Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الجُزُرُ (١١) - يُوذت: ١٠ / ٤٦-٥٦
آخرته بالدنيا فقد خسر؛ لأنه أعطى الكثير وأخذ القليل، وأن الكافر اهتدى
إلى رعاية مصالح تجارته هذه.
كذلك أشارت الآية إلى أن الناس في الآخرة يعرف بعضهم بعضاً، ولكن
التعارف يمكث وقتاً يسيراً، ويقولون: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اَللَّهِ﴾ أي
بالبعث والنشور.
ومع أنني اتجهت في تفسير الآية إلى مقابلة الدنيا بالآخرة فإن ما ذكر في
الآية من لبث قدر ساعة من النهار يحتمل أن يكون ذلك هو عمرهم في الدنيا،
أو مدة بقائهم في قبورهم، لهول مايرون من البعث.
تعذيب المشركين في الدنيا والآخرة
يَفْعَلُونَ
﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ أَوْ نَوَقَّنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرِجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا
وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ
٤٦
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنِيُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُل لَّ أَمْلِكُ
٤٧
لَا يُظْلَمُونَ
لِنَفْسِي ضَرَّا وَلَ نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَشْخِرُونَ
(﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُهُ بَيَتَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ
سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
٥١
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُم ◌ِنَّةٍ ءَّالْثَنَ وَقَدْ كُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ
٥٠
مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
٥٣
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ
وَلَوْ أَنَّ
٥٣
وَيَسْتَنَِّئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ
لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِىِ اُلْأَرْضِ لَآَفْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابٌ
وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿ أَاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ
﴿ هُوَ يُحِ، وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ
وَالْأَرْضِّ أَّ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٥٦٦
تُرْجَعُونَ

٢٠٢
الُزْعُ (١١) - يُونِر): ١٠ / ٤٦-٥٦
القراءات:
﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾
بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، قرأ قالون، والبزي، وأبو عمرو.
وبتسهيل الهمزة الثانية قرأ ورش، وقنبل.
وقرأ الباقون بتحقيقها.
﴿ وَرَبِّ إِنَّهُ﴾.
وقرأ نافع، وأبو عمرو (وربيَ إنه).
الإعراب:
﴿بَيَنَا﴾ منصوب على الظرف بمعنى وقت بيات.
﴿ مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ يجوز جعله جواباً للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا
تطعمني؟ ويجوز جعل جواب الشرط محذوفاً وهو: تندموا على الاستعجال أو
تعرفوا الخطأ فيه.
{وَيَسْتَنَِّئُونَكَ﴾ إما بمعنى: يستخبرونك، فيتعدى إلى مفعولين، الأول هو
الكاف والثاني جملة ﴿أَحَقُّ هُوَّ﴾ جملة اسمية في موضع المفعول الثاني. وإما
بمعنى يستعملونك فيتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فتكون الجملة الاسمية قد سدت
مسدّ المفعولين.
﴿إِى وَرَبِّ﴾ إي: حرف يكون مع القسم بمعنى نعم، وجواب القسم:
(إِنَّمُ لَحَقٌ﴾.
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ تستعمل ((أرأيت)) بمعنى أخبرني، والرؤية إما بصرية أو علمية،
ولا نستعمل في غير الأمر العجيب مثل: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ
(ج) ﴿أَيْتَ الَّذِى يَنْعَىّ
١٠
عَبْدًا إِذَا صَلَ
طـ

٢٠٣
الجُرحُ (١١) - يُونشر): ١٠ / ٤٦-٥٦
البلاغة:
﴿ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ بينهما طباق، ومثله بين ﴿بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا﴾ وبين ﴿ثُحِىء
وَيُمِيتُ﴾ وبين ﴿يَسْتَنْخِرُونَ﴾ و﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر للتهويل
والتشنيع على الجرْم، كما أن هذا الاستفهام للتهويل والتعظيم.
﴿أَثُمَّ﴾ دخول حرف الاستفهام على ثم لإنكار التأخير لإيمانهم، فلا يقبل
منهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِمَّا﴾ أدغمت فيه نون إن الشرطية في ما المزيدة. ﴿ثُرِيَنَّكَ﴾ نبصرنك.
[بَعْضَ اُلَّذِى نَعِلُهُمْ﴾ به من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر، وجواب
الشرط محذوف أي فذاك . ﴿أَوْ نَوَقَّنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم. ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾
فنريكه في الآخرة، وهو جواب: ﴿نَوَقَّكَ﴾. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مطلع أو مجاز
عليه، فإنه ذكر الشهادة وأراد نتيجتها . ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ من تكذيبهم
وكفرهم، فيعذبهم أشد العذاب.
﴿ وَلِكُلِ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية. ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ﴾ إليهم بالبينات
فكذبوه. ﴿قُضِىَ بَيْنَهُم بِلْقِسْطِ ﴾ بالعدل، أي بين الرسول ومكذبيه،
فيعذبون وينجَّى الرسول ومن آمن به . ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بتعذيبهم بغير جرم،
فكذلك نفعل بهؤلاء.
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ﴾ بالعذاب، يراد استبعاد له واستهزاء به، وقولهم
خطاب للنبي وَّ والمؤمنين. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أن أملكه أو يقدرني عليه،
فكيف أملك لكم حلول العذاب. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُ﴾ مدة معلومة لهلاكهم. ﴿فَلَا
يَسْتَشْخِرُونَ﴾ يتأخرون عنه . ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يتقدمون عليه.

٢٠٤
الُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٤٦-٥٦
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ﴾ عذاب الله الذي تستعجلون به.
﴿بَيَنَا﴾ ليلاً. ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾ : أي شيء من العذاب يستعجلونه، وكله
شديد مؤلم لا يلائم الاستعجال. ﴿اَلْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. وجواب الشرط:
هي جملة الاستفهام، كقولك: إذا أتيتك ماذا تعطيني؟ والمراد به التهويل، أي
ما أعظم ما استعجلوه. ﴿ءَالْكَنَ﴾ تؤمنون؟ على إرادة القول، أي يقال لهم إن
آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به؟ ﴿وَقَدْ كُنْتُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استهزاء
وتكذيباً.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ عطف على (قيل أو: يقال) المقدر قبل: ﴿ءَ الَْنَ﴾.
﴿عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي الذي تخلدون فيه، أي المؤلم على الدوام. ﴿هَلْ تُجُزَّوْنَ
إِلَّا بِمَا كُمُ تَكْسِبُونَ﴾ أي ما تجزون إلا جزاء على ما كسبتموه من الكفر
والمعاصي.
﴿وَيَسْتَئِشُونَكَ﴾ يستخبرونك. ﴿أَحَقُّ هُوَّ﴾ أي أحق ما تقول من الوعد الذي
وعدتنا به من العذاب والبعث. ﴿قُلّ إِى﴾ نعم. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين العذاب.
﴿ظَمَتْ﴾ بالشرك أو الكفر أو التعدي على الغير. ﴿مَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ ما فيها
جميعاً من خزائن وأموال . ﴿لَآَفْتَدَتْ بِهِ﴾ لجعلته فدية لها من العذاب يوم
القيامة. ﴿النَّدَامَةَ﴾ على ترك الإيمان. ﴿لَمَّا رَأَوْ اٌلْعَذَابَ﴾ لأنهم بهتوا بما
عاينوا مِن الهول فلم يقدروا على النطق. ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُم﴾ بين الخلائق.
﴿بِاَلْقِسْطِ﴾ بالعدل. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ شيئاً. وليس هذا تكراراً مع ما سبق
من القضاء بالقسط؛ لأن الله يقضي بين الأنبياء ومكذبيهم، والثاني فيه مجازاة
المشركين على الشرك، أو الحكم بين الظالمين والمظلومين.
﴿أَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقرير لقدرته تعالى على الإثابة
والعقاب. ﴿أَّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي إن وعده بالبعث والجزاء من ثواب
وعقاب كائن ثابت لا خلف فيه. ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس لا
يعلمون ذلك، لقصور عقولهم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا.

٢٠٥
الُزْءُ (١١) - يُونسر): ١٠/ ٤٦-٥٦
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى خسارة المشركين المكذبين بالبعث الذين لم يهتدوا إلى
وجوه الخير والصلاح، وأنهم سيعذبون، أوضح أن بعض هذا العذاب
سيكون في الدنيا، وبعضه في الآخرة، وهو تنبيه على أن عاقبة المذنبين مذمومة
قبيحة جداً.
وليس هذا حال محمد رَّلي مع قومه، بل هو حال كل الأنبياء مع أقوامهم.
ثم بَيَّن الله تعالى الشبهة الخامسة(١) من شبهات منكري النبوة، فإنه ◌َّ كلما
هددهم بنزول العذاب، ومَرَّ زمان ولم يظهر ذلك العذاب، قالوا: متى هذا
الوعد إن كنتم صادقين؟ واحتجوا بعدم وجوده على القدح في نبوته وَلّ. ثم
أجابهم تعالى بأنه لو نزل هذا العذاب، ما الفائدة لكم فيه؟ فإن قلتم: نؤمن
عنده، فالإيمان وقت الإلجاء والعسر باطل، فيكون هذا العذاب في الدنيا، ثم
يعقبه عذاب آخر أشد منه يوم القيامة؟
وبالرغم من سؤالهم: ﴿مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ﴾ وإجابتهم، عادوا مرة أخرى إلى
الرسول وَّ﴿ يسألونه: ﴿أَحَقُّ هُوَّ﴾ أي المعاد والقيامة من القبور ثم العذاب؟
هو حق وأنه ليس للظالم شيء يفتدي به، فإن كل الأشياء ملك الله تعالى، وأن
ثبوت النبوة وصحة المعاد متفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم، وكل ما
سواه ملکه.
التفسير والبيان:
كان المشركون يكذبون النبي 98َّ في توعده لهم بالعذاب، وكانوا يستعجلون
نزوله تكذيباً له واستهزاء به، ويتمنون موته لتموت دعوته، فرد الله تعالى
عليهم مخاطباً رسوله ◌ّله: إن ننتقم منهم في حياتك لتقرّ عینك كما حدث يوم
(١) قد مضى بيان الشبهات الأربعة في هذه السورة.

٢٠٦
الُُ (١١) - يُونِسَرَ: ١٠ / ٤٦-٥٦
بدر وحنين وغيرهما، فذاك؛ وإن توفيناك قبل ذلك فمصيرهم ومنقلبهم إلينا
بكل حال، فنريك عذابهم في الآخرة، والله مطلع على أفعالهم بعدك،
فيجازيهم به، على علم وشهادة حق. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِن مَّا نُزِيَنَّكَ بَعْضَ
[الرعد: ١٣ /
الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا اُلْحِسَابُ
٤٠] .
وهذا يدل على أنه تعالى يُري رسوله أنواعاً من ذل الكافرين وخزيهم في
الدنيا، وسيزيد عليه بعد وفاته.
وهذا ليس حال النبي وَالر مع قومه، بل هو حال الأنبياء كلهم مع
أقوامهم، فإنه تعالى أرسل لكل أمة من الأمم الخالية رسولاً، يدعوهم إلى
الإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى العمل الصالح مناط النجاة في الآخرة. وهذا
يدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله إليهم رسولاً: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا
خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤/٣٥].
فإذا جاء رسولهم إليهم بالبينات فكذبوه، قضى الله بينه وبينهم بالعدل،
فيعذبون، وينجي الله رسوله ومن صدقه، وهم لا يظلمون في قضائه شيئاً،
مما ينزل بهم من عذاب، فلن يكون عذاب بغير ذنب ارتكبوه.
ويقول كفار قريش للرسول وسل﴾ وللمؤمنين تكذيباً واستهزاء، كلما هددهم
بنزول العذاب على شركهم ولم ينزل: متى يقع هذا الوعيد، إن كنتم صادقين
في تهديدكم وقولكم؟
فأجابهم الله تعالى بجواب يحسم هذه الشبهة: قل أيها الرسول لمن يستعجل
العذاب: إني بشر لا أملك لنفسي ضراً أمنعه، ولا نفعاً أجلبه، إلا ما شاء الله
أن يقدرني. والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار نصر المؤمنين لا يقدر
عليه أحد إلا الله سبحانه، وأنه تعالى ما عيَّن لذلك الوعيد وقتاً معيناً، فهذا
من شأن الإله، وأما الرسول فمهمته مقصورة على التبليغ لما جاء من عند الله.

٢٠٧
لُ (١١) - يُوذَرَ): ١٠ / ٤٦-٥٦
والاستثناء هنا في رأي أهل السنة منقطع، أي ولكن ما شاء الله من ذلك
کائن.
ولكل أمة من الأمم مدة من الزمن أو العمر مقدرة، فإذا جاء أجلهم، لا
يملك رسولهم ولا غيره أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة من الزمان المقدر له.
وهذا يدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط، لا متأخراً عنه، وأن
حرف الفاء لا يدل على التراخي، وإنما يدل على كونه جزاء ..
ثم أجابهم الله تعالى بجواب آخر: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ﴾ أي قل لهم أيها
الرسول: أخبروني عن حالكم وما يمكنكم أن تفعلوه، إن أتاكم عذابه ليلاً
وقت مبیتکم، أو نهاراً وقت شغلكم.
وأي نوع من العذاب تستعجلون، أعذاب الدنيا أم عذاب الآخرة؟ وكل
من العذابين واقع شديد، وأي عذاب تطلبون تعجيله فهو جهل وحماقة؟ فأي
فائدة لكم فيه؟ إن قلتم: نؤمن عنده، فالإيمان وقت الشدة والیاس باطل،
فالعذاب القريب هو عذاب الدنيا، ويعقبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه.
وهذا معنى قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِدَّةٍ﴾ أي أتنتظرون مجيء هذا
العذاب للإيمان؟ فإذا وقع بالفعل آمنتم به، في وقت لا ينفع الإيمان، ويقال
لكم توبيخاً: آلآن آمنتم بالله والرسول اضطراراً وقسراً، مع أنكم كنتم قبل
ذلك تستعجلون العذاب على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب
والاستكبار؟! ودخلت ألف الاستفهام على (ثم) للتقرير والتوبيخ، وليدل
على أن معنى الجملة الثانية بعد الأولى.
ثم يقال للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان، وتكذيب الرسول
ووعيده: تجرعوا عذاب الله الدائم لكم أبداً، هل تجزون أي لا تجزون إلا بما
كنتم تكسبون وتعملون باختياركم من الكفر والمعاصي.

٢٠٨
الُ (١١) - يُوذستر): ١٠ / ٤٦-٥٦
وذِكْر هذه العلة: ﴿بِمَا كُمُ تَكْسِبُونَ﴾ كلما ذكر العقاب والعذاب دليل
على أن جانب الرحمة راجح غالباً، وجانب العذاب مرجوح مغلوب.
وظاهر الآية يدل على أن الجزاء من جنس العمل، ويوجب العمل؛ لأن
ذلك الجزاء عند أهل السنة واجب بحكم الوعد المحض، وعند المعتزلة فلأن
العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى.
والآية تدل أيضاً على كون العبد مكتسباً للخير والشر، خلافاً للجبرية.
وبالرغم من جواب الله تعالى بما ذكر عن سؤال الكفار: ﴿مَتَى هَذَا
اُلْوَعْدُ﴾ فإنه أخبر سبحانه أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى، وسألوه مرة
أخرى، عن ذلك السؤال، فقال: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾.
أي ويستخبرونك أيها الرسول أن تخبرهم عن عذاب الدنيا والآخرة أحق
أنه سيقع على ما نكسبه من المعاصي في الدنيا، أم هو مجرد إرهاب وتخويف؟.
وتكرار السؤال دليل على أن القوم تملَّكهم إحساس شديد بالقلق والخوف
من العذاب، كأنهم لم يكونوا على يقين من تكذيبهم.
فقل لهم أيها الرسول: نعم وربي، إنه حق ثابت واقع ما له من دافع، وما
أنتم بمعجزين أي بفائتين العذاب، وليس صيرورتكم تراباً بمعجز الله عن
إعادتكم كما بدأكم من العدم: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ
﴾ [يس: ٨٢/٣٦] .
٨٢
وليس لهذه الآية نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن
يقسم بِه على من أنكر المعاد، وهما في سورة سبأ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِيِنَا
الَاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِ لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣/٣٤]. وفي التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرَوَاْ
أَن لَّنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِ لَنْتُعَنُنَّ ثُمَّ لَنُبَوْنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
٧
[التغابن: ٧/٦٤].

٢٠٩
الجزء (١١) - يُونستر): ١٠/ ٤٦-٥٦
ثم أخبر الله تعالى عن بعض مضايقات وأهوال القيامة فقال: ﴿ وَلَوَ أَنَّ لِكُلِّ
نَفْسِ﴾ أي أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء
الأرض ذهباً.
وأسروا الندم: وهو ما يجد الإنسان في نفسه من الألم والحسرة عقب كل
فعل ضارّ، لما رأوا العذاب الشديد، فصاروا مبهوتين متحيرين. وقد يجهرون
بالندم كما قال: ﴿بَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦/٣٩] ثم بين
تعالى أنه لا ظلم حينئذ فقال: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أي وحكم الله بين
ج
الظالمين والمظلومين بالعدل. لأن الكفار وإن اشتركوا في العذاب، فإنه لا بد
وأن يقضي الله تعالى بينهم بالحق، رفعاً لما ظلم به بعضهم بعضاً في الدنيا،
فيكون في القضاء تخفيف عذاب بعضهم، وتثقيل عذاب الباقين.
ثم أتبع ذلك الإعلام وأنه ليس للظالم شيء يفتدي به، بأن الملك كله لله وأنه
المعاقب فإن الله مالك السماوات والأرض، وكل الأشياء ملکه وفي سلطانه،
وأن وعده حق كائن لا محالة، ولكن أكثر الكفار منكري البعث والجزاء لا
يعلمون أمر الآخرة والمعاد، لغفلتهم عنها، وعدم إيمانهم بالإله القادر
الحكيم، فأبان تعالى لهم الحقيقة، وأن كل ما سواه مملوك له.
والدليل على قدرته تعالى على البعث والجزاء والثواب والعقاب أنه تعالى
هو المحيي والمميت، وإليه مرجع الخلائق حين يحييهم بعد موتهم، فيحشرهم
للحساب والجزاء على أعمالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - عذاب الكفار شديد مضاعف في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يعذبون
بالهزيمة والذل والخزي ونحوها من القلق والخوف، وفي الآخرة بعذاب النار.

٢١٠
الجُزُ (١١) - يُونس): ١٠ / ٤٦-٥٦
والله تعالى يري رسوله في الدنيا نماذج من عذابهم، وسيريه يوم القيامة ما هو
أشد وأكثر، مما يدل على أن عاقبة المؤمنين محمودة، وعاقبة المذنبين مذمومة.
٣ - لكل أمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي
بينهم، وكذلك لا يعذب الناس في الدنيا حتى يرسل الله إليهم رسولاً، فمن
آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعُذّب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥/١٧].
٢ - القضاء بين العباد حق قائم على العدل المطلق، وهم لا يعذبون بغير
ذنب، ولا يؤاخذون بغیر حجة.
٤ - النقاش حول نزول العقاب الإلهي ومجيء القيامة قديم بين الأمم مع
الرسل عليهم السلام، وبين الأمة العربية مع النبي ◌َّر، وهو مستمر دائم بين
الكفار ودعاة الإسلام المصلحين.
5 - إنزال العذاب مقدر بأجل معين في علم الله تعالى، ولا يملك إنزاله إلا
الله تعالى، ومتى حان وقت هلاك أمة من الأمم، فلا يتأخر ولا يتقدم لحظة.
وليس لرسول أو نبي أو غيرهما الحيلولة دون وقوع العذاب المقرر.
أَ - استعجال العذاب لا نفع فيه، وإنما النافع هو الإيمان قبل نزول
العذاب، فإذا نزل فلا فائدة ولا نفع فيه؛ لأن إيمان اليأس غير مفيد ولا
صحیح.
والقائل في قوله: ﴿ءَالْكَنَ وَقَدْ كُمْ بِهِ تَسْتَعِْلُونَ﴾ إما الملائكة استهزاء
بهم، وإما من قول الله تعالى.
٧ - تبكيت الظالمين بما يقال لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلّدِ﴾ أي الذي لا
ينقطع، والجزاء لا يكون إلا جزاء الكفر والعصيان.

٢١١
الُزُ (١١) - يُوسَ: ١٠ / ٤٦- ٥٦
٨ - قيام الساعة والبعث والمعاد حق ثابت أقسم الله ورسوله على أنه حق
كائن لا شك في وقوعه، وجميع الناس غير فائتين عن عذابه ومجازاته.
- لا يقبل من أحد الفداء عن ذنبه؛ لأن الله هو مالك السماوات
والأرض وكل شيء في ملكه وسلطانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ
وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِهِ﴾ [آل
عمران: ٣ /٩١] .
· اَ - يندم الكفار والظلمة والعصاة على أعمالهم في الدنيا، وهم إما أن
يخفوا الندامة أحياناً، وإما أن يظهروها أحياناً أخرى. ورؤساء الضلالة يخفون
ندامتهم عن أتباعهم قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن
التصنع، بدليل قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾
[المؤمنون: ١٠٦/٢٣] فبيَّن أنهم لا يكتمون ما بهم.
١١ - القضاء بالعدل بين الكفار أنفسهم لدفع الظلم الذي كان بينهم واقع
أيضاً في الآخرة، فيخفف العذاب حينئذ عن المظلوم، ويزاد على الظالم.
١٢ - تنبيه الناس قاطبة على أمور هي: أن الله مالك السماوات
والأرض، وأن وعد الله حق كائن لا محالة فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده،
وأنه يحيي ويميت، وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ما يريد، العليم بأماكن
وجودهم قبل البعث والحشر في البر والبحر، وأن أكثر الكفار منكري البعث
غافلون عن أمر الآخرة، مقصّرون في الاستعداد لها.
والله تعالى في الآخرة كما في الدنيا قادر لذاته على الإحياء والإماتة، لا
تزول قدرته، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبداً.

٢١٢
الُرُ (١١) - يُونستر): ١٠ / ٥٧-٥٨
مقاصد القرآن الكريم
﴿وَأَيُهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَّكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدَّى
٥َ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
٥٧
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
٥٨
يَجْمَعُونَ
القراءات:
﴿فَلْيَفْرَحُواْ﴾. ﴿يَجْمَعُونَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (فلتفرحوا .. تجمعون).
الإعراب:
﴿قَوْعِظَةٌ﴾ ﴿وَشِفَاءٌ﴾ ﴿وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ﴾ التنكير للتعظيم.
بِفَضْلِ اٌللَّهِ﴾ الباء متعلقة بفعل يفسره قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾، أي
فليعتنوا أو فليفرحوا ثم قال: ﴿فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ وفائدة هذا التكرار: التأكيد
والبيان بعد الإجمال. والفاء بمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء، فبهما
فليفرحوا. وإعادة الباء ﴿ بِفَضْلِ﴾ ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ دليل على أن كلاً منهما سبب في
الفرح. وقوله (بذلك) للواحد والاثنين والجمع.
البلاغة:
﴿ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحالّ،
أي شفاء للقلوب التي في الصدور.
المفردات اللغوية:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي أهل مكة وغيرهم. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أو عظة: هي الوصية
بالحق والخير واجتناب الشر والباطل، بأسلوب جمع بين الترغيب والترهيب.

٢١٣
الجُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٥٧-٥٨
﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ودواء من العقائد الفاسدة والشكوك. ﴿وَهُدَّى﴾
بيان الحق من الضلال، والبيان في العقيدة بالبرهان، وفي التشريع العملي ببيان
المصالح. ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾ رقة تقتضي الإحسان والعطف.
﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ التوفيق لتزكية النفوس، أو هو الإسلام. ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أي
ثمرة الفضل أو هي إنزال القرآن. ﴿فَبِذَلِكَ﴾ الفضل والرحمة. ﴿فَلْيَفْرَحُواْ﴾
الفرح والسرور: انفعال في النفس بنعمة حسية أو معنوية ترتاح له وتستمتع
به.
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الأدلة على أسس الدين الثلاثة: وهي التوحيد،
والنبوة، والبعث، ذكر التشريع العملي وهو القرآن، وأبان صفاته ومقاصده
الأربعة.
التفسير والبيان:
يا أيها الناس، قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ أو الوصايا الحسنة
التي تصلح الأخلاق والأعمال وتزجر عن الفواحش، وتشفي الصدور من
الشكوك وسوء الاعتقاد، وتهدي إلى الحق واليقين والصراط المستقيم الموصل
إلى سعادة الدنيا والآخرة، وترحم المؤمنين رحمة خاصة.
وهذه هي صفات القرآن المجيد أو خصائصه.
اً - كونه موعظة حسنة من عند الله، يجمع بين الترغيب والترهيب،
فيبعث على فعل الحسن وترك القبيح، مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ
وَهُدِّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣
أَ - شفاء لما في القلوب من الشبهات والشكوك والنفاق والكفر وسوء

٢١٤
الُرءُ (١١) - يُونشر: ١٠ / ٥٧-٥٨
الاعتقاد والخلق، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لا
لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (﴾﴾ [الإسراء: ٨٢/١٧].
◌َّ - هادٍ إلى الحق واليقين والصراط المستقيم المحقق لسعادتي الدنيا والآخرة
كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤/٤١].
٤ - رحمة للمؤمنين خاصة، ينجيهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان،
ويحجبهم من النيران، ويرفعهم إلى درجات الجنان. وخص المؤمنين؛ لأنهم
المنتفعون بالإيمان.
قل أيها الرسول للمؤمنين: ليفرحوا بفضل الله وبرحمته بهذا الذي جاءهم
من الله من الهدى ودين الحق، فإنه أولى ما يفرحون به. وقوله: ﴿فَذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُواْ﴾ يفيد الحصر، يعني يجب ألا يفرح الإنسان إلا بذلك. روى ابن
مردويه وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن أنس مرفوعاً: ((فضل الله:
القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله)) وقال الحسن البصري والضحاك وقتادة
ومجاهد: ((فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن)).
إن الفرح بما تفضل به الله وبما رحم به المؤمنين هو أجدى وأنفع من كل
ما يجمعونه من الأموال وسائر خيرات الدنيا، لا محالة؛ لأنه يؤدي إلى سعادة
الدارين، وتلك الأموال سبب السعادة في الدنيا فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الصفات الأربع هي صفات القرآن، ففي القرآن المواعظ والحكم،
وهو الشفاء النافع من الشك والنفاق والخلاف والشقاق، وهو الهدى أي
الرشد لمن اتبعه، عصمة لمن تبعه، ونجاة لمن تمسك به. ورحمة أي نعمة كبرى
خاصة بالمؤمنين.
وإن فضل الله ورحمته من أعظم دواعي الفرح والسرور، بل لا فرح ولا

٢١٥
لُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٥٩-٦٠
سرور بغير فضل الله ورحمته، وفضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. وهذا قول
الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة. وعن أبي سعيد الخدري وابن عباس رضي
الله عنهما العكس تماماً، فقالوا: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام.
وعلى كل فإن مصدر الفرح الصحيح للمسلمين شيئان: الإيمان أو
الإسلام، والقرآن. وإن فضل الله ورحمته خير للمؤمنين مما يجمعون من حطام
الدنيا؛ لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب
والتحصيل. روى أبان عن أنس أن النبي وَلّ قال: ((من هداه الله للإسلام،
وعلمه القرآن، ثم شكا الفاقة، كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه، ثم تلا :
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ
٥٨
الإنكار على المشركين بالتحليل والتحريم للأنعام
﴿قُلْ أَرَءَيْثُم ◌َّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتُرُونَ (@)
اَلْكَذِبَ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
الإعراب:
﴿َّآ أَنْزَلَ﴾ ﴿مَّا﴾: منصوب بـ ﴿أَنزَلَ﴾ أو بـ ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾، فإنه بمعنى
أخبروني.
﴿ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾: منصوب بالظن، وهو ظن واقع فيه؛ أو منصوب على
الظرف.
البلاغة:
﴿حَرَامًا وَحَلَلًا﴾ بينهما طباق.

٢١٦
الُرءُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٥٩-٦٠
﴿قُلْ ءَاللَّهُ﴾ كرر الفعل للتأكيد.
﴿َاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الاستفهام للإنكار.
و ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل، ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم على الله،
بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريراً للافتراء. ويجوز أن تكون متصلة بـ
﴿ أَرَ يْتُمْ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿مَّا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ما خلق. ﴿لَكُمْ﴾ أي ما حل لكم،
ولذلك وبخ على التبعيض فقال: ﴿فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا﴾ كالبحيرة
والسائبة والوصيلة. ﴿قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في ذلك بالتحليل والتحريم؟ لا.
﴿أَمْ﴾ بمعنى بل. ﴿نَفْتَرُونَ﴾ تكذبون بنسبة ذلك إليه.
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ﴾ أي، أيُّ شيء ظنهم به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيحسبون أنه لا
يعاقبهم عليه؟ وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب،
وأنعم عليهم بنعم كثيرة، وأمهلهم في العقاب . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾
هذه النعمة.
المناسبة:
بعد أن أثبت الله تعالى في أوائل السورة الوحي والنبوة، ذكر طريقاً آخر في
إثبات النبوة: وهو أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حق الله تعالى، وأن
الأصل في الأرزاق والأشياء الإباحة، فتحريم بعض الأشياء وتحليل بعض،
مع تساويها في الصفات والمنافع، دليل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة؛
لأنه لم يقم لكم دليل عقلي ولا نقلي على هذا التمييز، فهو منهج فاسد باطل،
وأن ما عليه الأنبياء هو الحق والصواب.

٢١٧
الُ (١١) - يُونتر: ١٠/ ٥٩-٦٠
التفسير والبيان:
ينكر الله تعالى على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر
والسوائب والوصايل، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ
وَاُلْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَيِنَا﴾ [الأنعام: ٦/
١٣٦] وقوله: ﴿وَقَالُواْ هَذِهٍِ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ
◌ِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨/٦] وَقوله: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ اُلْأَنَْمِ
خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩/٦] وقوله: ﴿ثَمَنِيَةَ
أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنَّ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ الْأُنْنَيَيْنِ
أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْنَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣/٦].
ورد الله تعالى عليهم كل ماشرعوه من تحليل وتحريم بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ
مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَكِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣/٥].
ومعنى الآية: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين كفار مكة: أخبروني عما
أنزل الله من رزق حلال لكم للانتفاع به، فجزأتموه أو بَعَّضْتُمُوه، وقلتم: هذا
حلال وهذا حرام بزعمكم، أخبروني: الله أذن لكم في التحليل والتحريم،
فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله، في نسبة ذلك إليه.
والآية توبيخ على التبعيض، وزجر بليغ على التهاون في الفتوى، وباعثة
على وجوب الاحتياط فيما يسأل عنه العالم من الأحكام، وألا يقول أحد في
شيء: جائز أو غير جائز، إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله
وليصمت. وإلا فهو مفتر على الله (١)، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ﴾ [النحل:
١١٦/١٦] .
(١) الكشاف: ٧٨/٢

٢١٨
الُءُ (١١) - يُوذت: ١٠ / ٥٩-٦٠
{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ﴾ المعنى: أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم
فيه؟ وهو يوم الجزاء، والإحسان والإساءة، أيظنون أنهم يتركون بغير عقاب
على جريمة افتراء الكذب على الله أو أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به؟ وهو
وعيد عظيم حيث أبهم أمره، أم أن لهم شفعاء يشفعون لهم؟ كما قال تعالى:
﴿أَمَّ لَهُمْ شُرَكَتُؤْاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:
ج
٢١/٤٢] .
﴿إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم
بالوحي، وتعليم الحلال والحرام، وتشريع الدين، وفضَّل عليهم بالرزق
وجعل الأصل فيما رزقهم من المنافع الإباحة، ولكنه جعل حق التحليل
والتحريم إليه وحده، كيلا يُعبَث به، كما عَبَث به الأحبار والرهبان، ولم يحرِّم
عليهم إلا ما فيه ضرر بهم في دنياهم أو دينهم.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة وذلك الفضل كما قال تعالى:
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣/٣٤] ولا يتبعون ما هدوا إليه، بل
يحرمون ما أنعم الله به عليهم، ويضيِّقون على أنفسهم، فيجعلون بعضاً حلالاً
وبعضاً حراماً، وقد وقع في هذا المشركون فيما شرعوه لأنفسهم، وأهل
الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم. وربما وقع فيه بعض المسلمين، فتغالوا في
الزهد وتركوا طيبات الرزق، أو أسرفوا في الأكل والشرب والزينة، مخالفين
نهج الإسلام في التوسط والاعتدال في الإنفاق، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ
يَدََ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا
٢٩
[الإسراء: ٢٩/١٧] وقال سبحانه: ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ
رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [الطلاق: ٧/٦٥].
وأيدت السنة ذلك الاتجاه، روى البخاري والطبراني عن زهير بن أبي
عَلْقمة مرفوعاً: ((إذا آتاك الله مالاً فليُرَ عليك، فإن الله يحب أن يُرى أثرُه على
عبده حسناً، ولا يجب البؤس ولا التباؤس)).

٢١٩
الُرءُ (١١) - يُوذت: ١٠ / ٥٩-٦٠
وأخرج أحمد عن أبي الأحوص عن أبيه قال: ((أتيت رسول الله وَلقتله، وأنا
رَتُّ الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم، قال: من أيّ المال؟ قلت: من
كل المال، من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالاً فلير أثر
نعمته علیك و کرامته)».
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
اً - الشيء الذي جعله أهل الجاهلية المشركون حراماً: هو ما حكموا به
من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كما ذكر في سورة المائدة، وهو
أيضاً المذكور في سورة الأنعام من جعل نصيب من الزروع والثمار والمواشي
لله تعالى يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، ولشركائهم نصيباً يصرفونه إلى
سدنتها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ
نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦/٦].
◌َ - مصدر التشريع هو الله عز وجل، وحق التحليل والتحريم لله، لا
لأحد سواه من الخلق ولو كان نبياً أو رسولاً، فإن كانت الأحكام من الله
تعالى فهو المراد بقوله: ﴿ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وإن كانت ليست من الله، فهي
افتراء، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى اَللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾.
٣ - توبيخ من تجرأ على تبعيض الأحكام الشرعية، فجعل بعضها حلالاً،
وبعضها حراماً. وهذا أيضاً تنديد بمن يتهاون في الفتوى، ولا يحتاط في
وصف الأحكام، فیحلل أو يحرم برأيه دون تثبت ولا تيقن.
٤ - وعيد من يفتري على الله الكذب، فينسب الحكم إليه، وهو منه براء.
٥ - معاقبة المفترين يوم القيامة على جريمة افتراء الكذب على الله.

٢٢٠
الُ (١١) - يُونَ: ٦١/١٠
أَ - الله تعالى صاحب الفضل العظيم على الناس بإعطاء العقل، وإرسال
الرسل، وإنزال الكتب، وجعل التحليل والتحريم إليه دون سواه، وجعل
الأصل في المنافع والأرزاق والأشياء والأعيان الإباحة.
لاً - أكثر الكفار لا يشكرون الله على نعمه، ولا على تأخير العذاب عنهم.
إحاطة علم الله تعالى بجميع شؤون العباد
وأعمالهم وبكل الكائنات
﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا
عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَن زَّيِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا
فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ قُبِينٍ
القراءات:
﴿شَأَنِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شان).
﴿قُرْءَانِ﴾:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قران).
﴿يَعْزُبُ﴾:
وقرأ الكسائي (يَعْزِب).
﴿ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَآَ أَكْبَرَ﴾:
وقرأ حمزة وخلف (ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ).