Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
لالُُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٧١-٧٣
وقرئ: (وشركاؤكم) بالرفع عطفاً على ضمير ﴿فَأَحْمِعُواْ﴾ المرفوع، لوجود
الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ﴿أَمَِّكُمْ﴾ لأن الفصل يتنزل منزلة
التوكيد، كقوله تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَاؤُلَّمْ﴾ [يونس: ٢٨/١٠].
﴿ِثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ اسم يكن وخبرها.
البلاغة:
﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ تقديم متعلِّق ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ لإفادة الحصر، أي
توكلت على الله لا على غيره.
﴿لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ استعارة، عبر عن الالتباس والستر بالغُمة،
أي لا يكن أمركم مبهماً، فيكون كالغمة.
المفردات اللغوية:
﴿وَآَتْلُ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على كفار مكة ﴿نَبَأْ نُجِ﴾ خبره مع قومه
﴿ كَبْرَ عَلَيْكُمْ﴾ عظم وشق عليكم ﴿مَّقَامِى﴾ قيامي أو إقامتي ومكثي فيكم.
﴿ وَتَذْكِيرِى﴾ وعظي إياكم بآيات الله ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به ﴿فَأَخِعُواْ أَمْرَكُمْ﴾
فاعزموا عليه عزماً لا تردد فيه أي اعزموا على أمر تفعلونه بي ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي
مع شركائكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةُ﴾ مستوراً خفياً،
بل أظهروه وجاهروني به، والغمة: الستر واللبس ﴿ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَّ﴾ أدّوا إلي
ذلك الأمر الذي تريدون بي، ونفذوه بي ﴿وَلَا نُظِرُونِ﴾ تمهلوني ولا
تؤخروني، فإني لست مبالياً بكم.
﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ﴾ أعرضتم عن تذكيري ﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ أي فما طلبت
منكم ثواباً عليه يوجب تولّيكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لأجله ﴿إِنْ
أَجْرِىَ﴾ أي ما ثوابي على الدعوة والتذكير ﴿إِلَّا عَلَى اَللَّهِ﴾ أي فهو يشيني به،
سواء آمنتم أو توليتم ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره،
ولا أرجو غيره.
٢٤٢
الُ (١١) - يُونتر: ١٠/ ٧١-٧٣
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فأصروا على تكذيبه بعدما ألزمهم الحجة، وبيَّن أن توليهم ليس
إلا لعنادهم وتمردهم، فحقت عليهم كلمة العذاب ﴿فَنَجَّيْنَهُ﴾ من الغرق
﴿وَمَن مَّعَهُ فِىِ الْفُلْكِ﴾ السفينة، وكانوا ثمانين.
وَجَعَلْنَهُمْ خَلَتَيِفَ﴾ أي وجعلنا من معه يخلفون غيرهم في عمارة
الأرض وسكناها، وهي جمع خليفة ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَئِنَا﴾ بالطوفان
﴿فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ﴾ من إهلاكهم، فكذلك نفعل بمن كذّب.
وهذا تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذّب الرسول وَليه وتسلية له.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة الدالة على الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء
يوم القيامة، وفنّد شبهات المشرکین وکشف عنادهم لرسوله (ێ وتكذيبهم له،
ذكر هنا بعض قصص الأنبياء، تسلية للرسول وَليه ليتأسى بهم، فيهون عليه ما
يتعرض له من الشدائد والمكائد، وتذكيراً للمشركين بمن سبقهم في مثل
فعلهم، وكيف كانت عاقبة المكذبين للرسل عليهم السلام.
وذكر تعالى هنا ثلاث قصص: قصة نوح مع قومه، وقصة موسى وهارون
مع فرعون، وقصة يونس مع قومه، وفي كل قصة عبرة وعظة. ولقد ذكرت
أضواء من التاريخ على القصتين الأوليين، وسأذكر مايناسب قصة يونس عليه
السلام.
التفسير والبيان:
وأخبر أيها الرسول واقصص على كفار مكة الذين يخالفونك ويكذبونك
خبر نوح مع قومه الذين كذبوه، كيف أهلكهم الله، ودمرهم بالغرق أجمعين
عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك.
اذكر لهم حين قال نوح لقومه: ياقوم إن كان قد شق عليكم وعظم قيامي
٢٤٣
لُعُ (١١) - يُونَرَ): ١٠/ ٧١-٧٣
معكم للدعوة إلى عبادة ربكم، وتذكيري ووعظي إياكم بآيات الله أي بحججه
وبراهينه الدالة على وحدانيته وعبادته، فإني توكلت على الله وحده ووثقت به،
فلا أبالي ولا أكف عن دعوتي ورسالتي، سواء عظم عليكم أو لا.
فأجمعوا أمركم، أي اعزموا على ما تريدون من أمر تفعلونه بي، أنتم
وشرکاؤکم الذین تعبدونهم من دون الله من صنم ووثن.
ولا تجعلوا أمركم الذي تعتزمونه خفياً ملتبساً عليكم، بل أظهروه لي،
وتبصروا فيه، وافصلوا حالكم معي.
فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي ذلك الأمر ونفّذوه بالفعل، ولا
تؤخروني ساعة واحدة عن تنفيذ هذا القضاء، فمهما قدرتم فافعلوا، فإني لا
أبالي بكم ولا أخاف منكم؛ لأنكم لستم على شيء. وهذا الموقف الواثق بالله
وينصره لنوح أبي البشر الثاني مشابه لموقف هود عليه السلام إذ قال لقومه:
﴿إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىءٌ مِّمَا تُشْرِكُونَ، مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا
﴿﴿ إِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبٍِ وَرَبِّكُمُ﴾ [هود: ٥٤/١١-٥٦].
ثُنظِرُونِ
وهكذا يتبين الفرق الجلي بين موقف المؤمن الراسخ الإيمان الذي لا يعرف
التردد، المعتصم بالله وبوعده وثقته به، وبين موقف الكافر الضعيف المتردد
الذي لا ملاذ له، إلا بالقوة الوهمية الخائرة بل المنعدمة للشركاء والآلهة
المزعومة.
فإن توليتم أي أعرضتم عن تذكيري وكذبتم ولم تؤمنوا برسالتي ولم تطيعوني
فيما أدعوكم إليه من الدين الحق، فإني لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئاً:
أجراً أو جزاءً، إن ثواب عملي وجزائي على الله ربي الذي أرسلني إليكم،
وأمرني أن أكون من المسلمين، أي المنقادين الممثلين لما أُمرِتُ به من
٢٤٤
لُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٧١-٧٣
الاستسلام لكل ما يصل إلي من أجل هذه الدعوة، والإسلام والخضوع لله عز
وجل، والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم(١)، وإن تنوعت
شرائعهم التفصيلية كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾
[المائدة: ٤٨/٥] فأصولهم واحدة، ومصدرهم واحد، قال النبي ◌ُّ فيما رواه
البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد: ((الأنبياء أولاد عَلَّات)) أي أننا أولاد من
أمهات شتى والأب واحد، وديننا وإيماننا واحد: وهو عبادة الله وحده لا
شريك له، وإن تنوعت شرائعنا.
فكذبوه، أي فأصروا على تكذيبه، فنجيناه هو ومن آمن معه في الفُلْك أي
السفينة التي صنعها بأمرنا.
وجعلناهم خلائف، أي وجعلنا الناجين مع نوح في السفينة خلائف
أولئك الهالكين، في عمارة الأرض وسكناها من بعدهم، وأغرقنا بالطوفان
الذين كذبوا نوحاً، فانظر أيها الرسول كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المكذبين
(١) فهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ
رَبُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَوَضَّى بِهَا إِنْزَهِعُ بَنِيْهِ وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ
الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٣١/٢-١٣٢]. وقال يوسف: ﴿﴿ رَبِّ
قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَإِيّ، فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَّةِ
تَوَقَِّى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ ﴿َ﴾ [يوسف: ١٠١/١٢]. وقال موسى: ﴿يَقَوْم إِن كُمْ
ءَامَنُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُواْ إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤/١٠] وقال السحرة: ﴿رَبَّنَاَ أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦/٧] وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ
سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَّمِينَ﴾ [النمل: ٤٤/٢٧]. وقال تعالى واصفاً رسالة الأنبياء: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا
الثَّوْرَنَّةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤/٥] وقال تعالى عن
الحواريين: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُواْ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ يِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
[1]) [المائدة: ١١١/٥] وقال الرسول وسيد البشرهل* امتثالاً لقول الله: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ
وَحْيَاىَ وَمَمَاتٍ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ، لَا شَرِيكَ لََّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَنَا أَوَّلُ الْتِمِينَ (٣)﴾ [الأنعام: ٦/
١٦٢-١٦٣] أي من هذه الأمة.
٢٤٥
لِلُزُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٧١-٧٣
المنذرين، الذين أنذرهم رسولهم بالعذاب قبل وقوعه، فلم يرتدعوا، وأصروا
على تكذيبه، وهذه عاقبة كل المصرّين على تكذيب الأنبياء، وعاقبة المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - العبرة من قصة نوح: ذكر الله تعالى في هذه السورة قصة نوح عليه
السلام لفائدتين: الأولى - أن تصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وهجر
الجحود بالتوحيد والإيمان بالنبوة؛ لأن الله عجل هلاك قوم نوح بالغرق لما
أصروا على الكفر والجحود.
والثانية - أن الإنذار بالعذاب لابد أن يتحقق، فقد كان كفار مكة
يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول وَلو لهم، ويقولون له: كذبت، فإنه
ما جاءنا هذا العذاب، فذكر الله تعالى قصة نوح ليبين لهم أن ما أنذر به نوح
قومه وقع في نهاية الأمر، كما أخبر، فكذلك يقع كل عذاب أنذركم به.
أَّ - النظر في المواقف والمقارنة بينها: موقف نوح وموقف قومه، فموقف
نوح عليه السلام كان موقف المؤمن الجريء الجسور الذي لا يخشى الصعاب،
ولا يعرف التردد، ولا يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى الجمع الغفير
فيما يريدون أن يعملوه معه. وموقف قومه كان موقف الهيَّاب الضعيف
المتخاذل المتردد الذي لم يستطع اتخاذ قرار حاسم في شأن نوح، الذي كانت
هيبة الإيمان تحميه وتعصمه من مكائدهم وشرورهم.
◌َّ - كلمات نوح مع أولئك الكفار: كانت كلمات نوح مكونة من جملة
شرط وجزاء. أما الشرط ففيه أمران: الأول - ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى﴾
أي ثقل وشق بسبب مكثه فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وبسبب ما ألفه
الكفار من مذاهب فاسدة وعقائد ومناهج باطلة، والغالب أن من ألف طريقة
في الدين يثقل عليه تغييرها.
٢٤٦
◌ِلُرُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٧١-٧٣
والأمر الثاني - ﴿ وَتَذْكِيرِى بِئَايَتِ اٌللَّهِ﴾ لأن من شغف بلذات الدنيا كان
شديد النفرة من الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات.
وأما الجزاء على الشرط ففيه أمور خمسة:
الأول - ﴿فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي إن شدة بغضكم لي التي تحملكم على
إيذائي تجعلني لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله، وهذا منه توكل على الله
في دفع شر هذه الساعة، إن كان متوكلاً أبداً على الله تعالى.
الثاني - ﴿فَأَحِْعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ﴾ أي اعزموا على الأمر الذي تريدون
إيقاعه بي، وابذلوا جهودکم في الکید لي والمكر بي، مع شركائكم الأوثان التي
تسمونها آلهة، وفي هذا تحدٍ شديد لمخططاتهم ومكائدهم.
الثالث - ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُّكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةُ﴾ أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً
تتمكنون فيه مما شئتم، وفي هذا استعداد لمواجهة قراراتهم بصراحة وجرأة،
وصرامة وصبر.
الرابع - ﴿ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَ﴾ أي امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به،
وهذا دليل الإباء وعدم المبالاة بما ينفذون من قرار.
الخامس - ﴿ وَلَا نُظِرُونِ﴾ أي لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم
عليه، وهذا غاية الشجاعة والبأس، فإنه لا يحتاج إلى إنذار وإمهال. وهو
أيضاً من دلائل النبوات، فإنه أعلمهم أنهم لا يصلون إليه بسوء؛ لأن الله
عاصم أنبياءه.
٤ - النبي في دعوته لا يطلب أجراً من أحد على نصحه: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا
سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ قال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالاً على
دعوتهم إلى دين الله تعالى. ومتى كان الإنسان خالياً من الطمع كان قوله أقوى
تأثيراً في القلب. وهكذا كانت سيرة جميع الأنبياء.
٢٤٧
لُعُ (١١) - يُونِيَّ): ١٠ / ٧٤
٥ - الثبات على المبدأ: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ فيه قولان:
الأول - أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون
على دين الإسلام.
والثاني - أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة. قال
الرازي: وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لانسجامه مع قوله السابق: ﴿ثُمَّ
أَقْضُوْاْ إِلَىَّ﴾.
أَ - عاقبة القصة بين نوح وقومه: ترتب على هذا النقاش الحاد بين نوح
وقومه الكفار نتائج حاسمة ومهمة جداً.
أما بالنسبة لنوح وأصحابه فأمران: أنه تعالى نجاهم من الكفار، وأنه
جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق.
وأما بالنسبة للكفار: فهو أنه تعالى أغرقهم بالطوفان وأهلكهم. وهذه
القصة زجر للمخالفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح،
ودعوة المؤمنين للثبات على الإيمان.
وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا عرضت على سبيل الحكاية عمن
تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ. وتفاصيل هذه القصة ذكرت في سور
أخرى.
عادة الأمم في تكذيب الأنبياء
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ لَاءُوهُم ◌ِلْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا
(٧٤)
كَذَّبُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
٢٤٨
الُ (١١) - يُونَ: ٧٤/١٠
الإعراب:
﴿كَذَّبُواْ بِهِ،﴾ الضمير يعود على قوم نوح، أي فما كان قوم الأنبياء الذين
أرسلوا بعد نوح ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، بل كذبوا كتكذيب قوم نوح.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ بَعْدِهِ،﴾ أي بعد نوح. ﴿رُسُلَا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كإبراهيم وهود وصالح
﴿َجَاءُ وهُمْ بِالْبَيِنَتِ﴾ المعجزات المثبتة لدعواهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي قبل بعث
الرسل إليهم، أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل.
ويجوز أن يكون ذلك حكاية لما حدث في عهد نوح عليه السلام.﴿ كَذَلِكَ
نَطْبَعُ﴾ نختم والمراد أن القلوب تصبح غير قابلة لغير ما رسخ فيها ﴿عَلَى قُلُوبٍ
اٌلْمُعْتَدِينَ﴾ أي كما طبعنا على قلوب أولئك نطبع على قلوب المعتدين، أي
المتجاوزين حدود الحق والعدل فلا تقبل الإيمان، بخذلانهم لانهماكهم في
الضلال واتباع المألوف. قال البيضاوي: وهذا دليل على أن الأفعال واقعة
بقدرة الله تعالى وكسب العبد.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى قصة نوح مع قومه والعبرة منها، ذكر عبرة أخرى من
تاريخ الأقوام مع أنبيائهم، فإنهم لما كذبوا عوقبوا، وكما طبع الله على قلوب
هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، كذلك يطبع الله على قلوب أمثالهم.
فما على أهل مكة وغيرهم إلا الاتعاظ بذلك، وتجنب أسباب تلك العاقبة،
من الكفر والتكذيب، وإلا أدى بهم الكفر إلى الحيلولة عن الإيمان وما يتبعه
من السعادة.
التفسير والبيان:
ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم؛ مثل هود، وصالح، وإبراهیم،
٢٤٩
المُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٧٤
ولوط، وشعيب عليهم السلام، بالبينات، أي بالمعجزات القاهرة والأدلة
والبراهين العقلية والحسية على صدق ما جاؤوهم به.
﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي فما كانت تلك الأقوام لتؤمن بما جاءتهم به
رسلهم، بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم، وكما كذب به المتقدمون
عنهم من قبل ممن كانوا أمثالهم في سبب الكفر.
والمراد بقوله ﴿مِن قَبْلُ﴾ ما كان إيمانهم إلا ممتنعاً كالمحال لتصميمهم على
ج
الكفر قبل بعثة الرسل، وتكذيبهم كتكذيب قوم نوح، وكأنه لم يبعث إليهم
أحد. وعبارة المفسرين في تفسير القبلية متقاربة، فقال بعضهم: قبل بعثة
الرسل، وقال آخرون: بما كذب به قوم نوح من قبل.
كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي كما نختم على قلوب هؤلاء فلا
يؤمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا نختم على قلوب من أشبههم في العناد
ممن بعدهم من المعتدين كقومك، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
قال الزمخشري: والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم؛ لأن
الخذلان يتبعه، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.
وبعبارة أخرى: المراد بالطبع عدم قبول القلوب شيئاً من نور الهداية
والمعرفة؛ لأنهم تجاوزوا كل حد في الكفر والتكذيب، فلا يؤمنوا.
وهذا إنذار شديد لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء،
فإنه إذا كان قد أصاب المكذبين السابقين العذاب والنكال، فما ظن هؤلاء
وقد فعلوا مثلهم وأكبر مما فعله من تقدمهم؟ !.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
٢٥٠
الْجُرُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٧٥-٧٨
اً - تكذيب الأنبياء عادة شائعة بين الناس، لتأثرهم بما كانوا عليه قبل
بعثة الرسل من تصميم على الكفر ورسوخ فيه.
أَ - الطبع أو الختم على القلوب معناه التعبير عن العناد واللجاج
والخذلان.
مَّ - لقد أهلك الله الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن منهم.
٤ - احتج أهل السنة بالآية على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان،
بسبب عناده وتصميمه على الكفر وتكذيبه الرسل.
٥ - في الآية دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد،
أي أن الله يخلق للإنسان القدرة، والعبد يستخدمها فيما يختاره من خير أو
شر.
قصة موسى عليه السلام مع فرعون
- ١ -
الحوار بين موسى وفرعون
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، بِثَايَئِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ
وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُِّينٌ
٧٩
قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحُرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحُرُونَ ﴾
قَالُواْ
أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابََّنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا
٧٨
بِمُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿أَجِئْتَنَا﴾:
٢٥١
المُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٧٥-٧٨
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (أجيتنا).
المفردات اللغوية:
﴿ِثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم﴾ من بعد هؤلاء الرّسل. ﴿وَمَلَإِيْهِ،﴾ قومه أو أشراف
القوم. ﴿ بِكَايَِّنَا﴾ الآيات التّسع. ﴿فَأُسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان بها. ﴿لَسِحْرٌ مُِّينٌ﴾
بيِّن ظاهر. ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ إنه لسّحر، فحذف المحكي بالقول
لدلالة ما قبله عليه.
﴿أَسِحْرُ هَذَا﴾ هو استئناف بإنكار ما قالوه . ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ﴾ من تمام
كلام موسى، للدّلالة على أنه ليس بسحر، فإنه لو كان سحراً لاضمحلّ، ولم
· يبطل سحر السّحرة، فهذا دليل من موسى عليه السّلام على أنه ليس بسحر،
وإنما السّحر تخييل وتمويه.
(لِتَلْفِثَنَا﴾ لتردّنا وتصرفنا عنه، واللفت والفتل مترادفان. ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا
اَلْكِبْرِيَاءُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ الملك فيها، سمي بها لاتِّصاف الملوك بالكبر والتكبر على
الناس باستتباعهم . ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين فيما جئتنا به.
المناسبة:
هذه هي القصّة الثانية المذكورة في سورة يونس، وهي قصة موسى وهارون .
مع فرعون وملئه، وقد تكرر ذكرها في القرآن للدّلالة على أنّ قوة الحقّ
وصوت النّبوة يعلوان الملك والحكم والسّلطان، ويقوضان العروش، ويزيلان
دعائم الباطل. وهذا هو الفصل الأول من القصة وهو الحوار بين موسى
وفرعون.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الأول من قصة موسى عليه السّلام.
٢٥٢
المُ (١١) - يُونِرَ: ١٠ / ٧٥-٧٨
والمعنى: ثم بعثنا من بعد تلك الرّسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك
مصر وأشراف قومه، أما بقية الناس فهم تبع لهم في الكفر والإيمان، ولذا لم
یذکروا.
بعثناهما بآياتنا المذكورة في سورة الأعراف(١) وغيرها، فاستكبروا عن اتِّباع
الحقّ والانقياد له، وعن الإيمان بموسى وهارون، وكانوا قوماً مجرمين أي
معتادي الإجرام كفاراً ذوي آثام عظام، راسخين في الجريمة والظّلم والإفساد
في الأرض. وأعظم الكبر: أن يتهاون الناس برسالة ربّهم بعد قيام الأدلّة على
صحّتها.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي فلما جاءهم موسى بالأدلّة الدّالة على الربوبية
والألوهية الحقّة، قالوا عناداً وعتواً وحبّاً للشّهوات: إن هذا لسحر واضح،
قالوا مقسمين على قولهم مؤكدين له بإنّ، واسم الإشارة، واللام في الخبر،
والجملة الاسمية. وهم يعلمون أن ماقالوه كذب وبهتان، كما قال تعالى:
﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَا﴾ [النمل: ١٤/٢٧].
﴿قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ قال لهم موسى منكراً عليهم وموتّاً لهم:
أتقولون للحقّ الواضح البعيد كل البعد عن السّحر الباطل: إنه سحر، عجباً
لكم أسحر هذا؟! والحال أنكم تعرفون أن السحر تخييل وتمويه، ولو كان هذا
سحراً لاضمحلّ، ولم يبطل سحر السَّحرة، ولا يفوز السّاحرون في ساحات
الحقائق، وقضايا الدِّين، وأصول الحياة، وإقامة الممالك؛ لأن السّحر شعوذة
وخفّة يد لا تغير من الحقيقة شيئاً. وقولهم: هذا سحر محذوف، والاستفهام
بقوله: أتقولون؟ إنكار، ثم استأنف إنكاراً آخر من قِبَله، فقال: ﴿أَسِحْرُ
(١) وهي السّنون (أعوام الجدب والقحط) ونقص الأموال، ونقص الأنفس، ونقص الثّمرات،
والطّوفان، والجراد، والقعَّل، والضفادع، والدّم، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُوفَانَ وَالْرَادَ
وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣/٧].
٢٥٣
الْجُزْءُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٧٥-٧٨
هَذَا﴾؟! وحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم، منكراً على فرعون
وملئه.
فأجابوه إجابة الضعيف المفلس الحجة الذي لا يجد متمسكاً له إلا التقليد
الآباء والأجداد ووراثة العادات والطقوس الدِّينية، فقالوا: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا
لِتَلْفِئْنَا﴾ أي أجئتنا يا موسى لتصرفنا عن دين آبائنا وأجدادنا، ولتكون لكما
أي لك ولهارون أخيك الكبرياء في الأرض، أي الرِّياسة الدِّينية والدّنيوية أو
العظمة والملك والسّلطان، وما نحن لكما بمصدقین لکما فیما تدعیانه من دين
جديد يغاير دين الأسلاف والآباء. وهذا سبب تكذيب الرّسل دائماً.
وقد خاطبوا موسى أولاً؛ لأنه كان هو الدّاعي لهم للإيمان بما جاء به،
والإقرار بتوحيد الإله، ونبذ عبادة الأصنام والأوثان. ثم أشركوا معه أخاه في
الإفادة من ثمرات الدّعوة وهي النّفوذ والسّلطة والعظمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يختلف شأن فرعون وقومه عمن قبله من الأُمم، في تكذيب الأنبياء،
وعناد الدّعاة إلى الإيمان بالله، والتّخلص من عبادة الأصنام.
وتمثل هذه القصة شدّة العناد بسبب عظمة السلطان والملك والجاه، أمام
شخصین ضعیفین موسى وهارون، وکان موسی قد تربى في بيت فرعون.
ولكن الضعف الشّخصي يزول أمام قوة الاعتزاز بالنّبوة والإيمان، فبالرغم
من هذا الضعف بادر موسى وهارون إلى دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان بالله
تعالى، والتّرفع عن التّأله وتعظيم ما دون الله.
وأيد الله موسى بآيات تسع سلّطها على أهل مصر، كالقحط المتوالي،
ونقص الأنفس والأموال والثّمرات بسبب الأمراض والجوع، والطّوفان
والجراد والقمَّل والضّفادع والدّم، ومع ذلك لم يؤمن فرعون وقومه، ووصفوا
الآيات والمعجزات بالسِّحر.
٢٥٤
المُ (١١) - يُونَر): ١٠/ ٧٥-٧٨
فعجب موسى منهم ووتَّخهم منكراً عليهم وصف المعجزة بالسّحر،
وناقشهم ببيان الفرق الواضح بين المعجزة والسّحر، فلم يجدوا جواباً مقنعاً
إلا الارتماء في أحضان التّقليد واتِّباع دين الآباء والأجداد، والتّرفع عن
الإيمان، واتّهموا موسى وأخاه بأنهما يستهدفان من وراء دعوتهما الوصول إلى
السلطة والملك في أرض مصر، ولم يدروا بأن الإيمان بالله وبالأنبياء أسمى
وأجل وأقدس من النزعات الشخصية الشهوانية، وحبّ السّلطة والتّسلط،
فهذه مظاهر فانية، وأثر الإيمان خالد باقٍ.
والخلاصة:
إن قوم فرعون عللوا عدم قبول دعوة موسى بأمرين :
الأول - التّمسك بالتقليد: وهو معنى قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِثَنَا عَمَّا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَذَا﴾ فإنهم تمسكوا بالتّقليد، ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد
الإصرار.
والثاني - الاتّهام بالحرص على طلب الدّنيا والوصول إلى الرِّياسة: وهو
معنى قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَّءُ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي يكون لكما الملك
والعزّ في أرض مصر، والخطاب هنا لموسى وهارون، ولما ذكروا هذين السّببين
صرحوا بالحكم وقالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
٢٥٥
الُ (١١) - يُونَرَ): ١٠/ ٧٩-٨٢
- ٢ -
إحضار فرعون السحرة لمقاومة دعوة موسى
) فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم ◌ُوسَىّ
٧٩
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (
أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُلْقُونَ ﴿ فَلَمَّ أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ
سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴿ وَيُحِقُ اللَّهُ أَلْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ
٨٢
كَرَةَ الْمُجْرِمُونَ
القراءات:
﴿فِرْعَوْنُ آئْتُونِ﴾ :
قرأ ورش، والسوسي بإبدال الهمزة الساكنة واواً مدية حالة الوصل.
وقرأ الباقون بالتحقيق.
﴿بِكُلِّ سَحِرٍ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (بكل سخَّار).
﴿جِئْتُم﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيتم).
﴿ ◌ِ اَلْسِحْرٌ﴾:
وقرأ أبو عمرو بزيادة همزة استفهام قبل همزة الوصل.
﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحُرُ﴾ ﴿مَا﴾: إما اسم موصول بمعنى الذي، وإما
الإعراب:
٢٥٦
لالُعُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٧٩-٨٢
استفهامية، فإذا كانت اسماً موصولاً كانت مع الصّلة في موضع رفع
بالابتداء، و﴿السِّحْرُ﴾: خبره. وإذا كانت استفهاماً كانت أيضاً مبتدأ،
و﴿جِئْتُم بِهِ﴾ الخبر، و﴿السِّحْرُ﴾ خبر مبتدأ مقدر، تقديره: هو السحر.
ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب على تقدير فعل بعد ﴿مَا﴾
وتقديره: أي شيء أتيتم أو جئتم به، و﴿السِّحُرُ﴾ خبر مبتدأ مقدر أي هو
السحر.
ولا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب إذا كانت بمعنى الذي؛ لأن ما
بعدها صلتها، والصّلة لا تعمل في الاسم الموصول، ولا تكون تفسيراً للعامل
الذي تعمل فيه.
البلاغة:
﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿سَحِرٍ عَلِيمٍ﴾ حاذق في السحر، فائق فيه. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْ﴾ حبالهم
وعصيهم . ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾ أي الذي جئتم به هو السّحر، لا ما سماه
فرعون وقومه سحراً وهو المعجزات . ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾﴾ سيمحقه أو سيظهر
بطلانه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا يثبته ولا يقويه. وفيه دليل على
أن السّحر إفساد وتمويه لا حقيقة له . ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ اُلْحَقَّ﴾ أي يثبته ويظهره.
بِكَلِمَِهِ﴾ بأوامره وقضاياه. ﴿وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُجْرِمُونَ﴾ ذلك.
المناسبة:
هذا هو الفصل الثاني من قصة موسى مع فرعون، فإن فرعون أراد
الاستعانة بالسّحرة لمعارضة معجزة موسى ومقاومة دعوته، فأمر بإحضار
٢٥٧
المُرءُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٧٩-٨٢
حذاق السّحرة ليظهر للناس أن ما أتى به موسى نوع من السّحر، فيصدّ الناس
عن اتباعه، باعتبار أنه ساحر.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الثاني من قصة موسى عليه السّلام حيث استعان فرعون
عليه بالسحرة.
ويلاحظ أنه ذكرت قصة السّحرة مع موسى في سورة الأعراف، كما تقدّم،
وفي هذه السّورة، وفي سورة طه وفي الشُّعراء؛ لأن فرعون أراد التمويه على
الناس وصدّهم عن اتباع موسى ومعارضة ما جاء به عليه السّلام من الحقّ
المبين، من طريق زخارف السّحرة والمشعوذين، فانعكس عليه الأمر، وصدم
مرامه، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام: ﴿وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ
[الأعراف:
قَالُوْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
سَجِدِينَ
١٢٠/٧-١٢٢] .
ومعنى الآيات هنا: قال فرعون لحاشيته أو ملئه لما رأى العصا واليد
البيضاء واعتقد أنهما سحر فائق حاذق في علم السحر، لظنّهم ألا فرق بين
المعجزة الإلهية والسّحر. فأتوا بهم، فلما جاء السّحرة وتجمّعوا، قال لهم
موسى بعد أن خيَروه بين أن يلقي ما عنده أولاً، أو يلقوا هم ما عندهم، كما
ذكر في سورة الأعراف: بل ألقوا ما أنتم ملقون من فنون السّحر، ليظهر الحقّ
ويبطل الباطل. فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا،
ويستنفدوا ما لديهم من طاقات وخبرات، ثم يأتي بالحق بعده، فيدمغ
باطلهم، ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر
عظيم: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِفَةً مُوسَى ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
٦٨
وَأَلْقِ مَا فِىِ يَمِينِكَ نَّلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى
﴾ [طه: ٢٠ /٦٧ -٦٩] .
٦٩
٢٥٨
الجُزُ (١١) - يُونَ: ٧٩/١٠-٨٢
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ﴾ أي فلما ألقوا ما عندهم من الحبال والعصي قال موسى
واثقاً غير مبالٍ بهم: ما أتيتم به هو السّحر بعينه، لا ما سماه فرعون سحراً
مما جئت به من الآيات والمعجزات من عند الله. وهذا السّحر الذي أظهرتموه
إن الله سيمحقه وسيظهر بطلانه قطعاً أمام الناس، بما يفوقه من المعجزة التي
هي آية خارقة للعادة تفوق السّحر وأشكاله المختلفة.
ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي لا يثبّته ولا
يقويه، ولا يجعله صالحاً للبقاء، ﴿ وَيُحِقُ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ،﴾ أي ويريد الله أن
يؤيِّد الحقّ ويظهره، ويثبته ويقويه، وينصره على الباطل بأوامره ووعده
موسى، وقيل: بما سبق من قضائه وقدره . ﴿وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُجْرِمُونَ﴾ أي ولو
كره المجرمون الظالمون كفرعون وملئه ذلك، أي نصر الحقّ على الباطل. وفي آية
﴾ [الأعراف: ١١٨/٧]، وقوله
أخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ [٨])
تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩/٢٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه مبارزة بين الحقّ والباطل، بين المعجزة والسّحر، فالمعجزة آية إلهية
خارقة للعادة يؤيِّد الله بها صدق الأنبياء لإقناع الناس وتصديق دعوتهم. وأمّا
السّحر فهو إفساد وتمويه وتزييف لا حقيقة له، فلم يستطع الصمود أمام
الشيء الحقيقي الثابت الذي لا تمويه فيه.
وهذا المعنى هو ما تضمنته آية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي لا
يضرّ أحداً كيد ساحر. لذا قال العلماء: لا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه
السحر.
وكان في خطة موسى عليه السّلام بأن يبدأ السّحرة أولاً بالإلقاء براعة وثقة
بما لديه من المعجزة وعدم اكتراث بالسّحرة، فإنّ كل ما فعلوه من لفت أنظار
الناس وإخافتهم حينما ألقوا حبالهم وعصيهم، تُحِق وأبطل بإلقاء العصا التي
٢٥٩
المُرءُ (١١) - يُونَرَ: ٨٣/١٠-٨٧
انقلبت ثعباناً عظيماً التهم جميع الحبال والعصي، وصدق فيما أعلنه قبل
المبارزة: ﴿مَا جِئْتُم بِ السِّحُرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾.
وحينئذٍ أدرك السّحرة خسارتهم، وعرفوا أنّ فعل موسى ليس من قبيل
السّحر، فهم أعرف الناس بفنونه، فلم يعاندوا، وشرح الله صدورهم
للإيمان، واستيقظ فيهم عنصر العقل والتّفكير، ولم يرهبهم تهديد فرعون،
فأعلنوا إيمانهم بربِّ موسى وهارون، فأسقط في أيدي فرعون وملئه، وخابوا
وخسروا، واستوجبوا نار جهنم بإصرارهم على الكفر.
والخلاصة المستنبطة من هذه الآية: أن السّحر تمويه وزيف باطل، والله
تعالى يحقّ الحقّ ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون، أي الفجرة الكافرون.
- ٣ -
إيمان طائفة من بني إسرائيل بدعوة موسى
﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ
﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمُ إِن
يَفْئِنَهُمَّ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّنَا لَا
كُمْ ءَامَنُثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُواْ إِن كُم مُّسْلِمِينَ
٨٦
وَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
٨٥
تَجْعَلْنَا فِتْنَةُ لِلْقَوْمِ اٌلَّالِمِينَ
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُونًا وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً
(AV
وَأَقِمُواْ الصَلَوَةٌ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
(بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ﴾ قرئ:
١- (بُيُوتاً .. بُيُوتكم) وهي قراءة: ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢٦٠
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٨٣-٨٧
٢- (بِيُوتاً .. بِيُوتكم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ﴾ جمع الضَّمير في ملئهم لخمسة أوجه:
الأول - جمع الضمير على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، فيقول الواحد
منهم: نحن فعلنا، ومنه قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾، وكان فرعون جباراً
فأخبر عنه بفعل الجميع.
الثاني - جمع الضمير على أن المراد بفرعون آله، كما يقال: ربيعة ومضر،
ويكون في الكلام حذف مضاف، تقديره: على خوف من آل فرعون.
الثالث - جمع لأنه ذو أصحاب يأتمرون به.
الرابع - أن جمع الضمير يعود على الذّرية التي تقدم ذكرها.
الخامس - أنه يعود على القوم الذين تقدم ذكرهم.
﴿أَنْ يَفْئِنَهُمْ﴾ بدل مجرور من ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بدل اشتمال.
﴿أَنْ تَبَوَءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ اللام مقحمة، وجعل ﴿تَبَوَءَا﴾ متعدياً مثل
بوّأ، يقال: بوّأته وتبوّأته، كقولهم: علقته وتعلقته.
المفردات اللغوية:
﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ طائفة من شبّانهم، والذّرية في أصل اللغة: صغار الأولاد،
وتستعمل عرفاً في الصِّغار والكبار . ﴿عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَّاِهِمْ﴾ أي مع
خوف منهم، والضَّمير لفرعون ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ الفتنة في اللغة: الاختبار
والابتلاء بالشّدائد، والمراد هنا التّعذيب، أي أن يعذّبهم فرعون ويصرفهم
بالتّعذيب عن دينهم. وإفراده بالضَّمير للدلالة على أن الخوف من الملأ كان