Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ إِلُعُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌَ: ١٤ / ٣٥-٤١ التعرض له والتهاون به، أو لم يزل معظماً تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان، فلم يستول عليه، ولذلك سمي عتيقاً، أي أعتق منه . ﴿أَفْئِدَةً﴾ قلوباً. ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ بعضهم. ﴿تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم شوقاً وحباً، قال ابن عباس: لو قال: أفئدة الناس، لحنَّت إليه فارس والروم والناس كلهم. والمقصود من الدعاء لإقامة الصلاة: توفيقهم لها، أو الدعاء لهم بإقامة الصلاة. ﴿وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ أي بالإنبات في الوادي مع سكناهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ تلك النعمة، فأجاب الله تعالى دعوته، فجعله حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية والشتوية في يوم واحد. ﴿تُخْفِى﴾ نسرّ. ﴿مِن شَىْءٍ﴾ من: زائدة أو للاستغراق، وقول ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم. والمقصود من قوله: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ﴾ أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكنا ندعوك إظهاراً لعبوديتك، وافتقاراً إلى رحمتك، واستعجالاً لنيل ما عندك. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى، والرغبة في الإجابة. وأتى بضمير جماعة المتكلمين لأنه تقدم ذكره وذكر بنیه. ﴿وَهَبَ لِ﴾ أعطاني. ﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ مع الكبر، ولد إسماعيل ولأبيه تسع وتسعون سنة، وولد إسحاق ولأبيه مئة واثنتا عشرة سنة . ﴿أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ﴾ أي مواظباً عليها. ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِيِّ﴾ أي واجعل من ذريتي من يقيمها، وأتى بمن لإعلام الله تعالى له أن منهم كفاراً. ﴿ وَلَوَلِّدَىَّ﴾ هذا قبل أن يتبين له عداوتهما لله عز وجل، وقيل: أسلمت أمه. وقيل: أراد بهما آدم وحواء. ﴿يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ يثبت ويتحقق ويوجد. ٢٨٢ لُّءُ (١٣) - إبْرَاهِيمَ: ١٤ / ٣٥-٤١ المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى بالأدلة المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه، وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى أصلاً، وطلب من رسوله أن يعجب من حال قومه الذين عبدوا الأصنام، أردف ذلك بذكر أصلهم إبراهيم، وأنه دعا أن يجعل مكة بلد أمان واستقرار، وأن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، وأنه أسكن بعض ذريته عند البيت الحرام ليعبدوه وحده بالصلاة التي هي أشرف العبادات، وأنه شكر الله تعالى على منحه بعد الكبر واليأس من الولد ولدين هما إسماعيل وإسحاق، وأنه طلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين يوم يوجد الحساب. والخلاصة: إن إبراهيم عليه السلام هو القدوة والنموذج لعبادة الله عز وجل، فلیقتد به من ينتمون إليه. التفسير والبيان: هذا تذكير من الله تعالى واحتجاج على مشركي العرب بأن مكة البلد الحرام إنما وضعت منذ القدم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم عليه السلام تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن والاستقرار في ظل التوحيد، فقال: ﴿رَبِّ أُجْعَلْ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك حين دعا إبراهيم بقوله: ربِّ اجعل مكة بلداً آمناً أي ذا أمن واستقرار، لا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيه أحد، وقد أجاب الله دعاءه فجعله آمناً للإنسان والطير والنبات، فلا یقتل فيه أحد، ولا يصاد صیده، ولا يختلى خلاه، ولا يعضد شجره، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧/٢٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧/٣]. ﴿ وَأَجْنُبْنِى وَبَنِىَ﴾ أي وباعدني يارب وبني من عبادة الأصنام، واجعل عبادتنا خالصة لك على منهج التوحيد. هذا دليل على أنه ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته. وقد استجاب الله دعاءه في بعض ذريته دون ٢٨٣ / اِلُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١ بعض. وكان هذا الدعاء حين ترك هاجر وابنه إسماعيل، وهو رضيع، في مكة، قبل بناء البيت الحرام. ثم ذكر أنه افتتن بعبادة الأصنام كثير من الناس فقال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ﴾ أي يا رب إن الأصنام كانت سبباً في ضلال كثير من الناس عن طريق الهدى والحق، حتى عبدوهن. وقد أضيف الإضلال إلى الأصنام؛ لأنها كانت سبباً في الضلال عند عبادتها، وذلك بطريق المجاز، فإن الأصنام جمادات لا تفعل. ﴿فَمَنْ تَبِعَنِى﴾ أي فمن صدقني في ديني واعتقادي، وسار على منهجي في الإيمان بك وبتوحيدك الخالص، فإنه مني، أي على سنتي وطريقتي، مثل ((من غشنا فليس منا)) أي ليس على سنتنا، ومن عصاني فلم يقبل ما دعوته إليه من التوحيد لك وعدم الشرك بك، فإنك قادر على أن تغفر له وترحمه بالتوبة. وهذا صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة غير الكفار؛ لأنه عليه السلام تبرأ في مقدمة هذه الآية من الكفار بقوله: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنَ تَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾، ولأنه أيضاً بقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَُّ مِنِّ﴾ يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه، فإنه ليس منه، ولا يهتم بإصلاح شؤونه، ولأن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة، فكان قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ شفاعة في العصاة غير الكفار. عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَلقول تلا قول إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ الآية، وقول عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨/٥] الآية، ثم رفع يديه، ثم قال: (اللهم أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي)) وبكى، فقال الله تعالى: اذهب يا جبريل إلى · محمد، وربك أعلم، وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام، فأخبره رسول الله وعليه ما قال: فقال الله تعالى: اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك. ٢٨٤ اِلُعُ (١٣) - اِبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١ ثم دعا إبراهيم بدعاء ثان بعد بناء البيت الحرام لقوله: ﴿عِندَ بَيْئِكَ اُلْمُحَرَّم﴾. وبعد الدعاء الأول الذي كان قبل بناء البيت، فقال: ﴿رَّبَّنَآ إِنِِّ أَسْكَنْتُ﴾ أي يا ربنا إني أسكنت بعض ذريتي وهم إسماعيل ومن ولد منه، بواد لا زرع فيه وهو وادي مكة، عند بيتك المحرم أي الذي حرمت التعرض له والتهاون به، وجعلته محرماً ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده، فاجعل قلوب بعض الناس تسرع إليه شوقاً ومحبة، وتحن وتميل إلى رؤيته. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم: لو قال: أفئدة الناس، لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختص به المسلمون. وارزق ذريتي من أنواع الثمار الموجودة في سائر الأقطار، ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك، وكما أنه وادٍ غير ذي زرع، فاجعل لهم ثماراً يأكلونها. وقد استجاب الله دعاءه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَّدُنَا﴾ [القصص: ٥٧/٢٨] وتحقق فضل الله ورحمته وكرمه، فبالرغم من أنه ليس في البلد الحرام: ((مكة)) شجرة مثمرة، فإنه تجبى إليها ثمرات ما حولها من البلاد، من أنواع ثمار الفصول الأربعة، استجابة لدعاء الخليل عليه السلام. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي وارزقهم من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نعمتك، أو رجاء أن يشكروك بإقامة الصلاة وكثرة العبادة. وفيه إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو للاستعانة بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات. ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ﴾ أي أنت تعلم قصدي في دعائي، وهو التوصل إلى رضاك والإخلاص لك، وأنت أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وتعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء، فلا حاجة لنا إلى الطلب، وإنما ندعوك إظهاراً لعبوديتك، وافتقاراً إلى رحمتك، واستعجالاً لنيل ما عندك. : ٢٨٥ الُرُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١ ﴿ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾ أي ولا يغيب عن الله شيء في الأرض أو في السماء، فكله مخلوق له، وهو عالم به. وهذا من كلام الله عز وجل، تصديقاً لإبراهيم عليه السلام، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤/٢٧] أو من كلام إبراهيم، يعني وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب والشهادة من شيء في كل مكان. و﴿مِن﴾ للاستغراق، كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما. ثم حمد إبراهيم عليه السلام ربه عز وجل على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ﴾ أي الحمد والشكر كله لله الذي أعطاني ومنحني الولد بعد الكبر والإياس من الولد، أعطاني ولدين هما إسماعيل وأمه هاجر وإسحاق وأمه سارّة. وقدم إسماعيل؛ لأنه كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. وقيل: لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مئة واثنتي عشرة سنة. وقوله: ﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ لأن المنة بهبة الولد في هذه السن أعظم؛ إذ الظفر بالحاجة وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة في تلك السن المتقدمة كانت آية لإبراهيم. ﴿إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي إن الله ربي سامع دعائي وقولي، ومجيب من دعاه، وعالم بالمقصود، سواء صرحت به أو لم أصرح. وقال هذا لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض، لا على وجه الإيضاح والتصريح. ومناسبة قوله: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِى﴾ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى﴾ هو لمراعاة الأدب الجم مع الله تعالى، فهو عليه السلام كان يريد أن یطلب من الله إعانة زوجه هاجر وابنه إسماعیل بعد موته، ولکنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل ذكر أنك يا رب تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم نوّه بحال ذريته بعد موته، فكان هذا دعاء لزوجه وابنه بالخير والمعونة بعد موته، على سبيل الرمز والتعريض. ٢٨٦ الُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١ وذلك - كما قال الرازي - يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة أفضل من الدعاء، قال عليه الصلاة والسلام حاكياً عن ربه أنه قال فيما رواه البخاري والبزار والبيهقي عن ابن عمر: ((من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطيت السائلين)). ١ ثم دعا بما يكون دليلاً على شكر الله فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ﴾ أي رب اجعلني مؤدياً صلاتي على أتم وجه، محافظاً عليها، مقيماً لحدودها. واجعل بعض ذريتي كذلك مقيمي الصلاة؛ لأن ﴿ وَمِن﴾ للتبعيض. وخص الصلاة بالذكر لأنها عنوان الإيمان، ووسيلة تطهير النفوس من الفحشاء والمنكر. ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلُ دُعَاءٍ﴾ أي اقبل يا رب دعائي، أو عبادتي في رأي ابن عباس بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ١٩/ ٤٨]. وقال رسول الله ◌َ﴿ فيما رواه الجماعة وغيرهم عن النعمان بن بشير: ((الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيَّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ · [غافر: ٤٠ / ٦٠]. يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لی﴾ أي ربنا استرني وتجاوز عن ذنوبي وذنوب والدي وذنوب المؤمنين كلهم يوم يثبت ويوجد الحساب فتحاسب عبادك على أعمالهم الخيرة والشريرة. قال الحسن: إن أمه كانت مؤمنة، وأما استغفاره لأبيه فكان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين أنه عدو الله، تبرأ منه، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن ◌َّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَمَّا نَبَيَّنَ [التوبة: ١١٤/٩] . ١٤) لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّْ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ ( ودعاء إبراهيم لنفسه لا يلزم منه صدور ذنب منه، وإنما المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتماد على فضله وكرمه ورحمته. ٢٨٧ اِلُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - تعليمنا طلب نعمة الأمان من الله، فابتداء إبراهيم عليه السلام بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به. أَ - مشروعية الدعاء للنفس والذرية والبلاد، بل ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته. -- ٣ - كان دعاء إبراهيم مرتَّزاً حول إخلاص التوحيد لله عز وجل، وتجنب عبادة الأصنام والأوثان، التي كانت سبباً في إضلال كثير من الناس، فدعاؤه جمع بين طلب أن يرزق التوحيد، وبين طلب صونه عن الشرك، وتضمن أيضاً طلب توفيقه لصالح الأعمال، وتخصيصه بالرحمة والمغفرة يوم القيامة. ٤ - الالتفاف حول النبي أو المصلح واجب؛ لقول إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِىّ﴾. ٥ - طلب المغفرة للعصاة غير الكفار؛ لأن الشرك أو الكفر لا يجوز بالإجماع طلب إسقاطه ومغفرته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤]. ٩٠ - إسكان إبراهيم زوجه وابنه إسماعيل عند البيت الحرام كان لإقامة الصلاة. وقد روى البخاري عن ابن عباس ما مفاده أن إبراهيم ترك هاجر وابنها إسماعيل وهي ترضعه، عند البيت، عند دَوْحة فوق زمزم، في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جِراباً، وسِقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل؛ فقالت: يا إبراهيم! أين ٢٨٨ الزُعُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١ تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيِّعنا؛ ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثَّنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿ يَشْكُرُونَ﴾. وبعد أن نفد ما في السقاء، عطشت وعطِش ابنها، فجعلت تسعى سعي المجهود بين الصفا والمروة، سبع مرات، قال النبي ◌ُّ: ((فذلك سعي الناس بينهما)) ثم سمعت وهي على المروة صوتاً، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبه أو بجناحه، حتى ظهر الماء. روى الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((ماء زمزم لما شُرب له، إن شربتَه تشتفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه، وهي هَزْمة(١) جبريل، وسُقْيا الله إسماعيل)). لاً - لا يجوز لأحد أن يفعل فعل إبراهيم في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة، اتكالاً على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله تعالى، لقوله في الحديث: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. وكان ذلك كله بوحي من الله تعالى. ٨ - تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فیه. 4 - كان من بركة دعاء إبراهيم عليه السلام واستجابة الله له أن التعلق بالبيت الحرام وحبه والشوق إليه والحنين إلى زيارته متمكن في قلب كل مؤمن. (١) هزمة جبريل: أي ضربها برجله فنبع الماء. ٢٨٩ الخُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌَ: ١٤ / ٣٥-٤١ وقال ابن عباس في الآية: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾: سأل أن يجعل الله الناس يهوون السُّكنى بمكة، فيصير بيتاً محرماً، وكل ذلك كان، والحمد لله، وأول من سکنه جُرْهم. وأن مكة أصبحت ملتقى الأثمار والفواكه الآتية من كل الأنحاء والأمصار، وأنبت الله لهم بالطائف سائر الأشجار. · اَ - احتج أهل السنة بآية ﴿وَأَجْنُبْنِ وَيَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى، وهذا يشمل ترك المنهيات المنصوص عليه في هذه الآية: ﴿وَأَجْنُبْنِى﴾ وفعل المأمورات المنصوص عليه في آية: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيِّ﴾ وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أن الكل من خَلْق الله تعالى. ١١ - دلَّ القرآن على أنه تعالى أعطى إبراهيم عليه السلام ولدين هما إسماعيل وإسحاق على الكبر والشيخوخة، ولم يتعرض القرآن لسن إبراهيم في ذلك الوقت، وإنما يؤخذ من روايات التاريخ. ۔ ٢٩٠ الجُزءُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ ما يدل على وجود القيامة وأوصافها أو تأخير عذاب القيامة وأحوال المعذبين وتبدل السماوات والأرض ﴿وَلَا تَحْسَبَرَ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ نَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ ﴾ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يََّدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ٤٣ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمُتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ ﴿﴿ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ مِّن زَوَالٍ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (49) اَللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لَُِّولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴿ فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ ٤١ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنْتِقَامٍ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ ٤٨ اُلْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴿َ لِيَجْزِىَ اَللَّهُ ٤٩ فِي الْأَصْفَادِ لـ كُلَّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿﴿ هَذَا بَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنََّا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ٥٢ القراءات: ﴿وَلَا تَحْسَبَ﴾، ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾: قرئ: ١- (تَحْسَبَنَّ) وهي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة. ٢٠- (تَحْسِبَنَّ) وهي قراءة الباقين. يؤخِرِهَمْ ٢٩١ الجُزءُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (يوخرهم). ﴿يَأَنِمُ الْعَذَابُ﴾ : وقرأ حمزة والكسائي، وخلف (يأتيهِم العذاب). ﴿لِتَزُولَ﴾: وقرأ الكسائي (لَتَزول). الإعراب: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ حال من ضمير ﴿يُؤَخِرُهُمْ﴾ وتقديره: إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار في هاتين الحالتين. ﴿ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: مفعول ﴿وَأَنْذِرِ﴾ الثاني ولا يجوز أن يكون ظرفاً لأنذر؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الإنذار يوم القيامة، ولا إنذار يوم القيامة. ﴿وَتَبَّنَ لَكُمْ﴾ فعل ماض فاعله مقدر، أي تبين لكم فعلنا بهم، ولا يجوز أن يكون ﴿كَيْفَ﴾ فاعل ﴿وَتَبَّنَ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيما قبله، ولأن ﴿كَيْفَ﴾ لا يقع مُخْبَراً عنه، والفاعل يخبر عنه، وإنما ﴿كَيْفَ﴾ هنا منصوبة بقوله: ﴿فَعَلْنَا﴾. ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ اللام لام الجحود، والفعل منصوب بتقدير ((أن)). و ((إن)) بمعنى ((ما)) وتقديره: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، على التصغير والتحقير لمكرهم. ومن قرأ بفتح اللام وضم آخر الفعل (لَتزولُ» كانت اللام للتأكيد، ودخلت للفرق بين ((إن)) المخففة من الثقيلة وبين ((إن)) بمعنى ((ما)) أي وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال. وكان هنا تامة بمعنى وقع، والجبال: عبارة عن أمر النبي ◌َّ لعظم شأنه. ٢٩٢ الزُُّ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ؟﴾ أي مخلف رسلَه وعدَه. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ يوم منصوب على الظرف بالمصدر قبله، وهو (آنِقَامِ﴾. وما بعد ﴿وَالسَّمَوَتُ﴾ محذوف أي غير السماوات، لدلالة ﴿غَيْرَ اُلْأَرْضِ﴾ عليه. ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ﴾ اللام تتعلق بفعل ﴿وَتَغْشَى﴾ أو بفعل ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ أو بمحذوف دل عليه قوله: ﴿ذُو ◌ٌنِقَامِ﴾. ﴿وَلِيُنْذَرُواْ﴾ فيه تقدير، أي هذا بلاغ للناس وللإنذار؛ لأن ((أن)) المقدّرة بعد اللام مع ((ينذروا)) في تأويل المصدر، وهو الإنذار. أو تقديره: هذا بلاغ للناس وأُنزل لينذروا به، كقوله تعالى: ﴿كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنْذِرَ بِهِ،﴾ [الأعراف: ٢/٧]. البلاغة: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ فيه جناس الاشتقاق. ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ حذف منه: ((والسماوات تبدل غیر ماوات)) لدلالة ﴿غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. ﴿وَبَرَزُواْ﴾ عبر بالماضي محل المضارع ((يبرزون)) للدلالة على تحقق الوقوع، مثل ﴿أَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١/١٦] أي فكأنه حدث ووقع، فأخبر عنه بصيغة الماضي. المفردات اللغوية: ﴿وَلَا تَحْسَبَرَ اللَّهَ﴾ خطاب لرسول الله وَّةِ، والمراد تثبيته على ما هو ٢٩٣ لُعُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ عليه من أنه مطلع على أحوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه خافية، والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة، أو هو خطاب لكل من توهم غفلته جهلاً بصفات الله واغتراراً بإمهاله . ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ﴾ يؤخر عذابهم. ﴿الَّلِمُونَ﴾ الكافرون من أهل مكة وأمثالهم . ﴿تَشْخَصُ﴾ ترتفع فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها، لهول ما ترى، يقال: شخص بصر فلان، أي فتحه فلم يغمضه. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي ومقبلين، وأصله الإقبال على الشيء. (مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ أي رافعيها إلى السماء ناظرة أمامها. ﴿لَا يَرْتَدُ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ لا يرجع إليهم بصرهم، بل تبقى عيونهم شاخصة لا تطرف. ﴿ وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ قلوبهم خالية من العقل والفهم لفزعهم، وفرط الحيرة والدهشة. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ خَوِّف يا محمد الكفار. ﴿يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ﴾ هو يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنه أول أيام عذابهم. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بالكفر أو الشرك والتكذيب. ﴿رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أخّر العذاب عنا، وردّنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب، أو أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك، ونجيب دعوتك بالتوحيد . ﴿ وَنَتَِّعِ الرُّسُلِّ﴾ الذين أرسلتهم، وهذا وما قبله جواب الأمر، ونظيره: ﴿لَوْلاً أَخَرَنِيّ إلَى أَجَلِ فَرِيبٍ فَأَصَّدَقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠/٦٣]. ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ﴾ يقال لهم توبيخاً، أي حلفتم أنكم باقون في الدنيا لا تُزالون بالموت. ﴿مِّن قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿مِّن زَوَالٍ﴾ ﴿مِّن﴾: زائدة، أي زوال عن الدنيا إلى الآخرة. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي كعاد وثمود . ﴿ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ من العقوبة وما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم، فلم تنزجروا . ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ بينا لكم الأمثال في القرآن فلم تعتبروا، وأنكم مثلهم في الكفر والعذاب. ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ بالنبي ◌َّ حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه، وبذلوا فيه غاية ٢٩٤ الجُزءُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل. ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي علمه أو جزاؤه. ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لَِزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ أي وما كان مكرهم، وإن عظم، معدّاً لإزالة الجبال، أي لا يعبأ به ولا يضر إلا أنفسهم، فهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتاً وتمكناً، والمراد بالجبال هنا: حقيقتها، وقيل: شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. ومن قرأ بفتح لام ﴿لِتَرُوُلَ﴾ ورفع الفعل، فتكون ((إن)) مخففة، والمراد تعظيم مكرهم، مثل قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا [مريم: ٩٠/١٩] . ٩٠ ج ﴿ُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ بالنصر. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعجزه شيء ﴿ذُو أَنْتِقَامٍ﴾ قادر من الانتقام لأوليائه من أعدائه وكل من عصاه . ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ﴾ اذكر ذلك وهو يوم القيامة، فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية، كما في حديث الصحيحين. ﴿وَبَرَزُواْ﴾ خرجوا من القبور. ﴿وَتَرَى﴾ تبصر يا محمد. ﴿ اَلْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿مُقَرَّبِينَ﴾ أي مشدودين بعضهم مع بعض أو مع شياطينهم. ﴿فِى الْأَصْفَادِ﴾ في القيود أو الأغلال، جمع صَفَد . ﴿سَرَاِلُهُم﴾ قُمُصهم، جمع سربال وهو القميص . ﴿مِّن قَطِرَانٍ﴾ لأنه أبلغ لاشتغال النار، والقطران: أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقُمُص، ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه، ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم. والقطران: دُهْن يتحلب من شجر العَرْعَر والتوت، كالزفت، تدهن به الإبل حال الجرب، ويقال له: الهنَاء، ◌ُهْنَأُ به الإبل الجربى، أي تطلى . ﴿وَتَغْشَى﴾ تعلو وتحيط بها. ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَبَرَزُواْ﴾، فتجازى كل نفس مجرمة أو مطيعة بما فعلت في الدنيا من خير أو شر. ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ اُلْحِسَابِ﴾ يحاسب جميع الخلق، في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، لحديث ورد بذلك. ﴿هَذَا﴾ القرآن. ﴿بَلَغُ لِّلنَّاسِ﴾ أي أنزل لتبليغهم، وهو كفاية في ٢٩٥ لُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ العظة والتذكير . ﴿وَلِيَعْلَمُواْ﴾ بما فيه من الحجج. ﴿أَنَّمَا هُوَ﴾ أن الله إله واحد. ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ﴾ وليتعظ. ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى دلائل التوحيد، وبعد أن حكى عن إبراهيم أنه طلب من الله أن يصونه من الشرك وأن يوفقه لصالح الأعمال، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة يوم القيامة، ذكر ما يدل على وجود يوم القيامة بقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبََ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وما يدل على صفة يوم القيامة بقوله: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ إِلخ. التفسير والبيان: ولا تحسبن يا محمد أن الله إذا أنظر الناس وأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة، أنه غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم، ويعده عليهم عداً. والمقصود من الآية إثبات وجود يوم القيامة بطريق التنبيه على أنه تعالى سينتقم للمظلوم من الظالم. وهو وإن كان خطاباً للنبي وَلّ صورة، فالمراد به أمته، بأسلوب ((إياك أعني واسمعي يا جارة)). وفيه تسلية للمؤمنين، وتهديد للظالمين بأن الله يحصي عليهم أعمالهم ويعلم بها، وسيجزيهم على ظلمهم في الوقت المناسب، فعقابهم آتٍ لا محالة؛ لأن العلم بالظلم الصادر منهم موجب لعقابهم. ثم بَيَّن الله تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بالصفات التالية : اً - أنه تشخص فيه الأبصار، أي أنه يمهلهم ويؤخرهم ليوم شديد الهول، ومن شدة أهواله تظل الأبصار فيه مفتوحة لا تطرِف ولا تغمض، من شدة الفزع والحيرة والدهشة. ثم وصف كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال : ٢٩٦ الْجُزْءُ (١٣) - اِبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ أَ - ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي أنهم يأتون من قبورهم إلى المحشر مسرعين بالذل والمهانة، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الذَّاعَ﴾ [القمر: ٨/٥٤] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَبِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهِّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ يَوْمَيِذٍ لَّا نَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً ١٠٩ ـهَمْسَا لـ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ اَلْقَيُّومِ﴾ [طه: ١٠٨/٢٠- ١١١] وقال عز وجل: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣/٧٠]. ٣ - ﴿ مُقنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ أي رافعي رؤوسهم، ينظرون في ذل وخشوع، ولا يلتفتون إلى شيء. ٤ - ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرَّفُهُمْ﴾ أي لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم، بل تظل أبصارهم شاخصة مفتوحة تديم النظر، لا يطرفون ولا يغمضون، لكثرة ماهم فيه من شدة الهول والفزع، والمراد من هذه الصفة دوام الشخوص. ٥ - ﴿وَفْئِدَنُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي وقلوبهم خاوية خالية لا شيء فيها من القوة، مضطربة، لكثرة الخوف. والمراد أن قلوب الكفار خالية من الخواطر؛ لعظم الحيرة، ومن كل رجاء وأمل؛ لما تحققوه من العقاب، وخالية من كل سرور؛ لكثرة الحزن. ووقت حصول هذه الأوصاف عند المحاسبة؛ لأنه تعالى ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب. ثم ذكر تعالى مقالة هؤلاء المعذبين حين رؤية الهول، فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِمُ الْعَذَابُ﴾. أي وخوّف أيها النبي الناس جميعاً من أهوال عذاب يوم القيامة، حين يقول الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب هلعاً وجزعاً: ﴿رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى ٢٩٧ الُزُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي ردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى وقت آخر قريب العودة إليك، نتدارك فيه ما فرطنا في الدنيا، من إجابة دعوتك إلى التوحيد وإخلاص العبادة لك، واتباع رسلك فيما أرسلتهم به، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلاً أَخَّرْتَنِىّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠/٦٣] وكقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا لَعَلِّيَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ٩٩ جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ [المؤمنون: ٢٣ /٩٩ - ١٠٠] . فرد الله تعالى عليهم موبخاً لهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم﴾ أي أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة حينما كنتم في الدنيا: أنكم إذا متم لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، أي كنتم تنكرون البعث والحساب، وتزعمون أنه لا انتقال لحياة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَئِمَنِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨/١٦] فذوقوا هذا العذاب بذلك الإنكار. ﴿وَسَكَنتُمْ﴾ أي والحال أنكم أقمتم في الظلم والفساد، وصاحبتم الظالمين لأنفسهم، وسرتم سيرتهم، بالرغم من أنه تبين لكم، ورأيتم ما فعلنا بهم من الإهلاك والعقاب لتكذيبهم وجحودهم وصدودهم عن دعوة الحق، وعاينتم آثار عذابهم، وظهر لكم أن عاقبتهم آلت إلى الوبال والخزي والنكال، وضربنا لكم الأمثال، وهو ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة، كما قدر على الابتداء، وقادر على التعذيب المؤجل، كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله كثير، ولكنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فلم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر، فكيف تطلبون العودة والتأخير للتوبة؟! وقد فات الأوان. ثم بيَّن الله تعالى تشابه أحوالهم مع أحوال السابقين، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ أي إن هؤلاء الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم لم ٢٩٨ الزُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ تتغير حالهم عن حال من سبقهم، فإنهم مكروا مكرهم جهد طاقتهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي وعند الله العلم بمكرهم، أو جزاؤهم، فكل شيء معلوم منهم، ومكتوب ومسجل عليهم، وسيجازيهم عليه الجزاء العادل، ويحاسبهم الحساب الشديد. ثم ذكر أن عاقبة مكرهم الخسران فقال: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ أي ما كان مكرهم قادراً لإزالة آيات الله وشرائعه ومعجزاته التي هي كالجبال الراسخات، أو المعنى: أنه وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة مثل قوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (49﴾ [نوح: ٢٢/٧١] فمحال أن تزول الجبال بمكرهم، والمراد بالجبال آيات الله وشرائعه؛ لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً، فهذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر ذلك شيئاً من الجبال ولا غيرها، وإنما ضر أنفسهم، وعاد وبال ذلك عليهم. والمقصود تصغير مكرهم وتحقيره وتهوينه، فليس من شأنه إزالة الآيات وإبطال النبوات الثابتة ثبوت الجبال، والجبال لا تزول، ولكن العبارة مجاز عن تعظيم الشيء ووصفه کیف یکون. وإذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن أيها الرسول أن الله مخلف رسله وعده، بل هو منجز لهم ما وعدهم به، والمراد تثبيت أمته على الثقة بوعد ربه بنصرهم وتعذيب الظالمين، كما قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَ أَنَا وَرُسُلِىَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٢١ عَزِيزٌ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (جَ﴾ [غافر: ٥١/٤٠] وآية ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ هنا هي تقرير وتأكيد لهاتين الآيتين، أي من نصرتكم في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أُنشِقَامِ﴾ أي إن الله ذو عزة وقدرة لا يعجزه ولا يمتنع عليه شيء أراده، وشاء عقوبته، وهو ذو انتقام ممن كفر به وجحده، أو : ٢٩٩ الجُزُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ أشرك معه إلهاً آخر. وهذه خاتمة مناسبة للآية، تؤكد الحرص على إنجاز الوعد للرسل. ثم ذكر الله تعالى وقت انتقامه فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ أي إن الله تعالى ذو انتقام من أعدائه، ووعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، فتصبح على غير الصفة المألوفة المعروفة، وتبدل أيضاً السماوات غير السماوات، أما الأرض الحالية فتصبح كالدخان المنتشر، وأما السماوات فتتبدد کواکبها وشمسها وقمرها. جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ، ليس فيها معلم لأحد». وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت: ((سألت رسول اللهِ وَّ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط)). واختلف العلماء في تبديل الأرض والسماوات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسيّر عن الأرض جبالها، وتفجّر بحارها وتسوّى، فلا يُرى فيها عوج ولا أمت(١)، قال ابن عباس: هي تلك الأرض، وإنما تغير. وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها. وقيل: يخلق بدلها أرضاً وسماوات أخر، عن ابن مسعود وأنس: ((يحشر الناس على أرض بيضاء، لم يخطئ عليها أحد خطيئته))(٢). والعلماء يقررون أن الأرض والكواكب كانت كتلة ملتهبة في الفضاء، ثم (١) الأمت: المكان المرتفع والتلال الصغار، والانخفاض والارتفاع. (٢) الكشاف: ١٨٥/٢ ٣٠٠ الجُرُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢ انفصلت عنها الشمس والكواكب السيارة، ثم الأرض، ثم الأقمار. وستنحل هذه المجموعة، وتكون سماوات غير هذه السماوات، وأرض غير هذه الأرض. ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَارِ﴾ أي وخرجت الخلائق جميعها من قبورهم انتظاراً لحكم الله الواحد، الذي قهر كل شيء وغلبه، كما قال تعالى: ﴿لِّمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦/٤٠] وفي هذا تهويل وتخويف. ولما وصف الله تعالى نفسه بكونه قهاراً، أبان عجز الناس وذلتهم أمامه، وذكر من صفاتهم: اً - كون المجرمين مقرنين في الأصفاد، أي ترى يا محمد المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم مقيدين بعضهم إلى بعض في الأغلال أو القيود، فيجمع بين النظراء أو الأشكال، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢/٣٧] وقال: ﴿ وَإِذَا اُلْنُّفُوسُ [التكوير: ٧/٨١] أي تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس زُوِّجَتْ (ج) (٩٤) ﴾ [الشعراء: ٢٦ /٩٤]. الكافرين بالشياطين وقال: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ أَ - ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ أي قمصهم من القطران، والمراد أن جلود أهل النار تطلى بالقطران، حتى تصبح كالسرابيل، ليحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونَثْن الريح. وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين. ◌َّ - ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ أي تحيط النار بأجسامهم، وإنما ذكرت الوجوه؛ لأنها أشرف الأعضاء وأعزها، مثل قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ [المؤمنون: ١٠٤/٢٣] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَنَّفِى ١٠٤ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [الزمر: ٢٤/٣٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى