Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ الُعُ (١٢) - هُوّد: ١١/ ١١٦-١١٩ سبب إهلاك القرى والأمم السَّالفة ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بِقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّعَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمٌّ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ تُجْرِمِنَ ( ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١١٩ الإعراب: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ﴾ منصوب؛ لأنه استثناء منقطع، ويجوز فيه الرّفع على البدل من ﴿أُوْلُواْ بِقِيَّةٍ﴾ كما جاز الرّفع في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨/١٠] وإن كان استثناءً منقطعاً، وهي لغة بني تميم. ﴿ وَأَتَّبَعَ﴾ عطف على مضمر دلّ عليه الكلام؛ إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد، واتَّبع الذين ظلموا. ﴿وَكَانُوْ مُجْرِمِينَ﴾ عطف على ﴿وَأَتَّبَعَ﴾ أو جملة اعتراضية. ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال من الفاعل، أي واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها. المفردات اللغوية: ﴿فَلَوْلًا﴾ (لولا): للتّحضيض والحثّ على الفعل، أي فهلا كان. ﴿مِنَ اٌلْقُرُونِ﴾ جمع قرن، وهو الجيل من الناس المقترنون في زمن واحد، وشاع تقديره بمئة سنة. ﴿أُوْلُواْ بِقِيَّةٍ﴾ أولو عقل ورأي وبصر بالأمور، أو أولو ٥٠٢ الُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١١٦-١١٩ فضل، والأصل في البقية: ما يبقى من الشيء بعد ذهاب أكثره، واستعمل كثيراً في الباقي الأصلح؛ لإنفاق الأردأ عادةً وإبقاء الأجود، وتلك قاعدة بقاء الأصلح، ومنه يقال: فلان من بقيّة القوم، أي من خيارهم. ويجوز أن يكون مصدراً كالتّقية، أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب. ﴿مَّ أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي ما أُنعموا فيه من الشهوات. ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِنَ﴾ أي كافرين، وهو سبب استئصال الأمم، وهو فشو الظلم فيهم، واتِّباعهم الهوى، وترك النّهي عن المنكرات مع الكفر. ﴿بِظُلْمِ﴾ بشرك. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فساداً وتباغياً، وذلك لفرط رحمة الله ومسامحته في حقوقه، ولذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد على حقوق الله تعالى. ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، وهو دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه .﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقاً. ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ إلا أناساً هداهم الله من فضله، فاتَّفقوا على ما هو أصول دين الحقّ والعمدة فيه. ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي الصَّيرورة، أو إن الضَّمير يعود للنّاس وإلى الرّحمة. وإن كان الضَّمير يعود لمن رحم، فإلى الرّحمة. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعيده وقضاؤه وأمره . ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجنّ، سموا بهذا الاستتارهم. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَاَلنَّاسِ﴾ أي من عصاتهما. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ صفة للعصاة، أو منهما أجمعين لا من أحدهما. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى ما حلَّ بالأُمم السَّابقة المكذِّبة لرسلها، من عذاب ٥٠٣ الزُ (١٢) - هُوّي: ١١ / ١١٦ -١١٩ الاستئصال في الدُّنيا، واستحقاق النّار في الآخرة، ذكر هنا سبب العذاب وهو أمران: الأول - أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، والثاني - أن الظَّالمين اتَّبعوا طلب الشَّهوات واللَّذات، واشتغلوا بتحصيل الرِّياسات. والظَّالمون: هم تاركو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. التّفسير والبيان: فهلا وُجد من القرون، أي الأُمم والأقوام الماضية الذين أهلكناهم بظلمهم وفسادهم جماعة أولو عقل ورأي وبصيرة وأهل خير ينهون عما كان يقع بينهم من الشّرور والمنكرات والفساد في الأرض. وهذا توبيخ للكفار. لكن قد وجد قليل من هؤلاء، وهم الذين أنجاهم الله تعالى عند حلول غضبه وفجأة نقمته، قد نهوا عن الفساد في الأرض. فهذا استثناء منقطع، ولا يمكن جعله استثناءً متّصلاً، وإلا كان القليل من النّاجين غير مرغَّبين في النّهي عن الفساد. واتَّبع الظَّالمون أنفسهم، وهم الأكثرية ما أُترفوا فيه من نعيم وعزّة وسلطان. والمترف: الذي أبطرته النّعمة وسعة المعيشة. والمراد بالذين ظلموا: تاركو النّهي عن المنكر. واتِّباعهم التَّرف: اشتغالهم بالشَّهوات والمال واللَّذات والرِّياسات، واستمرارهم على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، وعدم التفاتهم إلى إنكار المصلحين منهم، وإيثار الترف على الآخرة. ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ أي والحال أنهم كانوا ظالمين. فالله تعالى لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ أَنْفَسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١/١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦/٤١] . وفي الآية إيماء إلى أن التّرف مدعاة إلى الإسراف، والإسراف يفضي إلى ٥٠٤ الزُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١١٦-١١٩ الفسوق والعصيان، والظّلم والانحراف، وتلك عادة متَّبعة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَاَ أَن نُّهْلِكَ فَرْبَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَرْنَهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: ١٧ /١٦]. ثم بَيَّن تعالى عدله وسنّته في المصلحين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ أي ليس من شأن الله تعالى أن يهلك أهل القرى، ظالماً لها، وأهلها قوم مصلحون، تنزيهاً لذاته تعالى عن الظّلم، وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين من الظّلم. وقيل: الظّلم: الشّرك، ومعناه: أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها، وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم، أو في أمورهم الاجتماعية، يتعاطون الحقّ فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فساداً آخر، أي لا ينزل عذاب الاستئصال لأجل كون القوم مجرّد كونهم معتقدين للشّرك والكفر، بل إنما ينزل العذاب إذا أساؤوا في المعاملات، وسعوا في الإيذاء والظّلم، كما فعل قوم شعيب، وقوم هود، وقوم فرعون، وقوم لوط. ويؤيده أنّ الأُمم تبقى مع الكفر، ولا تبقى مع الظّلم. ثم أخبر الله تعالى أنه قادر على جعل الناس أمة واحدة من إيمان أو كفر، فقال تعالى: ﴿وَلَوَّ شَآءَ رَبُّكَ﴾ قال الزّمخشري معبِّراً عن مذهب المعتزلة: يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢/٢٣]. فهم يحملون الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار، والمراد نفي الاضطرار، وأنه لم يقهرهم على الاتِّفاق على دين الحقّ، ولكنه مكّنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحقّ، وبعضهم الباطل، فاختلفوا، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك أي إلا أناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتَّفقوا على دين الحقّ غير مختلفين فیه. ويرى أهل السّنّة: أن الآية بيان لقدرة الله تعالى على جعل الناس كلهم على ٥٠٥ ◌ِلُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١١٦-١١٩ منهج واحد من إيمان أو كفر، بخلقهم قابلين ديناً واحداً، لكنه تعالى لم يشأ ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩/١٠] وإنما شاء أن يكون لهم دور اختياري في الاتّجاه إلى الحقّ والإيمان ونبذ الضَّلالة والشّرك، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ استثناء منقطع، أي لكن من رحم ربُّك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف. ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أي في الأديان والاعتقادات والمذاهب والآراء، وقيل: في الهدى، أو في الرّزق يسخر بعضهم بعضاً، قال ابن كثير: والمشهور الصَّحيح الأول. ﴿إِلَّا مَن زَِّمَ رَبُّكَ﴾ أي المرحومين من أتباع الرُّسل الذين تمسّكوا بما أُمروا به من الدِّين، الذي أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى جاء خاتم الرُّسل، ففاز من اتَّبعه بسعادة الدُّنيا والآخرة، فهم الفرقة النّاجية. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمٌّ﴾ قال الزّمخشري ممثلاً رأي المعتزلة: (ذلك): إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام الأول وتضمّنه، يعني: ولذلك المذكور من التّمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف، خلقهم، ليثيب مختار الحقّ بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره(١). ويرى أهل السُّنة كما ذكر أبو حيان: أنّ اللام ليست للتّعليل، وإنما هي على التّحقيق لام الصَّيرورة في ذلك المحذوف، أي ليس الاختلاف والرّحمة علّة الخلق، وإنما خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. مثل قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨/٢٨]. ولا يتعارض هذا (١) الكشّاف: ١٢٠/٢ ٥٠٦ لُ (١٢) - هُودٍ: ١١ / ١١٦-١١٩ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥١ / ٥٦ ٥٦] لأن معنى هذا الأمر بالعبادة(١). والإشارة في قوله تعالى: (ذلك): إشارة إلى الاختلاف والرّحمة معاً في رأي ابن عباس، واختاره الطَّبري، وقال مجاهد وقتادة: (ذلك): إشارة إلى الرّحمة التي تضمّنها قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ والضَّمير في ﴿خَقَهُمْ﴾ عائد على المرحومين. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أي سبق في قضاء الله وقدره لعلمه التّام وحكمته النّافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنّة، ومنهم من يستحق النّار، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنّم من هذين الثَّقلين: الجنّ والإنس، وهم الذين لا يهتدون بما أرسل الله به الرُّسل من الآيات والأحكام. قال ابن عباس: خلقهم فريقين: فريقاً يُرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يُرحم فيختلف، فذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ ﴿مِنَ﴾: لبيان الجنس، أي من جنس الْجِنَّة وجنس النّاس .. وقوله تعالى: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد. وفي الصَّحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((اختصمت الجنّة والنّار، فقالت الجنّة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسَقَطهم (٢)، وقالت النّار: أوثرت بالمتكبِّرِين والمتجبِّين، فقال الله عزّ وجلّ للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنّار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنّة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خَلْقاً يسكن فضل الجنّة، وأما النّار فلا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع لها ربّ العزّة قدمه، فتقول: قَطْ قَطْ(٣)، وعزّتك)). (١) البحر المحيط: ٢٧٣/٥ (٢) السَّقَط: رديء المتاع. (٣) قط بمعنى حَسْب، وهو الاكتفاء. والقِطّ: الكتاب والصَّكُّ بالجائزة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَجِّل أَنَا قِطَّنَا﴾. ٥٠٧ الُ (١٢) - جُود: ١١ / ١١٦-١١٩ فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - وجوب النّهي عن المنكر والفساد، والأمر بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٤﴾ [آل عمران: ١٠٤/٣]، وفي الحديث الصَّحيح: ((إن الناس إذا رأوا المنكر، فلم يغيِّروه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب)). أَ - المصلحون في كل زمان، النّاهون عن الفساد في الأرض كقوم يونس، وأتباع الأنبياء وأهل الحقّ ناجون من عذاب الله تعالى. ◌ّ - التّرف يدعو عادة إلى الإسراف المؤدِّي إلى الفسوق والعصيان والظلم، والمترف: الذي أبطرته النّعمة وسعة المعيشة. ٤ - الظّلم أو الإجرام كالشّرك والكفر وإلحاق الأذى والضَّرر بالنّاس سبب موجب للعقاب في الدُّنيا والآخرة، لكن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدُّنيا من الشّرك، وإن كان عذاب الشّرك في الآخرة أصعب. ٥ - لم يكن الله ليهلك قوماً بالكفر وحده، حتى ينضم إليه الفساد في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، كما أهلك الله قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط. أَ - الله تعالى قادر على جعل النّاس كلهم أمّة واحدة من إيمان أو كفر. قال الضَّحَّاك في آية: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ﴾: أهل دين واحد، أهل ضلالة، أو أهل هدى. وقال سعيد بن جبير: على ملّة الإسلام وحدها، وهو رأي حسن. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ فقال مجاهد وقتادة: أي على أدیان شتّ. ٥٠٨ للزُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١١٦-١١٩ وقوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن ومقاتل وعطاء: الإشارة إلى الاختلاف، أي وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضَّحّاك: ولرحمته خلقهم. واختار الطَّبري وتابعه القرطبي: الإشارة بذلك للاختلاف والرّحمة، وهو أولى في تقديري؛ لأنه يعمّ، أي ولما ذُكر خلقهم. ولام ﴿ وَلِذَلِكَ﴾ للعاقبة والصَّيرورة كما بيَّنَا. والقول بعموم إشارة ﴿وَلِذَلِكَ﴾ أشار إليه مالك رحمه الله؛ قال أشهب: سألت مالكاً عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنّة، وفريق في السَّعير، أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرّحمة للرّحمة. وقال ابن عباس أيضاً كما تقدّم: خَلَقَهم فريقين: فريقاً يرحمه وفريقاً لا يرحمه. لاً - استدلّ أهل السّنّة بآية: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ على أنّ الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ لأن تلك الرّحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرُّسل، وإنزال الكتب، وإزالة العذر، فإنّ كل ذلك حاصل في حقّ الكفار، فلم يبقَ إلا أن يقال: تلك الرّحمة هي أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة(١). ٨ - مما ثبت في الأزل وأخبر تعالى عنه وقدر أنه يملأ ناره، ويملأ جنّته، فقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ﴾، وأخرج البخاري عن أبي هريرة أنّ النَّبِي وَلَّ قال عن الجنّة والنّار: ((ولكل واحدة مِلْؤها)). (١) تفسير الرازي: ١٨/ ٧٧ - ٧٨ ٥٠٩ الُرعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١٢٠-١٢٣ الفائدة العملية من قصص الأنبياء والأمر بالعبادة والتوكل على الله تعالى ﴿ وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيِّثُ بِهِ، فُؤَادَكَّ وَجَآءَكَ فِىِ هَذِهِ الْحَقُّ وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَا ١٢٠ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ عَمِلُونَ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ وَأَنْنَظِرُوْاْ إِنَّا مُنْنَظِرُونَ اُلْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٢٣ القراءات: يُرْجَعُ قرئ: ١- (يُرْجَع) وهي قراءة نافع، وحفص. ٢- (يَرْجع) وهي قراءة الباقين. تَعْمَلُونَ ﴾ : قرئ: ١- (تعملون) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص. ٢- (يعملون) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَكُلَّا﴾ منصوب على المصدر بـ ﴿نَّقُصُ﴾ وتنوينه عوض عن المضاف إليه، أي كل ما يحتاج إليه، وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك. ٥١٠ الجُرُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ١٢٠-١٢٣ ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ بيان لقوله: ﴿وَكُلََّ﴾ أو بدل منه، أو مفعول به. المفردات اللغوية: ﴿وَكُلََّ﴾ وكل نبأ. ﴿نَّقُصُ﴾ نخبرك به، والقص: تتبع أثر الشيء للإحاطة به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُصِيةٍ﴾ [القصص: ١١/٢٨]. ﴿مِنْ أَثْبَاءِ﴾ جمع نبأ: وهو الخبر المهم . (ثُثَبِّتُ بِهِ﴾ نقوِّي ونطمئن. ﴿فُؤَادَكَ﴾ قلبك، أي نجعله راسخاً كالجبل، وهو المقصود من الاقتصاص، وهو زيادة يقينه، وطمأنينة قلبه، وثبات نفسه على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار. ﴿وَجَآءَ فِى هَذِهِ﴾ الأنباء أو الآيات ﴿الْحَقُّ﴾ ما هو حق ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى سائر فوائده العامة، وخُصَّ المؤمنون بالذكر؛ لانتفاعهم بالآيات والموعظة في الإيمان، بخلاف الكفار. ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالتكم أو على تمكنكم واستطاعتكم. ﴿إِنَّا عَمِلُونَ﴾ على حالتنا، وهو تهديد لهم . ﴿ وَأَنْنَظِرُواْ﴾ عاقبة أمركم. ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم نحو ما نزل بأمثالكم. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ أي علم ما غاب فيهما، لا يخفى عليه خافية مما فيهما . ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أي يرجع إليه أمرك وأمرهم، لا محالة، فينتقم ممن عصى . ﴿فَأَعْبُدُهُ﴾ وحده ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾ ثق به، فإنه كافيك. وتقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على ما هو الأنفع للعابد. ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أنت وهم، فيجازي كلّاًّ ما يستحقه، وإنما يؤخرهم لوقتهم. المناسبة: بعد أن قص الله على نبيه أخبار الأنبياء مع أقوامهم، ذكر فائدة تلك القصص وحصرها في نوعين من الفائدة وهما: تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة ٥١١ لُرُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٢٠ -١٢٣ وعلى الصبر واحتمال الأذى، وبيان ما هو حق وعظة وعبرة وذكرى تذكر المؤمنين. ثم ختم السورة بما بدأها به وهو الأمر بالعبادة، والتوكل على الله، وعدم المبالاة بعداوة المشركين. التفسير والبيان: وكل خبر من الأخبار التي هي من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم نقصها عليك لفائدتين : الأولى - ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَاءٌ﴾ أي ما به يقوى الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى؛ لأن الأنبياء الذين من قبلك تحملوا في محاجة أقوامهم الأذى الكثير، فصبروا على ما كذبوا به، فنصرهم الله وخذل أعداءهم الكافرين، فلك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة. الثانية - ﴿ وَجَآَكَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وتبين لك في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، أو في هذه الأنباء والآيات، ما هو الحق والصدق واليقين: وهو وحدانية الله وعبادته وحده، وإثبات البعث، وفضيلة التقوى والخلق الفاضل، وفي تلك الأنباء عظة وعبرة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون. وخصَّ هذه السورة بالذكر؛ لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار. والحق: البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة. والموعظة: التنفير من الاعتماد الكلي على الدنيا وما فيها من شقاوة، وإيثارها على الآخرة وما فيها من سعادة. والذكرى: الإرشاد إلى الأعمال الصالحة الباقية. وبعد هذا الإنذار والترهيب والترغيب أمر الله رسوله بقوله: ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ﴾ ٥١٢ لُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١٢٠-١٢٣ أي وقل للكافرين الذين لا يؤمنون بما جئت به من ربك، على وجه التهدید : اعملوا على طريقتكم ومنهجكم وحالكم، وافعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشرّ، كما قال شعيب عليه السلام لقومه، فنحن أيضاً عاملون على طريقتنا ومنهجنا وما نقدر عليه من الدعوة إلى الخير، وانتظروا بنا نهاية أمرنا، إما بموت أو غيره مما تتأملون، إنا منتظرون عاقبة أمركم، وما ينزل بكم من عقاب نزل بأمثالكم، إما من عند الله أو بأيدي المؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وانتظروا الهلاك، فإنا منتظرون لكم العذاب. والتهديد بقوله: ﴿أَعْمَلُواْ﴾ مثل قوله تعالى لإبليس: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤/١٧] وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩/١٨]. وتمني انتهاء أمر النبي حكاه الله عن المشركين بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ ٣٠) ﴾ [الطور: ٣٠/٥٢]. نَتَبَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ وانتظار مصير الفريقين له شبيه في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الذَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اُلِّمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥/٦]. ثم ختم الله تعالى السورة بخاتمة جامعة سامية، جمعت كل مطالب الخير، فقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ﴾ أي أنه تعالى عالم غيب السماوات والأرض في الماضي والحاضر والمستقبل، وعلمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات، والمعدومات والموجودات، والحاضرات والغائبات، ومرجع الكل ومصير الخلائق والكائنات إليه؛ لأنه مصدر الكل ومبدأ الكل، وهو عظيم القدرة نافذ المشيئة، قهار للعبيد، وسيحاسب كل عامل بما عمل يوم الحساب، من صغير أو كبير. وإذا كان الله هو المتصف بما ذكر، فاعبده وحده ومن معك من المؤمنين، وتوكل عليه في كل أمورك حق التوكل، وثق به تمام الثقة فيما تستطيع وما لا ٥١٣ اِلُ (١٢) - جُوّيٍ: ١١/ ١٢٠-١٢٣ تستطيع، فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وما ربك بغافل عما تعملون، أي ليس بخفي عليه كل ما يعمل به المكذبون والمصدقون، وما عليه أحوالهم، وما تصدر عنه أقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين، فلا تبال بهم. روى أحمد والترمذي وابن ماجه أن النبي ◌َّر قال: ((الكيِّس: من دان نفسَه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - في إيراد قصص الأنبياء وما كابدوه من مشاق من أجل دعوتهم تسلية للنبي ◌َّه، وتثبيت له على أداء الرسالة، والصبر على ما يناله فيها من الأذى. وفيها بما تضمنته من بيان ما هو الحق واليقين عظة وعبرة وذكرى لكل مؤمن. والموعظة: ما يُتَّعظ به من إهلاك الأمم الماضية. والذكرى: تذكر المؤمنين ما نزل بمن هلك فيتوبون. وخصّ الله تعالى المؤمنين؛ لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء. اً - فيها تهديد ووعيد الكافرين على أعمالهم، وندب لهم أن يفعلوا في حق النبي ◌َ﴿ كل ما يقدرون عليه من الشر، فلن ينالوا منه شيئاً. وفي هذا إعلان الثقة التامة بعصمة الله له، وتأكيد الإيمان بصحة عمله، والإنذار بسوء عاقبة المخالفين. ٣ - العلم بالغيب والشهادة في جميع السماوات والأرض، في الحاضر والماضي والمستقبل مختص بالله تعالى. ٤ - المرجع والمآب في الدار الآخرة إلى الله تعالى، وليس لمخلوق أمر إلا بإذنه. ٥١٤ لُعُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ١٢٠-١٢٣ ٥ - إيجاب العبادة بالإخلاص لله وحده، وإيجاب التوكل على الله في كل شيء، أي اللجوء إليه والثقة به وتفويض الأمور إليه. أَ - الله مطلع على أحوال العباد وأقوالهم وأفعالهم، ويجازي كلاً بعمله، فلا يضيع طاعات المطيعين، ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين، والجزاء بإحضارهم في موقف القيامة، وحسابهم على الصغير والكبير، والعتاب على كل شيء. وتحصل عاقبة الأمر: فريق في الجنة وفريق في السعير. ملاحظة في الإعجاز العددي: هناك ارتباط عددي بين سورتي هود والنجم، على الرغم من اختلافهما في الموضوع، فالآيات في سورة هود (٦-١٢٣) نجد فيها ثمانياً وعشرين آية (٢٨) تنتهي بحرفي (ي ن) مثل ﴿مُّبِينٍ﴾(٦)، وثمانياً وعشرين آية تنتهي بحرفي (ون) مثل ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾(٨)، ينقسم العدد (٥٦) إلى نصفين متساويين. وفي سورة النجم نجد أيضاً ثمانياً وعشرين آية هي أفعال معتلة مثل ﴿هَوَى﴾(١)، و(٢٨) آية هي أسماء مقصورة، مثل ﴿عَنِ اٌلْهُوَ﴾(٣) في الآيات (١-٥٦)، ينقسم العدد (٥٦) إلى نصفين متساويين. وذلك دليل آخر على أن القرآن كلام الله المعجز. ٥١٥ لُُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُؤَةُ يُوسُفَ مڪية وهي مئة وإحدى عشرة آية تسميتها وسبب نزولها: سميت سورة يوسف، لإيراد قصة النبي يوسف عليه السلام فيها، روي أن اليهود سألوا رسول الله و # عن قصة يوسف فنزلت السورة. وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - فيما رواه عنه الحاكم وغيره -: أنزل القرآن على رسول الله وَلر، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: لو قصصت علينا؛ فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [ يوسف: ٣/١٢] و[الكهف ١٣/١٨] فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: لو حدثتنا؛ فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩]. وقد نزلت بعد اشتداد الأزمة على النبي وَّر في مكة مع قريش، وبعد عام الحزن الذي فقد فيه النبي زوجته الطاهرة خديجة، وعمه أبا طالب الذي كان نصيراً له. روي في سبب نزولها أن كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في شأن محمد وَّيّة، فقال لهم اليهود: سلوه، لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن قصة يوسف، فنزلت. وبالرغم من أنها سورة مكية، فأسلوبها هادئ ممتع، مصطبغ بالأنس والرحمة، واللطف والسلاسة، لا يحمل طابع الإنذار والتهديد كما هو الشأن ٥١٦ الُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ) الغالب في السور المكية. قال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. وروى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله ◌َو يتلو هذه السورة، أسلموا؛ لموافقتها ما عندهم. مناسبتها لما قبلها: نزلت هذه السورة بعد سورة هود، وهي مناسبة لها، لما في كلِّ من قصص الأنبياء، وإثبات الوحي على النبي وَّ. وقد تكررت قصة كل نبي في أكثر من سورة في القرآن، بأسلوب مختلف، ولمقاصد وأهداف متنوعة، بقصد العظة والاعتبار، إلا قصة يوسف عليه السلام، فلم تذكر في غير هذه السورة، وإنما ذكرت جميع فصولها بنحو متتابع شامل، للإشارة إلى ما في القرآن من إعجاز، سواء في القصة الكاملة أو في فصل منها، وسواء في حالة الإجمال أو حالة التفصيل والبيان. قال العلماء: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكرّرها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرّر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل(١). ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة قصة يوسف عليه السلام، بجميع فصولها المثيرة، المفرحة حيناً والمحزنة حيناً آخر، فبدأت ببيان منزلته عند أبيه يعقوب وصلته به، ثم علاقته بإخوته (مؤامرتهم عليه، وإلقاؤه في البئر، وبيعه لرئيس شرطة مصر، وشراؤهم الطعام منه في المرة الأولى ومنحهم إياه دون مقابل، ومنعهم شراء الطعام في المرة الثانية إن لم يأتوه بأخيهم (بنيامين) وإبقاء أخيه بنيامين لديه في حيلة مدروسة وسرقة مزعومة، حتى يأتوه بأخيهم لأبيهم، ثم تعريفه (١) تفسير القرطبي: ١١٨/٩ ٥١٧ ◌ِلُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفْنَا نفسه لإخوته)، ومحنة يوسف وجماله الرائع، وقصة يوسف مع امرأة العزيز، وبراءته المطلقة، يوسف في غياهب السجون يدعو لدينه، بوادر الفرج وتعبير رؤيا الملِك، توليته وزيراً للمالية والتجارة ورئاسة الحكم، إبصار يعقوب حين جاء البشير بقميص يوسف، لقاء يوسف في مصر مع أبويه وجميع أسرته. ثم إيراد العبرة من هذه القصة، وإثبات نبوة محمد ◌َهالر، وتسليته، وبشائر الفرج بعد الضيق، والأنس بعد الوحشة، فإن يوسف عليه السلام انتقل من السجن إلى القصر، وجُعل عزيزاً في أرض مصر، وكل من صبر على البلاء فلا بد من أن يأتيه الفرج والنصر، وتحذير المشركين من نزول العذاب بهم كما حدث لمن قبلهم، والدروس والأخلاق المستفادة من قصة يوسف عليه السلام، وأهمها نصر الرسل بعد الاستيئاس. أضواء من التاريخ على قصة يوسف عليه السلام(١): نسب يوسف: هو يوسف بن يعقوب (إسرائيل الله) بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وهو أحد أولاد يعقوب الاثني عشر ذكراً الذين ولدوا في فدان آرام أثناء رعاية غنم خاله (لابان) مقابل تزوجه ابنتيه، إلا بنيامين فقد ولد في أرض كنعان بعد رحيله إليها. قال النبي ◌َّ ر عن يوسف فيما أخرجه أحمد والبخاري عن ابن عمر: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)». وكان يوسف رائع الجمال، محبوباً لدى أبيه، مما أثار حقد إخوته عليه وتآمرهم عليه. وقد رأى في منامه في صغره في سن السابعة عشرة سنة أو الثانية عشرة أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر سجدوا له، فقصّ الرؤيا على أبيه، فبشره بالنبوة وتعبير الأحلام. (١) انظر قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار ١٢٠ وما بعدها. ٥١٨ لِلْجُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ إلقاء يوسف في البئر: أخذه إخوته معهم إلى البرية بقصد السياحة واللعب، ثم ألقوه في البئر، وأخبروا أباهم كذباً أن الذئب أكله، فلم يقتنع الأب الصالح بكلامهم، واتهمهم بمكيدة أوقعوها فيه، ثم أنقذه الله بتعلقه بحبل دلو أدلي في البئر، ثم باعه آخذوه في مصر بثمن بخس، وادعوا أنهم اشتروه من سیده، باعوه لرئيس الشرطة وهو العزيز في محافظة الشرقية قرب بحيرة المنزلة، واسمه (فوطيفار) أو (أطفير) فأحبه وقال لا مرأته زليخا: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ﴾ وجعله صاحب أمره ونهيه، ورئيس خدمه والمتصرف في بيته، وتولاه الله تعالى بالهداية والتربية والتوفيق. محنة يوسف: وكان جماله الرائع سبب محنته، روى مسلم في صحيحه أنه وسلم قال: ((فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن)) فأحبته امرأة العزيز، وراودته عن نفسه، فأبى إيماناً بالله، وامتثالاً لأمره، واجتناباً لمنهياته، وتقديراً لأفضال زوجها عليه: ﴿إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاِىٌّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وامتنع همه بها لوجود البرهان عنده، وهو حرصه على الطاعة، والتمسك بآداب آبائه، لأن ﴿ لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود، امتنع الهم لوجود البرهان، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِئًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلاً أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى ) [القصص: ١٠/٢٨] أي امتنع إبداؤها بما في قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نفسها على ابنها، لوجود الربط على قلبها. مكيدة امرأة العزيز: ولما خابت في تحقيق رغبتها منه، حقدت عليه، كما هو شأن السادة عندما يخالفهم أحد الأتباع. ولما رأت زوجها لدى الباب يريد الدخول، لفَّقت عليه التهمة، وأفهمته أنه يريدها بسوء، فكذبها يوسف الصدّيق، فاحتكم الزوج ٥١٩ اِخُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ) العاقل إلى القرائن: إن كان قميصه مزّق من الأمام فهي الصادقة، وإن مزق من الخلف فهو الصادق، لأن المقدم على المرأة يظهر أثر مقاومتها ودفاعها من الناحية الأمامية، والهارب من المرأة يظهر أثر لحاقها به من الْخَلْف، فظهرت براءته، والتصقت التهمة بها، وأمر يوسف بكتمان الخبر، وأمرها بالاستغفار لذنبها. ومع هذا، شاع خبر امرأة العزيز وفتاها في أرجاء المدينة، ولامتها النساء، فأعدت لهن طعاماً يحتاج إلى القطع بالسكين، وآتت كل واحدة سكيناً، وأمرت يوسف أن يخرج عليهن، فبهرهن جماله، فقطعن أيديهن، وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فعذرنها، ثم هددته بالسجن إن لم يستجب لها، وفشا أمره بين الناس، فرأى سيده أن يزجه في السجن، ليحمي سمعة امرأته. دخول يوسف إلى السجن ودعوته لدينه فيه: وأدخل يوسف السجن، ودخل معه السجن فتيان: أحدهما: رئيس الخبازين عند الملك، والثاني: رئيس سقاته، فرأى الثاني في منامه أنه يعصر في كأس الملك خمراً، ورأى الأول أنه يحمل فوق رأسه خبزاً وطيراً تأكل من رأسه، وطلبا من يوسف تعبير الرؤيا. فأظهر يوسف مقدرته على تأويل الرؤيا، ولكنه قدم لذلك بدعوته السجناء إلى توحيد الله، قائلاً لصاحبيه: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَفَرِّفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ اَلْقَهَارُ﴾ وقال للساقي: إنه يسقي ربه خمراً، وقال للآخر: إنه سيصلب، فتأكل الطير من رأسه. وتأمل يوسف الفرج وقال لمن ظن أنه ناج منهما: ﴿ أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ فَأَنَسَنُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. ٥٢٠ لِلُُ (١٢) السورة (١٢) يُفْنَ رؤيا الملك: ثم رأى الملك أن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنابل خضراء حسنة في ساق واحدة يأكلهن سبع يابسات، فدعا بالسحرة لسؤالهم عن تأويل المنام، فقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. فتذكر ساقي الملك يوسف في السجن، فعرض الأمر على الملك، فوافق على أن يرسله إلى السجن ليأتي له بالتفسير الصحيح للمنام، فجاءه فيه، ثم عاد بالجواب إلى الملك، فقال الملك: ائتوني بيوسف، فأبى يوسف الخروج من السجن، حتى تظهر براءته وحقيقة أمره مع النساء، فأحضرهن الملك، وسألهن عنه، قلن: حاشا لله ما علمنا عليه من سوء، وأقرت امرأة العزيز (زليخا) ببراءته، وقالت: ﴿الْثَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدِّثُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِلْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَابِنِينَ ٥٢ وَمَآ أُبَِّنُ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِيِّ إِنَّ رَبِ غَفُورُ زَّحِيمٌ (@) وآية: ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىّ﴾ من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف كما يذكر بعض المفسرين خطأ. خروج يوسف من السجن إلى القصر: وخرج يوسف من السجن بريئاً من التهمة، وسأله الملك عن أي عمل يرضاه لنفسه؟ فقال يوسف: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ اَلْأَرْضِ﴾ فجعله على كل أرض مصر، وصاحب الأمر والنهي، ووزيراً للمالية والتجارة ورئاسة الحكم، وجعل خاتمه في يد يوسف الذي أصبح عمره ثلاثين سنة. طلب إخوة يوسف الطعام منه: ومرت السنوات السبع المخصبة، ثم جاءت السبع المجدبة، فباع يوسف المصريين من مخازن القمح التي كان قد ادخرها أثناء الخصب، ثم جاءه أهل