Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
الُُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده
قاطبة ألا يعبدوا إلا إياه، وهذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص
العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي
يحبه ويرضاه.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك هو الدين الحق الذي لا عوج فيه،
فلهذا كان أكثرهم مشركين، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ
﴾ [يوسف: ١٠٣/١٢].
١٠٣
حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايلي:
اً - قدَّر الله تعالى مع سجن يوسف سجن اثنين آخرين من عبيد الملك،
كانا سبب الإفراج عنه من السجن في المستقبل.
اَ ۔ إن تعبير الأحلام یحتاج إلی علم وصلاح وتقوی وإحسان، وإن الرؤيا
قد تكون حقاً، قال وسلّ فيما رواه أحمد والشيخان عن أنس: ((رؤيا المؤمن
جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة».
٣ - كان يوسف بشهادة السجناء من زمرة المحسنين، وإحسانه: أنه كان
يعود المرضى ويداويهم، ويُعزِّي الحزانى. وأنه كان من العالمين الذين أحسنوا
العلم، فقولهم فيه يعني أنه عالم يؤثر الإحسان، ويأتي بمكارم الأخلاق،
وجميع الأفعال الحميدة.
٤ - أعلن يوسف للسائلَين اللذين سألاه عن تفسير رؤيا في المنام: أنه كان
يخبرهما عن نوع الطعام وصفاته الذي يأتيهما من جهة الملك أو غيره، قبل
الإتيان به، بوحي من الله عز وجل، لا تكهُّناً وتنجيماً، وهو إخبار بالغيب
دال على نبوته، ومعجزة مثبتة لرسالته.

٦٠٢
الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
٥ - النبي المكلف بالدعوة ينتهز كل الفرص المناسبة للقيام بواجبه، وهذا
ما فعله يوسف عليه السلام، فإنه دعا إلى محاربة الشرك والوثنية، وإبطال
عبادة المشركين، وإلى توحيد الله تعالى، متبعاً ملة أجداده وآبائه الأنبياء:
إبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أنبياء على الحق، وفائدة ذكر هؤلاء الأنبياء
أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب، قرن به كونه
من أهل بيت النبوة.
وليس من شأن الأنبياء الإشراك بالله أياً كان نوع الشرك.
وهذا من فضل الله على الرسول مما يشير إلى عصمته من الزنى، والمرسل
إليهم وهم المؤمنون الذين عصمهم الله من الشرك. وقوله ﴿مِن شَىْءٍ﴾ رد على
كل أصناف الشرك كعبادة الأصنام، وعبادة النار، وعبادة الكواكب، وعبادة
الطبيعة، وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد إلا الله، ولا خالق إلا
الله، ولا رازق إلا الله.
ولكن أكثر الناس لا يشكرون على نعمة الإيمان والتوحيد. وقوله ﴿مِن
فَضْلِ اللَّهِ﴾ يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله تعالى.
٦ - نفى يوسف بالدليل العقلي والنقلي تعدد الآلهة، وأثبت صحة القول
بوحدانية الإله وربوبيته.
لاً - إن الآلهة المزعومة من الأصنام والأوثان وغيرها أسماء مخترعة من عند
الناس أنفسهم، ليس لها من الألوهية شيء إلا الاسم؛ لأنها جمادات، وأما
مسمياتها فليست لها حقيقة موضوعية، ويرفضها العقل والنقل.
٨ - لا حكم إلا لله، لأنه خالق الكل، فهو المستحق العبادة وحده لا
شريك له، لذا أمر ألا يعبد سواه.
ـة - الدعوة إلى توحيد الإله هو الدين المستقيم أو القويم الذي لا عوج
فيه، ولكن أكثر الناس لا يدرون حقيقة الدين الصحيح.

٦٠٣
الزُعُ (١٢) - يُوسُفَنَا: ١٢ / ٣٦-٤٠
١٠ - أورد الرازي خمس حجج على بطلان تعدد الآلهة وهي بإيجاز
وتصرف ما يأتي(١):
الأولى - أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم، وهو المراد
بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢/٢١] فكثرة
الآلهة توجب الفساد والخلل والتنازع والصراع، أما توحيد الإله فيقتضي
حصول النظام وحسن الترتيب.
الثانية - أن هذه الأصنام ونحوها من البشر والكواكب معمولة لا عاملة
ومقهورة لا قاهرة.
الثالثة - أن كونه تعالى واحداً یوجب عبادته؛ لأنه لو کان له ثانٍ، لم نعلم
من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا، فيقع الشك في أنا نعبد
هذا أم ذاك. وهذا دليل على فساد القول بعبادة الأوثان؛ لأنها على فرض
كونها نافعة ضارة لا نعلم حصول النفع ودفع الضرر من هذا الصنم، أو من
ذاك، أو بالتعاون والاشتراك، فلا يعرف المستحق للعبادة، هو هذا أم ذاك.
الرابعة - لو فرض بعض هذه المعبودات تنفع وتضر، على ما يزعم
أصحاب الطلاسم، فإن ذلك في وقت مخصوص وواقعة مخصوصة، والإله
تعالى قادر على جميع المقدورات في كل الأوقات، فكان الاشتغال بعبادته أولى.
الخامسة - إن اتصاف الإله بصفة ﴿الْقَهَّارُ﴾ يقتضى ألا يقهره أحد سواه،
وأن يكون هو قهاراً لكل ما سواه، وهذا يقتضي أن يكون الإله واجب
الوجود لذاته؛ إذ لو كان ممكناً لكان مقهوراً لا قاهراً، ويجب أن يكون
واحداً لا متعدداً، إذ لو تعدد لما كان قاهراً لكل ما سواه، فالإله لا يكون
قهاراً إلا إذا كان واجباً لذاته وكان واحداً، وهذا لا ينطبق على الأفلاك
والكواكب والنور والظلمة والطبيعة ونحوها من الآلهة المزعومة.
(١) تفسير الرازي: ١٤٠/١٨ وما بعدها.

٦٠٤
لِلِزْعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /٤١-٤٢
١١ - يستحسن للعالم إذا استفتاه أحد الجهال والفساق أن يقدم الهداية
والإرشاد والموعظة والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ماهو أولى به وأوجب عليه
مما استفتى فيه ثم يفتیه بعد ذلك.
١٢ - إذا جهلت منزلة العالم فوصف نفسه بما هو ملائم المسألة، وكان
غرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن ذلك من باب تزكية النفس
المنهي عنها(١): ﴿فَلَا تُزَكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢/٥٣].
الفصل السابع من قصة يوسف
- ١ -
تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن
ووصيته للناجي منهما
يَصَحِتَيِ السِّجْنِ أَمَّ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًّاً وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ
فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ
أَنَّهُ نَاجِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَمُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ
فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
القراءات:
﴿رَأْسِهِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (راسه).
المفردات اللغوية:
﴿أَمَّ أَحَدُكُمَا﴾ أي الساقي فيخرج بعد ثلاث ﴿رَبَّهُ﴾ سيده ﴿خَمْرًا﴾
(١) تفسير الكشاف: ١٣٧/٢

٦٠٥
المُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤١-٤٢
يسقيه خمراً على عادته ﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ﴾ الخباز، فيخرج بعد ثلاث، فيصلب،
فقالا: كذبنا وما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِىَ اُلْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ﴾ أي
قطع الأمر الذي سألتما عنه، صدقتما أم كذبتما. والاستفتاء: طلب الفتوى
عن السؤال المشكل، والفتوى: جواب السؤال.
﴿ لِلَّذِى ظَنَّ﴾ أيقن ﴿أَنَّهُ نَاجِ مِنْهُمَا﴾ وهو الساقي ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ
رَبِّكَ﴾ سيدك، فقل له: إن في السجن غلاماً محبوساً ظلماً ﴿فَأَنَسَنْهُ﴾ أي
الساقي ﴿ذِكْرَ﴾ يوسف ﴿فَلَبِثَ﴾ مكث يوسف ﴿فِ السِّجْنِ بِضْعَ
سِنِينَ﴾ البضع: من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه مكث سبعاً في السجن.
المناسبة:
بعد أن قرر يوسف عليه السلام مسألة التوحيد وعبادة الله والنبوة، عاد إلى
الإجابة عن السؤال، وتعبير الرؤيا.
التفسير والبيان:
قال يوسف: ﴿يَصَحِي السّجْنِ أَمَّ أَحَدُكُمَا﴾ وهو الساقي الذي رأى أنه
يعصر خمراً - ولكنه لم يعينه في خطابه لئلا يحزن - فيسقي سيده خمراً كما كان
في عادته. وقوله: ﴿رَبَّهُ﴾ لم يقصد ربوبية العبودية، فإن ملك مصر في زمن
يوسف لم يدَّع الألوهية كفرعون مصر أيام موسى عليه السلام. روي أن يوسف
قال له: ما أحسن ما رأيت، أما حسن العنبة فهو حسن حالك، وأما
الأغصان: فثلاثة أيام، يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيردك إلى عملك،
فتصير كما كنت، بل أحسن (١). وهذا دليل على أنه كان بريئاً من تهمة
المشاركة في تسميم الملك.
(١) تفسير الرازي: ١٤٢/١٨

٦٠٦
الزُُّ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤١-٤٢
وأما الآخر: وهو الخباز الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير
.منه: فيصلب، فتأكل الطيور الجوارح كالنسر والعقاب والصقر والحدأة
والرخمة من رأسه. روي أن يوسف قال له: بئسما رأيت، السلال الثلاث
ثلاثة أيام، يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيصلبك، وتأكل الطير من
رأسك، وهذا يدل على أن الخباز هو الذي اتهم بتسميم الملك وثبتت عليه
التهمة. لكن تفاصيل هذه الرواية والتي قبلها تعارض ظاهر الآية.
ثم نقل في التفسير: أنهما قالا: ما رأينا شيئاً فقال: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ
تَسْنَفْتِيَانِ﴾ أي لا تناقشا فإن الأمر قد نفذ، وسبق الحكم الذي تسألان عنه.
والاستفتاء لغة: السؤال عن المشكل، والفتوى: جوابه.
وهذا صحيح؛ لأن يوسف أعلم الصاحبين أن هذا قد فرغ منه، وهو
واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رِجْل طائر، مالم تعبّر، فإذا عبرت وقعت.
روى الإمام أحمد عن معاوية بن حَيْدة عن النبي ◌َّ قال: ((الرؤيا على رجل
طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت)).
وجواب يوسف ليس مجرد تعبير رؤيا مبني على الظن والحسبان، وإنما
اعتمد على الوحي من الله تعالى، والوحي يفيد القطع واليقين، لا الظن
والتخمين.
ثم أخبر يوسف عليه السلام خفية لمن ظن أي تيقن أنه ناج وهو الساقي،
دون علم الآخر، لئلا يشعره أنه المصلوب، وقال له: اذكر قصتي عند سيدك
وهو الملك، لعله يخرجني من السجن بعد أن علم براءتي، وهذا من قبيل
الأخذ بالأسباب الظاهرية المطلوبة عادة وشرعاً، للنجاة والإنقاذ.
فأنسى الشيطان ذلك الناجي تذكير الملك بقصة يوسف، وكان النسيان من
جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله يوسف من السجن، فيدعو إلى توحيد
الله وعبادته، ومقاومة الشرك، ومطاردة وساوس الشيطان.

٦٠٧
لُزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤١-٤٢
فلبث يوسف في السجن منسياً مظلوماً بضع سنين أي من الثلاث إلى
التسع، قيل: إنه مكث سبعاً، قال وهب بن مُنَبِّه: مكث أيوب في البلاء
سبعاً، ويوسف في السجن سبعاً، وعذِّب بُخْتُنَصَر سبعاً. وقال مقاتل: مكث
يوسف في السجن خمساً وبضعاً.
وقال ابن عباس: ثنتا عشرة سنة، وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.
والرأي الأول أصح؛ لأنه داخل في معنى البضع.
ومن المعلوم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، إلا أن
الأولى بالصدّيقين ألا يلجؤوا إلا إلى الله في رفع الأسباب، فهو مسبب
الأسباب ورافعها.
روي أن جبريل جاء إلى يوسف، وهو في السجن، معاتباً له إذ استغاث
بالآدميين، فقال له: يايوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟!
قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى، قال: فمن
عصمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟
قال: الله تعالى، قال: فكيف تركتَ ربك، فلم تسأله، ووثقت بمخلوق؟!
قال: ياربّ، كلمةٌ زَلَّت مني، أسألك يا إله إبراهيم وآله والشيخ يعقوب
عليهم السلام أن ترحمني؛ فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن
(١)
بضع سنين(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يلي:
اً - إن تعبير الرؤيا يعتمد على العلم والصلاح والتقوى، فلا يفيد ذلك
(١) تفسير القرطبي: ٩/ ١٩٥ - ١٩٦

٦٠٨
الجُزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤١-٤٢
من العالم إلا الظن، وأما يوسف عليه السلام فكان تعبيره الرؤيا مقترناً
بالوحي من ربه، فيفيد اليقين.
اً - من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قال: العلماء:
لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف؛ لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، فأوجد الله
تعالى ما أخبر به الرائي كما قال، تحقيقاً لنبوته.
مَّ - الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة، لا إنكار عليه،
لكن الأمر بالنسبة ليوسف الصدّيق كان خلاف الأولى؛ لأن حسنات الأبرار
سيئات المقربين.
٤ - كان من جملة مكايد الشيطان إنساء الناجي من السجن تذكير مولاه
الملك بقصة يوسف عليه السلام، لئلا يطلع من السجن.
٥ - لبث يوسف في السجن بضع سنين، وهي إما خمس سنين، وإما سبع
سنين، كما روي عن بعض المفسرين. وعلى أي حال فهي مدة طويلة، صبر
فيها يوسف على مراد الله، وآثر السجن على الوقوع في معصية الزنى.

٦٠٩
لِلْزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
- ٢ -
تأويل يوسف رؤيا الملك
1
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ
سُنْبُكَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتِّ يَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءْيَىَ إِن كُّهْ لِلرُّؤْيَا
وَقَالَ
تَعْبُرُونَ ﴿٨) قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِمِينَ
يُوسُفُ أَيُهَا
٤٥
الَّذِىِ نَجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيِهِ، فَأَرْسِلُونِ
الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَفَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَانٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَتٍ
خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَّعَلَىّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ
سِنِينَ دَابًا فَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تَأْكُلُونَ
ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ
٤٧
ذَلِكَ سَيْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا فَدَمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
٤٨
ثُمَّ بَأَنِىِ مِنْ بَعْدِ
٤٩
ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
القراءات:
﴿ إِّ أَرَى﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أرى).
﴿ اَلْعَلَأُ أَفْتُونِ﴾:
بإبدال الهمزة الثانية واواً خالصة وصلاً قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.
﴿رُْيَىَ إِن كُمْ لِلْرُِّيَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (روياي، للرويا).
﴿أَنَاْ أُنَبِشُكُمْ

٦١٠
الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
بإثبات ألف (أنا) وصلاً قرأ نافع، وقرأ الباقون بحذفها.
﴿لَّعَلِّ أَرْجِعُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (لعلِيَ أرجع).
قرئ:
١- (داباً) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً.
٢- (دَأَباً) وهي قراءة حفص.
٣- (دَأُباً) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَعْصِرُونَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (تعصرون).
الإعراب:
﴿ لِلُّغْيَا﴾ اللام زائدة للبيان أو لتقوية العامل، كما في آية: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ
لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤/٧] لأنها تزاد في المفعول به إذا تقدم على الفعل،
وقد جاء أيضاً زيادتها معه، وليس بمتقدم، مثل قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ
رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢/٢٧] لكن زيادتها مع التقديم أحسن . ﴿دَأَبًا﴾ منصوب
على المصدر، وقرئ بسكون الهمزة وفتحها.
البلاغة:
﴿ إِنّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ﴾ استعمل صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية بين
كل من ﴿ُسِمَانِ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ﴾ و﴿خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتِّ﴾ طباق.

٦١١
◌ِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
﴿أَضْغَثُ أَعْلَمٍ﴾ شبه اختلاط الأحلام المشتملة على المحبوب والمكروه،
والسارّ والمحزن باختلاط الحشيش المجموع من أصناف متنوعة.
﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ براعة استهلال تتضمن الاستعطاف بالثناء
"للوصول إلى الجواب. ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَمْتُمْ لَهُنَّ﴾ مجاز عقلي من قبيل الإسناد إلى
الزمان والمراد به الناس؛ لأن السنين لا تأكل، وإنما يأكل الناس ما ادخروه
فيها.
المفردات اللغوية:
﴿ وَقَالَ اٌلْمَلِكُ﴾ ملك مصر وهو الريان بن الوليد ﴿إِنِّ أَرَى﴾ أي رأيت
﴿ سِمَانٍ﴾ جمع سمينة ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ يبتلعهن ﴿عِجَافٌ﴾ سبع من البقر هزيلة
ضعيفة، جمع عجفاء ﴿وَسَبْعَ سُنَّبُلَتٍ﴾ جمع سنبلة وهي التي تحمل الحب
الذي انعقد، واليابسات: ما آن حصاده ﴿اَلْمَلَأَ﴾ أشراف القوم ﴿تَعْبُرُونَ﴾)
تفسرون ببيان المعنى المراد ﴿أَفْتُونِ فِ رُءْيَىَ﴾ بينوا لي تعبيرها، وهو الانتقال
من الصور الخيالية إلى الواقع الحسي المشاهد.
﴿أَضْغَاثُ﴾ أخلاط، واحدها ضِغْت: وهو حُزْمة النبات أو مجموعة
الحشيش فاستعير للرؤيا الكاذبة ﴿أَحْلَِ﴾ جمع حُلُم بضم اللام وتسكينها: ما
يرى في النوم، وهو قد يكون واضح المعنى كأفكار اليقظة، وقد يكون غامضاً
مضطرباً يشبه مجموعة الحزَم والحشائش التي لا تناسب بينها. وإنما جمعوا
الأحلام للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان والكذب والزيف ﴿وَمَا نَحْنُ
بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَمِ بِعَلِمِينَ﴾ يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، أي ليس لها
تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة، وهو مقدمة ثانية للاعتذار
بالجهل بتأويله.
﴿ وَقَالَ الَّذِىِ فَجَا مِنْهُمَا﴾ أي من الفتيين وهو الساقي ﴿وَأَذَّكَرَ﴾ أي تذكر
يوسف، وفيه أبدل التاء في الأصل دالاً، ثم أدغم في الدال أصله ((اذتكر))

٦١٢
لُزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
﴿ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي تذكر يوسف بعد طائفة من الزمن مجتمعة أي مدة. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾
إلى من عنده علم أو إلى السجن، فأتى يوسف.
﴿ يُوسُفُ أَيْهَا الصِّدِّيقُ﴾ أي يايوسف الكثير الصدق أو المبالغ في الصدق؛
لأنه جرب أحواله، وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه ﴿إِلَى النَّاسِ﴾
أي إلى الملك وأصحابه أو إلى أهل البلد؛ إذ قيل: إن السجن لم يكن فيه
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تأويلها أو فضلك ومكانك، وإنما لم يبت الكلام فيهما؛
لأنه لم يكن جازماً من الرجوع.
﴿تَزْرَعُونَ﴾ ازرعوا ﴿دَأَبًا﴾ متتابعة، على عادتكم المستمرة، وهي تأويل
السبع السمان ﴿فَذَرُؤُهُ﴾ اتركوه وادخروه ﴿فِى سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يفسد أو يسوس
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين، فادرسوه.
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي بعد السبع المخصبات ﴿سَبْعُ شِدَادٌ﴾ مجدبات
صعاب، وهي تأويل السبع العجاف ﴿ يَأْكُلِّنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي يأكل أهلهن
ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إلى السنين على المجاز تطبيقاً بين المعبر والمعبر به
﴿مِّمَّا تُّحْصِنُونَ﴾ تُحرزون وتدخرون للبذر ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي السبع
المجدبات ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ بالمطر من الغوث والإغاثة من القحط ﴿وَفِيهِ
يَعْصِرُونَ﴾ الأعناب وغيرها لخصوبته. وهذه بشارة، بعد أن أوّل البقرات
السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة،
وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة،
ولعله علم ذلك بالوحي، أو بما جرت به السنة الإلهية على أن يوسع على
عباده، بعد ما ضيق عليهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن، ذكر تأويل
رؤيا ملك مصر الذي كان من ملوك العرب المعروفين بالرعاة (الهكسوس) بعد

٦١٣
لُهُ (١٢) - يُوسُفَكَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
أن أعلن الكهنة والعلماء وأهل الرأي عجزهم عن تأويلها، وقالوا: أضغاث
أحلام، فكان هذا سبباً في اتصال يوسف بالملك.
التفسير والبيان:
هذه رؤيا ملك مصر التي قدر الله أن تكون سبباً لخروج يوسف عليه
السلام من السجن معززاً مكرماً، والقصة أن الملك هالته هذه الرؤيا وتعجب
من أمرها، وكيفية تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار رجال دولته وأمراءه، فقص
عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا عن تأويلها
بأنها ﴿أَضَّغَثُ أَعْلَمِ﴾ أي أخلاط أحلام.
والمعنى: وقال ملك مصر: إني رأيت في منامي رؤيا أدهشتني، وهي أن
سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس، أكلتهن سبع بقرات عجاف
هزيلات، وسبع سنبلات خضر انعقد حبها، غلبتها سبع أخر يابسات آن
حصادها ، فالتوت علیھا.
فقال للملأ من قومه وهم الكهنة والعلماء: عبِّرُوا علي هذه الرؤيا، إن
كنتم تعلمون تعبير الرؤيا، وبيان معناها الخيالي، وترجمتها إلى الواقع الحقيقي.
فقالوا : هذه أحلام مختلطة من خواطر وخيالات تتراءى للنائم في دماغه،
ولا معنى لها، وتنشأ من اضطراب الهضم، وتلبّك المعدة، وتعب النفس
أحياناً، ولسنا عالمين بتأويل أمثالها، فلو كانت رؤيا صحيحة، لما كان لنا
معرفة بتأويلها وهو تعبيرها.
وحينئذ تذكر الذي نجا من الموت من صاحبي يوسف في السجن، وهو
الساقي، وكان الشيطان قد أنساه ما أوصاه به يوسف، من عرض أمره
للملك، وكان تذكره بعد مدة من الزمان أي بعد نسيان، فقال للملك والملأ
الذين جمعهم حوله: أنا أخبركم بتأويل هذا المنام، فابعثوني (وهو خطاب

٦١٤
إِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
للملك والجمع، أو للملك وحده على سبيل التعظيم) إلى يوسف الصديق
الموجود حالياً في السجن.
فبعثوه فجاء فقال: يا يوسف، أيها الرجل كثير الصدق في أقوالك
وأفعالك وتأويل الأحاديث وتعبير الأحلام، أفتنا في منام رآه الملك، لعل الله
يجعل لك فرجاً ومخرجاً بسبب تأويلك رؤياه.
فذكر له يوسف النبي عليه السلام تعبيره من غير لوم وعتاب على نسيانه ما
وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، فقال: مبيناً لهم خطة أربع
عشرة سنة: إنه يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات.
ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تكون سبباً للثمرات والزروع،
وهن السنبلات الخضر.
ثم أرشدهم إلى ما يفعلون في سني الخصب، فقال: مهما جنيتم في هذه
السبع السنين الخصب من الغلال والزروع، فادخروه في سنبله، لئلا يأكله
السوس، إلا المقدار القليل الذي تأكلونه، فادرسوه، ولا تسرفوا فيه لتنتفعوا
بالباقي في السبع الشداد الصعاب، وهن السبع السنين الجدب التي تعقب هذه
السنوات السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف، اللاتي تأكل السمان؛
لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات
اليابسات، ففي سني القحط لا تنبت الأرض شيئاً، وما بذروه لا يرجع منه
شيء، لهذا قال: ﴿يَأْكُّنَ مَا قَدَمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي إن أهلها يأكلون كل ما ادخرتم في
تلك السنين السابقة لأجل السنين الجُذْبُ، إلا قليلاً مما تخزنون وتُحرزون
وتدخرون لبذور الزراعة. ويلاحظ أنه نسب الأكل للسنين وأراد به أهلها.
والخلاصة: تأول يوسف عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر
بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة.

٦١٥
◌ِلُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
ثم بشرهم بمجيء عام يغاث فيه الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل
البلاد، ويعصر الناس فيه ما كانوا يعصرون عادة من زيت الزيتون وسكر
القصب وشراب التمر والعنب ونحوها.
؟
وهذا الإخبار بمغيبات المستقبل من وحي الله وإلهامه، لا مجرد تعبير
للرؤيا، فهو بشارة في العام الخامس عشر بعد تأويل الرؤيا بمجيء عام مبارك
خصيب، كثير الخير، غزير النعم، وهو إخبار من جهة الوحي.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات تعبير رؤيا الملك الذي كان سبباً في خروج يوسف من
السجن، وقد دلت على الآتي:
١ - لما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى الملك الأكبر: الرّيان بن الوليد
رؤياه، فعرضها على الكهنة والعلماء، فاعتذروا عن تأويلها، وكان عجزهم
عن التعبير سبباً في إحالة الأمر إلى يوسف.
اً - كانت رؤيا الملك في آخر الأمر بشرى ورحمة ليوسف.
٣ - الرؤيا نوعان: منها حق، ومنها أضغاث أحلام وهي الكاذبة، كما
قال ابن عباس.
٤ - في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أوّل ما تعبر؛
لأن القوم قالوا: ﴿أَضْغَثُ أَحْلٍَ﴾ ولم تقع كذلك؛ فإن يوسف فشَرها على
سِني الجدب والخصب، فكان كما عبَّر، وأما حديث أبي يعلى عن أنس
مرفوعاً: ((الرؤيا لأول عابر)) فيظهر أنه ضعيف.
وفيها دليل أيضاً على فساد أن الرؤيا على رِجْل طائر، فإذا عبرت وقعت.
وأما الحديث المتقدم الذي رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ والمعنى فلم تثبت
صحته.

٦١٦
الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤٣-٤٩
٥ - إن تذكر الخير والإقدام على فعله بعد نسيان، كما حدث للناجي الذي
نسي ذكر أمر يوسف للملك، مردُّه إلى القضاء والقدر والتوفيق الإلهي.
٩ - كان ذهاب ساقي الملك إلى يوسف في سجنه سبباً في معرفة مكانه في
الفضل والعلم، فخرج من السجن، كما كان تأويل الرؤيا سبباً في إنقاذ أهل
مصر من المجاعة مدة سبع سنوات، وهكذا فإن الأنبياء والرسل عليهم السلام
رحمة للناس جميعاً، سواء في تصحيح العقيدة وتقويم الأخلاق، وتصحيح
السلوك، أو في الحياة المعيشية والاقتصادية.
وقد استفيد من فعل يوسف سلامة الخطة ونجاح سياسة التخطيط، وتعليم
الناس كيفية حفظ الحبوب من التسوس، وهو إرشاد زراعي رفيع المستوى.
لاً - قال القرطبي: آية ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ أصل في القول بالمصالح
الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال؛ فكل
ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يُفوت شيئاً منها
فهو مفسدة، ودفعه مصلحة؛ ولا خلاف في أن مقصود الشرائع إرشاد الناس
إلى مصالحهم الدنيوية؛ ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته
الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل،
ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا استحقاق(١).
٨ - كان إخبار يوسف عليه السلام عن عام الإنقاذ والخصب بعد أربع
عشرة سنة وحياً من الله وإلهاماً له، وتلك معجزة تدل على صدق نبوته.
١ - دل قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تُحْصِنُونَ﴾ أي مما تحبسون أو تدخرون
لتزرعوا، على أن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وهو يدل أيضاً على جواز
احتكار الطعام إلى وقت الحاجة.
٠ ١ - قال القرطبي أيضاً: هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها
(١) تفسير القرطبي: ٢٠٣/٩

٦١٧
لُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٥٠-٥٢
تخرّج على حسب ما رأى، ولا سيما إذا تعلقت بمؤمن؛ فكيف إذا كانت آية
لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقاً لمصطفى للتبليغ، وحجة للوسيط بين الله
جل جلاله وبين عباده(١).
١١ً - لم يكن لإخبار يوسف عليه السلام عن عام الغوث إشارة في رؤيا
الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله، وفيه تطمين لأهل مصر بشيوع
الرخاء الاقتصادي، والرفاه المعيشي، واستقرار أحوال الناس بحسب عاداتهم
القديمة بعصر الأعناب، واستخراج الأدهان، وحلب الألبان لكثرتها، وكثرة
النبات، وذلك دليل على رحمة الإنسان والحيوان، وهو فضل من الله وإحسان.
الفصل الثامن من قصة يوسف
- ١ -
طلب الملك رؤية يوسف والأمر بإخراجه من السجن
وامتناعه من الخروج حتى تثبت براءته
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ آتُْنِ ◌ٍِّ فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلَهُ مَا بَالُ
النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدِثُنَّ
يُوسُفَ عَن نَفْسِهٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ
الْفَنَ حَصْحَصَ اٌلْحَقُّ أَنَا رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ
ـ) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِ
٥٢
لَمْ أَخُنْهُ بِلْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْحَابِنِينَ
القراءات:
﴿ فَسْئَلْهُ﴾ :
(١) المرجع السابق: ٢٠٤/٩

٦١٨
◌ِلُزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٥٠-٥٢
وقرأ ابن كثير، والكسائي، وحمزة وقفاً (فسله).
الإعراب:
﴿لَمْ أَخُنْهُ بِلْغَيْبٍ﴾ ﴿يِلْغَيْبٍ﴾ حال من الفاعل أو المفعول، أي لم أخنه
وأنا غائبة عنه، أو وهو غائب عني، أو ظرف مكان أي بمكان الغيب.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالَ الْلِكُ﴾ بعدما جاءه الرسول بتعبير الرؤيا وأخبره بتأويلها ﴿ أَتُنِيِ
بِهِ﴾ أي بالذي عبرها ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي لما جاء الرسول إلى يوسف
وطلبه للخروج ﴿قَالَ﴾ قاصداً إظهار براءته ﴿فَسَكَلْهُ﴾ اطلب منه أن يسأل
﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي ما حال النسوة الذي يشغل البال ﴿إِنَّ رَبِ﴾ سيدي
بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حين قلن لي: أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد
بعلم الله عليه، وعلى أنه بريء مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن، فرجع
فأخبر الملك فجمعهن. وإنما تريث يوسف في الخروج، وقدم سؤال النسوة
ليظهر براءته، ويعلن أنه سجن ظلماً، وهذا يدل على أنه ينبغي على المرء أن
يجتهد في نفي التهم، ويتقي مواضعها. وإنما قال: ﴿فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ولم
يقل: فاسأله أن يفتش عن حالهن، إغراء له بالبحث وتحقيق الحال. وإنما لم
يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرماً ومراعاة للأدب.
﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ ما شأنكن وأمركن العظيم، والخطب: أمر يحق أن يخاطب
به صاحبه ﴿إِذْ رَوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِةٍ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن ﴿حَشَ
لِلَّهِ﴾ تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ﴿مِن سُوءَّ﴾ ذنب
﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ظهر الحق وثبت واستقر ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في قوله:
هي راودتني عن نفسي.
فأخبر يوسف بذلك فقال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أي طلب البراءة والتثبيت ليعلم

٦١٩
لِلُُّ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٥٠-٥٢
العزيز ﴿أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ﴾ لم أخنه في أهله بظهر الغيب أي وراء الأستار
والأبواب المغلقة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾ لا ينفذه ولا يسدده، أو لا
يهدي الخائنين بكيدهم، فأوقع فعل ﴿يَهْدِى﴾ على الكيد مبالغة. وفيه تعريض
بامرأة العزيز: زليخا أو راعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته.
المناسبة:
بعد أن عاد الساقي إلى الملك يخبره بتعبير يوسف عليه السلام للرؤيا،
استحسنه، وطلب الملك رؤيته حتى يتحقق بنفسه صدق ما تشير إليه الرؤيا،
إذ ليس الخبر كالعيان.
وهذا الطلب يدل على فضيلة العلم، وأن العلماء يستشارون في مهام
الأمور، وأن العلم كان سبباً لخلاص يوسف من المحنة الدنيوية، وهو أيضاً
سبب للخلاص من المحن الأخروية، لذا طلب يوسف التحقيق في التهمة
المشهورة: تهمة امرأة العزيز له.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن موقف الملك الذي استراح لتعبير يوسف
رؤياه، فعرف فضل يوسف وعلمه، وسعة اطلاعه، واهتمامه بأهل بلده
ورعاياه، وأدرك أن تفسير الرؤيا بما سمع كلام خطير يدل على رجاحة عقل
يوسف وقوة ذكائه، فهو جدير بمقابلته شخصياً ليسمع منه الأمر.
﴿ وَقَالَ الْلِكُ اثْتُنِ بِهٌِّ﴾ أي أخرجوه من السجن، وأحضروه لي، كي
أستمع إلى كلامه، وأتلمس مصداق الرؤيا بنفسي، فلما جاءه الرسول بذلك،
امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما
نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلماً وعدواناً.
وقد مدح النبي ◌َّ موقف يوسف عليه السلام، ونبه على فضله وشرفه،

٦٢٠
لُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٥٠-٥٢
وعلو قدره وصبره، ففي مسند أحمد والصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله ويقول: ( .. ولو لبثت في السجن مالبث يوسف، لأجبت
الداعي)).
﴿قَالَ أَرْجِعْ﴾ قال يوسف رداً على طلب مثوله أمام الملك: ارجع إلى
سيدك، فاسأله عن حال النسوة اللاتي جرحن أيديهن؛ إذ لا أحب أن آتيه
وأنا متهم بمسألة سجنت من أجلها، واطلب من الملك أن يحقق في تلك
القضية قبل أن آتيه، ليعرف حقيقة الأمر، إن ربي العالم بخفايا الأمور عليم
بکیدهن وتدبيرهن وما دبرن لي من کید.
فجمع الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطباً لهن
كلهن، وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز: ما خطبكن أي ما شأنكن وخبركن
حين راودتن يوسف عن نفسه يوم الضيافة، أو ما شأنكن الخطير حين دعوتن
يوسف إلى ارتكاب الفاحشة؟!
﴿قُلْبَ حَشَ لِلَّهِ﴾ أجبن الملك: معاذ الله أن يكون يوسف أراد السوء،
وهو تعبير أُريد به تبرئته والتّعجب من نزاهته وعفّته، أي حاشا لله أن يكون
يوسف متّهماً، والله ما علمنا عليه سوءاً في تاريخه الطويل.
وحينئذ قالت امرأة العزيز: الآن تبيَّن الحقّ وظهر، أنا راودت يوسف عن
نفسه، لا هو، فإنه استعصم وامتنع أيّما امتناع، وإنه لصادق في قوله: ﴿هِىَ
◌َوَدَتْنِى عَن نَفْسِىَّ﴾ وقد أرادت بذلك مكافأة يوسف على صون سمعتها،
وإخفاء أمرها، وإعراضه عن شأنها. وهو اعتراف صريح من امرأة العزيز
ببراءة يوسف من الذّنوب والعيوب.
ثم قالت: ذلك الاعتراف مِّي بالحقّ، ليعلم يوسف في سجنه أنّ لم أخنه
أثناء غيبته، أو أطعن في شرفه وطهارته وعفَّته. ويجوز كما رأى الزّمخشري أن
يكون ذلك الكلام كلام يوسف عليه السّلام وهو متّصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبِ