Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
لُرُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١٢-١٤
والمراد بهذا الاستفهام الإنكاري النّفي أو النّهي، أي لا تترك شيئاً مما
أوحينا إليك من تبليغه المشركين وغيرهم، ولا تتضايق من تلاوته عليهم.
ويقصد من ذلك المبالغة في التّحذير، والإغراء بأداء الرّسالة، وعدم المبالاة
بكلماتهم الفاسدة، تأكيداً على تبليغ كامل الوحي، سواء رضي الناس أو
غضبوا، لأن مجاملتهم غير مفيدة. ولا يعني هذا وقوع المنهي عنه، لعصمة
الرّسول من التّقصير أو الخيانة في الوحي، فقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز
على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أن يخون في الوحي والتّنزيل، وأن يترك
بعض ما يوحى إليه؛ لأن تجويزه يؤدي إلى الشّك في كل الشّرائع والتكاليف،
وذلك يقدح في النّبوة.
﴿أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنُّ﴾ أي لا تتضايق لأجل أن يقولوا، أو
كراهة أن يقولوا(١): لولا أي هلا أنزل عليه كنز من عند ربِّه يغنيه عن التّجارة
والكسب، ويدلّ على صدقه، والقائل عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة
المخزومي، أو ينزل معه ملك من السماء يؤيد دعوته، كقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَالٍ
هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ
فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ
مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَشَّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (جَ)
[الفرقان: ٢٥/
٧-٨]. وإنما قال: ﴿وَضَائِقٌ﴾ ولم يقل ((ضيق)) ليشاكل ﴿تَارِكٌ﴾ الذي قبله،
ولأن الضائق عارض طارئ غير لازم، والضيق ألزم منه.
فهذا إرشاد من الله تعالى لنبيِّه ألا يضيق صدره بتبليغ الوحي والرِّسالة،
وألا يثنيه شيء عن دعوتهم إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى:
(١٩٧﴾ [الحجر: ١٥/ ٩٧].
﴿ وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
ثم أكّد الله تعالى مهمّة نبيِّه فقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي ليس عليك إلا
(١) وذلك مثل: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦/٤] أي لئلا تضلّوا.

٣٤٢
لُ (١٢) - هُوّي: ١١ / ١٢-١٤
إنذارهم بما أوحي إليك، غير مبالٍ بما يقولون، ولا آتٍ بما يقترحون، ولك
أسوة بإخوانك من الرّسل قبلك، فإنهم كُذِّبوا وأُوذوا، فصبروا حتى أتاهم
نصر الله عزّ وجلّ، والله هو الرّقيب على عباده، الحفيظ للأمور، فتوگّل عليه،
ولا تبالِ بهم، فإنه عالم بحالهم، ومجازيهم على أعمالهم. وهذا كقوله تعالى:
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢]،
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ®َ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطٍ
[الغاشية: ٢١/٨٨-٢٢]، وقوله تعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ
(﴾ [ق: ٤٥/٥٠].
فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ
ثم أبان الله تعالى إعجاز القرآن الكريم بدليل تحدِّي العرب به، فقال:
(أَمْ
يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ﴾ أي بل يقول مشركو مكة: افترى محمد القرآن أي اختلقه
من عند نفسه، فإن كان ما يزعمون صحيحاً، فليأتوا بعشر سور مثله
مفتريات، تضارعه في الفصاحة والبلاغة، وإتقان الأحكام والتّشريعات في
شؤون الحياة المختلفة من سياسة واجتماع واقتصاد ونظام تعامل، والإخبار
بقصص الأنبياء والغيبيات، وهم أهل السَّبق في البيان والتّفوق في ملكة
اللسان. والمختار عند أكثر المفسّرين أن القرآن معجز بسبب الفصاحة، وقيل :
بسبب الأسلوب، وقيل: بسبب عدم التناقض، وقيل: بسبب اشتماله على
العلوم الكثيرة، وقيل: بسبب إخباره عن المغيبات.
ولكنهم عجزوا؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور مثله،
بل ولا بأقصر سورة من مثله؛ لأن كلام الرَّبّ تعالى لا يشبه كلام المخلوقين،
كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء.
وهذه الآية اشتملت على خطابين: خطاب الرّسول وَّه بقوله تعالى: ﴿قُلْ
فَأْتُواْ﴾، وخطاب الكفار بقوله: ﴿وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُمْ﴾.
ثم قال الله تعالى بعد هذا التّحدي: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ أي فإن لم يأتوا

٣٤٣
إِلُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١٢-١٤
بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن القرآن
نزل من عند الله، وبما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب
لا سبيل لهم إليه، وتشريع بأمره ونهيه لا يبلغون مستواه. وجاء ضمیر
بصيغة الجمع؛ لأنه خطاب للرّسول وَ ﴿ وللمؤمنين، والمراد أن الكفار إن لم
يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله تعالى.
واعلموا أنه لا إله موجود ومعبود بحقّ إلا الله عزّ وجلّ.
فهل أنتم بعد قيام الحجة القاطعة على أنه، أي القرآن، من عند الله
مسلمون، مؤمنون بالله وبهذا القرآن، وبما تضمنه من عقائد ووعد ووعيد
وأخلاق وآداب ونظام شامل للحياة؟ وهذا يدلّ على أن الخطاب للكفار، فإن
كان الخطاب للمسلمين فمعناه: فهل أنتم مخلصون؟
ومعنى هذا أنه بعد ظهور الدَّليل القاطع على صدق النَّبِي بَّ وصدق
القرآن، یکون کفرهم مجرد عناد وإعراض واستكبار.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - وجوب تبليغ الوحي بكامله دون إنقاص أو إرجاء شيء منه، ولا
يتنافى هذا الحكم مع مبدأ عصمة الرّسول ◌َله من الخيانة في الوحي والتّنزيل،
وترك بعض ما يوحى إليه، وهذا كقوله تعالى في تأكيد الأمر بإبلاغ الوحي:
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧/٥].
وهذا الحكم لا يختلف سواء قلنا: إن معنى الكلام في آية ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾
الاستفهام الإنكاري؛ أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك؟ أو
معنى الكلام النّفي مع استبعاد، أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما
◌ُنزل إليك؛ لأن مشركي مكة قالوا للنَّبي ◌َّ: لوأتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ
آلهتنا لاتَّبعناك، فهمَّ النَّبي ◌َّ أن يدع سبّ آلهتهم؛ فنزلت.

٣٤٤
للهُعُ (١٢) - هُودٍ: ١١ / ١٥-١٦
اً - لا مجاملة ولا مهادنة ولا إرجاء في تبليغ الوحي، فسواء كره الناس
تبليغهم ما أنزل الله أم قالوا: لولا أنزل عليه كنز أو ملك، فلا تراجع عن
تبليغ الوحي.
◌َّ - تحدّى الله العرب في هذه السّورة بأن يأتوا بعشر سور مثل سور
القرآن، بعد أن كان تحدّاهم بالإتيان بمثل القرآن، فعجزوا في الحالين، كما
عجزوا عن الإتيان بمثل سورة منه، في سورة أخرى. والتحدي ليثبت أن
القرآن كلام الله المعجز.
٤ - ثبت بقوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ عجزهم عن المعارضة، فقامت
عليهم الحجة بأن القرآن ليس من عند محمد أو غيره، وإنما هو كلام الله،
وليعلم الجميع ﴿أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾.
٥ - إن وجوه إعجاز القرآن كثيرة منها البلاغة والفصاحة، ومنها
الاشتمال على الغيبيات، ومنها الأحكام التّشريعية، ومنها مواكبة
الاكتشافات العلمية الحديثة.
من أراد الدنيا وحدها حرم نعيم الآخرة
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فَِهَا لَا
يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا
وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الإعراب:
﴿ وَبَطِلُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ابتداء وخبر، أي وباطل عمله.
المفردات اللغوية:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا﴾ أي من قصد بعمله الطَّيب وإحسانه

٣٤٥
الُعُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١/ ١٥-١٦
وبرّه الدُّنيا. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ نؤتهم ثمار أعمالهم وافية تامة، جزاء ما
عملوه من خير كصدقة وصلة رحم. ﴿فِهَا﴾ بأن نوسع عليهم رزقهم. ﴿وَهُمْ
فِهَا﴾ أي الدُّنيا. ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ ينقصون شيئاً من أجورهم. ﴿وَحَبِطَ﴾ فسد
وبطل ولم ينتفعوا به.
سبب النّزول:
قيل: إن الآية مختصّة بالكفار، أو بالمنافقين، وقيل: إنها عامّة مطلقة في
أهل الرّياء، والظاهر أن المراد بهذا العام هو الكافر؛ لأن قوله تعالى:
﴿ أُوْلََّكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ لا يليق إلا بالكفار.
المناسبة:
بعد أن أثبت الله تعالى أن القرآن من عند الله تعالى، وليس بالمفترى من
محمد وَّل كما يزعم المشركون، ذكر أن سبب المعارضة والتكذيب هو الهوى
والشهوة ومحض الحسد وحظوظ الدُّنيا.
التفسير والبيان:
من كانت إرادته مقصورة على حبّ الدُّنيا وزينتها، من متاع ولباس، وزينة
وأثاث، ولم يكن طالباً السعادة الأخروية، يوصل الله إليه جزاء عمله في الدُّنيا
من الصّحة والرِّياسة وسعة الرّزق وكثرة الأولاد، ويوفّيه ثمرة جهده تماماً دون
أن ينقصه شيئاً من مردود العمل ونتيجة الكسب؛ لأن الأرزاق منوطة
بالأعمال، لا بالنّيات.
وذلك يدلّ على أن ثمرة العمل في الدُّنيا مرتبطة بالكسب وتقدير الله، وأما
جزاء الآخرة فهو محصور بإرادة الله وفضله وإحسانه.
وأولئك الذين لا هم لهم إلا الدُّنيا، لا حظّ لهم في الآخرة إلا النّار في

٣٤٦
لِلُزْعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١٥-١٦
مقابلة ما عملوا؛ لأنهم استوفوا في الدُّنيا ثمرة العمل الحسن، وبقي لهم في
الآخرة وزر العمل الشّيء وتبدد أثر عملهم في الدُّنيا، وبطل ثواب عملهم في
الآخرة؛ لأنهم لم يريدوا وجه الله تعالى، والعمدة في الثواب الأخروي هو
الإخلاص لله عزّ وجلّ.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ
تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنْهَا مَذْهُومًا مَّدْخُورًا (﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى
لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (®﴾ [الإسراء: ١٨/١٧-
١٩]، وقوله سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ، وَمَن
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اُلْآَخِرَةِ مِن ◌َّصِيبٍ
[الشورى: ٢٠/٤٢] .
ويؤيِّده الحديث المشهور في الصَّحيحين عن عمر رضي الله عنه: ((إنما
الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله
ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة
ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)) وقال قتادة: من كانت الدُّنيا همه ونيّته
وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدُّنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة
يعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدُّنيا، ويثاب عليها في
الآخرة. أي إن للمؤمن على عمله الحسن ثوابين، ثواب الدُّنيا وثواب
الآخرة، وللكافر ثوابٌ واحدٌ وهو في الدُّنيا فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يأتي:
اً - اقتضى عدل الله وحكمته أن من قصد الدنيا وحدها وأتى بعمل البر
والخير كصدقة وصلة رحم وكلمة طيِّبة ونحو ذلك، يكافأ بها فقط بصحة
الجسم، وكثرة الرّزق، لكن لا حسنة له في الآخرة، ويحرم من ثمرة عمله فيها.

٣٤٧
◌ِلُُّ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٧
أَ - إن أهل الرّياء والسّمعة يعطون بحسناتهم في الدُّنيا، حتى لا يظلموا
شيئاً منها مهما قلّ، ويحرمون من الثواب الأخروي؛ لأن ثواب الجنة يكون
بتزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح، واجتناب المعاصي، وأما عمل أهل
الدُّنيا فمقصور عليها وعلى مظاهرها وشهواتها.
◌َّ - ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية وأمثالها المذكورة مطلقة، تشمل
المؤمن والكافر.
٤ - إن العبد ينوي ويريد، والله سبحانه يحكم ما يريد.
٥ - الكافر يخلد في النّار، والمؤمن لا يخلَّد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤].
أَ - الإسلام يدعو إلى إيثار العمل للآخرة على عمل الدُّنيا، في النِّيّة
والقصد، فإن قصد الدُّنيا والآخرة معاً كان ذلك مقبولاً شرعاً.
من كان يريد الآخرة
﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن زَبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَيّ
إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِدٍ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ
فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
١٧٠
الإعراب:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ﴾: (من): مبتدأ، والهمزة للإنكار، والخبر محذوف تقديره:
أفمن كان على بيِّنة من ربِّه كمن كان يريد الحياة الدُّنيا، والهاء في ﴿وَيَتْلُوُهُ﴾
للقرآن، والشاهد: الإنجيل. والهاء في ﴿مِّنْهُ﴾ عائد لله تعالى، والهاء في
﴿ قَبْلِهِ،﴾ للإنجيل.
٠

٣٤٨
الُ (١٢) - جُودِ: ١١ / ١٧
و﴿ كِنَبُ مُوسَى﴾ معطوف مرفوع على قوله: ﴿شَاهِدٌ﴾ ففصل بين حرف
العطف والمعطوف بالظرف، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ،﴾ وتقديره: ويتلوه
کتاب موسی من قبله.
(إِمَامًا وَرَحْمَةٌ﴾ نصب على الحال من ﴿ كِتَبُ مُوسَىَ﴾.
﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بَيِّنَةِ﴾ حجة وبيان وبرهان من الله يدلّه على الحقّ والصّواب فيما يأتيه
ويذره، والبيِّنة: هي القرآن، وهو حكم يعمّ كل مؤمن مخلص، وقيل: المراد
به النَّبِي وََّ، أو المؤمنون، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. ﴿وَيَتْلُهُ﴾ يتبعه.
﴿شَاهِدٌ﴾ له بصدقه. ﴿مِّنْهُ﴾ أي من الله، و﴿شَاهِدٌ﴾: الإنجيل، وقيل:
جبريل، وقيل: القرآن، وقيل: النَّبِي ◌َِّ. ﴿وَمِن قَبْلِهِ،﴾ أي الإنجيل، وقيل:
القرآن. ﴿كِنَبُ مُوسَى﴾ التّوراة شاهد له أيضاً. ﴿إِمَامًا﴾ كتاباً مؤثّماً به في
الدِّين.﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي من كان على بيِّنة، ويراد بكلمة (مَنْ) المعنى الجماعي.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالقرآن، فلهم الجنة.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ﴾ أهل مكة وجميع الكفار الذين تحزَّبوا معهم
على رسول الله وَله. ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يردها لا محالة، أي مكان الوعد وهي
النّارِ يَرِدُها . ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ في شكّ من الموعد المذكور، أو القرآن.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أهل مكة وأمثالهم. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لقّة نظرهم
واختلال فكرهم.
المناسبة:
تعلّق الآية بما قبلها واضح، فبعد أن ذكر الله تعالى من كان يريد الدُّنيا
وزينتها ولا يهتم بالآخرة وأعمالها، أعقبه بذكر من كان يريد الآخرة ويعمل
لها، ومعه شاهد يدلّ على صدقه وهو القرآن.

٣٤٩
الُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٧
التفسير والبيان:
أفمن كان على نور وبصيرة من الله تدلّه على الحقّ والصّواب، ويؤيِّده شاهد
له على صدقه، وهو كتاب الله من إنجيل أو قرآن، وهم المؤمنون بالفطرة بأنه
لا إله إلا الله، كمن كان يريد الحياة الدُّنيا وزينتها؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ
شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِّ﴾ [الزمر: ٢٢/٣٩]، وقال
تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
[الروم: ٣٠/٣٠].
وكذلك يؤيِّده كتاب موسى عليه السّلام وهو التّوراة، الذي أنزله الله تعالى
إلى تلك الأمّة إماماً لهم، أي كتاباً مؤتماً به في الدِّين وقدوة يقتدون به، ورحمة
من الله بهم؛ لأنه همزة وصل بخير الدّارين، فمن آمن به حقّ الإيمان، قاده
ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ويكون ذلك الكتاب رحمة لمن آمن به وعمل به.
وكون الإنجيل والتوراة تابعين للقرآن ليس في الوجود، بل في دلالتهما على
هذا المطلوب، وتبشيرهما بالتَّبِي وَّ وكونه موصوفاً فيهما: ﴿يَجِدُونَهُ, مَكْثُوبًا
عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧/٧].
﴿أُوْلَبِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي أولئك الذين يؤمنون بما في التّوراة من البشارة
بمحمد النَّبِي وَّه، يؤمنون بهذا القرآن إيماناً حقّاً عن يقين وإذعان.
وفي الجملة: من كان مؤمناً بالفطرة وبالعقل، وبنور القرآن، وبالوحي
الثابت الذي نزل على موسى وعيسى وغيرهما من الرُّسل، فهو على منهج الحقّ
والصّواب.
ومن يكفر بالقرآن من أهل مكة ومن تحزَّبوا على النَّبِي وَّ وغيرهم من
اليهود والنّصارى والوثنيين، فالنّار موعده لا ريب في وروده إياها، أي أن
مآله حتماً إلى جهنم وهو من أهل النّار، جزاء تكذيبه، كما قال تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(١٦)﴾ [هود: ١٦/١١].

٣٥٠
الُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١٧
و﴿ اَلْأَحْزَابِ﴾ هم كما قال مقاتل: بنو أميّة، وبنو المغيرة بن عبد الله
المخزومي، وآل طلحة بن عبيد الله. وقال سعيد بن جبير: الأحزاب: أهل
الأديان كلها، وروي عن مقاتل: ((من الملل كلها)) لأنهم يتحازبون.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله وَله
قال: ((والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني،
ثم لا يؤمن بي إلا دخل النّار)).
﴿ فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ أي فلا تكن أيها المكلف السّامع في شكٌّ من أمر هذا
القرآن، فإنه حقّ من الله لا ريب ولا شكّ فيه، كما قال تعالى: ﴿الّمـ
تَنزِيلُ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (٤) [السجدة: ١/٣٢-٢].
والخطاب بقوله: ﴿فَلَا تَكُ﴾ للنّبيِ وَّرَ، والمراد جميع المكلفين.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أي ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بهذا القرآن،
كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
﴾ [يوسف:
١٠٣/١٢]، والسبب أن المشركين مستكبرون مقلّدون زعماءهم، وأن أهل
الکتاب حرّفوا دین أنبيائهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
أ - إن من تبيّن الرّشد والصّواب بالفطرة والعقل، واهتدى بنور الوحي
الإلهي فهو الذي يؤثر الآخرة على الدُّنيا، ولا يستوي إطلاقاً مع من آثر الدُّنيا
الفانية وزينتها الموقوتة على الآخرة الباقية الخالدة.
أَ - اليهود والنصارى المؤمنون بحقّ يؤمنون بما في التّوراة والإنجيل من
البشارة بالنَّبِي بَّله، وأما غير المؤمنين بحقّ، المتأخرون منهم أو من غيرهم،
فهم الذين موعدهم النّار، فمن يكفر بالقرآن أو بالنّبي عليه الصّلاة والسّلام،
من أهل الملل كلها أو أهل الأديان كلها، فهو من أهل النّار.

٣٥١
اِلُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ١٨ -٢٤
٣ - القرآن الکریم حقّ ثابت من عند الله، فلا یشگّنَّ أحد بذلك، وليبادر
إلى الإيمان بما جاء فيه. ولكن مع الأسف أكثر الناس لا يؤمنون به.
الكافرون والمؤمنون وجزاء أعمال كلّ منهم
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ
وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
١٩
١٨
أُؤْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةُ يُضَعَفُ
أُوْلَكَ الَّذِينَ
لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ
خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ
الْأَخْسَرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَبِّكَ أَصْحَبُ
٢٣
اُلْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ
٢٤
وَالسَّمِيعَ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَكَّرُونَ
القراءات:
يُضَعَفُ
:
قرئ:
١- (يُضَّعف) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر.
٢- (يضاعفُ) وهي قراءة الباقين.
﴿ نَذَّكَّرُونَ﴾
قرئ:

٣٥٢
إِلَزْعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٨ -٢٤
١- (تذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (تَذَّرون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ إما نعت للظالمين، وإما خبر لمبتدأ أي هم الذين.
﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوْ يُبْصِرُونَ﴾ ما: فيها ثلاثة أوجه:
أ - أن تكون ظرفية زمانية في موضع نصب بيُضاعف، وتقديره: يضاعف
لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والإبصار، أي أبداً، كقوله تعالى:
﴿خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧/١١] أي مدة دوام
السماوات والأرض، أي: أبداً.
ب - أن تكون في موضع نصب، على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره:
بما كانوا، فحُذف حرف الجر، فاتصل الفعل به.
جـ - أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، ومعناه لا يستطيعون السمع ولا الإبصار، لما
قد سبق لهم في علم الله تعالى.
﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿لَا جَرَمَ﴾ ردّ لكلامهم، وهو نفي لما ظنوا أنه ينفعهم. و﴿جَرَمَ﴾ فعل
ماض بمعنی گَسَب.
﴿أَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ في موضع نصب من وجهين: أحدهما -
تقديره: كَسَبَ ذلك الفعلَ لهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي كسبُ
ذلك الفعل الخسرانُ في الآخرة. وهذا قول سيبويه. والثاني - التقدير: لا صدّ
ولا منع عن أنهم في الآخرة، وحذف حرف الجر، فانتصب بتقدير حذف
حرف الجر، وهذا قول الكسائي.

٣٥٣
الُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٨ -٢٤
(مَثَلًا﴾ تمييز منصوب.
البلاغة:
ڪَاْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ تشبيه مرسل مجمل؛ لوجود أداة التشبيه وحذف
وجه الشبه، أي مثل الفريق الكافر كالأعمى والأصم في عدم البصر
والسمع، ومثل الفريق المؤمن كالسميع والبصير.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا أحد. ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشريك والولد
إليه . ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ في الموقف يوم القيامة مع جملة الخلق، بأن
يحبسوا وتعرض أعمالهم، والمراد: يحاسبهم ربهم. ﴿ اَلْأَشْهَدُ﴾ جمع شاهد
وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ، وعلى الكفار بالتكذيب . ﴿لَعْنَةُ اُللَّهِ﴾
اللعنة واللعن: الطرد من رحمة الله تعالى. ﴿يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يصرفون
عن دين الله: دين الإسلام. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون السبيل معوجة،
والعوج: الالتواء. ﴿هُمُ﴾ تأكيد للأولى. ﴿مُعْجِينَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي ما كانوا
معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم، ولا يمكنهم أن يهربوا من عذاب الله تعالى.
﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره.
﴿أَوْلِيَاءٌ﴾ أنصار يمنعونهم من عذابه أو عقابه، ولكنه أخر عقابهم إلى هذا
اليوم ليكون أشد وأدوم. ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ﴾ بإضلالهم غيرهم. ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ
السَّمْعَ﴾ للحق. ﴿وَمَا كَانُواْ يُصِرُونَ﴾ أي يبصرونه، لفرط كراهتهم له،
كأنهم لم يستطيعوا ذلك. ﴿خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.
﴿وَضَلَّ﴾ غاب. ﴿يَفْتَرُونَ﴾ على الله من ادعاء الشريك.
﴿لَا جَرَمَ﴾ حقاً. قال الفراء: إنها بمنزلة قولنا: لا بد ولا محالة، ثم كثر
استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقاً). تقول العرب: لا جرم أنك محسن، على
معنی: حقاً إنك محسن.

٣٥٤
إِلُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٨-٢٤
﴿ وَأَخْبَنُواْ﴾ خشعوا وسكنوا وأخلصوا لله تعالى، وأصل الإخبات: قصد
الخبت وهو المكان المطمئن المستوي. ﴿مَثَلُ﴾ صفة. ﴿اُلْفَرِيقَيْنِ﴾ الكفار
والمؤمنين. ﴿كَأَلْأَعْنَى وَالْأَصَمِّ﴾ هذا مثل الكافر، وتشبيهه بالأعمى لتعاميه
عن آيات الله، وبالأصم لعدم استماعه كلام الله تعالى وتدبر معانيه . ﴿ وَالْصِيرِ
وَالسَّمِيعِ﴾ هذا مثل المؤمن لتبصره بالقرآن وسماعه له سماع تدبر وإمعان،
فيكون كل واحد منهما مشبهاً باثنين . ﴿أَفَلَا نَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، أصله:
تتذكرون، فأدغم التاء في الذال.
المناسبة:
بعد أن تحدث القرآن عن فريقي الناس: وهما الذي يريد الدنيا وزينتها،
والذي يريد الآخرة، أبان حال كل من الفريقين في الدنيا والآخرة.
وكان القصد من آية ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾ ذم الحريصين
على الدنيا ونسيان الآخرة، والقصد من آية ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ،﴾
الردّ على منكري نبوة الرسول وَله والطعن في معجزاته، وأما المراد من آية
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ فهو الردّ على المشركين الذين
يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وهذا محض الافتراء على الله تعالى،
وهو داخل تحت عموم وعيد المفترين على الله تعالى.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى حال المفترين عليه ووصفهم بأنهم أظلم الناس، وفضيحتهم
في الآخرة أمام الخلائق كلهم، فيذكر أنه لا أحد أظلم لنفسه ولغيره ممن
اختلق الكذب على الله تعالى، في صفته أو حكمه أو وحيه، أو زعم وجود
شفعاء له بدون إذنه، أو اتخاذه ولداً من الملائكة كالعرب القائلين بأن الملائكة
بنات الله، واليهود القائلين بأن عزيراً ابن الله، والنصارى القائلين بأن المسيح
ابن الله.

٣٥٥
لُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٨ -٢٤
﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ﴾ أي أولئك المغرقون في الكفر والشرك والافتراء على
الله، يعرضون على ربهم أي يحاسبهم ربهم حساباً شديداً، ويقول الأشهاد من
الملائكة الأبرار: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم وافتروا عليه، فلعنة الله على
الظالمين، أي إنهم مطرودون من رحمة الله تعالى.
وبما أن العرض عام في كل العباد، فإن المراد به هنا عرض خاص وهو
العرض بقصد افتضاحهم، فيحصل لهم الخزي والنكال في أسوأ حال،
والعرض يكون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال، أو على من شاء الله
من الخلق بأمر الله تعالى، من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
والآية مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ
﴿﴿ يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
﴾ [غافر: ٤٠ /٥١-٥٢] .
وَلَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ
وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله والده
يقول في النجوى يوم القيامة: ((إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه
كَنَفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟
أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه
قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم
يعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين
كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين)).
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ إن هؤلاء الظالمين يردون الناس عن اتباع الحق والإيمان
والطاعة، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل، ويحولون بينهم وبين
الجنة، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي ويعدلون بالناس عن سبيل الله إلى المعاصي
والشرك، فهم يريدون أن يكون طريقهم عوجاً غير معتدلة، والحال أنهم
كافرون بالآخرة أي جاحدون بها مكذبون، وأعاد لفظ (هم) تأكيداً.

٣٥٦
لُجُزُ (١٢) - جُوٍّ: ١١ / ١٨ -٢٤
﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِرِينَ﴾ إن أولئك الظالمين الصادين عن سبيل الله لا
يعجزون ربهم أن يعاقبهم بالدمار والخسف كما فعل بغيرهم، بل هم تحت
قهره وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدنيا قبل الآخرة، وليس لهم
أنصار ينصرونهم من دون الله تعالى، ويحجبون عنهم العذاب، ويضاعف لهم
العقاب بسبب إضلالهم غيرهم، كما ضلوا بأنفسهم، وكانوا صُمّاً عن سماع
الحق، عمياً عن اتباعه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾
. [إبراهيم: ٤٢/١٤] وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
[النحل: ٨٨/١٦] وقوله
١٨٨
زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ
وَلو في الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)).
وعلة مضاعفة العذاب هي: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ
يُبْصِرُونَ﴾ أي لم يستمعوا إلى القرآن سماع تدبر واتعاظ، ولم يبصروا طريق الحق
والخير وينظروا إلى آيات القرآن وآيات الكون، الدالة على صدق الوحي، كما
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُوْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَعْلِبُونَ
﴾ [فصلت: ٢٦/٤١] وقال: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦/٦]
٢٦
فليس المراد نفي السمع والبصر، بل المقصود أنهم وإن كانوا يسمعون
ويبصرون في الظاهر، إلا أنهم ما استخدموا هاتين الحاستين استخداماً
صحيحاً في تلقي المعارف والمعلومات وتكوين العقيدة السليمة، ونظراً
لعنادهم وعتوهم وكراهتهم الحق والهدى، ما كانوا يطيقون سمع آيات القرآن
والتبصر بآيات الكون.
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ﴾ أي أولئك الموصوفون بالأوصاف السابقة خسروا
أنفسهم؛ لأنهم أدخلوا ناراً حامية يتزايد سعيرها، كما قال تعالى: ﴿مَّأْوَهُمْ

٣،٧
الُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ١٨ -٢٤
كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧/١٧] ولا موت ولا حياة
جَهَنَمُ
فيها.
وضلَّ عنهم أي ذهب عنهم الذي كانوا يفترونه من دون الله من الأنداد
والأصنام، فلم تُجْدِ عنهم شيئاً، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا.
• [الأحقاف: ٦/٤٦] وقال
حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَهُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
كَلَأَ سَيَكْفُرُونَ
٨١
سبحانه: ﴿وَأَتَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّا
بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدَّا (ج﴾ [مريم: ٨١/١٩-٨٢].
﴿لَا جَرَمَ﴾ حقاً إنهم في الآخرة أخسر الناس صفقة؛ لأنهم استبدلوا بنعيم
الجنان ودرجاتها عذاب جهنم ودركاتها، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم
آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم، وعن الحور العين بطعام من .
غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن بغضب الديان
وعقابه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بعد أن ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه
بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا في الدنيا الأعمال
الصالحة، فآمنت قلوبهم، وثابروا على الطاعات وترك المنكرات، وخشعوا لله
وأنابوا إليه، فلهم جنات العُلا ذات النعم التي لا تعد ولا تحصى، من كل ما
لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون فيها،
ماكثون فيها على الدوام، لا يموتون ولا يهرمون، ولا يمرضون، ولا يخرج
منهم مستقذر، وإنما هو رشح مسك يعرفون به.
ثم ذكر الله شبه الكافرين والمؤمنين وضرب مثلاً لكليهما فقال: ﴿مَثَلُ
اُلْفَرِيقَيْنِ﴾ أي مثل الفريقين المذكورين اللذين وصفا سابقاً وهم الكفار
بالشقاء، والمؤمنون بالسعادة، كمثل الأعمى والأصم، والسميع والبصير؛
الكافر مثل الأعمى؛ لتعاميه عن وجه الحق في الدنيا والآخرة، وعدم اهتدائه

٣٥٨
لِلُُّ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٨ -٢٤
إلى الخير وعدم معرفته إياه، ومثل الأصم؛ لعدم سماعه الحجج، فلا يسمع ما
ينتفع به؛ والمؤمن مثل متفتح السمع والبصر، لاستفادته بما يسمع من
القرآن، ويرى في الأكوان. والسمع والبصر وسيلتا العلم والهدى، وطريقا
تكوين العقل.
لا يستوي هذا وذاك صفة وحالاً ومآلاً، أفلا تذكرون أي تعتبرون،
فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء، وكيف لا تميزون بين هذه الصفات المتباينة؟!
كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
﴾ [الحشر: ٢٠/٥٩] وقال سبحانه: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
اُلْفَآيِزُونَ
وَلَا أَلِظِلُّ وَلَ اْخَرُورُ ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَيّةُ
وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ
(٢٢) ﴾ [فاطر:
وَلَ اُلْأَمْوَتُّ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِىِ الْقُبُورِ
١٩/٣٥-٢٢] واستعمال: ﴿أَفَلَا نَذَكَرُونَ﴾ تنبيه على أنه يمكن علاج هذا العمى
وهذا الصمم ..
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
اً - لا أحد أظلم لأنفسهم من الذين افتروا على الله كذباً، فنسبوا كلامه
إلى غيره، وزعموا أن له شريكاً وولداً، وقالوا للأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند
الله.
اً - ينادى بالكفار والمنافقين على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على
الله، ألا لعنة الله على الظالمين، أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين
وضعوا العبادة في غير موضعها.
والأشهاد المنادون بذلك: هم الملائكة، أو الأنبياء والمرسلون، والعلماء
الذين بلّغوا الرسالات.
:

٣٥٩
◌ِلُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٨-٢٤
٣ - إن سبب اللعنة على الظالمين وطردهم من رحمة الله إنما هو صدّ أنفسهم
وغيرهم عن الإيمان والطاعة لله تعالى، وعدولهم بالناس عن سبيل الله إلى
المعاصي والشرك، وكفرهم وجحودهم بالآخرة.
٤ - الظالمون وغيرهم لا يعجزون الله بعقابهم في الدنیا، ولا يقدرون على
الإفلات من سلطان الله وقدرته وخسف الأرض بهم، وليس لهم أنصار
ينصرونهم من دون الله تعالى، وعقابهم مضاعف على قدر كفرهم ومعاصيهم
بسبب إضلالهم غيرهم، وبسبب تعطيلهم قدرات السمع والبصر في استماع
الحق وإبصاره.
۵ - هؤلاء الظالمون خسروا أنفسهم وضاع عنهم افتراؤهم، وتبدد کل ما
تعلقوا به من آمال خاسرة، وهم حقاً في الآخرة أخسر الناس صفقة؛
لاستبدالهم بنعيم الجنة عذاب جهنم.
٩ - المؤمنون المصدقون بالله ورسوله، العاملون الصالحات، الخاشعون
الخاضعون المنيبون لربهم، هم أصحاب الجنة الماكثون فيها أبداً.
لاً - لا تساوي إطلاقاً بين المؤمنين والكافرين، كما لا تساوي بين
الأعمى والبصير، ولا بين الأصم والسميع، أفلا تنظرون في الوصفين
وتتعظون وتعتبرون؟!
والخلاصة: إن الله تعالى وصف السعداء أهل الجنة بصفات ثلاث هي:
الإيمان، والعمل الصالح، والخشوع إلى الله تعالى؛ ووصف الأشقياء المنكرين
الجاحدين أهل النار بأربع عشرة صفة هي:
١ - كونهم مفترين على الله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَهُ مِعَنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ﴾.
٢ - إنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال:
﴿ أُوْلَكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾.

٣٦٠
لِلُحُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ١٨-٢٤
٣ - حصول الخري والنكال والفضيحة العظيمة لهم: ﴿ وَيَقُولُ اُلْأَشْهَدُ
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ﴾.
٤ - كونهم ملعونين من عند الله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
٥ - كونهم صادّين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق: ﴿الَّذِينَ يَصُدُونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
٦ - سعيهم في إلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة: ﴿وَيَبْغُونَهَا
عِوجًا﴾.
٧ - كونهم كافرين: ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾.
٨ - كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ
فِىِ الْأَرْضِ﴾.
٩ - إنهم ليس لهم أولياء يدفعون عنهم عذاب الله، فليست أصنامهم
شفعاء عند الله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةٌ﴾.
١٠ - مضاعفة العذاب لهم، لسعيهم في الإضلال ومنع الناس عن الدين،
مع ضلالهم الشديد: ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ﴾.
١١ - تعطيلهم وسائل الإيمان والمعرفة والاعتقاد الصحيح: ﴿مَا كَانُواْ
يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُصِرُونَ﴾.
١٢ - كونهم خاسرين أنفسهم لاشترائهم عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوّاْ أَنْفُسَهُمْ﴾
١٣ - غيبة افترائهم وذهابه عنهم بحيث لم يعودوا يتنبهون لضلالهم:
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.