Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٨٣-٨٧
بسببه . ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ متكبِّر قوي فتّاك. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحدّ بادِّعاء الرّبوبية واسترقاق أسباط
الأنبياء.
(فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ﴾ فثقوا به واعتمدوا عليه. ﴿إِن كُثُم ◌ُسْلِمِينَ﴾ مستسلمين
لقضاء الله، مخلصين له، مذعنين لأمره . ﴿فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا﴾ لأنهم كانوا
مؤمنين مخلصين.﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ موضع فتنة. ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي
لا تظهرهم علينا، فيظنّوا أنهم على الحقّ فيفتتنوا بنا، أو لا تسلّطهم علينا
﴾ أي من كيدهم وشؤم
فيفتنونا. ﴿وَنَجْنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
مشاهدتهم. وفي تقديم التّوكل على الدُّعاء تنبيه على أن الدّاعي ينبغي أن يتوكّل
أولاً لتجاب دعوته.
﴿أَنْ تَبَوَءَا﴾ اتخذا مباءةً ومسكناً يسكنون فيها أو يرجعون إليها للعبادة.
﴿وَأَجْعَلُواْ﴾ أنتما وقومكما. ﴿بُونَكُمْ قِبْلَةً﴾ مصلّىّ أو مساجد تصلّون
فيها لتأمنوا من الخوف، وكان فرعون منعهم من الصّلاة. ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ﴾
أتموها فيها حتى لا يؤذيهم الكفرة ويفتنوهم عن دينهم . ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
بالنّصر في الدُّنيا والجنّة في الآخرة.
وإنما ثّى ضمير ﴿تَبَّوَءَا﴾ أولاً؛ لأن التبوء للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه
رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع في قوله: ﴿وَأَجْعَلُواْ﴾ لأن جعل البيوت مساجد
والصّلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم أفرد بقوله: ﴿ وَبَشْرِ﴾ لأن
البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشّريعة.
المناسبة:
أبان الله تعالى أنه بالرّغم من مشاهدة المعجزات الباهرة على يد موسى عليه
السّلام، فإنه لم يؤمن به من بني إسرائيل إلا طائفة من شبّان قومه، توطئة
لإخراجهم من أرض مصر. وفي ذلك تسلية للنَّبي محمد بَّرِ؛ لأنه كان يغتم
بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر، فله بسائر الأنبياء أسوة.

٢٦٢
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٨٣-٨٧
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الثالث من قصة موسى عليه السلام.
يخبر الله تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السّلام في أول أمره، مع ما جاء به
من الآيات البيّنات والحجج القاطعات، إلا قليل من قومه بني إسرائيل، وهم
طائفة من الشباب، على وجل وخوف من فرعون وملئه أن يردوهم إلى ما
كانوا عليه من الكفر؛ لأن فرعون كان جباراً عنيداً، مسرفاً في التّمرد والعتوّ
متجاوزاً الحدّ في الظلم والفساد، شديد البطش والفتك، حتى إنه ادَّعى
الرّبوبية واسترقَّ أسباط الأنبياء، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه
خوفاً شديداً. فالضمير في ﴿قَوْمِهِ،﴾ عائد إلى بني إسرائيل قوم موسى، لأن
الضمير يعود إلى أقرب المذكورين. وهذا قول مجاهد.
وقيل: الضمير في ﴿قَوْمِهِ،﴾ لفرعون، والذّرّية: مؤمن آل فرعون، وآسية
امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، وماشطته. وهذا قول ابن عباس.
وضمير ﴿ وَمَلَائِهِمْ﴾ يعود إلى فرعون بمعنى آل فرعون، أو على ما هو
المعتاد في ضمير العظماء.
والذّرّية: أولاد الذين أرسل إليهم موسى.
﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُنُمْ ءَامَنتُمْ﴾ أي وقال موسى لمن آمن من قومه وقد
رأى خوفهم من الاضطهاد والتعذيب: إن كنتم آمنتم أي صدّقتم بالله وبآياته
حقّ الإيمان، فعليه توكّلوا واعتمدوا، وبه ثقوا، واطمئنوا لوعده، إن كنتم
مسلمين أي إن كنتم مستسلمين لقضاء الله، مذعنين مخلصين له؛ إذ لا يكون
الإيمان كاملاً إلا إذا صدّقه العمل وهو الإسلام، فالمعلَّق بالإيمان وجوب
التّوكل، فإنه المقتضي له، ثم شرط في التّوكل الإسلام: وهو أن يسلموا
نفوسهم الله بأن يجعلوها له سالمة خالصة، لا حظّ للشيطان فيها، وذلك بأن
يعملوا بالأحكام؛ لأن التوكل الصحيح لا يكون مع خلطه بغيره.
.

٢٦٣
المُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٨٣-٨٧
والخلاصة: أن الإيمان: عبارة عن صيرورة القلب عارفاً بأن واجب
الوجود لذاته واحد، وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه.
والإسلام: هو الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى، وإظهار الخضوع
وترك التمرد.
فقالوا على الفور ممثلين أمره لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين: ﴿عَلَى اللَّهِ
تَوَكَّلْنَا﴾ وبه وحده استعنا على أعدائنا، ثم دعوا ربّهم قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا
فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي بأن تنصرهم علينا وتسلطهم علينا فيفتتن الناس،
ويقولون: لو كان هؤلاء على حقّ لما هزموا أمام فرعون وظلمه، أو موضع
فتنة لهم أي عذاب بأن يفتنونا عن ديننا ﴿وَجِنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
أي خلّصنا برحمتك وإحسانك وعفوك من تسلّط الكافرين بك،
الظالمين الطُّغاة، الذين كفروا الحقّ وستروه، ونحن قد آمنًا بك وتوكّلنا عليك.
وقد دعوا بهذا الدُّعاء؛ لأن التّوكل على الله هو أعظم علامات الإيمان لا
يكمل إلا بالصَّبر على الشَّدائد، والدُّعاء لا يستجاب إلا مع الطاعة واتّخاذ
الأسباب، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣/٦٥]،
وكثيراً ما يقرن الله بين العبادة والتّوكل كقوله: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾
[هود: ١٢٣/١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَلْنَا﴾ [الملك:
٢٩/٦٧]، وقوله تعالى: ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا
[المزمل: ٩/٧٣]. وأمر الله تعالى المؤمنين أن يكرروا في صلواتهم:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسَتَعِيْنُ جَ) [الفاتحة: ٥/١].
ثم ذكرالله تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية
خلاصهم منهم، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ أي أمرنا موسى وأخاه
هارون عليهما السّلام أن يتبوأا أي يتّخذا لقومهما بمصر بيوتاً تكون مساكن
للاعتصام فيها، والأصح أن تكون مساجد وليست منازل مسكونة في رأي
أكثر المفسّرين.

٢٦٤
الُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٨٣-٨٧
وأمرهما مع قومهما أن يجعلوا البيوت مساجد متّجهة نحو القبلة، بأن
يصلّوا في بيوتهم؛ لأنهم كانوا خائفين. وقال قتادة والضَّخَّاك وسعيد بن
جبير: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي يقابل بعضها بعضاً. قال القرطبي:
والقول الأول أصح؛ أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة باتّجاه بيت المقدس،
وهو قبلة اليهود إلى اليوم.
وأن يقيموا الصّلاة في تلك البيوت أي يتموها. وقد أُمروا بذلك أول
أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم.
وبشِّر يا موسى المؤمنين بالحفظ والنّصر على عدوّهم في الدُّنيا، والجنة في
العقبى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - بالرّغم من المعجزات العظيمة لموسى عليه السّلام وانتصاره على
السَّحرة بتلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السّحر، فإنه لم يؤمن به من
قومه إلا طائفة قليلة من أولاد بني إسرائيل، فإنه لطول الزّمان هلك الآباء
وبقي الأبناء، فآمنوا. وقيل: كانت الطائفة من قوم فرعون، منهم مؤمن آل
فرعون، وخازن فرعون، وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه.
وكان إيمانهم على خوف من فرعون؛ لأنه كان مسلَّطاً عليهم، عاتياً
متكبِّراً، مجاوزاً الحدّ في الكفر؛ لأنه كان عبداً فادَّعى الرّبوبية.
أَ - أراد موسى عليه السّلام الاستيثاق من إيمان تلك الطائفة، فقال لهم:
﴿إِن كُمْ ءَامَنُمْ﴾ أي صدَّقتم بالله وبرسالتي، فتوكَّلوا على الله وحده، أي
اعتمدوا عليه، إن كنتم مسلمين، كرر الشّرط تأكيداً، أو أن الإسلام هو
العمل، وبيَّن موسى أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله.

٢٦٥
لُغُرُ (١١) - يُونَِّ: ٨٣/١٠-٨٧
فأجابوا بأنّا توثَّلنا على الله، أي أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بقضائه
. وقدره، وانتهينا إلى أمره.
ودعوا الله بألا ينصر الظالمين عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم في الدِّين، أو لا
يمتحنهم بأن يعذّبوا على أيديهم، وأن ينجيهم ويخلِّصهم من الكافرين، أي من
فرعون وقومه؛ لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة.
◌َ - اتّخاذ البيوت في فترة ما مساجد، حتى لا يؤذي فرعون المصلِّين؛ لأن
بني إسرائيل كانوا لا يصلّون إلا في مساجدهم وكنائسهم، فخرَّبها فرعون
ومنعهم من الصّلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون: أن اتَّخذا وتخيَّرا لبني
إسرائيل بيوتاً بمصر، أي مساجد متّجهة نحو القبلة، ولم يرد في رأي أکثر
المفسّرين المنازل المسكونة، وإنما أراد الاتّجاه إلى بيت المقدس.
وهذا يدلّ على أن القبلة في الصّلاة كانت شرعاً لموسى عليه السّلام.
واستنبط العلماء من جواز أداء الصّلاة في البيوت: أن المعذور بالخوف
وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة، والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض
المانع من التّنقل، أو خوف زيادته، أو خوف جور السُّلطان في مال أو بدن،
دون القضاء عليه بحقّ، والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي
حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرّضه عذر أيضاً، وقد فعل ذلك ابن
عمر.
وأثير بهذه المناسبة خلاف في أداء صلاة التراويح (قيام رمضان) هل إيقاعه
في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك وأبو يوسف وبعض الشّافعية إلى
أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه، لما أخرجه البخاري: ((فعليكم بالصّلاة في
بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)).
وقال أكثر الأئمة: إن حضورها في الجماعة أفضل؛ لأن النَّبي ◌َّ قد

٢٦٦
الُزُ (١١) - يُونيَّ: ٨٨/١٠-٨٩
صلاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدّوام على
ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم، فلذلك قال: ((فعليكم بالصّلاة في
بيوتكم)). ثم إن الصحابة كانوا يصلّونها في المسجد فرادى متفرِّقين، إلى أن
جمعهم عمر على قارئ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبت سنَّة.
٤ - إن أداء الصّلاة في البيوت التي أمر الله بني إسرائيل فيها خوفاً من أذى
الأعداء أمر مشروع لا شكّ فيه. وكذلك تكتل الفئات القليلة في مواجهة
طغيان الظالمين كفرعون أمر مطلوب سياسة، إذا جرينا على القول بأن البيوت
هي مساكن للاعتصام فيها، لأن ذلك أدى إلى نجاة بني إسرائيل من ظلم
فرعون.
ا - دلّ إيمان الطائفة القليلة برسالة موسى عليه السّلام وتقديمهم في
دعائهم عدم الفتنة على النّجاة على أن اهتمامهم بأمر دينهم كان فوق اهتمامهم
بأمر دنياهم، فإنهم قالوا أولاً: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم
قالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
(٨٦))). فهذا الترتيب يدل على
تفضيلهم أمر الدِّين على أمر الدُّنيا.
- ٤ -
دعاء موسى على فرعون وملئه
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَمُ زِينَةً وَأَقْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِضِلُّواْ عَن سَبِيلِكٌ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ
قَالَ قَدْ أُجِيبَت ذَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَانٍ
٨٨
يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ
١٩
سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
القراءات:
﴿ِضِلُّواْ﴾: قرئ:

٢٦٧
الجُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٨٨-٨٩
١- (ليُضِلُّوا) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (ليَضِلُّوا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ِضِلُّواْ﴾ اللام للعاقبة وهي متعلِّقة بـ ﴿ءَيْتَ﴾، ويحتمل أن تكون
للعلة؛ لأن إيتاء النّعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضّلال.
﴿فَلَ يُؤْمِنُواْ﴾ إما منصوب أو مجزوم، الجزم: على أنه دعاء عليهم.
والنّصب: إما لأنه معطوف على ﴿لِضِلُّواْ عَن سَبِيلِكٌ﴾، أو على جواب
الدُّعاء أو جواب الأمر بالفاء بتقدير أن.
﴿وَلَا نَتَّعَآنٍ﴾ بالتّشديد، أي أنه نهي بعد أمر. ومن قرأ بتخفيف النون،
كان في موضع نصب على الحال، أي استقيما غير متبعين، فتكون لا نافية، لا
ناهية.
البلاغة:
﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ﴾ أمر أريد به الدُّعاء بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا
يكون غيره، كقولك: لعن الله إبليس، وتكرار ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ﴾ للتأكيد
والتّنبيه على أن المقصود عرض ضلالاتهمٍ وكفرانهم، تقدمة لقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا
أَطْمِسْ﴾.
﴿ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ استعارة لتغليظ العقاب ومضاعفته.
﴿ فَلَا يُؤْمِنُواْ﴾ جواب للدُّعاء، أو دعاء بلفظ النّهي، أو عطف على:
﴿يُضِلُّواْ﴾ وما بينهما دعاء معترض.
٩٠
المفردات اللغوية:
﴿زِينَةٌ﴾ ما يتزيَّن به من الملابس والمراكب ونحوهما، وأصل الزينة في

٢٦٨
لُ (١١) - يُونَرَ: ٨٨/١٠-٨٩
اللغة: ما يتزين به من الحلي واللباس والأثاث والأموال والصحة ونحوها.
﴿لِضِلُواْ﴾ في عاقبته، واللام لام العاقبة أي الصيرورة. ﴿عَن سَبِيلِكٌ﴾
دينك. ﴿أَطْمِسْ﴾ أي أهلكها وأزلها، والطّمس: المحق وإزالة الأثر. ﴿وَأَشْدُدْ
عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي وأقسها واطبع عليها واستوثق حتى لا يدخلها الإيمان.
فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ
وَأَشْدُدْ﴾ دعاء بلفظ الأمر. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُواْ﴾ جواب للدُّعاء أو دعاء
بلفظ النّهي، أو عطف على ﴿لِضْلُّواْ﴾ وما بينهما دعاء معترض. ﴿اَلْأَلِيمَ﴾
المؤلم.
﴿قَدْ أُچيبت دَعْوَتُكُمًا﴾ أي موسى وهارون، روي أن موسی کان يدعو،
وهارون يؤمِّن .﴿فَأُسْتَقِيمًا﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من الدّعوة وإلزام
الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن، ولكن في وقته، روي أنه مكث
فيهم بعد الدعاء أربعين سنة . ﴿سَكِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ طريق الجهلة في
الاستعجال، أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى.
المناسبة:
لما بالغ موسى في إظهار المعجزات القاهرة الدّالة على نبوّته، ورأى القوم:
فرعون وملأه مصرِّين على الجحود والعناد والإنكار، دعا عليهم بعد أن ذكر
سبب إقدامهم على تلك الجرائم وهو حبّهم الدُّنيا وبسطة النّعيم التي أبطرتهم
فتركوا الدِّين، لهذا قال موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ ءَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَهُ زِينَةً
وَأَمْوَلًا﴾.
قال ابن كثير: هذه الدَّعوة كانت من موسى عليه السّلام غضباً لله ولدينه
على فرعون وملئه الذين تبيَّن له أنهم لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء، كما
دعا نوح عليه السّلام، فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ
إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوَأْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (39َ﴾ [نوح: ٢٦/٧١-٢٧]

٢٦٩
اِلُ (١١) - يُوذَرَ): ٨٨/١٠-٨٩
ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السّلام فيهم هذه الدَّعوة التي أمَّن عليها
دعوتُكُمَا
أجِیبت
﴿ قد
أخوه هارون، فقال تعالى:
قال أبو العالية: دعا موسى وأمَّن هارون؛ فسمِّي هارون وقد أمَّن على
الدُّعاء داعياً.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الرابع من قصة موسى مع فرعون، بعد وجود فاصل
استطرادي للإخبار بإيمان طائفة بموسى عليه السّلام، فبعد أن أبى فرعون
وملؤه قبول دعوة الحقّ من موسى عليه السّلام، واستمرّوا على ضلالهم
وكفرهم معاندين عتاة متكبِّرين، وبعد أن أعدّ موسى قومه بني إسرائيل
للخروج من مصر، وغرس في قلوبهم الإيمان وإيثار العزّة والكرامة، بعد ذلك
دعا ربَّه مبيّناً سبب الدُّعاء فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنََّكَ ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَمُ زِينَةً﴾
أي أعطيتهم من الدُّنيا والنّعمة ما أبطرهم، وهو الزِّينة الشّاملة من حلي
ولباس وأثاث ورياش وأموال كثيرة ومتاع الدُّنيا ونحوها من الزّروع
والأنعام، وأدّى النعيم بهم أن تكون عاقبة أمرهم إضلال عبادك عن الدِّين،
والطُّغيان في الأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْغَىْ، أَن رََّاهُ أُسْتَغْفَ
[العلق: ٦/٩٦-٧]، ويشهد لما ذكر ما يوجد في قبور الفراعنة والآثار
٧
المصرية من الذهب والفضة والحلي والتّحف، وما بنوه من القصور والقبور
والتّماثيل الدّالّة على رقي المدنية والحضارة.
فقوله تعالى: ﴿لِضِلُواْ﴾ اللام لام العاقبة أو الصَّيرورة، كقوله تعالى:
﴿فَالْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨/٢٨]،
فكانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال. ويحتمل أن تكون اللام لام التعليل،
لكن بحسب ظاهر الأمر لا في الحقيقة نفسها، بمعنى أنه تعالى لما أعطاهم هذه .
الأموال، وصارت تلك الأموال سبباً لمزيد البغي والكفر، أشبهت هذه الحالة"

٢٧٠
الُرُ (١١) - يُونَ): ٨٨/١٠-٨٩
حالة من أعطي المال لأجل الإضلال، فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل
هذا المعنى.
﴿ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ﴾ أي ربَّنا امحق وأزل آثارها وأهلكها، واختم
على قلوبهم وأقسها حتى لا تنشرح للإيمان، فيستحقوا شديد العقاب، ولا
يؤمنوا حتى يشاهدوا العذاب المؤلم الموجع.
ولما دعا موسى بهذا الدُّعاء وكان هارون أخوه يؤمِّن على دعائه، قال
تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتَ دَّعْوَنُكُمَا﴾ أي استجبنا دعاءكما وقبلناه كما سألتما من
تدمير آل فرعون، فاستقيما، أي فاثبتا على ما أنتما عليه من الدّعوة إلى الحقّ،
وإلزام الحجة، ولا تستعجلا الأمر قبل ميقاته، فإن ما طلبتما كائن ولكن في
وقته، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون، أي طريق الجهلة في الاستعجال أو
عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى. ولا يعني هذا النّهي أن مقتضاه صدر
من موسى وهارون عليهما السّلام، كما أنّ قوله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥/٣٩] لا يدلّ على صدور الشّرك منه.
قال ابن جريج: يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدّعوة أربعين سنة.
وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين: أربعين يوماً.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - إن دعاء موسى وهارون كدعاء نوح عليهم السّلام لم يكن إلا بعد
اليأس من إيمان القوم، بعد طول العهد من النّبي موسى بالدّعوة إلى الدِّين
الحقّ، وملازمة قومه حال الكفر وإصرارهم عليه، وبعد نفاد الصَّبر منه.
وكل ذلك لم يتم إلا بعد إذن من الله؛ لأن مهمة الرُّسل استدعاء إيمان
قومهم، ولا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس

٢٧١
المُزُ (١١) - يُوذي): ٨٨/١٠-٨٩
فيهم من يؤمن، ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن؛ بدليل قوله تعالى لنوح عليه
السّلام: ﴿وَأُوْجِى إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود:
٣٦/١١]، وعند ذلك قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:
٢٦/٧١] .
أَ - احتجّ بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل
منزلة قراءتها؛ لأن موسى دعا، وهارون أمَّن.
والتأمين على الدُّعاء: أن يقول: آمين، فقولك: آمين دعاء، أي يا ربّ
استجب لي.
٣ - إن إجابة الدَّعوات لها أوقات مخصوصة في علم الله وتقدیرہ، ولیس
ذلك بحسب مراد العبد الدّاعي، وإنما بحسب مراد الله تعالى، وإن تعجّل
الإجابة جهل لا يليق مع الأدب مع الله تعالى، وهو أيضاً شكّ في الثّقة بوعد
الله تعالى بإجابة دعاء الداعي إذا دعاه، لهذا قال تعالى لموسى وهارون عليهما
السّلام: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
أي لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.

٢٧٢
الُ (١١) - يُونَرَ: ١٠ / ٩٠-٩٣
- ٥ -
إغراق فرعون وجنوده وإنجاء بني إسرائيل
وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَِّيلَ اُلْبَحْرَ فَأَنْعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدُوًّا حَتّىَ
إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَا
مِنَ اُلْمُسْلِمِينَ
ءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
فَالْيَوْمَ
نُنَجِّيَكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا
لَغَفِلُونَ
وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُّبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْتَهُم مِّنَ الطَِّبَتِ فَمَا
٩٣
أَخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءَ هُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
(٩٣
القراءات:
﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ﴾
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (آمنت إنه).
{بَوَّأَنَا﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (بوَّانا).
الإعراب:
﴿بَغْيَا وَعَدُوًا﴾ مفعول لأجله.
بِبَدَنِكَ﴾ في موضع الحال، أي ببدنك عارياً عن الروح.
البلاغة:
(َالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ استفهام توبيخ وإنكار.

٢٧٣
لِلُ (١١) - يُونَرَ: ١٠ / ٩٠-٩٣
﴿بَوَأْنَا﴾ ﴿مُبَوَّأَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿وَجَوَزْنَا﴾ أي جوزناهم في البحر حتى بلغوا الشط حافظين لهم. يقال:
جاز المكان وجاوزه وتجاوزه: إذا قطعه حتى تركه وراءه . ﴿فَأَنْبَعَهُمْ﴾ لحقهم.
﴿مِنَ اُلْمُسْلِمِينَ﴾ أي المنقادين لأمره، كرر ذلك ليقبل منه فلم يقبل، وقال
جبريل له: ﴿ءَالْعَنَ﴾ تؤمن، أي أتؤمن الآن، وقد أيست من نفسك ولم يبق
لك اختيار. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ قبل ذلك مدة عمرك. ﴿وَّكُنْتَ مِنَ
اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ الضالين المضلين عن الإيمان.
﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِيكَ﴾ نلقيك على تَجْوة (مكان مرتفع) من الأرض ليراك بنو
إسرائيل، أو لا نغرقك في قعر البحر ونجعلك طافياً . ﴿بِبَدَنِكَ﴾ جسدك الذي
لا روح فيه. ﴿ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ بعدك وهم بنو إسرائيل. ﴿ءَايَةٌ﴾ عبرة وعظة،
فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. روي عن ابن عباس: أن بعض
بني إسرائيل شكّوا في موته، فأخرج لهم ليروه . ﴿﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ أي
أهل مكة وغيرهم. ﴿عَنْ ءَيَئِنَا لَغَلِفِلُونَ﴾ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.
﴿ وَلَقَدْ بَوَّْنَا﴾ أنزلنا. ﴿مُّبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ منزل كرامة أو منزلاً صالحاً مرضياً
وهو الشام ومصر. ﴿ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ﴾ من اللذائذ. ﴿فَمَا أُخْتَلَقُواْ﴾ في أمر
دينهم، بأن آمن بعض وكفر بعض، إلا من بعد ما قرؤوا التوراة وعلموا
أحكامها، أو اختلفوا في أمر محمد وَ ل إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته
وتظاهر معجزاته . ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من
أمر الدين، بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين، فيميز المحق من المبطل بالإنجاء
والإهلاك.
المناسبة:
هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى مع فرعون التي ابتدأها الله تعالى

٢٧٤
لُ (١١) - يُونَرَ: ١٠ / ٩٠-٩٣
بالحوار بينهما، ثم أتبعها بقصة السحرة، ثم استطرد في أثنائها لبيان إيمان
طائفة من بني إسرائيل بدعوة موسى، استعداداً للخروج من مصر، ثم ذكر
دعاء موسی علی فرعون وملئه.
ولما أجاب الله تعالى دعاء موسى وهارون، أمر بني إسرائيل بالخروج من
مصر في الوقت المعلوم ویتر لهم أسبابه، وفرعون کان غافلاً عن ذلك، فذكر
هنا خاتمة القصة الدالة على تأييد الله لموسى وأخيه على ضعفهما، وقوة فرعون
وقومه.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى عليه السلام.
وموضوع الآيات كيفية إغراق فرعون وجنوده، فإن بني إسرائيل لما خرجوا
من مصر مع موسى عليه السلام، وهم فيما قيل: ست مئة ألف مقاتل سوى
الذرية، وقد كانوا استعاروا من القبط حلياً كثيراً، فخرجوا به معهم، فاشتد
حنق فرعون عليهم، فركب وراءهم مع جنوده وجيوشه الهائلة، فلحقوهم
وقت شروق الشمس عند ساحل البحر (البحر الأحمر - بحر السويس) فخاف
أصحاب موسى عليه السلام، وإذا ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن
يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي
كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقاً لكل سبط واحد، وأمر الله الريح
فنشفت أرضه، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه، انتهى
فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، فلما رأى ذلك هاله وأحجم
وهاب وهم بالرجوع، ثم صمم على المتابعة وقال لأمرائه: ليس بنو إسرائيل
بأحق بالبحر منا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، ولما أصبحوا في وسط البحر،
أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد،
وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون،

٢٧٥
الْجُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ /٩٠-٩٣
وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ
بِهِ، بَنُواْ إِسْرَهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، كقوله تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ
٨٤
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَضَسِرَ
رقمًا﴾ [غافر: ٨٤/٤٠-٨٥] .
هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ
ولهذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: ﴿وَالْكَنَ وَقَدْ
عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي أهذا الوقت تؤمن، وقد عصيت الله قبل هذا؟ ﴿وَّكُنتَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض الذين أضلوا الناس.
هذه القصة من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله وله
معنى الآيات:
وتجاوزنا ببني إسرائيل البحر بقدرتنا وحفظنا، فلحقهم فرعون وجنوده
ظلماً وعَدْواً، أي باغين وعادين عليهم، أو البغي والعدوان، والفتك بهم،
أو إعادتهم إلى مصر ليعذبوهم سوء العذاب ويستعبدوهم كما كانوا يفعلون.
فلما أشرف على الغرق، قال: آمنت بأنه لا إله بحق إلا الله الذي آمنت به
بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين أي المنقادين المذعنين لأمره.
وكرر فرعون بهذه العبارة المعنى الواحد ثلاث مرات، في ثلاث عبارات،
حرصاً منه على القبول، ومع ذلك لم يقبل منه إيمانه حيث أخطأ وقته، وقاله
عند الإكراه والاضطرار، وحين لم يبق له اختيار قط. ويلاحظ أن المرة
الواحدة كانت كافية في حال الاختيار.
فردَّ الله تعالى عليه على لسان جبريل، أو بإلهام من الله تعالى نفسه بقوله:
(@) أي أتؤمن الساعة في
﴿وَالْفَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
وقت الاضطرار حين أدركك الغرق، وأيست من نفسك، وقد عصيت الله

٢٧٦
الْجُزْعُ (١١) - يُونَرَ: ١٠ / ٩٠-٩٣
قبل هذا، وكنت من الضالين المضلين عن الإيمان، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ
(٨٨)﴾ [النحل: ٨٨/١٦].
﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أي فاليوم نرفعك على مكان مرتفع من الأرض، وننقذك
بجسدك الذي لا روح فيه، أو ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير
من الارتماء في قعر البحر؛ لتكون لبني إسرائيل دليلاً أو علامة على موتك
وهلاكك وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق، ولتكون عبرة
لمن بعدك من الناس يعتبرون بك، فينزجرون عن الكفر والفساد في الأرض
وادعاء الربوبية.
وفي هذا دليل على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ أي وإن أكثر الناس لغافلون عن حججنا وأدلتنا
على أن العبادة لله وحده، فلا يتعظون بها ولا يعتبرون بها، لعدم تفكرهم في
أسبابها ونتائجها. وفي الآية دلالة على ذم الغفلة وعدم التفكر في أسباب
الحوادث وعواقبها.
وقد كان هلاكهم يوم عاشوراء من شهر المحرم، كما أخرجه البخاري عن
ابن عباس قال: قدم النبي ◌َّ المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما
هذا اليوم الذي تصومونه؟)) فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون،
فقال النبي ◌َّه لأصحابه: ((أنتم أحق بموسى منهم، فصوموه)).
ثم أخبر الله تعالى بالمناسبة عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية
والدنيوية فقال: ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ﴾ أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلاً
صالحاً مرضياً، وهو منزلهم سابقاً في مصر، ولاحقاً في فلسطين، ورزقناهم
من الطيبات أي اللذائذ المستطابة المباحة فيها، وأنعمنا عليهم فيها بكثير من
الخيرات من الثمار والغلال والأنعام وصيود البر والبحر.

٢٧٧
الُرعُ (١١) - يُونَ: ١٠ /٩٠-٩٣
لقد وعدهم الله على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرض فلسطين في
الماضي، ولكن لما كفروا بالأنبياء، وعلى التخصيص عيسى ومحمد عليهما
السلام، نزعها الله منهم. فليس لهم أي حق ديني بعدئذ في الاستيطان بأرض
فلسطين بعد بغيهم وعدوانهم وكفرهم برسالات الله تعالى.
وللعلماء في تحديد المراد ببني إسرائيل قولان: الأول - أنهم اليهود الذين
كانوا في زمن موسى عليه السلام، وعلى هذا يكون مبوأ الصدق مصر
والشام، والطيبات منافع تلك البلاد ووراثة بني إسرائيل ما كان تحت أيدي
قوم فرعون، وأن التوراة هي العلم الذي أدى إلى الاختلاف بينهم. والقول
الثاني - هم اليهود المعاصرون للنبي عليه الصلاة والسلام، وبه قال جمع عظيم
من المفسرين وهم قبائل اليهود في المدينة (قريظة والنضير وبنو قينقاع) ومنزل
الصدق: ما بين المدينة والشام، والطيبات: ما في تلك البلاد من التمور،
والمراد بالعلم: القرآن، وسماه علماً لأنه سبب للعلم على سبيل المجاز، وكونه
سبب الاختلاف: أن اليهود اختلفوا فآمن قوم وبقي آخرون على كفرهم،
فصار نزول القرآن سبباً لحدوث انقسام بينهم.
﴿فَمَا أُخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ﴾ أي فما اختلف بنو إسرائيل في أمر دينهم إلا
من بعد ما علموا وقرؤوا التوراة وعلموا أحكامها، أو ما اختلفوا في أمر
محمد وَلّ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته، وذلك أنهم
كانوا قبل بعثة محمد وَله مقرين بنبوته، مجمعين على صحة رسالته، وكانوا
يستفتحون به على الذين كفروا، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم بالنعت الذي
كانوا يجدونه مكتوباً عندهم، فلما بعث وجاءهم ما عرفوا، كفروا به، فكفر
به بعضهم حسداً وحباً للرياسة ولجمع المال، وآمن آخرون.
والخلاصة: إنهم ما اختلفوا في شيء من المسائل جهلاً، وإنما من بعد ما
جاءهم العلم، ولم يكن لهم أن يختلفوا.

٢٧٨
الجُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٩٠- ٩٣
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى﴾ أي إن ربك يفصل ويحكم بينهم يوم القيامة في شأن ما
اختلفوا فيه، فيميز المحق من المبطل بالإنجاء للمحقين من النار وإدخالهم الجنة،
والإهلاك للمبطلين في عذاب جهنم.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآيات على الأحكام التالية :
اً - قد ينصر الله تعالى الضعفاء أو المستضعفين على الأشداء الأقوياء،
كما نصر الله موسى وأخاه هارون على ضعفهما، على فرعون الجبار وجنوده
الأشداء، إذ كانت دولتهم أقوى دول العالم القديم.
أَ - إيمان اليأس لا ينفع؛ لأنه في وقت الإلجاء والاضطرار والإكراه وفقد
عنصر الاختيار وزوال وقت التكليف، فلم يقبل الله إعلان فرعون الإيمان
حينما أشرف على الغرق بمعان ثلاثة يؤكد بعضها بعضاً.
قال الرازي: آمن فرعون ثلاث مرات، أولها قوله: ﴿ءَمَنتُ﴾ وثانيها
قوله: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَمَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ﴾ وثالثها قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ فما السبب في عدم القبول، والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ
وحقد، حتى يقال: إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار؟ والجواب
أنه إنما آمن عند نزول العذاب. والإيمان في هذا الوقت غير مقبول؛ لأنه عند
نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء، وفي هذه الحال لا تكون التوبة
مقبولة، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا﴾(١).
◌َّ - كان فرعون عاصياً كافراً عاتياً متكبراً مفسداً في الأرض بالضلال
والإضلال، فاستحق التوبيخ والإنكار والتهكم عليه.
(١) تفسير الرازي: ١٧ /١٥٤

٢٧٩
الُزْءُ (١١) - يُونِسَ: ١٠ / ٩٠-٩٣
٤ - تم إنقاذ جثة فرعون من الغرق، واسمه منبتاح بن رمسيس ١٢٢٥ ق.
م، وهي التي ما تزال موجودة في متحف الآثار المصرية بالقاهرة وشاهدتها
بنفسي، وشاهدت فيها آثار ملوحة ماء البحر البيضاء على عظم الجبهة. ويعدّ
هذا الإنقاذ عبرة وعظة لكل من يدعي الربوبية ويكفر بالله، فهو أحقر من أن
يكون رباً؛ لأن الرب لا يموت. قال المفسرون: إنما نجى الله بدن فرعون بعد
الغرق؛ لأن قوماً اعتقدوا فيه الألوهية، وزعموا أن مثله لا يموت، فأراد الله
أن يشاهده الناس على ذلك الذل والمهانة، ليتحققوا موته، ويعرفوا أن الذي
كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة قد آل أمره إلى الذل والهوان، فيكون
عبرة للخلق، وزجراً لأهل الطغيان.
٥ - ذم الغفلة وعدم التفكر في أسباب الحوادث الجسام وعواقبها المؤثرة في
التاريخ.
٩ - إن في قصة إغراق فرعون الطاغية عبرة لمكذبي النبي محمد مصطفي الذين
يغترون بقوتهم وكثرتهم وثروتهم، فقد كان فرعون وقومه أكثر منهم عدداً،
وأشد قوة، وأوفر ثروة، وقد جعل الله تعالى سنته في المكذبين واحدة وهي
التدمير والإهلاك، إما في الدنيا وإما في الآخرة، فالعاقل من المكذبين من
يتدبر في الأمر، ويبادر إلى ساحة الرضا والإيمان، ليكون من أهل النجاة في
الآخرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبٍَ﴾ [يوسف: ١١١/١٢].
لاً - لقد أنعم الله على بني إسرائيل بالنعم الكثيرة الدينية والدنيوية، ومن
أهمها إنقاذهم من طغيان فرعون، وأمانهم واستقرارهم في فلسطين في الماضي،
ولكنهم لم يتعظوا ولم يعتبروا بها.
بل إنهم كفروا بهذه النعم، وكفروا برسالة عيسى ومحمد عليهما السلام،
فأصبحوا مثل غيرهم ممن يستحق العذاب والطرد والإجلاء من ديار
الإسلام. والمقصود بذلك أحوال بني إسرائيل القدامى والمعاصرين للنبي وَّ؛

٢٨٠
لُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٩٤-٩٧
لأن المتأخرين راضون بفعل المتقدمين، وسائرون على نهجهم، وهذا جمع بين
القولين السابقين.
ولم يختلفوا في شأن رسالة محمد رَله وصدقه قبل بعثته، بل كانوا مجمعين
على نبوته والإيمان به على وفق الأوصاف المذكورة في كتبهم، وإنما اختلفوا بعد
بعثته حسداً وبغياً وحباً في بقاء المراكز الدينية، والزعامة السياسية، فكان
اختلافهم بإيمان بعضهم وكفر الآخرين لا عن جهل بحقيقة ووصف محمد
وَّ، وإنما عن علم ومعرفة حقيقية به، فإنهم يعرفونه بأوصافه المذكورة لديهم
كما يعرفون أبناءهم.
٨ - كان فلق البحر بعصا موسى عليه السلام اثني عشر فرقاً، كل فرق
منها كالجبل الأشم معجزة عظمى لسيدنا موسى عليه السلام، تم على أثرها
إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين، لذا سن صوم يوم عاشوراء الذي تم فيه هذا
الحدث شكراً لله على ما أنعم.
ـة - القضاء المبرم والحكم القاطع يتبين يوم القيامة في شأن المختلفين من بني
إسرائيل وغيرهم في أمر قبول دعوة محمد ◌َّة، حيث ينجي الله المحقين، ويدمر
المبطلين.
تأكيد صدق القرآن فيما قال ووعد وأوعد
﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنَزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ
لَقَدْ جَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِئَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
٩٥
كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَلَوْ جَتْهُمْ كُلُّ ءَيَّةٍ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
د