Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
الُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٢٤-٢٩
﴿ تُشَقُّونَ﴾ :
وقرأ نافع: (تشاُّونٍ).
﴿تَوَفَُّهُمْ﴾ :
وقرأ حمزة وخلف: (يتوفاهم).
﴿فَلَيْسَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (فلبيس).
الإعراب:
﴿مَاذَآ أَنَزَلَ﴾ (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) خبره، و﴿أَنَزَلَ رَبِّكُمْ﴾:
صلته، والعائد محذوف تقديره: أنزله، فحذف تخفيفاً. ولما كان السؤال
مرفوعاً رفع ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ على تقدير مبتدأ محذوف، أي هو أساطير
الأولين. وأما قوله الآتي: ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرً﴾ فالجواب منصوب؛
لأن السؤال منصوب، لأن ﴿مَاذَا﴾ بمنزلة كلمة واحدة، أي أيّ شيء أنزل
ربّكم، وهي في موضع نصب بـ ﴿أَنَزَلَ﴾. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال. ﴿ظَالِىّ
أَنْفُسِهِمٌ﴾ حال أيضاً.
البلاغة:
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبَّه حال الماكرين
بحال قوم بنوا بنياناً ثم انهدم عليهم وأهلكهم، ووجه الشَّبه أنّ ما ظنّوه سبباً
لحمايتهم، كان سبباً في فنائهم.
المفردات اللغوية:
﴿أَنَزَلَ رَبِّكُمْ﴾ على محمد. ﴿أَسَطِيرُ﴾ أكاذيب وأباطيل وتُرَّهات.

٤٢٢
الُرُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٢٤-٢٩
﴿اَلْأَوَّلِينَ﴾ الغابرين القدماء، قالوا ذلك إضلالاً للناس، وقد نزلت الآية
في النّضر بن الحارث، ﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ في عاقبة أمرهم. ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ ذنوبهم.
كَامِلَةً﴾ لم يكفّر منها شيء.﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي
وبعض أوزار من يضلونهم؛ لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتَّبعوهم، فاشتركوا
في الإثم؛ لتسببهم في إضلالهم، والأصح أن ﴿مِن﴾ للجنس لا للتبعيض، أي
فعليهم مثل أوزار تابعيهم . ﴿سَآءَ﴾ بئس. ﴿مَا يَزِرُونَ﴾ يحملونه حملهم
هذا.
قِے
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من المفعول، أي يضلون من لا يعلم أنهم ضُلال، أو
حال من الفاعل أي وهم جاهلون. ﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ اللام لام الصيرورة؛ لأنهم
لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين، لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لَّا
کان عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام.
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهو نمروذ بن كنعان، بنى صرحاً
طويلاً ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع، ليصعد منه إلى السماء، ليقاتل أهلها.
والمكر: صرف غيرك عما يريده بحيلة، ويراد به هنا مباشرة الأسباب وترتيب
المقدمات. والمقصود بالآية: المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار.﴿فَأَنَى
اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ اُلْقَوَاعِدِ﴾ أهلكه وأفناه، فأرسل عليه الريح والزلزلة،
فهدمته من الأساس، كما يقال: أتى عليه الدهر، و﴿فَأَنَى﴾: قصد،
و﴿ اَلْقَوَاعِدِ﴾: الدعائم، جمع قاعدة. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقُفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي
وهم تحته، و﴿فَخَرَّ﴾: سقط. ﴿ وَأَتَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من
جهة لا تخطر ببالهم، أي من جهة لا يحتسبون ولا يتوقّعون. وقيل: هذا تمثيل
لإفساد ما أبرموه من المكر بالرُّسل.
﴿يُخْرِيهِمْ﴾ يذلهم أو يعذِّبهم بالنار؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ
النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢/٣]. ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآِىَ﴾ أي ويقول
٠

٤٢٣
الُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٢٤-٢٩
الله لهم على لسان الملائكة توبيخاً: أين شركائي بزعمكم؟ ﴿تُشَقُّونَ﴾
تعادون المؤمنين وتنازعون الأنبياء في شأنهم . ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي
ويقول الأنبياء والمؤمنون العلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاقونهم
ويتكبرون عليهم، أو يقول الملائكة: ﴿إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوَءَ﴾ الذلّة
والعذاب على الكافرين، وفائدة قولهم: إظهار الشماتة بهم وزيادة الإهانة،
وإيراده بقصد وعظ من سمعه.
﴿ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمّ﴾ بالكفر. ﴿فَأَلْقَوْ السَّلَمَ﴾: ﴿السَّلَمَ﴾: الاستسلام
والخضوع، والمعنى: انقادوا واستسلموا عند الموت، وأقرّوا لله بالرّبوبية، أو
سالموا حين عاينوا الموت.﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْعَّ﴾ أي قائلين: ما كنّا
نعمل من كفران أو شرك، وعدوان . ﴿بَلَ﴾ نعم، أي فتجيبهم الملائكة ﴿إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يجازيكم عليه. ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أي
ليدخل كل صنف بابه المعدّ له. وقيل: ﴿أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أصناف عذابها.
﴿مَثْوَى﴾ مأوى، والمثوى: مكان الإقامة.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أدلّة التوحيد وأدلة بطلان عبادة الأصنام، أعقب ذلك
ببيان شبهات منكري النّبوة، وأولها الطعن في القرآن الذي احتج النَّي وَلِّ على
صحة نبوّته بأنه معجزة، فقالوا: أساطير الأولين، وليس هو من جنس
المعجزات، فأهلكهم الله في الدُّنيا، وسيعاقبهم في الآخرة بما فعلوا، فيقولون
مستسلمين حين رؤية العذاب: ما كنّا نعمل من سوء، أي كفر وشرك
وعدوان.
التفسير والبيان:
تذكر هذه الآيات شبهات منكري النّبوة التي هي صفات المكذِّبين
المستكبرين.

٤٢٤
الجُرُ (١٤) - التحمل}: ١٦/ ٢٤-٢٩
الشّبهة الأولى (١) - طعنهم في القرآن بأنه أساطير الأولين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم
مَاذَآ أَنَزَلَ رَبِّكُمْ﴾ لما احتجّ رسول الله وَّل على صحّة نبوّته بكون القرآن
معجزة، طعنوا في القرآن، وقالوا: إنه أساطير الأولين، وليس هو من جنس
المعجزات.
ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المستكبرين المكذِّبين الذين لا يؤمنون
بالآخرة من المشركين: أي شيء أنزل ربّكم؟ قالوا معرضين عن الجواب: لم
ينزل شيئاً، إنما هذا الكلام الذي يتلى علينا أساطير أي أكاذيب وخرافات
مأخوذة من كتب المتقدمين، كما حكى تعالى عنهم في آية أخرى ﴿ وَقَالُواْ
أَسَطِيرُ اُلْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًاً
۵
[الفرقان: ٥/٢٥] أي يفترون على الرّسول بأقوال متضادّة مختلفة باطلة.
والسائل: إما واحد من المسلمين أو من كلام بعضهم لبعض أو النّضر بن
الحارث أو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة، ينفِّرون عن رسول الله
وَله إذا سألهم وفود الحجيج عما أنزل على محمد دولية.
هذا عن القرآن، أما عن النَّبي ◌َّ# فكانوا يقولون: ساحر وشاعر وكاهن
ومجنون، ثم استقرّ أمرهم على ما اختلقه زعيمهم الوليد بن المغيرة المخزومي،
ثُمَّ قُئِلَ
الذي حكى عنه القرآن قراره: ﴿إِنَّمُ فَكَّرَ وَقَدَرَ ﴿٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
كَيْفَ قَدَّرَ (3)
فَقَالَ إِنْ هَذَا
٣٣
ثُمَّ عَبَسَ وَبَرَ ﴿ ثُمَّ أَذَبَ وَأَسْتَكْبَرَ
ثُمَّ نَظَرَ
(٢٤)﴾ [المدثر: ١٨/٧٤-٢٤]، أي ينقل ويحكى، فتفرقوا متفقين على
إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ
قوله.
ثم أبان تعالى مصير قولهم: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً﴾ هذه لام العاقبة
(١) الشّبهة الثانية ستأتي في الآية (٣٣)، والشّبهة الثالثة في الآية (٣٥)، والشّبهة الرابعة في الآية
(٣٨).

٤٢٥
اِلُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٢٤-٢٩
أو الصيرورة، مثل: ﴿فَالْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا﴾
[القصص: ٨/٢٨] .
والمعنى: إنما قالوا ذلك ليتحملوا أوزارهم وآثامهم كاملة يوم القيامة
وأوزار الذين يتبعونهم جهلاً بغير علم فلا يعلمون أنهم ضُلال، واقتداءً بهم
في الضَّلال، أي ليصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم
لغيرهم، واقتدائهم بهم. والمراد بقوله تعالى: ﴿كَامِلَةً﴾ أنه لا ينقص منها
شيء. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلٍْ﴾ على رأي الزّمخشري: حال من المفعول، أي
يضلّون من لا يعلم أنهم ضُلال، وعلى رأي الرّازي: حال من الفاعل، أي
إن هؤلاء الرؤساء يضلّون غيرهم جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب
الشديد على ذلك الإضلال.
﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي بئس شيئاً يحملونه من الذنب ذلك الذي
يفعلون.
ونظير الآية: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ
[العنكبوت: ٢٩ /١٣].
١٣]
عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
وأوضحت السّنة سبب تحملهم آثام من قلّدوهم، فقال ◌َله - فيما رواه
أحمد ومسلم وأصحاب السّنن الأربعة عن أبي هريرة -: ((من دعا إلى هدى،
كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومن
دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقُص ذلك من
آثامهم شيئاً)).
ثم أبان الله تعالى وجود الشَّبه بين الكفار القدامى والجدد في الجرم والعقاب
فقال: ﴿قَدْ مَڪَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي قد كاد لدين الله ورسله من
تقدّمهم من الأُمم، واحتالوا بمختلف الوسائل لإطفاء نور الله فأهلكهم الله
تعالى في الدُّنيا، بأن دمّر مبانيهم من قواعدها، وسقط عليهم السَّقف من

٤٢٦
لُعُ (١٤) - النخلِآ: ١٦/ ٢٤-٢٩
فوقهم، وأبطل كيدهم، وأحبط أعمالهم، وأطبق عليهم العذاب من كل
جانب، ومن حيث لا يحسّون بمجيئه ولا يتوقَّعون، فاعتبروا يا أهل مكة
وأمثالكم. وهذا كله تمثيل لصورة العذاب، ومضمونه إهلاكهم من الله تعالى.
وسبب قوله: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ مع أن السَّقف لا يكون إلا من فوق هو
تأكيد سقوط السقف، وشدّة إطباق العذاب وسقوطه عليهم وهم تحته.
ومعنى إتيان الله: إتيان أمره. وقوله تعالى: ﴿مِّنَ اٌلْقَوَاعِدِ﴾ أي من جهة
القواعد أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم، وهذا مقابل لقوله تعالى: ﴿مِن
فَوْقِهِمْ﴾ ليفيد إحاطة العذاب من أعلى ومن أسفل. وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ
لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي من حيث لا يحتسبون ولا يتوقَّعون.
وأكثر المفسّرين على أن المراد بقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾ هو
مروذ بن كنعان، بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع.
هذا عذابهم في الدُّنيا، وأما في الآخرة فهو ما قاله تعالى:
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْرِيِهِمْ﴾ أي وفي يوم القيامة يخزيهم، أي يظهر
فضائحهم وما تخبئه نفوسهم فيجعله علانية، ويذلهم بعذاب الخزي، كما قال
تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢/٣].
ويقول لهم الرّبّ تبارك وتعالى بوساطة الملائكة تقريعاً لهم وتوبيخاً: أين
شركائي في زعمكم واعتقادكم؟ أين آلهتكم التي عبدتموها من دوني؟ أين تلك
الآلهة التي كنتم تشاقون أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم؟ أحضروهم
ليدفعوا عنكم العذاب: ﴿هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣/٢٦]، ﴿فَمَا لَهُ
مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ
[الطارق: ٨٦ /١٠] .
فلا يجيب أحد، ويسكتون عن الاعتذار، وتظهر عليهم الحجة الدامغة،
ويتبين أنه لاشركاء ولا وجود لهم.

٤٢٧
لُعُ (١٤) - القَلِ}: ١٦ / ٢٤-٢٩
ثم ذكر الله تعالى مقال الذين أوتوا العلم من الملائكة والأنبياء والمؤمنين،
وهم سادة الدُّنيا والآخرة، والمخبرون عن الحقّ: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾
أي قال العلماء المقرّون بالتوحيد: إن الذّلّ والفضيحة والعذاب والهوان محيط
اليوم بالكافرين الذين كفروا بالله، وأشركوا به ما لا يضرّهم ولا ينفعهم.
وهؤلاء هم الذين بقوا على كفرهم حتى الموت، فتتوفاهم الملائكة وتقبض
أرواحهم، حالة كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي والتعريض للعذاب.
وكانت حالهم أيضاً: ﴿فَأَلْقَوْ السَّلَمَ﴾ أي فلما حضرهم الموت وعاينوا
العذاب، أظهروا السمع والطاعة والانقياد، قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن
سُوَّ﴾ أي ما كنّا مُشْركين بربِّنا أحداً، كما حكى تعالى عنهم يوم المعاد: ﴿ثُمَّ
لَوْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٣)﴾ [الأنعام: ٢٣/٦].
فكذَّبهم الله في قولهم: ﴿بَلَىَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أي لقد عملتم السّوء كله
وأعظمه وأقبحه، والله عليم بأعمالكم، فلا فائدة في إنكاركم والله يجازيكم
على أفعالكم.
﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أي فادخلوا في جهنم، وذوقوا عذاب إشراككم
بربِّكم وعقاب معاصيكم، وأنتم خالدون ماكثون فيها إلى الأبد، وبئس المقرّ
والمقام دار الهوان، لمن كان متكبِّراً عن آيات الله تعالى واتِّباع رسله.
وهم في عذاب دائم دون موت كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ
وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦/٣٥]، وفي ديمومة من العذاب في
جميع الوقت، كما قال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْظُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ
[غافر: ٤٠ / ٤٦] .
فقه الحياة أو الأحكام:
تتضمن الآيات جواباً عن شبهة المشركين حول القرآن ووصفه بأنه أساطير

٤٢٨
الُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٢٤-٢٩
الأولين، وليس معجزة، وليس هو من تنزيل ربّنا. ولم يكن جوابهم هنا كما
تبين سابقاً بالحجة الدامغة، وإنما جوابهم هو استحقاقهم العذاب الشديد،
فاقتصر على محض الوعيد ولم يجب عن شبهتهم؛ لأنه تعالى بيَّن كون القرآن
الكريم معجزاً بطريقين:
الأول - أنه وسلم تحدّاهم بكل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة،
أو بحديث واحد، وعجزوا عن المعارضة، وذلك يدلّ على كونه معجزاً.
الثاني - أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهي: ﴿آكْتَتَبَهَا
فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ وأبطلها بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى
يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ﴾ أي إن القرآن مشتمل على الإخبار عن
المغيبات، وهذا لا يكون إلا من العالم بأسرار السماوات والأرض(١).
فهم يتحملون نتيجة آثامهم وذنوبهم تحمُّلاً كاملاً، لا ينقص منه شيء لنكبة
أصابتهم في الدُّنيا بكفرهم، كما أنهم يتحمَّلون مثل أوزار تابعيهم، وذلك
بسبب كفرهم وإضلالهم غيرهم، جهلاً منهم بما يلزمهم من الآثام، إذ لو
علموا لما أضلّوا، فبئس الوزر الذي يحملونه.
وعقابهم في الدُّنيا يشبه عقاب عمالقة الكفر الذين تقدموهم مثل النُّمروذ
ابن كَنْعان وقومه، أرادوا صعود السّماء وقتال أهله، فبنوا الصرح ليصعدوا
منه، فخرّ عليهم، إما بزلزلة أو ريح، فخرَّبته. وكان عقابهم إبطال مكرهم
وتدبيرهم وإهلاكهم عن بكرة أبيهم.
وعقابهم أيضاً في الآخرة هو الذّلّ والهوان والفضيحة بالعذاب الأليم
بسبب كفرهم، مع التقريع والتوبيخ والاستهزاء بهم، وبيان عدم وجود
الشركاء لله تعالى أصلاً.
(١) تفسير الرازي: ١٩/٢٠

٤٢٩
الُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٣٠-٣٢
وكل من العقابين لاستمرارهم على الكفر إلى حين الموت، فإذا أقرّوا حينئذٍ
بالرّبوبية لله، وانقادوا عند الموت، فلا ينفعهم ذلك، والله عليم بأعمال
الكفار.
وهذه الآية دليل على أنه لا يخرج كافر ولا منافق من الدّنيا حتى ينقاد
ويستسلم، ويخضع ويذلّ، ولكن لا تنفعهم حينئذٍ توبة ولا إيمان، كما قال
تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأَسَنًا﴾ [غافر : .
ويقال لهم عند الموت: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا﴾ الآية،
يدخل كل طائفة من باب، ويستقرّ في طبقة أو درك من طبقات ودركات
جهنم، فبئس مقام المتكبرين الذين تكبروا في الدُّنيا دار التكليف عن الإيمان
وعن عبادة الله تعالى، كما وصفهم ربّنا سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا
قِيلَ لَهُمْ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ
١٣٥] [الصافات: ٣٥/٣٧] .
صفات المتقين
إيمان المتقين بالوحي المنزل وجزاؤهم
وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَبْرَاً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ
جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا
٣٠
الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ لَمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ
٣١
الَّذِينَ نَّقَُّهُمُ الْمَئِكَةُ طَيِينٌ يَقُولُونَ سَلَهُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
٣٢
تَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿وَقِيلَ﴾:
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وبكسرة خالصة قرأ الباقون.

٤٣٠
للهُعُ (١٤) - النحل: ٣٠/١٦-٣٢
نتوفلهم
وقرأ حمزة، وخلف (يتوفاهم).
الإعراب:
(جَتُ عَدْنٍ﴾ بدل، أو مبتدأ، وخبره: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ أو خبر مبتدأ
محذوف، أو هو المخصوص بالمدح اسم: نعم.
﴿طَيِِّينٌ﴾ حال منصوب من الهاء والميم في ﴿نَّفَُّهُمْ﴾ وهو العامل فيها.
﴿الَّذِينَ نَنَوَفَُّهُمْ﴾ نعت لقوله ﴿اٌلْمُنَّقِينَ
البلاغة:
﴿قَالُواْ خَيْرً﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي قالوا: أنزل خيراً. والسبب في نصب
﴿خَيّاً﴾ هنا، مع أنه رفع ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ في جواب المشركين: هو كما
قال الزمخشري بيان الفرق بين جواب المؤمن المقر وجواب الجاحد، يعني لما
سئل المؤمنون لم يتلعثموا وأجابوا عن السؤال جواباً بيناً مفعولاً للإنزال
فقالوا: خيراً، والمشركون عدلوا عن السؤال وأعرضوا عن الجواب فقالوا:
هو أساطير الأولين، وليس من الإنزال في شيء.
المفردات اللغوية:
﴿ وَقِلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ﴾ الشرك، يعني المؤمنين. ﴿أَحْسَنُواْ﴾ بالإيمان.
﴿حَسَنَةٌ﴾ مكافأة في الدنيا أو حياة طيبة. ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ أي الجنة. (خَيْرٌ﴾
من الدنيا وما فيها، أو لثوابهم في الآخرة خير منها، وهو وعد للمتقين جزاء
قولهم وإيمانهم. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار الآخرة.
﴿لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ من أنواع المشتهيات. وفي تقديم الظرف تنبيه على
أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة. ﴿كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾
أي مثل هذا الجزاء يجزيهم.

٤٣١
لُحُ (١٤) - الفخَلِآ: ١٦/ ٣٠-٣٢
طَيِّبِينُّ﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنه في مقابلة
﴿ظَالِىّ أَنفُسِهِمْ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾ يقول الملائكة لهم عند الموت: ﴿سَلَمُ
عَلَيْكُمْ﴾ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت، جاءه مَلَك، فقال: السلام
عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة. ويقال لهم في
الآخرة: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أحوال المكذبين بالقرآن المنزل وبالوحي من قولهم:
أساطير الأولين، وتحمل أوزارهم وأوزار أتباعهم، وتوفي الملائكة لهم ظالمي
أنفسهم، وإلقائهم السَّلَم في الآخرة والإقرار بربوبية الله، أتبعه ببيان أوصاف
المؤمنين الذين يؤمنون بالمنزل، وما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل
الخيرات ودرجات السعادات في جنات عدن، حتى تتم المقارنة بين وعد
هؤلاء، ووعيد أولئك.
روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي وَّر،
فإذا جاء الوافد المقتسمين طرق مكة للحيلولة بين القادمين وبين الإيمان
بالنبي، قالوا له ما قالوا سابقاً، وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك.
روى ابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال: اجتمعت قريش، فقالوا: إن محمداً
رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناساً من أشرافكم
المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس
ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه، فخرج ناس في كل طريق، فكان
إذا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر ما يقول محمد، ووصل إليهم، قال أحدهم:
أنا فلان بن فلان، فيعرّفه نسبه، ويقول له: أنا أخبرك عن محمد: إنه رجل
كذاب، لم يتّبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد، ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ
قومه وخيارهم، فمفارقون له، فيرجع الوافد، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ
٢٤
لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبِّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَِّنَ

٤٣٢
الجزء (١٤) - النحل: ٣٠/١٦-٣٢
فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك، قال: بئس
الوافد لقومي، إن كنت جئت، حتى إذا بلغت مسيرة يوم، رجعت قبل أن
ألقى هذا الرجل، وأنظر ما يقول، وآتي قومي ببيان أمره، فيدخل مكة،
فيلقى المؤمنين، فيسألهم ماذا يقول محمد؟ فيقولون: خيراً.
التفسير والبيان:
تتميز الأشياء بأضدادها، فأخبر الله تعالى عن السعداء المؤمنين إثر الإخبار
عن الأشقياء المشركين، ليتضح الفرق، وتتجلى أسس العدل. فسئل الذين
اتقوا الكفر والمعاصي وخافوا الله: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أنزل خيراً أي
رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به وبرسوله.
والسائل: هم الوافدون على المسلمين في أيام المواسم والأسواق، فكان
الرجل يأتي مكة، فيسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر
وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين، ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه،
فيقولون: أنزل خيراً.
ثم أخبر تعالى عما وعد هؤلاء المؤمنين في مقابل وعيد المشركين السابق،
فقال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ أي للذين آمنوا بالله ورسوله وأطاعوه، وأحسنوا
العمل في الدنيا، أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة.
فلهم في الدنيا مثوبة حسنة من عند الله بالنصر والفتح والعزة، وفي الآخرة
بنعيم الجنة وما فيها من خير.
ثم أعلمنا الله تعالى بأن دار الآخرة خير من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم
من الجزاء في الدنيا.
ونظير صدر الآية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
[النحل: ١٦ / ٩٧].
٠

٤٣٣
الُعُ (١٤) - النحل: ٣٠/١٦-٣٢
ونظير آخر الآية: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيَلَكُمْ ثَوَابُ اُللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ
ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [القصص: ٨٠/٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ
لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨/٣] وقوله: ﴿وَلَأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى
٤
[الضحى: ٤/٩٣] وقوله: ﴿وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ (َ﴾ [الأعلى: ١٧/٨٧].
ثم وصف الدار الآخرة بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ، جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ أي
لنعم دار المتقين دار الآخرة، وهي جنات عدنٍ أي إقامة تجري بين أشجارها
وقصورها الأنهار، ونعيمها دائم ميسر غير ممنوع: ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ فِيَهًا﴾ أي
للمحسنين في الدنيا ما يتمنون ويطلبون في الجنات، كما قال تعالى: ﴿وَفِيهَا
مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١/٤٣]
[الواقعة:
وقال سبحانه: ﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوْعَةٍ
٣٢/٥٦-٣٣] .
وهذا جزاء التقوى: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء
الطيب، يجزي الله كل من آمن به واتقاه، وتجنب الكفر والمعاصي، وأحسن
عمله. وهذا حث على ملازمة التقوى.
ثم أخبر الله تعالى عن حال المتقين عند الاحتضار في موازاة أو مقابلة حال
المشركين: ﴿الَّذِينَ تَوَفَُّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ فقال ﴿الَّذِيْنَ تَفَُّهُمُ
الْمَلَئِكَةُ طَيِّبِينٌ﴾ أي الذين تقبض أرواحهم الملائكة طاهرين طيبين من الشرك
والمعصية وكل سوء. وكلمة ﴿طَيِّبِينٌ﴾ كما قال الرازي: كلمة مختصرة جامعة
للمعاني الكثيرة، يدخل فيها إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم كل ما نهوا
عنه، واتصافهم بالأخلاق الفاضلة، والتبرؤ عن الأخلاق المذمومة، والتوجه
إلى حضرة القدس، وعدم الانهماك في الشهوات واللذات الجسدية، فيطيب
للملائكة قبض أرواحهم. وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض
الأرواح.

٤٣٤
الُعُ (١٤) - النحل: ٣٠/١٦-٣٢
وتسلّم عليهم الملائكة وتبشرهم بالجنة عند قبض الأرواح، كقوله
سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ
نَحْنُ
أَلَّا تَّخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ
أَوْلِيَآؤُكُمْ فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ تَّحِيم (3:
﴾ [فصلت: ٣٠/٤١-٣٢].
ومضمون تحية الملائكة هو: ﴿َسَلَمُّ عَلَيْكُمُ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ أي تقول
الملائكة لهم: سلام عليكم من الله، وأمان لا خوف، وراحة لا مكروه،
ادخلوا الجنة التي أعدها لكم ربكم بسبب أعمالكم. والمراد من هذه التحية:
البشارة بدخول الجنة بعد البعث. ولما بشرتهم الملائكة بالجنة، صارت الجنة
كأنها دارهم، وكأنهم فيها، فقولهم: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ أي هي خاصة لكم،
کأنکم فيها.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات مثل واضح لأسلوب القرآن في بيان المتقابلات المتعاكسة،
فبعد أن أبان تعالى حال المشركين وجزاءهم في الدنيا والآخرة، أعقبه ببيان
حال المؤمنين الأتقياء.
فهم يؤمنون ويصدقون تصديقاً جازماً بصدق النبوة، وصحة ما أنزل الله
من القرآن على نبيه المصطفى وَله.
فيكون جزاؤهم أحسن من عملهم: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
: [الرحمن: ٦٠/٥٥] فلهم في الدنيا الجزاء الأفضل من النصر والفتح
٦٠
والغنيمة والعزة، ولهم في الآخرة الحسنة أي الجنة، فمن أطاع الله فله الجنة
غداً، وما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا، لفنائها
وبقاء الآخرة، ولنعم دار المتقين: الآخرة، وهي جنات عدن التي يدخلونها،
وتجري في رياضها الأنهار، ولهم فيها ما يشاؤون مما تمنوه وأرادوه، ومثل
هذا الجزاء يجزي الله المتقين، وهكذا يكون جزاء التقوى.

٤٣٥
الُعُ (١٤) - الفحلآ}: ١٦/ ٣٣-٣٤
ويطيب للملائكة قبض أرواح هؤلاء الأتقياء، ويسلمون عليهم، مبشرين
لهم بالجنة؛ لأن السلام أمان. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت يقبض
روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح
ولده من بعده، لتقرّ عينه.
وتقول لهم أيضاً: أبشروا بدخول الجنة بما عملتم في الدنيا من الصالحات.
والخلاصة: إنه يصدر من الملائكة سلام، وبشارة بالجنة، وبدأ بالسلام
لأنه أمان واطمئنان عام، وأتبعه بأمر خاص وهو البشارة.
تهديد المشركين على تماديهم في الباطل
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَبِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمَّ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
فَأَصَابَهُمْ
٣٣
سَبِئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
٣٤
القراءات:
﴿أَنْ تَأْنِيَهُمُ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (أن يأتيهم).
المفردات اللغوية:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي ما ينتظر الكفار المارّ ذكرهم ﴿إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ
الْمَئِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم . ﴿أَوَ بَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ هو عذاب الاستئصال،
أو يوم القيامة المشتمل على العذاب. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الفعل من الشرك
والتكذيب فعل الذين من قبلهم من الأمم، كذبوا رسلهم، فأهلكوا . ﴿وَمَا
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بإهلاكهم بغير ذنب . ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر.

٤٣٦
لُ (١٤) - النحل: ٣٣/١٦-٣٤
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها على حذف المضاف، أو تسمية
الجزاء باسم سيئات الأعمال. ﴿وَحَاقَ﴾ نزل أو أحاط بهم، وخص في
الاستعمال بإحاطة الشر. ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي أحاط بهم جزاء استهزائهم.
المناسبة:
مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم:
أساطير الأولين، ثم أتبع ذلك بوعيدهم وتهديدهم، ثم أتبعه بالوعد بالثواب
لمن صدق به ووصفه بالخيرية، أردف ذلك ببيان أن أولئك الكفار لا يرتدعون
عن حالهم إلا أن تأتيهم الملائكة بالتهديد بقبض أرواحهم، أو أمر الله بعذاب
الاستئصال(١). ثم نبّه تعالى إلى تشابه الكفار قديماً وحديثاً في الشرك
والتكذيب، وتعرضهم للهلاك جزاء فعلهم.
والخلاصة: إن هذه الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ هي الشبهة الثانية لمنكري
النبوة، فإنهم طلبوا من النبي ◌َليل أن ينزل الله تعالى ملكاً من السماء يشهد على
صدقه في ادعاء النبوة، فقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التصديق بنبوتك إلا أن
تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك؟(٢).
التفسير والبيان:
يهدد الله تعالى المشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا، فيقول:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي ما ينتظر كفار مكة وأمثالهم في التصديق بنبوة النبي محمد
وَله إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك، أو هل ينتظر هؤلاء الكفار الذين
طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم؟
﴿أَوْ بَأَتِىَ أَمْرُ رَيِّكَ﴾ أي أو أن يأتيهم أمر ربك بعذاب الاستئصال في
(١) البحر المحيط: ٤٨٩/٥
(٢) تفسير الرازي: ٢٦/٢٠

٤٣٧
الجُرُ (١٤) - النحل: ٣٣/١٦-٣٤
الدنيا كإرسال الصواعق أو الخسف، أو أن يأتي أمر ربك بيوم القيامة، وما
يعاينونه من الأهوال، فهم لا ينزجرون عن الكفر إلا بمثل هذه الأمور.
والمقصود: حثهم على الإيمان بالله ورسوله قبل أن ينزل بهم أمر لا مرد لهم
فیه.
﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي هكذا تمادى الذين من قبلهم من
المشركين في شركهم، حتى ذاقوا بأس الله، وحل بهم العذاب والنكال.
﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ أي إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛
لأنه تعالی أعذر إلیھم، وأقام حججه علیھم، بإرسال رسله وإنزال کتبه،
ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاؤوا به، فعوقبوا،
وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم من العذاب الأليم ما كانوا به يستهزئون،
أي يسخرون من الرسل حين توعدوهم بعقاب الله.
Ig)) [الطور:
فيقال لهم يوم القيامة: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
٥٢ /١٤] .
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات جواب عن الشبهة الثانية لمنكري النبوة الذين طلبوا إنزال
ملَك من السماء يشهد على صدق محمد في ادعاء النبوة.
والجواب يدل على إصرارهم على الكفر وتماديهم في الباطل وعزوفهم عن
الحق، فهم ما ينتظرون إلا أحد أمرين: أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم
وهم ظالمون لأنفسهم، أو يأتي أمر الله بالعذاب من القتل كيوم بدر، أو
الزلزلة والخسف في الدنيا. وقيل: المراد يوم القيامة.
والواقع أن القوم لم ينتظروا هذه الأشياء؛ لأنهم ما آمنوا بها، فاستحقوا
العقاب، وكانت عاقبتهم العذاب.

٤٣٨
الجُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٣٥-٤٠
ولما أصروا على الكفر، أتاهم أمر الله فهلكوا، وما ظلمهم الله بتعذيبهم
وإهلاكهم، كما فعل بأسلافهم، ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك.
لقد فعل الذين من قبلهم مثلما فعلوا، فأصابهم سيئات ما عملوا، وما
ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فأصابهم عقوبات كفرهم، وجزاء
خبيث أعمالهم، وعقاب استهزائهم.
احتجاج الكفار بالقدر
وإنكارهم البعث وتشابه مهمة الرسل
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ ثَّحْنُ وَلَّ
ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِن شَّءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ عَلَى
اُلُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ (٢٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
وَأَحْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ فَمِنْهُم ◌َّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم ◌َّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ
إِن تَحْرِصُ عَلَى
فَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ
هُدَنهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
جَهْدَ أَثْمَنِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
لَا يَعْلَمُونَ (لَّ
٤٠
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
كَذِبِينَ
القراءات:
﴿أَنِ أَعْبُدُوا﴾.
قرئ:
١- (أنِ اعْبُدُوا) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.

٤٣٩
لُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٣٥-٤٠
٢- (أن اعبدوا) وهي قراءة الباقين.
﴿لَا يَهْدِى﴾.
قرئ:
١- (لا يَهْدِي) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (لا يُهدى) وهي قراءة الباقين.
﴿ كُنْ فَيَكُونُ﴾ :
وقرأ ابن عامر، والكسائي (كن فيكونَ).
الإعراب:
﴿ اَلْبَلَغُ﴾ مرتفع بالظرف، لاعتماد الظرف على حرف الاستفهام.
(يَهْدِى﴾ فيه ضمير يعود إلى اسم ﴿إِن﴾ و﴿مَن﴾ منصوب بيهدي
وتقديره: إن الله لا يهدي هو من يُضِلّ. ومن قرأ (يُهْدَى) كان ﴿مَنْ﴾ في
موضع رفع؛ لأنه نائب فاعل. وفي ﴿يُضِلُّ﴾ ضمير يعود على اسم ﴿إِن﴾
ومفعول ﴿يُضِلُ﴾ محذوف، أي إن الله لا يهدي من يُضله الله.
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ ﴿أَنْ تَّقُولَ﴾ مبتدأ وخبر.
البلاغة:
﴿مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ فيهما
إطناب.
ج
﴿مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ ﴿لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ
بين كلٍ من الجملتين طباق.

٤٤٠
الُ (١٤) - التحَلِ: ١٦ / ٣٥-٤٠
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ من أهل مكة ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن
شَىْءٍ﴾ قال البيضاوي: إنما قالوا ذلك استهزاء ومنعاً للبعثة والتكليف،
متمسكين بأن ما شاء الله يجب، ومالم يشأ يمتنع. وهذا نظير آية أخرى: ﴿لَوْ
شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨/٦] وهذا احتجاج بالقدر،
وهي حجة باطلة داحضة، باتفاق العقلاء والعلماء، كما قال ابن تيمية، لهذا
رد الله عليهم هنا بقوله: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وفي سورة الأنعام
[١٤٨] بقوله: ﴿قُلّ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ
وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ والراجح أنهم لم يقولوا ذلك استهزاء، وإنما اعتراضاً
على الله تعالى. والرد عليهم أن الله تعالى يفعل في ملكه ما يشاء ولا يجوز
الاعتراض عليه، ولبعثة الرسل فائدة: وهي الأمر بعبادة الله والنهي عن
عبادة الطاغوت، وأما علم الله بالشيء فلا اطلاع لنا عليه.
﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىَّءٍ﴾ من البحائر والسوائب، أي فإشراكنا
وتحريمنا بمشيئة الله، فهو راض به ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فأشركوا
بالله وكذبوا رسله فيما جاؤوا به، وحرموا حلاله، وهو جواب عن الشبهتين
المتقدمتين. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ أي فما على الرسل إلا
الإبلاغ البيِّن، وليس عليهم الهداية، ولكنه يؤدي إلى الهدى على سبيل
التوسط، وما شاء الله وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقاً، بل بأسباب قدّرها
له.
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ كما بعثناك في هؤلاء المشركين، أي إن
البعثة - كما قال البيضاوي - أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها، سبباً
لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغداء الصالح،
فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه، ويضر المنحرف ويفنيه. وهو دليل على أن الله
تعالى آمر أبداً في جميع الأمم بالإيمان وناه عن الكفر.