Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
اِلُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١
ثم ذكر الله تعالى مشتملات القرآن فقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي ما
كان هذا القرآن الشامل للقصة وغيرها، أو ما كان هذا القصص والحديث
الذي اشتمل عليه القرآن حديثاً يختلق ويكذب من دون الله؛ لأنه كلام أعجز
رواة الأخبار وحملة الحديث، وإنما هو كلام الله من طريق الوحي والتّنزيل
وتصديق ما تقدّمه من الكتب السماوية كالتّوراة والإنجيل والزّبور، أي
تصديق ما جاء فيها من الصَّحيح والحقّ، ونفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل
وتغيير، فهو مصدِّق أصولها الصَّحيحة، لا كل ما جاء فيها بعد من حكايات
وأساطير لا يتقبّلها العقل السَّليم، وهو أيضاً مهيمن عليها وحارس لها.
والقرآن أيضاً فيه تفصيل كل شيء من الحلال والحرام والمحبوب والمكروه،
والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، وصفات الله الحسنى، وقصص الأنبياء على
النّحو الثابت الواقع الذي لا تحريف فيه ولا تزويق. ونظير الآية قوله تعالى:
﴿َّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨/٦].
والقرآن أيضاً هدى للعالمين، يهدي الناس إلى طريق الاستقامة والسَّداد،
فيخرجهم من الظلمات إلى النُّور، وينقلهم من الغيّ إلى الرّشاد، ومن الضَّلال
إلى السَّداد، ويرشدهم إلى الحقّ والخير والصَّلاح في الدُّنيا والدِّين.
وهو كذلك رحمة عامّة من ربِّ العالمين للمؤمنين في الدُّنيا والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمّنت الآيات الأحكام التالية:
اَ - الأنبياء دائماً من الرِّجال، ولم يكن فيهم امرأة ولا جِّي ولا مَلَك.
وهذا ردّ على ما يروى عن النَّبِي ◌َّر أنه قال في حديث غير ثابت: ((إنّ في
النّساء أربع نبيّات: حَوَّاء، وآسية، وأُم موسى، ومريم)).
أَ - الأنبياء من أهل المدن، ولم يبعث الله نبيّاً من أهل البادية؛ لغلبة الجفاء

١٠٢
الجُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /١٠٩-١١١
والقسوة على أهل البدو؛ ولأن أهل الأمصار والقرى أعقل وأحلم وأفضل
وأعلم. قال الحسن البصري: لم يبعث الله نبيّاً من أهل البادية قط، ولا من
النّساء، ولا من الجنّ. وقال العلماء: من شرط الرّسول: أن يكون رجلاً
آدمياً مدنياً؛ وإنما قالوا: آدمياً، تحرُّزاً من قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ﴾
[الجن: ٦/٧٢] .
٣ - على الناس قاطبة أن ينظروا بمصارع الأُمم المكذِّبة لأنبيائهم،
فیعتبروا.
٤ - آية ﴿حَتَّ إِذَا أُسْتَيَْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ فيها تنزيه
الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم.
والمعنى أو الحكم على قراءة التخفيف ﴿كُذِبُواْ﴾ في رأي الجمهور: ظنّ
القوم أنّ الرُّسل كَذَبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يَصْدِقُوا. أو ظنّ
الأُمم أن الرُّسل قد كَذَبوا فيما وعدوا به من نصرهم.
والمعنى أو الحكم، على قراءة التّشديد (كُذِّبوا) أيقنوا أن قومهم كذبوهم،
أو حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذّبوهم، لا أن القوم كَذَّبوا، ولكن
الأنبياء ظنّوا وحسبوا أنهم يُكذِّبونهم.
٥ - في قصص الأُمم الغابرة ومنها قصة يوسف عليه السّلام وأبيه وإخوته
عبرة، أي فكرة وتذكرة وعظة، لأولي العقول.
أ - ما كان القرآن حديثاً یفتری ويختلق ویکذب من دون الله، فهو كلام
معجز لا يستطيع بشر ولو كان نبيّاً أن يأتي بمثله. وكذلك ما كانت قصّة
يوسف حديثاً يفترى من دون الله تعالی.
اً - القرآن الكريم مصدِّق لما تقدّمه من الكتب السَّماوية من التّوراة
والإنجيل وسائر كتب الله تعالى، ومهيمن عليها وحارس لها.
٠

١٠٣
الزُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١
٨ - القرآن الكريم فيه تفصيل كل شيء مما يحتاج إليه العباد من الحلال
والحرام، والشَّرائع والأحكام.
وهو أيضاً هداية ورحمة من الله تعالى لعباده وللمؤمنين بالغيب، وإنقاذ
للبشرية من الضّلالة إلى النّور، ومن الفساد إلى النّظام والصّلاح: ﴿ذَلِكَ
[البقرة: ٢ /٢] .
اُلْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمَّقِينَ
ـة - يمكن توجيه الكلام إلى قصّة يوسف عليه السّلام وحدها، فيكون
تعالى وصفها بصفات خمس هي:
أ - كونها عبرة لأولي الألباب.
ب - ما كان حديثاً يفترى، أي ليس لمحمد وسي﴿ل أن يفتري؛ لأنه لم يقرأ
الكتب، ولم يتتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء، وليس يكذب في نفسه؛ لأنه لا
يصحّ الكذب منه، وأكَّد تعالى كونه غير مفترى فقال: ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ
اُلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي إن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة
وسائر الكتب الإلهية.
جـ - وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السّلام مع أبيه وإخوته.
د - کونها هدى في الدُّنيا.
هـ - كونها سبباً لحصول الرّحمة في القيامة لقوم يؤمنون. خصّهم بالذّكر؛
لأنهم هم الذين انتفعوا به، كما في قوله تعالى: ﴿هُدَى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/
٢] .

١٠٤
الجُ (١٣) السورة (١٣) الرِّعْلِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
سُؤْرَةُ الرَّعْلِ
مدنية وهي ثلاث وأربعون آية
تسميتها:
سميت سورة الرّعد، للكلام فيها عن الرّعد والبرق والصَّواعق وإنزال
المطر من السَّحاب: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَّفَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ
وَيُسَبِّعُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ
اُلسَّحَابَ الثِّقَالَ فَّ
الصَّوَعِقَ﴾ [الرعد: ١٢/١٣-١٣] والمطر أو الماء سبب للحياة: حياة الأنفس
البشريّة والحيوان والنّبات، والصَّواعق قد تكون سبباً للإفناء، وذلك مناقض
للماء الذي هو رحمة، والجمع بين النَّقيضين من العجائب.
مناسبتها لما قبلها:
هناك تناسب بين سورة الرَّعد وسورة يوسف في الموضوع والمقاصد
ووصف القرآن، أما الموضوع فكلتاهما تضمّنتا الحديث عن قصص الأنبياء مع
أقوامهم، وكيف نَجَّى الله المؤمنين المتقين وأهلك الكافرين، وأما المقاصد فكل
من السُّورتين لإثبات توحيد الإله ووجوده، ففي سورة يوسف: ﴿يَصَحِى
وفي سورة
اُلْسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ
الرَّعد: ﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ اُلسَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢/١٣]. ﴿قُلْ مَن رَّبُّ

١٠٥
الْجُرُ (١٣) السورة (١٣) الرّعْلِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اَللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦/١٣]، وفيهما من الأدلّة على وجود
الصّانع الحكيم وكمال قدرته وعلمه ووحدانيته الشيء الكثير، ففي سورة
يوسف: ﴿وَكَأَئِنِ مِنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُزُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا
مُعْرِضُونَ (19). وفي سورة الرَّعد آيات دالّة على قدرة الله تعالى وأُلوهيّته مثل
الآيات [٢ - ٤]، والآيات [٨ - ١١]، والآيات [١٢ - ١٦]، والآيتان
[٣٠ و ٣٣].
وأما وصف القرآن فختمت به سورة يوسف: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لِّقَوْمِ
يُؤْمِنُونَ﴾، وبدئت سورة الرّعد بقوله سبحانه: ﴿يَلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبْ وَالَّذِىّ أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ما اشتملت عليه السُّورة:
تحدثت سورة الرّعد عن مقاصد السّور المدنية التي تشبه مقاصد السّور
المكيّة، وهي التّوحيد وإثبات الرِّسالة النَّبوية، والبعث والجزاء، والرّد على
شبهات المشركين. وأهم ما اشتملت عليه هو ما يأتي:
اً - بدئت السّورة بإقامة الأدلّة على وجود الله تعالى ووحدانيته، من خلق
السماوات والأرض، والشّمس والقمر، والليل والنهار، والجبال والأنهار،
والزّروع والثِّمار المختلفة الظُّعوم والرّوائح والألوان، وأن الله تعالى منفرد
بالخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، والنّفع والضر.
◌َ - إثبات البعث والجزاء في عالم القيامة، وتقرير إيقاع العذاب بالكفار في
الدُّنيا.
◌َّ - الإخبار عن وجود ملائكة تحفظ الإنسان وتحرسه بأمر الله تعالى.
٤ - إيراد الأمثال للحقّ والباطل، ولمن يعبد الله وحده ولمن يعبد
٠

١٠٦
إِلُ (١٣) السورة (١٣) الرّعَلِ
الأصنام، بالسّيل والزَّبَد الذي لا فائدة فيه، وبالمعدن المذاب، فيبقي النّقي
الصَّافي ويطرح الخبث الذي يطفو.
٥ - تشبيه حال المتّقين أهل السَّعادة الصَّابرين المقيمي الصّلاة بالبصير،
وحال العصاة الذين ينقضون العهد والميثاق، ويفسدون في الأرض بالأعمى.
أَ - البشارة بجنان عدن للمتّقين، والإنذار بالنّار لناقضي العهد المفسدين في
الأرض.
لاً - بيان مهمّة الرّسول وهي الدَّعوة إلى عبادة الله وحده، وعدم الشّرك
به، وتحذيره من مجاملة المشركين في دعوتهم.
٨ - الرُّسل بشر كغيرهم من الناس، لهم أزواج وذريّة، وليست المعجزات
رهن مشيئتهم، وإنما هي بإذن الله تعالى، ومهمّتهم مقصورة على التَّبليغ، أما
الجزاء فإلى الله تعالى.
١ - إثبات ظاهرة التَّغير في الدُّنيا، مع ثبوت الأصل العام لمقادير الخلائق
في اللوح المحفوظ.
·اَ - الإعلام بأن الأرض ليست كاملة التكوير، وإنما هي بيضاوية ناقصة
في أحد جوانبها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
(اً - إحباط مكر الكافرين بأنبيائهم في كل زمان.
١٢ - ختمت السورة بشهادة الله لرسوله وَله بالنّبوة والرِّسالة، وكذا
شهادة المؤمنين من أهل الكتاب بوجود أمارات النَّي وَّ في كتبهم. وكان في
السّورة بيان مدى فرح هؤلاء بما ينزل من القرآن مصدّقاً لما عرفوه من الكتب
الإلهية.
ـيـ

١٠٧
الُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ١
القرآن حق
﴿الَّمَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِّ وَالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يُؤْمِنُونَ
الإعراب:
{تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِّ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿وَاَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾: مبتدأ مؤخّر، ﴿وَالَّذِىّ
أُنْزِلَ﴾ خبر مقدّم، ويجوز أن يكون ﴿ وَلَّذِىّ﴾ مبتدأ وخبره ﴿اَلْحَقُّ﴾. ويجوز
أن يكون ﴿ وَاَلَّذِىّ﴾ في موضع جر عطفاً على ﴿الْكِتَبِّ﴾ أو وصفاً للكتاب،
والواو زائدة.
البلاغة:
﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِّ﴾ إشارة بالبعيد عن القريب، للدّلالة على علوّ شأن
الكتاب. وأل في ﴿اُلْكِتَبِّ﴾ للتّفخيم والتّعظيم، أي الكتاب الكامل في بيانه،
السَّامي في إعجازه.
المفردات اللغوية:
﴿الّرْ﴾ البدء بهذه الحروف الهجائية المقطّعة للتّنبيه على إعجاز القرآن
الكريم وبيان أن نزوله من عند الله حق لا شكّ فيه، بالرّغم من كونه بلغة
العرب ویتکون من حروف الكلمات التي ينطقون بها.
﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِّ﴾ أي هذه الآيات آيات القرآن، والإضافة بمعنى من،
أو إن الكتاب بمعنى السّورة، وتلك إشارة إلى آياتها، أي تلك الآيات آيات

١٠٨
الجُرُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١
السّورة الكاملة. ﴿ وَاَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن المنزل إليك من ربِّك عطف
عام على خاص، أو عطف صفة على صفة، أو مبتدأ، وخبره ﴿اُلْحَقُّ﴾.
﴿اَلْحَقُّ﴾ لا شكّ فيه، والجملة كالحجّة على الجملة الأولى، وتعريف
﴿اَلْحَقُّ﴾ أعم من أن يكون المنزل صريحاً أو ضمناً كالمثبت بالقياس وغيره مما
أقرّ القرآن بحسن اتِّباعه . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ إما أهل مكّة، أو على العموم.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بأنه من عند الله؛ لإخلالهم بالنّظر والتّأمل فيه.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى القرآن في آخر سورة يوسف بخمس صفات،
أضاف هنا صفة أخرى وهي كونه حقّاً من عند الله تعالى.
التفسير والبيان:
آيات هذه السّورة آيات القرآن البالغ حدّ الكمال، أو تلك الآيات العظام
القدر والشّأن آيات الكتاب وهو القرآن الكريم.
وكل القرآن الذي أنزل إليك يا محمد من ربِّك حقّ لا شكّ فيه، وهو على
التفسير الأول بأن الآيات هي السّورة إجمال بعد تفصيل، أو عموم بعد
خصوص، فبعد أن أثبت تعالى لهذه السّورة وصف الكمال والرّفعة، عمم
هذا الحكم على القرآن جميعه.
ولكن أكثر الناس لا يصدقون بالمنزل إليك من ربِّك، ولا يقدرون ما في
القرآن من سمو التّشريع والأحكام ورعاية المصالح المناسبة لكل عصر وزمان.
وهذا كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ
﴾ [يوسف: ١٠٣/١٢]، أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا
بِمُؤْمِنِينَ
يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشّقاق والنِّفاق والعناد.
وإذا كان واقع البشريّة اليوم أن أكثر سكان العالم لا يؤمنون بالقرآن

١٠٩
الُعُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١
الكريم، وأن المسلمين بالنّسبة إلى غيرهم هم الخُمْس، فيكون ذلك معجزة
للقرآن الكريم الذي أخبر عن حال أكثر الناس في الماضي كأهل مكة، وفي
مسيرة التاريخ، وفي الوقت الحاضر والمستقبل.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على أن آيات القرآن بالغة حدّ الكمال في الإعجاز والبيان، وأن
القرآن الكريم حقّ منزل من عند الله تعالى لا شكّ فيه ولا ريب، باقٍ على وجه
الدهر، ولكن مع الأسف حجب العناد والكفر كثيراً من الناس عن الإيمان
بما جاء فيه من چِگم بالغة، وأحكام رصينة، وتشریعات محکمة. وهذا ليس
إقراراً لهم، وإنما هو على سبيل الزّجر والتّهديد.
وقد تمسّك نفاة القياس بهذه الآية، وقالوا: الحكم المستنبط بالقياس غير
نازلٍ من عند الله تعالى، فهو ليس حقّاً؛ لأنه لا حقّ إلا ما أنزله الله تعالى.
ومثبتو القياس أجابوا عن ذلك بأن الحكم الثابت بالقياس نازل أيضاً من
عند الله تعالى؛ لأنه تعالى لما أمر بالعمل بالقياس، كان الحكم الذي دلّ عليه
القياس نازلاً من عند الله تعالى. وقد بيَّنا أن تعريف ﴿اَلْحَقُّ﴾ وإن دلّ على
اختصاص المنزل بكونه حقّاً، فهو أعم من المنزل صريحاً أو ضمناً، كالمثبت
بالقياس وغيره، مما نطق المنزل بحسن اتِّباعه.

١١٠
المُرُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٢-٤
بعض مظاهر قدرة الله في السماوات والأرض
﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمِّرْ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّىَّ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الَْيَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ
٢
وَهُوَ الَّذِى هَذَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَرًّا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَا
زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ وَفِي
اُلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتُ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَتَّخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيِّرُ صِنْوَانٍ
يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
٤
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
القراءات:
﴿ يُغْشِى»:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يُغَشِّي).
﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيْلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ﴾: قرئ:
١- (وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ غيرُ) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو،
وحفص.
٢- (وزرع ونخيلٍ صنوانٍ وغيرِ) وهي قراءة الباقين.
﴿يُسْقَى﴾: قرئ:
١- (يُسْقى) وهي قراءة ابن عامر، وحفص.
٢- (تُسُقى) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَنُفَضِّلُ﴾ :

١١١
الُءُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٢-٤
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ويُفضل).
﴿فِي الْأُكُلِّ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير (في الأُكْل).
الإعراب:
﴿ِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الباء متعلِّقة برفع، أو بـ (تَرَوْتَهًا﴾. و﴿تَرَوْنَهًا﴾ جملة
فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿السَّمَوَتِ﴾، أي إنه ليس ثم عمد ألبتة،
ويجوز أن تكون في موضع جر؛ لأنها صفة لـ ﴿عَمَدٍ﴾ أي إن ثَمَّ عَمَداً، ولكن
لا ترى.
﴿وَزَرْعٌ﴾ معطوف على ﴿وَجَنَّتٌ﴾، وتقديره: وفي الأرض قِطع
متجاورات، وجناتٌ وزرٌ ونخيلٌ صنوان مجتمعة من أصل واحد، ﴿وَغَيْرُ
صِنْوَانٍ﴾ غير مجتمعة من أصل واحد، وعلى قراءة الجرّ. (وزروع) معطوف على
﴿أَعْنَبٍ﴾، فتجعل الجنّات من الزّرع، وهو قليل.
البلاغة:
﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ شبّه إزالة نور النّهار بظلمة الليل بالغطاء الكثيف،
واستعار لفظ ﴿يُغْشِى﴾ من الغطاء الحسي للأمور المعنوية.
المفردات اللغوية:
﴿عَمَدٍ﴾ جمع عماد، وهو الأسطوانة، والآية تحتمل ألا عمد أصلاً، أو
هناك عمد غير مرئية. ﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به، أو المراد منه
المجاز، أي بالحفظ والتّدبير. ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلَّل بالحركة المستمرة والسرعة المعينة
ونحو ذلك. ﴿ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّىَّ﴾ كل منهما يسير في فلكه إلى يوم القيامة.
﴿ يُدَبِّرُ اُلْأَمَّرَ﴾ يصرف الأمر على وجه الحكمة. ﴿يُفَصِّلُ الْأَبَتِ﴾ يبين

١١٢
الُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢-٤
دلالات قدرته، وهي الأدلة التي تقدم ذكرها من الشمس والقمر . ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا
أهل مكة وأمثالكم .﴿بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي لتوقنوا وتتحققوا كمال قدرته
بالبعث، فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة
والجزاء. واليقين: العلم الثابت الذي لا شكّ فيه.
﴿مَذَ اُلْأَرْضَ﴾ بسطها طولاً وعرضاً ليتمكّن الإنسان والحيوان من السَّير
عليها والانتفاع بمنافعها . ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ﴾ وخلق فيها جبالاً ثوابت.
﴿وَأَنْهَرًا﴾ عطفها على الجبال مباشرة؛ لأنها أسباب تولدها ونبعها. ﴿ وَمِن كُلِّ
الثَّمَرَتِ﴾ متعلِّق بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾. ﴿زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ أي جعل فيها
من جميع أنواع الثّمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض، والأسود والأبيض،
والصغير والكبير، والذكر والأنثى.
﴿ يُغْشِى﴾ يغطي الليل بظلمته ضوء النهار فيطمسه، ويصير الجو مظلماً
بعدما كان مضيئاً . ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَيَتٍ﴾ دلالات على وحدانية
الله تعالى.﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تلك الآيات وفي صنع الله تعالى، فإن تكونها
وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم، دبَّر أمرها، وهيأ
أسبابها.
﴿قِطَعٌ﴾ أي بقاع مختلفة. ﴿مُتَجَوِرَتٌ﴾ متلاصقات، فمنها طيب ومنها
سبخ، ومنها رخو ومنها صلب، وبعضها صالح للزّرع دون الشَّجر وبعضها
بالعكس، وذلك التّخصيص مع التّجاور والطَّبيعة الأرضيّة من دلائل قدرة
الله تعالى ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ بساتين. ﴿صِنْوَانٌ﴾ جمع صنو، أي ونخلات يجمعها
أصل واحد، وتتشعَّب فروعها . ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ أي ومتفرِّقات مختلفة
الأُصول، وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي ((عم الرَّجل صِنْو أبيه)).
﴿يُسْقَى﴾ أي الجنّات وما فيها. ﴿الْأُكُلِّ﴾ ما يؤكل، فمنها الحلو ومنها
الحامض، ومنها الثَّمر ومنها الحبّ، وغير ذلك من الاختلاف شكلاً وقدراً

١١٣
لُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٢-٤
ورائحةً وطعماً؛ وهو من دلائل قدرته تعالى ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَيَتِ
لدلالات ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبَّرون ويستعملون عقولهم بالتّفكّر.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أن أكثر النّاس لا يؤمنون، أعقبه ببيان ما يدلّ على
التّوحيد والمعاد، بالاستدلال بأحوال السماوات وأحوال الشَّمس والقمر،
وبأحوال الأرض: جبالها وأنهارها، وبأحوال النَّبات من زروع وثمار
وأشجار مختلفة الُّعوم والرّوائح والألوان.
وبعد أن بيَّن الله تعالى أن القرآن حقّ، بيَّن أن من أنزله قادر على الكمال،
فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه الذي خلق السماوات
بغير أعمدة، لا نشاهدها بالعين، فهي لا عمد لها أصلاً، وقوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾
مؤكد معنى كونها بغير عمدٍ؛ لأن المراد إثبات وجود الله تعالى وقدرته، فلو
كان لها أعمدة، فلا يكون في الآية دلالة على وجود الله تعالى، فهي تقوم
بقدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره، وتقوم في الفضاء بإبقائه تعالى، حتى لو قيل
بتوازن قانون الجاذبية بين النُّجوم والكواكب، فإن ذلك بخلق الله تعالى.
ثم استوى الله تعالى على عرشه استواء يليق به، والعرش شيء مخلوق، نؤمن
به كما أخبر القرآن، وهو أعظم من السماوات والأرض، جاء في الحديث:
(«ما السماوات السَّبع وما فيهنّ وما بينهنّ في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض
فلاة، والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة))، وفي رواية:
((والعرش لا يَقْدُر قَدْره إلا الله عزّ وجلّ)).
وسخّر الشَّمس والقمر، أي ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منهما لمنافع

١١٤
لُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٢-٤
خلقه، من دوران وضياء، وظهور واختفاء، جاء في آيات أخرى ما يبيّن دورة
الشَّمس حول نفسها، وحركة القمر حول الأرض، فقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ
وَاُلْقَمَرَ فَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ
تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
خَتَّى عَادَ كُلْعُرُجُونِ الْقَدِيمِ
﴿ لَا الشَّمْسُ يَلْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَّيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلَّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ (٦)﴾ [يس: ٣٨/٣٦ -٤٠].
وكل من الشَّمس والقمر وغيرهما من الكواكب السَّيارة يجري لأجل
مسمّى، أي لمدة معيّنة هي نهاية الدُّنيا ومجيء القيامة، أو لمدة محددة يتم فيها
دورانه، فالشَّمس تتم دورتها في سنة، والقمر یتم دورته في شهر.
﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي إنّ الله تعالى يدبِّر أمر الكون ويصرفه على وفق إرادته
ومقتضى حكمته، فيحيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويغني ويفقر، ويهّئ الأسباب
للنّائج والمسببات، ويُسيِّر الأفلاك في نظام دقيق ثابت لا يخطئ ولا يتغيّر.
(يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي يبيِّن الدَّلائل الدّالّة على وجوده تعالى ووحدانيته
وقدرته وحکمته وعلمه ورحمته.
﴿لَعَلَّكُمْ بِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي يوضح الآيات والدّلالات الدّالة على أنه لا
إله إلا هو، وأنه قادر على أن يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه أولّ مرة، رجاء أن
تتيقّنوا وتتحقَّقوا، أو لتعلموا علم اليقين القاطع الذي لا شكّ فيه أنّ الله قادر
على البعث والإعادة، والحساب والجزاء، وإحياء الموتى من القبور في أي
مكان دفنوا في البر أو البحر أو في أجواف الحيوان.
فالذي قدر على خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، ودبّر
نظام الكون والحياة وأُمور الخلق بدقة فائقة، لا يبعد عليه ولا يعجزه البعث
الجديد، وإعادة الأرواح إلى أجسادها، ثم حساب أصحابها على ما قدّموا في
دار الدُّنيا.

١١٥
الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣/ ٢-٤
هذه هي الأدلّة السَّماوية على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، أتبعها
بالأدلّة الأرضيّة، وهي: ﴿وَهُوَ الَّذِى هَذَّ الْأَرْضَ﴾ أي والله تعالى هو الذي
جعل الأرض متّسعة، منبسطة للحياة، ممتدة في الطول والعرض، ليتمكّن
الإنسان والحيوان من التّنقل فيها بسهولة، والانتفاع بخيراتها النّباتية والمعدنية
[النبأ: ٦/٧٨]. ولا يمنع انبساط
كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا
الأرض للحياة في أجزائها أنها غير كروية أو مسطّحة في حجمها الكلي، فقد
أشار القرآن الكريم لكرويتها في آياتٍ أخرى منها: ﴿يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ
وَيُكَوّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِّ﴾ [الزمر: ٥/٣٩] والتكوير: اللف على الجسم
المستدير، فهي مبسوطة ممدودة في نظرنا لنعيش عليها.
وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول
والعيون، لسقاية ما فيها من الثَّمرات المختلفة الألوان والأشكال والطّعوم
والرّوائح.
وجعل فيها من كل صنف من أصناف الثِّمار زوجين اثنين أي ذكراً وأُنثى،
فالشَّجر والزَّرع لا ينتجان الثَّمر والحبّ إلا من عضوين: ذكر وأنثى، وجعل
أيضاً من كل ثمر صنفين، إما من حيث الطّعم كالحلو والحامض، أو من حيث
اللون كالأسود والأبيض، أو الطَّبيعة كالحار والبارد.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (٦َ وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا
٧
وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجَا (®َ﴾ [النبأ: ٦/٧٨-٨].
﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي يغطي الله ضوء النّهار بظلمة الليل، ويطرد ظلام
وَجَعَلْنَا الَّتْلَ لِبَاسًا
الليل بنور النّهار، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا
وَجَعَلْنَا النَّهَرَ مَعَاشًا (﴿1﴾ [النبأ: ٩/٧٨-١١]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَواْ أَنَّا
جَعَلْنَا الَّيْلَ لِسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصراً ﴾ [النمل: ٨٦/٢٧]، وقال تعالى:
﴿ وَمِنْ عَنِهِ، مَنَامُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهٌِ﴾ [الروم: ٢٣/٣٠].

١١٦
لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٢-٤
ثم نبّه الله تعالى في ختام الآية إلى وجوب التّفكّر في تلك الآيات السَّماوية
والأرضية، فقال: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في مخلوقات
الله وعجائب خلقه وآلائه وحِكَمه لدلائل وبراهين لمن يتفكّر فيها ويعتبر
بعظمتها ، فيستدلّ بها على وجود الله تعالى، وقدرته، وکمال علمه، وإرادته،
مما لا يوجد له مثيل في الكون، وذلك يستوجب تخصيصه بالعبادة،
والخضوع لسلطانه، والتزام أوامره.
ومن الآيات الأرضية اختلاف أجزاء الأرض بالطبيعة والماهية، وهي مع
ذلك متجاورة فقال تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ﴾، أي وفي الأرض
أجزاء يجاور بعضها بعضاً، ويقرب بعضها من بعض، وهي مع تجاورها
مختلفة متغايرة الخواص، فمنها طيب ينبت ما ينفع الناس، ومنها سَبِخة مالحة
لا تنبت شيئاً، ومنها صالح للزّرع دون الشَّجر وبالعكس، ومنها الرّخوة ومنها
الصُّلْبة، وتختلف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه صفراء، وهذه
بيضاء، وهذه سوداء، وهذه مُحْجِرة، وهذه مُرْمِلة، وهذه سميكة، وهذه
رقيقة، والكل متجاورات، وهي مختلفة الصِّفات، مما يدلّ على وجود الخالق
المختار، الذي لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.
وفيها بساتين من أعناب، وزروع متفاوتة من حبوب مختلفة لتوفير غذاء
الإنسان والحيوان، ونخيل صنوان وغير صنوان، والصِّنوان: ذوالأصول أو
الجذوع المجتمعة في منبت واحد كالرّمان والتِّين وبعض النّخيل، وغير
الصِّنوان: ما كان على أصل أو جذع واحد كسائر الأشجار. جاء في الحديث
الصَّحيح الذي أخرجه الترمذي أنّ رسول الله وَ ل ◌َه قال لعمر: ((أما شعرت أن
عم الرّجل صِنْو أبيه)). وقال البراء رضي الله عنه: الصِّنوان هي النّخلات في
أصل واحد، وغير الصِّنوان: المتفرِّقات.
ويظهر التّفاوت العجيب في بقاع الأرض وأصناف النّبات في أن الأرض

١١٧
لُعُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٢-٤
المنبتة لها واحدة، وتسقى من ماء واحد، وتتفاوت طعومها، وتتفاضل
مآكلها.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي إن في هذا التّفاوت مع وجود
مصادر التّشابه لأدلّة باهرة على وجود الله ووحدانيته، لقوم يتدبَّرون ويفكِّرون
فيها، فهذا الاختلاف في أجناس الثَّمرات والزّروع في أشكالها وألوانها
وطعومها وروائحها، حلاوة وحموضة ومرارة وعذوبة وتلوّناً، وهذا
الاختلاف في الأزهار في ألوانها وروائحها وإبداع ورقاتها وزهرها، مع
أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة، وهو الماء والأرض، في كل ماذكر آيات
لمن كان واعياً، ومن أعظم الأدلّة على وجود الخالق الفاعل المختار القادر على
كل شيء، ومن قدر على الإيجاد والخلق أول مرّة فهو قادر على الإعادة
والتكوين مرّة ثانية، بل هو أهون عليه.
وختْم الآيات الثلاث بما ذكر: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءٍ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ دليل على
وجوب استخدام النّظر والعقل والفكر، للتّوصل إلى الاقتناع الذّاتي الحرّ
بوجود الخالق ووحدانيته، وهذا الإعمال للعقل من مقاصد الإسلام،
وفرائض القرآن، وأصول الدِّين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - من لطف الله بعباده ورحمته بهم وإرشاده لهم أنه أوضح لهم الأدلّة،
ولفت نظرهم إلى ما يدلّ على وجوده وكمال قدرته، وعلمه، وإرادته،
فتخصيص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ليس إلا
من الله تعالى.

١١٨
الُءُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٢-٤
أَ - الأدلّة متنوعة: سماوية وأرضية، فالسَّماوية ثلاثة: رفع السماوات
بغير أعمدة، والاستواء على العرش، وتسخير الشَّمس والقمر وتذليلهما
وتطويعهما لغايات معينة في مدّة معينة لمنافع الخلق ومصالح العباد ما داموا في
الدُّنيا وحتى تقوم السَّاعة، يدبِّر الله فيها الأمر، أي يصرفه على ما يريد
بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، وإنزال الوحي وبعثة
الرُّسل وتكليف العباد، ويبيِّن الآيات، فمن قدر على هذه الأشياء يقدر على
الإعادة، لذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ وهذا إثبات للألوهيّة والرّبوبية
والمعاد يوم القيامة، فمن كان يمكنه تدبير من فوق العرش إلى ما تحت الثَّرى
بحيث لا يشغله شأن عن شأن، فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن
عن شأن.
وأمّا الأدلة الأرضية فهي ستّة: بسط الأرض بالنّسبة للنّاظر ليمكن العيش
عليها، وتثبيتها بالجبال الرّاسيات الشّامخات، وإجراء الأنهار وتفجير
الينابيع، وجعل الثِّمار ذات وجهين اثنين، أي من صنفين متعارضين كالذّكر
والأنثى، والحلو والحامض، والحار والبارد، والأبيض والأسود، وتغطية
الليل النّهار، وتبديد ظلمة الليل بضوء النّهار، وتفاوت ما تنتجه الأرض من
حبوب وزروع وثمار وأشجار، مجتمعة ذات جذوع متعددة من منبت واحد،
ومتفرِّقة ذات جذع مستقلّ بكل واحدة منها.
فكل ما ذكر يدلّ دلالة قطعيّة على أنّ الكل بتدبير الله الفاعل المؤثِّر المختار،
لا بالطّبيعة ولا بالمصادفة.
◌َّ - لا يفهم من آية: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَذَ اُلْأَرْضَ﴾، وآية: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَنِهَا (٣٠َ﴾ [النازعات: ٣٠/٧٩] أنّ الأرض غير كروية، فقد ثبتت كرويتها
بالأدلّة العلمية العقلية والحسيّة، ودلّت أقمار الفضاء الدّائرة حول الأرض
بما لا يقبل أي شكّ أو جدل على أن الأرض كروية، وقد صرح بكرويتها

١١٩
لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ٢/١٣-٤
علماؤنا كالرّازي(١)، فإن المقصود أن كل قطعة من الأرض تشاهد كالسَّطح،
وأما مجموعها وحجمها العظيم فهو كرة بدليل تثبيتها في الآية هنا بالجبال
الرّواسي، وكذلك في آية أخرى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٣)﴾ [النبأ: ٧/٧٨]. وبدليل
تكوير الليل على النّهار، والنّهار على الليل، والتكوير: اللف على الجسم
المستدير.
٤ - قال القرطبي عن آية ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَوِرَتٌ﴾: في هذا أدلّ دليل
على وحدانيته تعالى وعِظَم صمديته، والإرشاد لمن ضلَّ عن معرفته؛ فإنه
سبحانه نَّه بقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته
وإرادته، وأنه مقدور بقدرته؛ وهذا أدلّ دليل على بطلان القول بالطّبع
(الطَّيعة)؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتّراب والفاعل له الطبيعة، لما وقع
الاختلاف(٢).
٥ - الدَّعوة القويّة، بل الفريضة والإيجاب لإعمال الفكر والعقل،
والاسترشاد بما في الكون من دلائل وعلامات واضحة على وجود الله تعالى،
و كمال قدرته، وعلمه، ووحدانيته.
أَ - قال الحسن البصري في آية: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِىِ
الْأُكُلِّ﴾: المراد بهذه الآية المثل؛ ضربه الله تعالى لبني آدم، أصلهم واحد،
وهم مختلفون في الخير والشَّرِّ والإيمان والكفر، كاختلاف الثِّمار التي تسقى
بماءٍ واحد.
(١) تفسير الرازي: ٢/١٩ - ٣
(٢) تفسير القرطبي: ٢٨١/٩

١٢٠
الُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٥-٧
إنكار المشركين البعث واستعجالهم العذاب
ومطالبتهم بإنزال آية مادية على النبي
صَلَ اللَّهِ
وسام
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌّ قَوْهُمْ أَهِذَا كُنَّا تُرَبًا أَئِنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْذَلُ فِىّ أَعْنَافِرِّ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ
وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ
فِيهَا خَلِدُونَ
الْمَثُلَثُّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ
٧
هَادٍ
القراءات:
﴿أَعِذَا كُنَّا تُرَبًا أَءِنَّا﴾: قرئ:
١- (أئذا كنا تراباً إنا) وهي قراءة نافع، والكسائي.
٢- (إذا كنا تراباً أئنا) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (أئذا كنا تراباً أننا) وهي قراءة الباقين.
﴿مِن قَبْلِهِمُ﴾: قرئ:
١- (من قَبلهِمٍ) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (من قَبلهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (من قَبلهِمُ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿فَعَجَبُّ قَوْلهُمْ﴾ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، ولا بد فيه من تقدير صفة
لتمكن المعنى أي فعجب أي عجب أو فعجب غريب.