Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
لُزُ (١٢) - جُوّدٍ: ١/١١-٤
المغفرة وهي الستر، والتوبة: الانسلاخ من المعاصي، والندم على ما سلف
منها، والعزم على عدم العود إليها، والمعنى: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا
إليه بالطاعة. ومن قال: الاستغفار توبة، جعل قوله: ﴿ثُمَّ تُوبُواْ﴾ بمعنى
أخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والعبادة.
﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في
العمل جزاء فضله لا يبخس منه.
والتمتيع في الدنيا والثواب في الآخرة جمع بين الجزاءين، إلا أن جزاء
الدنيا موقوت محدود، وجزاء الآخرة دائم مطلق غير مقيد بشيء. وفي هذا
دلالة على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه تعالى، وليس إلا
بإيجاده وتكوينه وإعطائه، كما أن فيه إشارة إلى أن ثواب الدنيا لمجموع الناس،
لا لكل فرد فرد، وأما جزاء الآخرة فمخصوص بكل فرد على حدة.
ومن عادة القرآن أن يذكر الشيء وفائدته للترغيب فيه، ثم يذكر مقابله
للترهيب والتهديد، والتنفير، فقال تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي وإن أعرضتم عما
دعوتكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، فإني أخشى عليكم عذاب يوم
كبير هو يوم القيامة، وصف بالكبر لما فيه من الأهوال، كما وصف بالعظم
والثقل والشدة والألم، لما فيه من العظائم والشدائد والأثقال والآلام.
ثم بيَّن عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء، ومنه
العذاب والثواب، أي أن معادهم يوم القيامة، إلى الله القادر على ما يشاء من
إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة. ولفظ
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره.
وهذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذَّب رسله، فإن العذاب
يناله يوم القيامة، لا محالة. وهو ترهيب يقابل الترغيب السابق.
٣٢٢
لِلْزُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١-٤
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - آيُ القرآن الكريم محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل، منظمة بنظم
محكم اللفظ والمعنى، لا تناقض فيها ولا اضطراب، مفصلة تفصيلاً تاماً
شاملاً جميع الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها، فهي كاملة
الصورة والمعنى، محققة للمصالح البشرية في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿الَّذِى
حَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ دليل على وجود الصانع الخالق.
أَ - دعوة القرآن صريحة تتجه نحو تحقيق العبودية للخالق المنعم المتفضل،
وتخصيصه وإفراده بالعبادة، دون أي أحد سواه، فالآية مشتملة على الأمر
بعبادة الله، ومنع عبادة غير الله.
٣ - وظيفة الرسول وهل هي الإنذار والتخويف لمن عصاه بالعذاب،
والتبشير بالرضوان والجنة لمن أطاعه.
٤ - واجب الإنسان الاستغفار، أي طلب المغفرة من الشرك والذنوب،
والتوبة والإنابة إلى الله بالطاعة والعبادة، فمعنى قوله ﴿ثُبُواْ﴾ ارجعوا إليه
بالطاعة والعبادة. قال بعض الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع عن الذنب توبة
الكذابين.
٥ - إن ثمرة الاستغفار والتوبة وهي الفضل الإلهي على الإنسان المؤمن
الطائع أمر عظيم واسع شامل الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تمتيع إلى نهاية العمر
المقدر بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، وعدم الاستئصال بالعذاب كما
فعل بمن أهلك من الأمم السابقة، فالمتاع الحسن: وقاية من كل مكروه وأمر
تُخُوف، واستمتاع بطيبات الحياة. وفي الآخرة إيتاء كل ذي عمل من الأعمال
الصالحة جزاء عمله. ودلت الآية على أن لكل إنسان أجلاً واحداً فقط.
٣٢٣
◌ِلُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ٥/١١
٩ - مرجع أو معاد الخلائق جميعاً بعد الموت إلى الله تعالى القادر على كل
شىء من ثواب وعقاب. وهذا ترهيب بعد الترغيب السابق.
إعراض الكفار عن الحق
﴿ أَلَاَ إِنَهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا
يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
۵
البلاغة:
﴿مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾ يعرضون عن الحق، ويطٍوون صدورهم على مافيها من
حقد وحسد وعداوة النبي ◌ُِّ ﴿ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ أي يحاولوا الخفاء من الله أو
ليتواروا عن محمدٍ ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يتغطون بها ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ﴾ في
ج
قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في أفواههم، فالله تعالى يستوي في علمه سرهم وعلنهم،
فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بالأسرار
ذات الصدور، أو بالقلوب وأحوالها.
سبب النزول:
روى البخاري عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾ قال:
كان أناس يستحيون أن يتخلوا، فيفضوا بفروجهم إلى السماء، وأن يجامعوا
نساءهم، فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. أي كانوا يكرهون أن يستقبلوا
السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية، أي في المسلمين.
وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن شداد قال: كان أحدهم إذا مرّ
بالنبي ◌ّ﴾ ثنى صدره لكيلا يراه، فنزلت.
٣٢٤
لُهُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٥
وقيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إذا أرخينا ستورنا،
واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم؟
وذكر الواحدي والقرطبي: أنها نزلت في الأخنس بن شرِيق، وكان رجلاً
حُلْو المنطق، يلقى رسول الله وَلقوله بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء.
والظاهر لي أن الآية في إعراض الكفار عن الحق، بدليل ما قبلها وما
بعدها.
المناسبة:
بعد وصف حالة الكفار وبيان أنهم إن أعرضوا عن عبادة الله وطاعته،
تعرضوا لعذاب يوم كبير، بَيَّن الله تعالى أن التولي عن ذلك باطناً أو سراً
كالتولي عنه ظاهراً، وأن إعراضهم متصف بالحيرة والجهل.
التفسير والبيان:
ألا إن الكفار أو المشركين حين يسمعون الدعوة إلى الله، يعرضون عن
النبي ◌َّ بصدورهم، كيلا يراهم النبي ◌َّر، ولا يراهم أحد، إمعاناً في العناد
((ألا ) للتنبيه.
والكفر. وقوله:
ألا حين يستغشون ثيابهم ويغطون بها رؤوسهم، ليستخفوا أو يتواروا من
محمد أو من الله، يظنون أن الله لا يراهم، مع أن الله يعلم ما يسرون في
قلوبهم، وما يعلنون بأفواههم، ويعلم ما يسرون ليلاً، وما يظهرون نهاراً.
وكرر ﴿أَلَا﴾ للتنبيه على وقت استخفائهم. وعود الضمير إلى الله أولى،
لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
إن الله عليم بالأسرار التي هي ذات الصدور، وبخواطر القلوب، فليحذر
من يظن أن أسراره خفية على الله، وليعلم أن الله مطلع على كل شيء في
٣٢٥
إِلٌحُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٦-٧
الوجود، وما تنطوي عليه النفوس من شكوك وأوهام، ویجازي كل إنسان بما
أسر وأعلن.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على تصميم الكفار في إعراضهم عن سماع القرآن، ودعوة النبي
* إلى الإيمان برسالته، وأنهم بهذا الإعراض أغبياء جاهلون. ودلت أيضاً
على أنه لا فائدة في استخفائهم وتواريهم عن الله أو عن محمد وه لة؛ لأن الله
مطلع على كل شيء في الوجود من النيات والضمائر والسرائر، ومن الأقوال
والأفعال العلنية، يستوي علمه بالسر مع علمه بالجهر، ولا تفاوت في علمه
بين إسرارهم وإعلانهم.
فضل الله وعلمه وقدرته
﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَفَرَهَا وَسُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ
﴿ وَهُوَ الَّذِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ
فِي كِتَبٍ مُبِينٍ
وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلٌ وَلَيِنِ قُلْتَ إِنَّكُمْ
مَبْعُونُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
القراءات:
﴿سِحْرٌ﴾:
قرئ:
١- (ساحر) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (سحر) وهي قراءة الباقين.
٣٢٦
لِلْزَعُ (١٢) - جُورٍ: ١١ / ٦-٧
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ﴾: ﴿مِن﴾: زائدة، والدّابة في اللغة: كل ما يدبّ على
الأرض، زحفاً على بطنه أو مشياً على قوائمه. وإطلاق الدّابة على الخيل
والبغال والحمير إطلاق عرفي . ﴿رِزْقُهَا﴾ غذاؤها ومعاشها، لتكفله إياها
تفضّلاً ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب بهذا التّعبير تحقيقاً لوصوله وضمانه
وحملاً على التّوكل فيه .﴿مُسْنَقَرَهَا﴾ مكانها من الأرض ومسكنها.
﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ما كانت مودعة فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو
بيضة، والمراد بالمستقر والمستودع: أماكن الحياة والممات، أو الأصلاب
والأرحام . ﴿كُلِّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾ كل مما ذكر، أي كل واحد من الدّواب
وأحوالها ورزقها ومستقرّها ومستودعها مذكور في اللوح المحفوظ، مكتوب فيه
مبيَّن، والمراد بالآية كونه عالماً بالمعلومات كلها، وكونه قادراً على الممكنات
بأسرها، لتقرير التوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد.
﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ أي وكان عرشه قبل خلق السماوات
والأرض على الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل
السماوات والأرض. وليس المعنى على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر،
وإنما كقوله: السماء على الأرض. والماء أول حادث بعد العرش من أجرام
هذا العالم. والعرش: مركز التنظيم للملك ومصدر التدبير، وهو أعظم من
السماوات والأرض.
◌ِيَبْلُوُكُمْ﴾ متعلِّق بخلق، أي خلق ذلك لحكمة بالغة هي أن يعاملكم
معاملة المبتلي لأحوالكم المختبر لأوضاعكم كيف تعملون. والابتلاء: الاختبار
والامتحان .﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي أطوع لله، وأعمال المؤمنين هي التي
تتفاوت إلى حسن وأحسن، وأما أعمال الكافرين فتتفاوت إلى حسن وقبيح.
﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ما هذا القرآن الناطق بالبعث، والذي تقوله يا
محمد إلا سحر، أي تخييل وتمويه، ◌ُبِينٌ﴾ أي بيِّن ظاهر البطلان. ويجوز
٣٢٧
لِلُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١/ ٦-٧
تضمين ﴿قُلْتَ﴾ معنى ذكرت. ومعنى قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أن
السحر أمر باطل، وأن بطلانه كبطلان السحر، تشبيهاً له به.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى في الآية السابقة أنه ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أردفه
بما يدلّ على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، قادراً على كل شيء،
فهو الخالق والرّازق والعالم بأحوال البشر، والباعث لهم بعد الموت، فالبعث
واقع لا محالة.
التفسير والبيان:
ما من نوع من أنواع دواب الأرض أو البحر أو الجوّ إلا على الله رزقها
ومعيشتها وغذاؤها المناسب لها، المعدّ لطعامها بعد البحث والحركة والعمل،
ويعلم مستقرّها ومستودعها، أي يعلم منتهى سيرها في الأرض حيث تأوي
إليه وهو مستقرّها، والموضع الذي تأوي إليه من وكرها، ومكان موتها
ودفنها، وهو مستودعها، وهذا يشمل بداية تكوينها ووجودها في الأصلاب
والأرحام وأيام الحياة والممات.
وكل ما ذكر من كل الدّواب وأرزاقها ومستقرّها ومستودعها ثابت مكتوب
في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع مقادير الخلق.
وهذا دليل على أن الله تعالى متكفل بأرزاق المخلوقات كلها، وقد أوجب
ذلك على نفسه بكلمة ﴿عَلَى﴾ المفيدة للوجوب تفضُّلاً منه ورحمة، إلا أن الرّزق
بمقتضى سنّته تعالى في الكون خاضع لمبدأ ارتباط الأسباب بالمسببات، أي أن
الحصول على الرّزق مرتبط بالسّعي والعمل، بعد توافر الإلهام المودع في
الخلائق، وهدايتهم إلى الطّلب والتّحصيل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى
كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠/٢٠].
٣٢٨
الُجُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٦-٧
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ
أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ
[الأنعام: ٣٨/٦]، وقوله تعالى:
وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى
[الأنعام: ٥٩/٦] .
◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُِّنٍ
وبعد أن أثبت تعالى بالدليل المتقدم كونه عالماً بالمعلومات، أثبت بكونه
خالقاً السماوات والأرض كونه تعالى قادراً على كل المقدورات، وفي الحقيقة
كل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته، فقال
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾.
أي إنه تعالى يخبر عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق أو أبدع وكوَّن
السماوات والأرض في ستة أيام من أيام الله في الخلق والتکوین، لا کأيامنا
الحالية، وهو الظاهر بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلَّفِ سَنَةٍ
مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ [الحج: ٤٧/٢٢] وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ
وُ
كَانَ مِقَدَارٌ
﴾ [المعارج: ٤/٧٠]. ويقدر علماء الفلك اليوم
خْمَسِينَ ألْفَ سَنَّةٍ
من أيام التكوين بألوف الألوف من سنوات الدنيا.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ العرش: أعظم المخلوقات، ولا نعلم حقيقته
وإنما نؤمن به كما أخبر عنه تعالى، وأما استواؤه عليه، فالاستواء معلوم
والكيف مجهول، كما روي عن أم سلمة رضي الله عنها ومالك وربيعة. وهذه
الآية تدل على كيفية بدء الخلق قبل أن يخلق الله السماوات والأرض، وعلى
أن العرش والماء كانا قبل السماوات والأرض، وأن العرش كان قبل أن يخلق
شيئاً، وأن ما تحت العرش هو الماء أصل المادة الحية، كما قال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ
يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ كَانَا رَتْفًا فَفَنَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ
كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ
﴾ [الأنبياء: ٣٠/٢١] وهذا ما يسميه علماء الفلك
بنظرية السديم، ويعبر عنها القرآن بالدخان، أو الماء أو متن الريح.
٣٢٩
إِلُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٦-٧
ثم ذكر تعالى علة الخلق العجيب بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
أي خلق السماوات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به
شيئاً، ولم يخلق ذلك عبثاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: ٥٦/٥١] وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا
٥٦
[6])﴾ [المؤمنون: ١١٥/٢٣].
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
والتكليف بالعبادة والطاعة واجتناب المعاصي للاختبار والامتحان،
ومعرفة الأحسن عملاً: وهو العمل الخالص لله عز وجل، القائم على أساس
شريعة الله، فإذا فقد العمل أحد هذين الشرطين حبط وبطل، فمن شكر
وأطاع أثابه الله، ومن كفر وعصى عاقبه. ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم، كيف تعملون.
وبما أن للابتلاء والاختبار ثمرة، فلا بُدَّ من حصول الحشر والنشر،
المقتضي تخصيص المحسن بالرحمة والثواب، وتخصيص المسيء بالعقاب، ولا بد
للعاقل من الاعتراف بالمعاد والقيامة، لذا قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ قُلْتَ إِنَّكُمْ
مَبْعُوثُونَ﴾.
والمعنى ولئن أقمت يا محمد الأدلة على البعث بعد الموت، وذكرت ذلك
للمشركين، لقال الكافرون: هذا سحر، أي غرور باطل؛ لأن السحر في
مفهومهم باطل. ومعنى الجملة: ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن
لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - تكفل الله بأرزاق المخلوقات، وضمنها لهم تفضلاً من الله تعالى لهم،
ورحمة بهم. وهذا دليل على اتصافه تعالى بالعدل والرحمة. ولكن الرزق مرتبط
٣٣٠
الُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٦-٧
بالسعي والكسب والعمل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
)) [الملك: ٦٧ /١٥] .
١٥
ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُوْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ اُلُّشُورُ
أَ - علم الله عز وجل محيط شامل بكل مخلوقات الأرض ودوابها البرية
والبحرية والجوية، بدءاً من وجود مادتها في الأصلاب والأرحام، إلى
ظهورها في ساحة الحياة الحركية، إلى تنقلاتها وتحركاتها ومسيرها حيث تأوي
إليه، وإلى الموضع الذي تموت فيه فتدفن.
◌َّ - الله خالق السماوات والأرض ومابينهما من كائنات حية، وهاتان
الآيتان: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ﴾ و﴿وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ تدلان على
كمال علم الله تعالى وكمال قدرته.
٤ - العرش مع كونه أعظم من السماوات والأرض كان على الماء. والله
تعالى أمسك الماء لا على قرار، والعرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه
الله تعالى فوق سبع سماوات، من غير دعامة تحته، ولا عُلاقة فوقه.
5 - الله خلق السماوات لابتلاء واختبار المكلف، وهذا يقتضي أن الله
تعالى خلق هذا العالم الكبير لمصلحة المكلفين.
٩ - الواجب قطعاً وعقلاً حصول الحشر والنشر، والاعتراف بالمعاد
والقيامة، لإقامة العدل بين الخلائق، وللجزاء الذي يميز بين المحسنين
والمسيئين، فيجازَى المحسن بالثواب والرحمة، والمسيء بالعقاب والعذاب.
٣٣١
الُعُ (١٢) - جُود: ١١ / ٨-١١
موقف الإنسان المؤمن والكافر عند النعمة والنقمة
﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىّ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُيَ مَا يَحْبِسُهُ: أَلَا يَوْمَ
وَلَبِنْ أَذَقْنَا
بأَنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ
اُلْإِنِسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَتُوسُ كَفُورُ
وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ
٩
نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرٌِ فَخُورُ
الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَتِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
القراءات:
﴿ يَأْنِهِمْ﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (ياتيهم).
﴿عَنِىَّ إِنَّهُ﴾ :
وقرأ نافع، وأبو عمرو (عّ).
الإعراب:
﴿وَلَيْنْ أَخَّرْنَا﴾ اللام للقسم، والجواب: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾
﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَا﴾ اللام في ﴿وَلَيِنْ﴾ موطئة لقسم مقدَّر، وليست جواباً
للقسم، وإنما جوابه قوله: إنه ليؤوس كفور. وأغنى جواب القسم عن جواب
الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَىَ أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ
هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ،﴾ [الإسراء: ٨٨/١٧] فرفَع ﴿لَا يَأْتُنَ﴾ على أنه جواب
القسم الذي هيأته اللام، وتقديره: والله لا يأتون. ولو كان جواب الشرط،
لكان مجزوماً، فلما رفع دل على أنه جواب القسم، واستُغني به عن جواب
الشرط.
٣٣٢
الزُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٨-١١
﴿أَلَا يَوْمَ﴾ منصوب بخبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم عليه، وهو دليل على جواز تقديم
خبرها عليها.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ في موضع نصب على الاستثناء من: ﴿اُلْإِنسَنَ﴾؛ لأن
المراد به الجنس المفيد للاستغراق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾﴾ [العصر: ٢/١٠٣-٣]. وقوله: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِِّ، لَكَنُورٌ
﴾ [العاديات: ٦/١٠٠]. و﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْغَى﴾ [العلق: ٦/٩٦]. وقيل: هو
استثناء منقطع.
﴿أُوْلَتِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ وخبر.
البلاغة:
﴿لَيَّتُوُسُ كَفُورُ﴾ من صيغ المبالغة، أي شديد اليأس، كثير الكفران.
﴿نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَآءَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ إِلَّ أُمَّةٍ﴾ المراد: إلى أجل معلوم، أي إلى مجيء أوقات أمة. والأمة في
الأصل: الجماعة من جنس واحد، مثل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ
أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣/٢٨]، وقد تطلق على الدين والملة،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىَّ أُمٍَّ﴾ [الزخرف: ٢٢/٤٣] وقد تطلق
على الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ
كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠/١٦] وقد تطلق على الزمن، كما في قوله تعالى:
﴿ وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥/١٢] وكما هنا. وأما أمة الأتباع فهم المصدقون
للرسل، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠/٣].
وفي الصحيح: ((فأقول: أمتي أمتي)).
٣٣٣
الزُُّ (١٢) - جُوٍّ: ١١ / ٨-١١
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ استهزاء ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾ ما يمنعه من النزول ﴿مَصْرُوفًا﴾
قلے
مدفوعاً ﴿وَحَاقَ﴾ نزل بهم العذاب ﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ﴾ المراد بالإذاقة
هنا: الإعطاء القليل. والمراد بالإنسان هنا: الكافر أو مطلق الإنسان
﴿رَحْمَةً﴾ غنى وصحة ﴿نَزَعْنَهَا﴾ سلبناها إياه ﴿لَيَّئُوسُ﴾ شديد اليأس من
عود تلك النعمة، قنوط من رحمة الله ﴿كَفُورٌ﴾ شديد الكفر به.
﴿نَعْمَآءَ﴾ هي النعمة والنُّعمى: وهي الخير والمنفعة من صحة وغنى،
ويقابلها: الضراء والضُّر: وهو الألم من فقر وشدة ﴿السَّبِّئَاتُ﴾ المصائب
﴿لَفَرِحٌ﴾ بطِر مغتر بالنعمة ﴿فَخُورُ﴾ متعاظم على الناس بسبب النعم
﴿صَبَرُواْ﴾ على الضراء إيماناً بالله تعالى واستسلاماً لقضائه ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ في النعماء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنة.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول و ◌َله بقولهم: ﴿إِنْ
هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ حكى عنهم في الآية الأولى: ﴿وَلَيِنْ أَخَّرْنَا﴾ نوعاً آخر
من أباطيلهم، وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم به الرسول
وَالية، أخذوا في الاستهزاء، وقالوا: ما سبب حبسه عنا؟
وبعد أن ذكر أن عذاب الكفار، وإن تأخر، فلابد من مجيئه، ذکر بعده ما
يدل على كفرهم واستحقاقهم لذلك العذاب، وهو سوء طبع الإنسان، ففي
حال النعمة يبطر ويتفاخر، وفي حال الضر يجحد وييأس من رحمة الله، إلا من
صبر وشكر وعمل صالحاً.
التفسير والبيان:
والله لئن أخرنا العذاب عن الكفار أو المشركين، بعد أن توعدهم به
الرسول وَه، إلى حين من الزمان، على وَفْق سنتنا وحكمتنا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ
٣٣٤
الزُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨-١١
كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨/١٣] لقالوا استهزاء وتكذيباً واستعجالاً: ما يحبسه؟ أي
ما الذي يؤخر هذا العذاب عنا؟ ومعنى ﴿إِلَى أَمَّةِ﴾ إلى أجل معلوم وحين
معلوم.
فأجابهم الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب
الذي کانوا یستهزئون به، لم يصرفه عنهم صارف، وسیحیط بهم حينئذ من كل
جانب، جزاء بما كانوا يستهزئون به من العذاب قبل وقوعه، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ
٤٨﴾ [الطور: ٧/٥٢-٨] والمضاف
ـ) مَّا لَهُ مِن دَافِعِ
الذي هو جزاء محذوف.
٠
ثم أخبر الله تعالى عن صفات الإنسان الذميمة إلا من رحم الله من عباده
المؤمنين: أنه إذا أعطاه الله نعمة من صحة ورزق وأمن وولد بارّ، رحمة منه،
ثم سلبه تلك النعمة، وأبدله بها نقمة من مرض أو فقر أو خوف أو موت أو
كارثة، أضحى شديد اليأس من رحمة ربه، كثير الكفر والجحود للماضي ولما
عليه من نعم أخرى، فهو قانط بالنسبة إلى المستقبل، جاحد لماضي الحال كأنه
لم ير خيراً، ولما عليه الآن من النعم، وذلك لعدم التزامه بفضيلة الصبر
والشكر.
وإن أعطاه الله نعمة من بعد ضراء، كشفاء من مرض، وقوة من بعد
ضعف، ويسر من بعد عسر، لقال: ذهب ماكان يسوءُني من المصائب، ولن
ينالني بعد اليوم ضيم ولا سوء، وأصبح شديد الفرح والبطر بتلك النعمة أو
بما في يده، متفاخراً متعاظماً على غيره، محتقراً من دونه.
فهو في موقفه هذا لا يقابل النعمة بالشكر عليها، بل يبطر ويفخر على
الناس، ولا يواسي البائس الفقير.
ويلاحظ أنه عبر في حال النغمة بقوله: ﴿أَذَقْنَا﴾ والذوق: إدراك الطعم،
ليدل على التمتيع بالنعمة بأقل أوصافها، وفي حال الضراء بقوله: ﴿مَسَّتْهُ﴾
والمس: مبدأ الوصول، ليشعر بأن الضر في أقل مرتبة من الإصابة.
٣٣٥
لُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٨-١١
وهناك مقابلة بين التعبير بـ ﴿أَذَقْنَا﴾ الذي يفيد اللذة والاغتباط، وقوله:
﴿نَزَعْنَهَا﴾ الذي يفيد شدة تعلقه بالنعمة والحرص عليها.
وكل هذا يدل على أن في الإنسان طبائع سيئة وأمراضاً فتاكة وهي اليأس
من رحمة الله والكفر بنعمته، والبطر والفخر والتكبر، ولا علاج لها إلا بالصبر
والإيمان والرضا بالقضاء والقدر.
والمراد بالإنسان مطلق الإنسان بدليل استثناء الصابرين الذين يعملون
الصالحات منه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ والاستثناء يخرج
من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن المقصود بالإنسان المؤمن والكافر.
وحينئذ يكون الإنسان شاملاً المؤمن والكافر، والاستثناء متصل، قال
القرطبي: وهو حسن.
وفي قول آخر: إن المراد منه الكافر، حملاً على المعهود السابق في الآية
المتقدمة وهو الكافر، ولأن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق
إلا بالكافر، وهي صفات: اليؤوس، والكفور، وقوله: ذهب السيئات عني،
والفرح، والفخور، وتلك هي صفات الكافرين، وليست من صفات أهل
الدين، وحينئذ يجب حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع، حتى لا تلزم هذه
المحذورات.
ثم استثنى الله تعالى من جنس الإنسان الصابرين العاملين الصالحات
بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾.
أي إلا الذين صبروا على الشدائد والمكاره كالجهاد والفقر والمصيبة،
وعملوا الصالحات أي الأعمال الطيبة المفيدة في حال الرخاء أو النعمة
والعافية، كأداء الفرائض وشكر النعمة وأعمال البر والخير والإحسان
للناس، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، أولئك لهم مغفرة لذنوبهم بعملهم
الصالح أو بما يصيبهم من الضراء، وأجر كبير في الآخرة على ما عملوا من بر
وخير وما أسلفوا في زمن الرخاء، أقله الجنة.
٣٣٦
لِلُزْعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٨-١١
وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿ وَاَلْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَفِى خُسْرِ ﴿٣) إِلَّا
(+)) [العصر:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
١/١٠٣-٣] والحديث النبوي الثابت: ((والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمنَ هَمّ
ولا غم ولا نصَب، ولا وصب(١)، ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر
الله بها من خطاياه)) وفي الصحيحين: ((والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن
قضاءً إلا كان خيراً له: إن أصابته سراءُ فشكر، كان خيراً له، وإن أصابته
ضرّاءُ فصبر، كان خيراً له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن)).
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
اً - أقسم الله تعالى على أن كل عذاب أوعد الله أو الرسول به الكفار آتٍ
لا ريب فيه، ولا يصرفه عنهم صارف، وهو نازل محيط بهم، جزاء ما كانوا
به يستهزئون. والمراد من العذاب إما عذاب الدنيا وهو عذاب الاستئصال أو
الهزيمة الساحقة في معركة فاصلة كمعركة بدر، وإما عذاب الآخرة. وأخبر
تعالى عن أحوال القيامة بلفظ الماضي: ﴿وَحَاقَ﴾ مبالغة في التأكيد والتقرير.
٣ - وأقسم عز وجل أيضاً على أن الإنسان (وهو اسم شائع للجنس في
جميع الناس، أو الكفّار) إن وجد أقل القليل من الخيرات العاجلة وهو الإذاقة
والذوق (وهو أقل ما يوجد به الطعم) يقع في التمرد والطغيان، وإن أدرك
أقل القليل من المحنة والبلية، يقع في اليأس والقنوط والكفر. واليؤوس: من
الرحمة، والكفور للنعم: الجاحد لها، وكلاهما من صيغ المبالغة، يراد به
التكثير، كفخور للمبالغة.
(١) النَّصَب: التعب، والوصب: المرض.
٣٣٧
لُرُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٨-١١
وتفسير هذه الظاهرة: هوأن الكافر يعتقد أن سبب حصول تلك النعمة
مصادفة ومجرد اتفاق. وأما المسلم فيعتقد أن تلك النعمة من الله تعالى وفضله
وإحسانه، فلا يحصل له اليأس، ويأمل خيراً منها، ويصبر على فقدها كما قال
[القلم: ٣٢/٦٨]
تعالى: ﴿عَسَى بَيَُّآَ أَنْ يَبْدِلْنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِنَا رَعِبُونَ ()
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧/١٢]
◌ًّ - وأقسم تعالى ثالثاً على أن الإنسان إن أمدَّه الله بنعمة كالصحة والرخاء
والسعة في الرزق، بعد ضر مسّه كالفقر والشدة، قال: ذهب السيئات عني
أي المصائب التي تسوء صاحبها من الضر والفقر، وهو فرح (بطر) فخور
(متعال على الناس) بما ناله من السعة، وينسى شكر الله عليه.
وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم
والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، كما قال البيضاوي.
٤ - استثنى الله تعالى من أوصاف الإنسانِ الذميمة وأحواله حالة المؤمنين
الذين يصبرون على الشدائد والمكاره، ويكونون عند الرخاء والسعة من
الشاكرين، ويعملون الأعمال الطيبة الخيّرة في الدنيا، فهؤلاء لهم من الله
مغفرة على ما صبروا على عمل الخير وحال المصاب، ولهم ثواب كبير أقله
الجنة. وهذا جمع بين المطلوبين: زوال العقاب والخلاص منه، وهو المراد من
قوله ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ والفوز بالثواب، وهو المراد من قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
وهذا دليل على إعجاز القرآن لا بألفاظه فحسب، بل بمعانيه أيضاً.
أما الكافر عند البلاء فلا يكون عادة من الصابرين، وعند الفوز بالنعمة لا
يكون من الشاكرين؛ لأن الشكر الحقيقي لا يكون إلا بالإيمان بالمنعم،
والصبر لا ثواب له عليه مالم ينبعث من الإيمان، وكثيراً ما يجزع وينفد صبره
وربما ينتحر؛ لأنه لا يجد سلوى أو عزاء له بمصابه يعوضه عنه في الآخرة؛
لعدم إيمانه بالبعث والحساب والجزاء الحق من الله تعالى وحده.
٣٣٨
الُجُ (١٢) - جُوّي: ١١ / ١٢ -١٤
والخلاصة: أن الآيات موازنة دقيقة بين أوصاف الإنسان المؤمن وأوصاف
الإنسان الكافر، ومنشأ الفرق هو الإيمان والكفر.
٥ - أحوال الدنيا غير باقية، بل هي متغيرة متحولة من النعمة إلى المحنة،
ومن اللذات إلى الآفات، وبالعكس وهو الانتقال من المكروه إلى المحبوب،
ومن المحرمات إلى الطيبات.
مطالبة مشركي مكة بإنزال كنز
وتحدِّيهم بالقرآن
صَلى الله
أو مجيء ملك مع النّبي
وسلم
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَضَاِبِقٌ بِهِ، صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ
عَلَيْهِ كَفْرُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ
أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَنُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّنِ
دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ الَّهِ
١٤
وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ
القراءات:
﴿فَأْتُوا﴾
٠
۔
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (فاتوا).
الإعراب:
{وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: ﴿وَضَابِقٌ﴾: عطف على ﴿تَارِكٌ﴾، و﴿صَدْرُكَ﴾
مرفوع به، وهاء ﴿بِهِ،﴾ تعود على ﴿مَا﴾ أو على ﴿بَعْضَ﴾، أو على التَّبليغ أو
على التكذيب . ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ في موضع نصب، أي كراهية أن يقولوا.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَعَلَّكَ﴾ هنا للاستفهام الإنكاري، الذي يراد به النّفي أو النّهي، أي لا
٣٣٩
المُخْرُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٢-١٤
تترك. والأصل أن ((لعلّ)) للتّرجي وتوقع المحبوب، وقد تكون للإعداد
والتّهيئة، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١/٢] [وغيرها]، وقد
تكون للتّعليل كما في قوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤/٢٠].
﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ﴾ فلا تبلغهم إياه، وهو ما يخالف رأي
المشركين، مخافة ردّهم واستهزائهم، ولا يلزم من توقع الشيء وجوده
ووقوعه، لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرُّسل من الخيانة في
الوحي مانعاً.
﴿وَضَابِقٌ بِهِ، صَدْرُكَ﴾ عارض لك أحياناً ضيق الصّدر، بتلاوته علیھم،
لأجل أن يقولوا، أي مخافة أن يقولوا ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنْزُ﴾ أي هلا صحبه
كنز ينفقه لكسب الأتباع كالملوك، والكنز: المال الحاصل بغير كسب . ﴿أَوْ
جَآءَ مَعَلُ مَلَكُ﴾ يصدقه كما اقترحنا. ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي ليس عليك إلا
الإنذار بما أوحي إليك، لا الإتيان بما اقترحوه . ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
وَكِيلُ﴾ رقيب حفيظ للأمور، فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم، ومجازيهم على
أقوالهم وأفعالهم.
مْ﴾ بمعنى بل.﴿اُفْتَرَنَّهُ﴾ الضمير لما يوحى وهو
﴿ أَمْ يَقُولُونَ﴾
القرآن.﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة والبيان وحسن النّظم،
تحدّاهم أولاً بالإتيان بمثل القرآن، ثم بعشر سور، ثم لما عجزوا عنها تحدّاهم
بسورة. وتوحيد المثْل باعتبار كل واحد . ﴿مُفْتَرَيَتٍ﴾ مختلقات من عند
أنفسكم، إن صحّ أني اختلقته من عند نفسي، فإنكم عرب فصحاء مثلي،
تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر لمعرفتكم بأساليب البيان خطابةً
وشعراً ونثراً.﴿ وَأَدْعُواْ مَنِ اُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره إلى المعاونة على
المعارضة.﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنه مفترى.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ أي بالإتيان بما دعوتم إليه للمعاونة. والاستجابة:
٣٤٠
لِلُ (١٢) - جُود: ١١ / ١٢-١٤
الإجابة. وجمع ضمير ﴿لَكُمْ﴾ إما لتعظيم الرّسول وَلَه، أو لأن المؤمنين أيضاً
كانوا يتحدّونهم أيضاً. ﴿فَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ خطاب للمشركين:
فاعلموا أنما أنزل مصحوباً بعلم الله فلا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه،
وليس افتراء عليه.
﴿وَأَنْ﴾ مخففة أي أنه. ﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ ثابتون على الإسلام
راسخون فيه مخلصون إن كان الخطاب للمؤمنين؟ وهل أسلموا بعد هذه
الحجة القاطعة إن كان الخطاب مع الكفار؟
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى افتراء المشركين على القرآن بأنه سحر مبين،
وإعراضهم عنه كيلا يسمعوه، ذكر تكذيبهم للرّسول وَّ وللقرآن، وظنّهم أنه
مثل الملوك مدعوم بالمال للإغراء وكسب الأتباع، ومطالبتهم دعمه بالكنز أو
بالملك، وتحدّيهم بالإتيان افتراء بعشر سور مثل القرآن الكريم.
سبب النّزول:
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد،
اجعل لنا جبال مكة ذهباً إن كنت رسولاً. وقال آخرون: ائتنا بالملائكة
يشهدون بنبوّتك، فقال: لا أقدر على ذلك، فنزلت هذه الآية.
التفسير والبيان:
لعلك أيها الرّسول تارك بعض ما يوحى إليك أحياناً أن تلقيه إليهم،
وتبلغه إياهم مخافة ردّهم له وتهاونهم به، مثل تسفيه أحلامهم والتّنديد
بعبادتهم الأوثان، وضائق به صدرك بأن تتلوه عليهم، أو لأجل أن يقولوا:
﴿ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾.