Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ لالُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ ﴿السَّحَابَ﴾ الغيم المنسحب في الهواء ﴿الثِّقَالَ﴾ بالمطر، وهو جمع ثقيلة، وإنما وصف به السحاب؛ لأنه اسم جنس في معنى الجمع ﴿الرَّعْدُ﴾ الصوتِ المسموع خلال السحاب بسبب احتكاك السحب السماوية، أي إنه ينشأ عن احتراق الهواء بالشرارة ظهور البرق، الذي يحدث من تصادم سحابتين مختلفتي الشحنة الكهربائية، ثم ينشأ عن تفريغ جزء من الهواء الذي يحدثه البرق احتكاك الهواء الذي يطرده البرق وظهور الرعد. ﴿الصَّوَعِقَ﴾ جمع صاعقة وهي التي تحدث بسبب الاحتكاك الكهربائي بين كهربة السحب وكهربة الأرض عند تقارب السحب من الأرض، فتنشأ عنه صاعقة تحرق ما تقع عليه ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ﴾ أي الكفار يخاصمون النبي ◌َّ في الله تعالى، والجدل: شدة الخصومة ﴿الِحَالِ﴾ القوة أو الأخذ للأعداء. ﴿لَهُ﴾ تعالى ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي كلمته وهي لا إله إلا الله أو الدعاء الحق، فإنه الذي يحق أن يعبد ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِن دُونِهِ،﴾ من غيره وهم الأصنام ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ﴾ مما يطلبونه ﴿إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّيَّهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ أي إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء على حافة البئر، يطلب منه أن يبلغه، ليبلغ فاه بارتفاعه من البئر إليه ﴿وَمَا هُوَ سَِلِفِهِ﴾ أي بالغ فاه أبداً، فكذلك ماهم بمستجيبين لهم ﴿وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ﴾ أي عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء ﴿إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ ضياع وخسار وبطلان. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾ يحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين (الإنس والجن) طوعاً حالتي الشدة والرخاء، ويسجد له الكفار كرهاً حالة الشدة والضرورة. والمنافقون من الكفار، إذ يسجدون كرهاً. ويحتمل أن يكون المراد: ينقادون لإحداث ما أراده الله فيهم من أفعاله، شاؤوا أو أبوا، لا يقدرون أن يمتنعوا علیه. ١٤٢ الْجُرُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ ﴿ وَظِلَلُهُمْ﴾ جمع ظل وهو الخيال المقابل للشمس الذي يظهر للشيء المادي القائم أي ويسجد ظلالهم، أو تنقاد أيضاً حيث تخضع لمشيئة الله في الامتداد والتقلص والفيء والزوال ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ جمع غداة: وهي أول النهار ﴿وَاَلْأَصَالِ﴾ جمع أصيل: وهو ما بعد العصر إلى المغرب. سبب النزول: نزول الآية (١٣): ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ﴾: ذكر الرواة سبيين لنزول هذه الآية، أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس: أن أَرْبَدَ بن قيس وعامر بن الطُّفَيْل قدما المدينة على رسول الله وَله فقال عامر: يا محمد: ما تجعل إلي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، فخرجا، فقال عامر: إني أَشْغَل عنك وجه محمد بالحديث، فاضربه بالسيف، فرجعا، فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك، فقام معه، ووقف يكلمه، وسلَّ (أرْبَد) السيف، فلما وضع يده على قائم السيف، يبست، والتفت رسول الله وَل﴿، فرآه، فانصرف عنهما، فخرجا، حتى إذا كانا بالرَّقْم (موضع) أرسل الله على أربد صاعقة، فقتلته، فأنزل الله: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أَنْتَى﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ الْحَالِ﴾. وأما عامر فأرسل الطاعون عليه، فخرجت فيه غُدَّة كغدة الجمل، ومات في بيت سلولية. وذكر الواحدي ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي والبزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله وَل بعث رجلاً مرّة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي، فقال: يارسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: اذهب فادعه لي، قال: فذهب إليه، فقال: يدعوك رسول الله، قال: وما الله، أمن ذهب هو، أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله وَالّ فأخبره، وقال: وقد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ارجع إليه الثانية ١٤٣ الجُزْءُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ / ١٢-١٥ فادعه، فرجع إليه، فعاد عليه مثل الكلام الأول، فرجع إلى النبي وَلّ فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يكلمني، إذ بعثت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ﴾(١). المناسبة: بعد أن خوّف الله تعالى عباده بأنه إذا أراد السوء بقوم فلا مردّ له، أتبعه بهذه الآيات المشتملة على أمور ثلاثة، فهي دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وتشبه النعم والإحسان حيناً، وتشبه العذاب والقهر والنقمة حيناً آخر. التفسير والبيان: الله تعالى هو الذي يسخر البرق: وهو ما يرى من النور اللامع ساطعاً من خلال السحاب، بسبب تقارب سحابتين مختلفتين في الشحنة الكهربائية، ويريكم إياه تخويفاً، فيخاف منه المسافر والمزارع الذي جمع حبوبه في البيدر (الجرين) ويحذر عواقبه كل إنسان من خطف البصر، أو مجيء السيول الجارفة، وطمعاً، أي يرجو نفع المطر من كان بحاجة إليه لسقي زرعه وشجره وغسل الجو من الأتربة والرمال والدخان والميكروبات. فالناس في الظواهر العامة قسمان: إما فرح طامع بالخير بالنسبة إليه، وإما متشائم متبرم عابس لما يصيبه من شر أو ضر بالنسبة إليه. ﴿وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثَّقَالَ﴾ أي والله سبحانه هو الذي يوجد السحب (١) أسباب النزول للواحدي ١٥٦، تفسير ابن كثير: ٥٠٥/٢، تفسير القرطبي: ٢٩٦/٩ - ٢٩٨، الكشاف: ١٦٢/٢ ١٤٤ الُءُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ المحملة المترعة بالماء، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال: الذي فيه الماء. ﴿وَيُسَبِعُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أي إن الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال ينزه الخالق عن الشريك والعجز، ويعلن خضوعه له، وانقياده لقدرته وحكمته، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤٤]. وتسبح الملائكة ربهم وتنزهه عن الصاحبة والولد، من هيبته وإجلاله. ويرسل الله الصواعق نقمة، ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ◌ٍَّ قال: ((تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة، فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان)). وكل من الرعد والبرق إما بشير خير أو نذير شر، لذا أمرنا النبي وَّ بالدعاء حين رؤيتهما، روى البخاري وأحمد عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله وَّيهو إذا سمع الرعد والصواعق قال: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك)). ويسن عند رؤية البرق والرعد أن يقول: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ وَيُسَمِعُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُّ السَّحَابَ الثَّقَالَ مِنْ خِيفَتِهِ،﴾ روى مالك في موطئه عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد، ترك الحديث، وقال: ((سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته)). وروى أحمد عن أبي هريرة أنه كان إذا سمع الرعد قال: ((سبحان من يسبح الرعد بحمده)). وروى أَبَان عن أنس قال: قال رسول الله وَالت: ((لا تأخذ الصاعقة ذاكراً الله عز وجل)). وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي وَّه إذا سمع صوت الرعد يقول: ((سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة، فعلي ديته)). ١٤٥ لُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ١٢-١٥ ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِىِ اللَّهِ﴾ وبالرغم من هذه الأدلة الدالة على قدرة الله وألوهيته، يجادل الكفار ويشكون في عظمة الله تعالى وأنه لا إله إلا هو، قال مجاهد: جادل يهودي النبي وَّ، وسأله عن الله تعالى: من أي شيء هو؟ وهو سبحانه شديد المحال أي شديد القوة والأخذ، والمماحلة: وهي شدة المماكرة والمكايدة لأعدائه، فيدبر لهم الحيلة لإنزال العقاب الشديد بهم من حيث لا يشعرون، يقال: تمحل لكذا: إذا تكلف استعمال الحيلة، واجتهد فیه. وهو القادر على إنزال العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النمل: ٥١/٢٧] ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١١ / ١٠٢] . ١٠٢ وفي هذا تسلية للنبي رَّة، فإنهم لم يقتصروا على إنكار نبوته، بل تجاوزوا ذلك إلى إنكار الألوهية. ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي لله تعالى دعوة الصدق والدعاء والتضرع، لا لغيره من الأصنام والأوثان والملائكة والبشر الذين اتخذوا آلهة. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: دعوة الحق: كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أي لله من خلقه أن يوحّدوه ويخلصوا له. وذكر في الكشاف وجهان للآية: الأول - إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، أي إن دعوة الإسلام دعوة الحق المختصة به. والثاني - إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو الله عز وعلا أي إن الدعاء لله الحق الذي يسمع فیجیب(١). (١) الكشاف: ٢/ ١٦٢ قال أبو حيان: وهذا الوجه الثاني الذي ذكره الزمخشري لا يظهر؛ لأن مآله إلى تقدير: لله دعوة الله وهذا التركيب لا يصح. ١٤٦ ٠ الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ وهذا وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم رسول الله صل# في شأن الوعيد بالعقاب الذي هددهم به. قال أبو حيان عن ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: والذي يظهر أن هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقوله: (ولدار الآخرة) والتقدير: لله الدعوة الحق، بخلاف غيره، فإن دعوتهم باطلة، والمعنى أن الله تعالى، الدعوة له هي الدعوة الحق، وهو رد على الكفار في إثبات آلهة مع الله، فمن يدعُ الله فدعوته هي الحق، بخلاف أصنامهم التي جادلوا في الله لأجلها، فإن دعاءها باطل لا يتحصل منه شيء، فقال: ﴿وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ﴾(١). ﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي إن الذين يدعون من دون الله الأصنام والأوثان والمعبودات الباطلة وهم المشركون، لا يجيبونهم إطلاقاً، ولا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء، ولا يحققون لهم نفعاً ولا يدفعون عنهم ضراً، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، طالباً وصوله إلى فمه، وهو عطشان، والماء سائل لا يعقل دعاء، ولا يلبي نداء، ولا يشعر به. ويلاحظ ما عليه هذا التشبيه من واقعية ومن بسط الكفين كما يبسطها الداعي إلى الله. فهذا مثل ضربه الله ليأس عبدة غير الله من الإجابة لدعائهم، لتنبيه عقولهم وحواسهم، والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مَثَلاً بالقابض الماء باليد. قال الشاعر: فأصبحتُ فيما كان بيني وبينها من الودّ مثلَ القابض الماء باليد ﴿ وَمَا دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسار وضياع وبطلان، فإن دعاءهم لهم غير مجاب، كما أن دعاءهم الله تعالى بما يتعلق بالآخرة غير مجاب أيضاً. أما في الدنيا فقد يستجاب دعاء الكافر بدليل استجابة دعاء إبليس وهو رأس الكفار(٢) .. (١) البحر المحيط: ٣٧٦/٥ (٢) تفسير الألوسي: ١٢٥/١٣ -١٢٦ ١٤٧ الُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ ثم بيّن الله تعالى كمال قدرته وعظمته وسلطانه فقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ أي ولله يخضع وينقاد كل شيء طوعاً من المؤمنين والملائكة في حالي الشدة والرخاء، وكرهاً من الكافرين في حال الشدة، بل كل شيء من مخلوقات الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد خاضع منقاد للخالق الذي خلقهم وأوجدهم. وكذلك تسجد لله وتخضع ظلال كل من له ظل مما ذكر في الصباح الباكر وفي آخر النهار، وتخصيص هذين الوقتين بالذكر لظهور الامتداد والتقلص، أو لإرادة الدوام، كما هو الشأن في استعمالات العرب. والسجود لله دال على الربوبية، فلا يستحق العبادة سوى الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدتنا الآيات إلى مايلي: اً - بيان كمال قدرة الله تعالى، وأن تأخير العقوبة عن العصاة ليس عن عجز، وكل ماذكر في الآية من البرق والسحاب والرعد والصواعق دلائل ملموسة على قدرة الله عز وجل، وأنه شديد القوة والأخذ، والمحال أو المماحلة: وهي المماكرة والمغالبة. فحدوث البرق مثلاً دليل عجيب على قدرة الله تعالى؛ لأن السحاب مركب من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية، والغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس، فتغليب النار على الماء المتضادين، لابد له من صانع مختار، يظهر الضد من الضد. والأجزاء المائية من السحاب، سواء قيل: إنها حدثت في جو الهواء أو تصاعدت من أبخرة البحار، لابد أن يكون حدوثها بإحداث حكيم قادر محدث. وصوت الرعد المرعب بسبب تصادم كتل الهواء نتيجة تفريغ جزء منه بالبرق دليل آخر على القدرة الإلهية. ١٤٨ الزُءُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ والصواعق المخيفة المدمرة المتولدة من السحاب والتي تحدث بسبب احتكاك كهربة السحب بكهربة الأرض برهان واضح على الألوهية، ووجود موجود متعال عن النقص والإمكان. ٣ - كل شيء في الوجود من إنسان وحيوان ونبات وجماد وجنّ وملائكة يسبح بحمده، فالرعد يسبح بحمد الله، والملائكة تسبح أيضاً بحمد الله من هيبته وإجلاله، والتسبيح: التنزيه عن الشريك والوالد والولد والصاحبة، والتقديس لله تعالى، ولكن الناس لا يفقهون تسبيح من سواهم. ٣ - هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل الدالة على كمال قدرة الله، يجادلون في الله، ويشككون في وجوده وألوهيته، والله شديد القوة والأخذ، والعقاب، ومغالبة هؤلاء المشككين المجادلين بالباطل. ٤ - لله الدعوة الحق، فمن يدعوه فدعوته هي الحق، أما دعاء الأصنام وأمثالها من الآلهة المزعومة دون الله فهو باطل لا يفيد شيئاً. ٥ - الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله لا يحققون لأحد مطلباً، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لباسط كفيه إلى الماء، والماء سائل لا يشعر بأحد ولا بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاء داعيه، فكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. ٦ - دل قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ على أنه يجب على كل من في السماوات والأرض أن يسجد لله إما طوعاً أو كرهاً، فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول، أو أن كل من السماوات والأرض يعترفون بعبودية الله تعالى، على ما قال: ﴿ وَلَيْن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١] . وقيل: إن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع، وكل من ١٤٩ الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /١٦ في السماوات والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل. لاً - دل قوله: ﴿وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ على أن كل شخص، سواء كان مؤمناً أو كافراً، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرهاً، وهو كاره. وقيل: إن المراد من سجود الظلال أي ظلال الخلق: ميلانها من جانب إلى جانب، وتختلف طولاً وقصراً بسبب انحطاط الشمس وارتفاعها، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين .. وحدانية الله ومثل المؤمن والمشرك تجاه الوحدانية ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اَللَّهَ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُ مِّن دُونِ أَوْلِيَّةَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَغْسِعْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الْفُلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَفُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ اُلْقَهَّهُ القراءات: ﴿تَسْتَوِى الْقُلْمَتُ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يستوي الظلمات). البلاغة: ﴿ قُلِ اللَّهُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي الله خالق السماوات والأرض. ١٥٠ لُهُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٦ ﴿اَلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ و﴿اَلُلُمَتُ وَالنُّورُ﴾ فيهما طباق. ﴿هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الْقُلُمَتُ وَالنُّورُ﴾ فيهما استعارتان، استعار لفظ الأعمى للمشرك، والبصير للمؤمن، واستعار لفظ الظلمات والنور للكفر والإيمان. جَعَلُوا﴾ أي بل أجعلوا، والهمزة للإنكار. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومتولي أمرهما ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إن لم يجيبوا فلا جواب غير أن تقول: الله الخالق؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه الجواب البين الذي لا يمكن المراء فيه، أو إنه لقنهم الجواب ﴿ أَفَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ، أَوْلِيَآءَ﴾ أي كيف اتخذتم من غيره أصناماً تعبدونها؟ والمراد أنه ألزمهم بذلك أن اتخاذهم منكر بعيد على مقتضى العقل، والاستفهام للتوبيخ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ لا يقدرون على جلب نفع إليها أو دفع ضر عنها، فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه؟ وكيف تركتم مالك السماوات والأرض؟ وهو دليل ثانٍ على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء، رجاء أن يشفعوا لهم. ﴿هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الكافر الجاهل، والمؤمن العالم العاقل هَلْ نَسْنَوِى الُلُمَتُ وَالنُّورُ﴾ الكفر والإيمان؟ لا. ﴿أَمْ جَعَلُواْ﴾ بل أجعلوا، والهمزة للإنكار ﴿خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ،﴾ صفة لشركاء داخلة في حكم الإنكار ﴿فَتَشَبَّهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي خلق الله بخلق الشركاء، أي ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله، حتى يتشابه عليهم الخلق، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق الله، فاستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الناس، فضلاً عما يقدر عليه الخالق. رَأَمْ ١٥١ ◌ِلُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ /١٦ وهو استفهام إنكاري، أي ليس الأمر كذلك، ولا يستحق العبادة إلا الخالق ﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي لا خالق غيره، فيشاركه في العبادة، فهو لا شريك له في الخلق، فلا شريك له في العبادة، أي إنه جعل الخلق يستوجب العبادة ويلزم منه ذلك، ثم نفاه عما سواه ليتوصل إلى الآتي وهو قوله: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ اُلْقَهَرُ﴾ أي هو المتوحد بالألوهية، الغالب على كل شيء. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى أن كل من في السماوات والأرض ساجد له، خاضع لقدرته وعظمته، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام، لإثبات الوحدانية، وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، حتى لا يجدوا مناصاً من الاعتراف بها. التفسير والبيان: قل للمشركين أيها الرسول: من خالق السماوات والأرض؟ ثم أجب عنهم الجواب المتعين الذي لا مناص منه، وهو الذي يقرون به؛ لأنهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، كما قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١] وقل لهم إذن: الله خالقهما وربهما ومدبرهما. قال الزمخشري: وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ حكاية لاعترافهم وتأکید له عليهم؛ لأنه إذا قال لهم: من رب السماوات والأرض؟ لم يكن لهم بد من أن يقولوا: الله. ثم قل لهم بعد أن ثبت هذا لديكم: فلم اتخذتم لأنفسكم من دون الله معبودات هي جمادات، وإذا كنتم مقرين بوجود الله، فما بالكم اتخذتم من دونه نصراء عاجزين وأولياء تعبدونهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟! وإذا كانت تلك الآلهة لا تملك لنفسها النفع والضر، فهي لا تملك لعابديها ١٥٢ الُ (١٣) - الرَّحْلِ: ١٣ / ١٦ بطريق الأولى نفعاً ولا ضراً. فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له، فهو على نور من ربه؟ لهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾. أي قل لهم مبيناً لهم سوء اعتقادهم: هل يتساوى الأعمى الذي لا يبصر شيئاً، والبصير الذي يدرك الحق ويهدي الأعمى إليه؟ أم هل تتساوى الظلمات والنور؟ جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل والكفر متعددة. والمراد: هل يمكن لأحد الحكم بتساوي الكافر والمؤمن، وتساوي الكفر والإيمان، فالكافر كالأعمى، والكفر كالظلمات، والمؤمن كالبصير، والإيمان کالنور؟ ﴿أَمْ جَعَلُواْ﴾ بل جعلوا أي جعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، وحينئذ تشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، فحينما جعلوا لله شركاء موصوفين بالخلق مثل خلق الله، تشابه ذلك عليهم، فيعبدونهم، مع أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون، فكيف يشركون في العبادة، أفمن يخلق كمن لا يخلق؟! وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ [الحج: ٧٣/٢٢]. والمراد: ليس الأمر على هذا النحو، فإنه تعالى لا يشابه شيء، ولا يماثله شيء، ولا ندّ له، ولا وزير له، ولا ولد له ولا صاحبة، وهؤلاء المشركون عبدوا آلهة، وهم معترفون أنها مخلوقة لله، وهم عبيد له، كما صرحوا في تلبيتهم: ((لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)) وكما أخبر القرآن عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣/٣٩]. وتضمن هذا الاستفهام التعجب منهم والإنكار عليهم والتهكم بهم. وبعد أن ناقشهم تعالى في فساد اعتقادهم، وأبان عدم وجود المسوغات ١٥٣ اِلُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /١٦ لاتخاذ غير الله إلهاً معه، لعجزه وضعفه، قرر الحكم النهائي بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي قل لهم يا محمد مبيناً وجه الحق: الله خالق كل شيء، خالقكم وخالق أصنامكم وخالق جميع المخلوقات، فإذا فكرتم تفكيراً سوياً وجدتم أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد وهو المتوحد بالألوهية، المستحق للعبادة وحده، الغالب على كل شيء، فكيف تعبدون أصناماً لا تنفع ولا تضر؟! فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: اً - تثبيت الحقيقة الأبدية الخالدة وهي أن الله تعالى وحده هو خالق السماوات والأرض وجميع مخلوقات الكون. ومن له صفة الخلق والإيجاد هو المستحق للعبادة والتقديس. أَ - دل قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِ أَوْلِيَاءَ﴾ على اعترافهم بأن الله هو الخالق، وهو معنى آية أخرى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١/٢٩] أي فإذا اعترفتم بأن الله هو الخالق فلم تعبدون غيره؟ وذلك الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح بالحجة القاطعة التي لا مجال لردها أو الطعن فيها. ٣ - ضرب الله مثلاً للمشركين بالأعمى للكافر والبصير للمؤمن، وإذا كان مسلّماً لدى كل البشر ألا يستوي الأعمى والبصير، فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق والمشرك الذي لا يبصر الحق. ثم ضرب الله تعالى مثلاً للشرك والإيمان بالظلمات والنور. ٤ - طمس الله على عقول المشركين، فلم يقتنعوا بما سبق، بل جعلوا لله ١٥٤ لُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٦ شركاء فاقدة أهم مقومات الألوهية وهو الخلق والإبداع، فهي عاجزة عن خلق أي شيء، فلا يمكن بعدئذ أن تنافس مخلوقات الله، ولو كان للعالم صانعان لاشتبه الخلق، ولم يتميز فعل هذا عن فعل ذلك، فبم يعلم أن الفعل من اثنين؟! والمشركون حينما اتخذوا آلهة خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله، التبس الأمر عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آهتهم. وهو تهکم بهم، فإنهم في الحقيقة يرون كل شيء من خلق الله، وأن هذه الآلهة لم تخلق شيئاً، ومع هذا فإنهم يعبدونها من دون الله. ٥ - الله خالق كل شيء، فلزم لذلك أن يعبده كل شيء. والآية رد على المشركين والقَدَرية الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق الله. والله تعالى هو الواحد قبل كل شيء، والقهار الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد، فكيف يصح بعد هذا القول بشريك لله؟! أَ - استدل أهل السنة بهذه الآية على خلق الأفعال، أي إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وإن العبد لا يخلق فعل نفسه؛ لأن فعله شيء والله خالق كل شيء، وإنما يحصل منه الكسب والتوجيه واختيار ما خلق الله له. أما المعتزلة فقالوا: إن العبد يفعل ويحدث، ولا نقول: إنه يخلق كخلق الله تعالى، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فلا يلزمهم أنهم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه. وقال المجبرة: عين ماهو خلق الله تعالى هو كسب العبد وفعل له. وهذا عين الشرك؛ لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين، وكل شريك له حق في فعل الآخر. ١٥٥ الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١٧-١٩ مَثَل الحق والباطل ومآل السعداء والأشقياء ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَأَحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا زَّابِيَّاً وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِّثْلُهُ, كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَاَلْبَطِلِّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدَةٍ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ اُلْأَمْثَالَ لِلَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَىّ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَاَفْتَدَوْاْ بِهِ؛َ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوَءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنُهُمْ أَفَعَنْ يَعْلَمُ أَنَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إِنَّا ١٨ جَهٌَّ وَبِْسَ لِلْهَادُ ١٩ يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ القراءات: ﴿يُوقِدُونَ﴾ قرئ: ١- (يوقدون) وهي قراءة: حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (توقدون) وهي قراءة الباقين. ﴿لِرَبِهِمُ الْحُسْنَى﴾: قرئ: ١- (لربّهِمِ) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (الرتَّهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٣- (لربِّمُ) وهي قراءة الباقين. ﴿وَمَأْوَنُهُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وماواهم). ١٥٦ الُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ١٧-١٩ ﴿وَبِئْسَ﴾: وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبيس). الإعراب: ﴿ وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِىِ النَّارِ﴾ جار ومجرور، في موضع نصب على الحال من الضمير المجرور في ﴿عَلَيْهِ﴾ وتقديره: ومما يوقدون عليه كائناً أو مستقراً في النار. ﴿أَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال من ضمير ﴿يُوقِدُونَ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿فِ النَّارِ﴾ متعلقاً بيوقدون؛ لأنهم لا يوقدون في النار، وإنما يوقدون على الذهب، كائناً في النار. ﴿زَبَدٌ مِّثْلُ﴾ مبتدأ، و﴿مِثْلُ﴾: صفة له، وخبره إما ﴿يُوقِدُونَ﴾ أو ﴿فِ ج ج النَّارِ﴾. ﴿جُفٌَ﴾ حال من ضمير ﴿فَيَذْهَبُ﴾ عائد على الزبد ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَى﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿لَوْ أَرَ البلاغة: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ﴾ تشبيه تمثيلي، وجه الشبه منتزع من متعدد، شبّه فيه الحق بالماء المستقر على الأرض، وبالجوهر الصافي من المعادن، وشبّه الباطل برغوة الماء وخبث المعدن الطافي عليه لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل. ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي فسالت مياه الأودية، فهو مجاز عقلي من إسناد الشيء لمكانه. ١٥٧ لالُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ١٧-١٩ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ اُلْحَقَّ وَاَلْبَطِلَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي أمثال الحق وأمثال الباطل. ﴿لِلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَىّ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ شبه الكافر الجاهل بالأعمى على سبيل الاستعارة. المفردات اللغوية: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ مطراً من السحاب أو من جانب السماء ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ أنهار، جمع واد: وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة، ثم استعمل للماء الجاري فيه، وتنكيرها؛ لإتيان المطر على التناوب بين البقاع ﴿يِقَدَرِهَا﴾ بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع، أو بمقدار مثلها في الصغر والكبر ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ رفعه، والزبد: ما يعلو وجه الماء من رغوة وقذر ونحوه ﴿رَّابِيَا﴾ عالياً عليه مرتفعاً فوقه ﴿وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ﴾ من جواهر الأرض وفلزاتها كالذهب والفضة والنحاس والحديد ومن: للابتداء، أو للتبعيض، والضمير للناس، وإضماره للعلم به ﴿اَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلب زينة ﴿أَوْ مَتَعِ﴾ ينتفع به كالأواني إذا أذيبت، وآلات الحرب والحرث، والمقصود من ذلك بيان منافعها ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي مثل زبد السيل، وهو خبثه وهو الذي ينفيه الكير ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلَّ﴾ أي المذكور مثل الحق والباطل وأهل كلٍ. ﴿فَمَّا الزَّبَدُ﴾ من السيل وما أوقد عليه من المعادن ﴿فَيَذْهَبُ جُفَأٍَّ﴾ يزول باطلاً مرمياً به، فالجفاء: ما يرميه الوادي من الزبد إلى جوانبه ﴿ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء والمعادن ﴿ فَيَمْكُثُ﴾ يبقى وينتفع به أهلها ﴿فِ الْأَرْضِّ﴾ زماناً، كذلك الباطل يضمحل وينمحق، وإن علا على الحق في بعض الأوقات، والحق ثابت باق، أي إن الحق في إفادته وثباته كالماء النافع الذي يستقر في ١٥٨ الُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٧-١٩ الأرض، وكالمعدن الذي ينتفع به في صوغ الحلي واتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة؛ والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله كزبد الماء أو غثائه ورغوته، وخبث المعدن وشوائبه ﴿كَذَلِكَ﴾ المذكور ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ اُلْأَمْثَالَ﴾ يبين، لإيضاح المشتبهات. لِلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ﴾ أطاعوه، أي للمؤمنين الذين استجابوا بالطاعة الله، واللام متعلقة بيضرب ﴿اُلْحُسْنَى﴾ الجنة ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْلَهُ﴾ وهم الكفار ﴿لَاَفْتَدَوْاْ بِه٤َِ﴾ من العذابِ ﴿أُوْلَّكَ لَهُمْ سُوءُ لْحِسَابِ﴾ المؤاخذ بكل ما عملوه، لا يغفر منه شيء، أو المناقشة في الحساب، بأن يحاسب الإنسان ـٌَّ﴾ مرجعهم النار ﴿وَيْسَ الِهَادُ﴾ بذنبه، لا يغفر منه شيء ﴿وَمَأْوَنُهُمْ . المستقر والفراش هي، والمخصوص بالذم محذوف. ﴿ أَفَن يَعْلَمُ﴾ الهمزة للإنكار، أي فيؤمن ويستجيب كالحمزة ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ عمى القلب لا يؤمن بالنبي وَّ كأبي جهل، والمراد لا يستويان، ولا يتشابهان ﴿يَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى وجود دعوتين: دعوة الحق، ودعوة الباطل، وأن دعوة الله هي دعوة الحق ودعوة ما يعبدون من دونه هي دعوة الباطل، ولما شبه تعالى المؤمن والكافر والإيمان والكفر، بالبصير والأعمى، والنور والظلمات، ذكر مثلاً آخر الإيمان والكفر، وأبان مثلاً للحق وأهله، والباطل وحزبه، فجعل مثل الحق وأهله في ثباته وبقائه بالماء النازل من السماء فينفع الأرض والناس، وبالمعدن الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه، واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، وجعل مثل الباطل في اضمحلاله وفنائه وسرعة زواله وانعدام منفعته بزبد السيلى الذي يرمي به، وزبد المعدن الذي يطفو فوقه إذا أذيب. ٠ ١٥٩ الُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٧-١٩ التفسير والبيان: اشتملت الآية الأولى على مثلين للحق وهو القرآن أو الإيمان في ثباته وبقائه ونفعه، والباطل وهو الكفر في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾. أي أنزل الله تعالى من السحاب مطراً، فأخذ كل وادٍ بحسبه صغراً وكبراً، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها في استيعاب الإيمان سعة وضيقاً، فحمل السيل المتجمع من ذلك المطر زبداً عالياً طافياً فوقه، وهذا هو المثل الأول للحق والباطل أو الإيمان والكفر. ثم ذكر تعالى المثل الثاني: ﴿وَمِمَا يُوقِّدُونَ﴾ أي ومثل الحق أو الإيمان كالمعدن النافع من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس ونحوها الذي يستخلص من التراب والشوائب، بوساطة السبك في النار، ليجعل حلية أو آنية أو سلاحاً أو متاعاً ينتفع به، ويعلوه الخبث والشوائب الطافية عند الانصهار، وهو مثل الباطل. كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ اُلْحَقَّ وَالْبَطِلَّ﴾ أي المذكور مثل الحق والباطل إذا اجتمعا، فالحق في استقراره ونفعه كالماء المستقر النافع والمعدن النقي الصافي، والباطل في زواله وعدم نفعه كالرغوة التي يقذفها السيل على جوانبه، وخبث المعدن عند انصهاره، فالباطل لا دوام له أمام الحق. ثم ذكر الله تعالى اضمحلال الباطل وذهابه بقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ أي أن الزبد الطافي فوق الماء يتبدد ويزول ويذهب في جانبي السيل، ويعلق على حافتيه، فتنسفه الرياح، وأما النافع من الماء والمعدن فيبقى مستقراً في الأرض، أما الماء فنشربه ونسقي به الزرع، وأما المعدن فنستفيد منه إما بالحلي أو بصناعة الأواني والأسلحة والأمتعة، كما قال تعالى عن الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥/٥٧]. ١٦٠ لِلُءُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ / ١٧-١٩ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي إنه تعالى كما بيَّن لكم هذه الأمثال، فكذلك يضربها بيّنات، لإيضاح الفوارق بين أصول الاعتقاد الجوهرية من الإيمان والكفر، والحق والباطل. والخلاصة: إن القرآن الكريم الذي تجسد فيه الحق ونور الإيمان مثله في إحياء القلوب به مثل الماء الذي يحيي الأرض بعد موتها، ومثل المعدن النقي الصافي الذي يحقق منافع كثيرة للناس. وأما الكفر وضلالات الشرك وباطل اعتقاد المشركين، فهو عديم النفع سريع الزوال، يتبدد فوراً، فهو كرغوة الماء وغثاء السيل الذي يضمحل وتعصف به الرياح، وخبث المعدن الذي يستبعد ويلقى جانباً. وما ضرب هذا المثل الرائع إلا لخير الإنسان، الذي عليه أن يقدر مآل أمره، وما ينتظره من سعادة وشقاوة في المعاد، فإذا كان يوم القيامة وعرض الناس وأعمالهم على ربهم، فيزيغ الباطل ويتلاشى، وينتفع أهل الحق بالحق. وقد ضرب الله تعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين من النار والماء، فقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾. [البقرة: ١٧/٢] ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩/٢] . وضرب سبحانه للكافرين في سورة النور مثلين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْاْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩/٢٤] والسراب يكون في شدة الحر، ثم قال: ﴿أَوْ كَظْلُمَتٍ فِى بَحْرِ لُّجِّيّ﴾ [النور: ٤٠/٢٤]. وجاء في السنة أمثال مشابهة، فشبَّه النبي وَلّ أحوال المنتفعين بسنته بأحوال أراضٍ ثلاث سقط عليها الماء، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة قَبِلت الماء، فأنبتت الكلأ