المشاكلة؛ لأن أصل
العقاب المجازاة على الفعل، فالفعل في ابتداء الأمر ليس عقاباً.
ثم دعا تعالى إلى الترفع عن العقاب والتسامي عن المقابلة والجزاء بالمثل،
فقال: ﴿وَلَيِن صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِضَِّينَ﴾.
أي ولئن صبرتم عن المقابلة بالمثل، وتجاوزتم عن الإساءة، وصفحتم،
واحتسبتم الثواب والأجر على ما نالكم من ظلم، فالله يتولى عقابه، والصبر
خير للصابرين من الانتقام؛ لأن انتقام الله أشد. فقوله ﴿لَهُوَ﴾ يعود الضمير

٥٩٥
المُزُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
إلى المصدر في قوله: ﴿صَبِّرْثٌ﴾. والمراد بالمصدر: إما الجنس أي جنس الصبر
خير، وإما صبركم، أي لصبركم خير لكم، فوضْعُ ﴿لِّلِصَِّينَ﴾ موضع لكم
ثناء عليهم.
ثم أمر الله نبيه صراحة بالصبر بصفة عامة بعد أن ذكر حسن عاقبته، فقال:
﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي واصبر على ما أصابك من أذى في سبيل
الدعوة، وما صبرك إلا بعون الله وحسن توفيقه ومشيئته، أي لما كان الصبر
شاقاً، ذكر ما يعين عليه، فالجأ إلى الله في طلب الصبر، والتثبيت في الأمر.
وقوله: ﴿وَأَصْبِرْ﴾ تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا
بمشيئة الله وإعانته. وهو تسلية للنبي و ﴿ عما ناله من أذى قومه، وتثبيت له.
﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي ولا تجزع على إعراض المشركين وكل من
خالفك، فإن الله قدّر ذلك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فترك الحزن مما
يستعان به على الصبر.
﴿وَلَا تَكُ فِ ضَيْقِ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي لا تكن في غم وضيق صدر من
مكرهم وتدبيرهم الكيد لك، وإجهاد أنفسهم في عداوتك، وإيصال الشر
إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِ
صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢/٧] وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِلُأْ بَعْضَ مَا
يُوحَىِّ إِلَيْكَ وَضَاِبِقٌ بِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنُ أَوْ جَآءَ مَعَهُ.
مَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ
﴾ [هود: ١٢/١١].
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ أي إن الله مع المتقين الذين تركوا محارمه،
المجتنبين معاصيه بالنصر والمعونة والتأييد، ومع المحسنين أعمالهم برعاية
الفرائض، والتزام الطاعة، وأداء الحقوق. والصبر: من التقوى والإحسان.
فقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ أي تركوا محارمه، وقوله: ﴿ وَّالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾
أي فعلوا الطاعات.

٥٩٦
لُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
وهذه معيّة خاصة، يراد بها الإعانة والتأييد والهداية، كقوله تعالى: ﴿إِذْ
ج
يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَكَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢/٨] وقوله
لموسى وهرون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
٤٦﴾ [طه: ٢٠ /٤٦]
وقول النبي ◌َّ للصديق، وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَّ﴾
[التوبة: ٤٠/٩].
وهناك معيّة عامة بالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ
مَا كُتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤/٥٧] وقوله: ﴿ وَلَّ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَّ
أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ﴾
[المجادلة: ٥٨ / ٧] .
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
اً - على من يدعو الناس إلى دين الله اتباع إحدى هذه الطرق الثلاث:
وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن.
وعلى الداعية أيضاً أن يكون شجاعاً في الحق، فلا يهن، صارماً في
الصدق، فلا يضعف، مخلصاً متفانياً في مبدئه، فلا يبيعه بزخارف الدنيا
وزينتها، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس. وأن يصبر في دعوته؛ جاءت قريش
إلى أبي طالب عم النبيِ رَله، وعرضوا عليه أن يأخذ محمد وَّ ما شاء من
مال، ويترك ما يدعو إليه، فذكر أبو طالب للنبي وَّ ذلك، فبكى وقال:
((يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن
أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلِك دونه)).
أَ - لا يتعلق حصول الهداية بالداعية، فهو تعالى أعلم بالضالين، وأعلم
بالمهتدین.

٥٩٧
الجُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
◌َّ - العقاب يكون بالمثل دون زيادة، فالمظلوم منهي عن استيفاء الزيادة من
الظالم.
واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في أخذ مال، ثم ائتمن الظالم المظلوم
على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ذلك،
محتجين بهذه الآية وعموم لفظها: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
وقال مالك وجماعة معه: لا يجوز له ذلك؛ لقول رسول الله وَله - فيما
رواه الدار قطني - ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). ووقع في
مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زى بامرأة آخر، ثم تمكّن
الآخر من زوجة الثاني، بأن تركها عنده وسافر؛ فاستشار ذلك الرجل رسول
الله وَ له في الأمر، فقال له: ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
◌َ - دلت آية: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم ◌ِهٌِ﴾ على جواز التماثل في القصاص،
فمن قَتل بحديدة قُتل بها، ومن قَتَل بحجر قُتل به، ولا يتعدى قدر الواجب.
هَ - سَّى الله تعالى الأذى في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي
الثانية، وإنما فعل ذلك من طريق المشاكلة، ليستوي اللفظان، وتتجانس
ديباجة القول، فالأول مجاز والثاني حقيقة.
هذا بعكس قوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَعَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤/٣] وقوله:
﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥/٢] فإن الفعل الثاني أي من الله هو المجاز هنا،
والأول هو الحقيقة، كما قال ابن عطية.
أَ - التحلي بالصبر فضيلة أمر الله بها. قال ابن زيد عن آية: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا
صَبُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: هي منسوخة بآية القتال. ولكن جمهور الناس على أنها
مُحكَمة، أي اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عوقبوا به من الْمُتْلة.

٥٩٨
لُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٢٥-١٢٨
لاً - إن الله نصير المتقين الذين تركوا الفواحش والمعاصي ومؤيدهم
ومعينهم، وهو أيضاً نصير المحسنين الذين فعلوا الطاعات.
تم هذا الجزء الرابع عشر ولله الحمد

٥٩٩
فهرس الجزء الثالث عشر
فهرس المجلد السابع
فهرس الجزء الثالث عشر
الموضوع
الصفحة
تتمة الفصل الثامن من قصة يوسف
٢- النفس الأمارة بالسوء
٥
الفصل التاسع من قصة يوسف - يوسف في رئاسة الحكم ووزارة المالية
٨
١٤
الفصل العاشر من قصة يوسف - أولاد يعقوب يشترون القمح من
أخيهم يوسف ومطالبته إياهم بإحضار أخيهم
١٩
الفصل الحادي عشر من قصة يوسف - مفاوضة إخوة يوسف أباهم
لإرسال أخيهم بنيامين معهم في المرة القادمة
الفصل الثاني عشر من قصة يوسف - وصية يعقوب لأولاده ٢٥
بالدخول إلى مصر من أبواب متفرقة
الفصل الثالث عشر من قصة يوسف - معرفة يوسف أخاه بنيامين
٣٠
واتخاذ التدابير لإبقائه لديه
الفصل الرابع عشر من قصة يوسف - نقاش حاد بين أولاد يعقوب ٤١
وبين يوسف وبين أبيهم حول السرقة المزعومة
الفصل الخامس عشر من قصة يوسف - تعرّف أولاد يعقوب على ٥٧
يوسف في المرة الثالثة واعترافهم بخطئهم وعفوه عنهم
الفصل السادس عشر من قصة يوسف - إخبار يعقوب بريح يوسف ٦٧
وتأبيده ببشارة البشير

٦٠٠
٠٠
فهرس المجلد السابع
الموضوع
الفصل السابع عشر من قصة يوسف - لقاء أسرة يعقوب عليه
السلام في مصر
الفصل الثامن عشر من قصة يوسف - دعاء جامع يتضمن تحدث
٨٠
يوسف بنعم الله عليه وطلبه من ربه حسن الخاتمة
٨٣
الفصل التاسع عشر من قصة يوسف - إثبات نبوة محمد
٨٣
الإخبار عن المغيبات والإعراض عن التأمل في الآيات ودعوة النبي
إلى التوحيد
٩٣
الفصل العشرون من قصة يوسف - العبرة من القصص القرآني
سورة الرعد
١٠٤
١٠٤
تسميتها ومناسبتها لما قبلها
١٠٥
القرآن حق
بعض مظاهر قدرة الله في السموات والأرض
١١٠
إنكار المشركين البعث واستعجالهم العذاب ومطالبتهم بإنزال آية ١٢٠
مادية على النبي
بعض مظاهر علم الله المحيط بكل شيء
١٢٩
مظاهر ألوهية الله وربوبيته وقدرته
١٣٩
وحدانية الله ومثل المؤمن والمشرك تجاه الوحدانية
١٤٩
مثل الحق والباطل ومآل السعداء والأشقياء
١٥٥
-
الصفحة
٧٣
ما اشتملت عليه السورة
١٠٧