Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
لالُ﴾ (١١) - یُونَ): ١٠/ ٢٥-٢٧
﴿ وَتَرْهَفُهُمْ زِلَّةٌ﴾ معطوف على ﴿كَسَبُواْ﴾ وجاز الفصل بين المعطوف
والمعطوف عليه؛ لأنها جملة مبينة للأول، وليست أجنبية عنه.
﴿بِمِثْلِهَا﴾ الباء زائدة، وتقديره: وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، كما في آية
أخرى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَبِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢].
﴿قِطَعًا مِّنَ الَّتْلِ مُظْلِمَاً﴾ جمع قطعة، ومظلماً حال من الليل، وليس وصفاً
لقطع لأنه كان يقال: مظلمة. ومن قرأ بإسكان الطاء، جاز أن يكون
[مُظْلِمًا﴾ وصفاً لقوله: قِطْعاً، وجاز أن يكون حالاً من ﴿الَّيْلِ﴾.
البلاغة:
﴿أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى﴾ بينهما جناس اشتقاق.
كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ﴾ إلى الإيمان الموصِّل إلى الجنة ﴿دَارِ السَّلَمِ﴾ أي السلامة
وهي الجنة، وتخصيص الجنة بهذا الاسم للتنبيه على ذلك ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾
هدايته بالتوفيق ﴿ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ دين الإسلام. وفي تعميم الدعوة بقوله:
﴿يَدْعُواْ﴾ وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة، وأن
المصر على الضلالة لم يرد الله رشده.
لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ بالإيمان ﴿اَلُْسْنَى﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾
مايزيد على المثوبة تفضلاً، وهي النظر إلى الله تعالى، كما في حديث مسلم
وقيل: الزيادة: الفضل أو تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها. ودليل التفضل
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾ [النساء: ١٧٣/٤]، وغيرها. ﴿وَلَا يَزْهَقُ﴾
يغشى ﴿قَتَرٌ﴾ غبرة فيها سواد ﴿وَلَا ذِلَّهُ﴾ كآبة وهوان، والمعنى لا يرهقهم ما
١٦٢
الُزُ (١١) - يُونِ): ١٠/ ٢٥-٢٧
يرهق أهل النار، أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال
خَالِدُونَ﴾ دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها، بخلاف الدنيا
وزخارفها.
﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُواْ﴾ عطف على الذين أحسنوا، أي وللذين كسبوا السيئات
أي عملوا الشرك ﴿بِمِثْلِهَا﴾ أي أن يجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ﴿مِنْ
عَاصِرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿عَاصِيرٍ﴾: مانع يعصمهم من سخط الله ومن جهة
الله ومن عنده، بخلاف المؤمنين الذين لهم مانع يعصمهم ﴿أُغْشِيَتْ﴾ ألبست
﴿قِطَعًا﴾ جزءاً ﴿مُظْلِمَا﴾ لفرط سوادها وظلمتها. ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أي
أولئك الكفار، فالآية في الكفار، لاشتمال السيئات على الكفر أو الشرك،
ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة، فلا يتناولهم
قسیمه.
المناسبة:
بعد أن نفّر الله تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في
الآخرة، ووصف حال المحسنين والمسيئين فيها. ووجه الترغيب في الآخرة:
ماروي عن النبي ◌َّر أنه قال: ((مثلي ومثلكم شبه سيد، بنى داراً، ووضع
مائدة، وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المائدة،
ورضي عنه السيد. ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله
السيد، والدار: دار الإسلام، والمائدة: الجنة، والداعي محمد وَليّ))(١). وعن
النبي ◌َّ﴾ أنه قال: ((مامن يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها مَلَکان ینادیان
بحيث يسمع كل الخلائق، إلا الثقلين، أيها الناس، هلموا إلى ربكم، والله
يدعو إلى دار السلام))(٢).
(١) حديث مرسل عن أبي قلابة عن النبي وص له، وجاء متصلاً رواه ابن جرير عن جابر بن عبد الله.
(٢) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
١٦٣
اِلُ﴾ (١١) - يُونَر): ٢٥/١٠-٢٧
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها،
فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ أي والله يدعو إلى الإيمان والعمل الصالح
المؤديين إلى الجنة، وسماها دار السلام لسلامتها عن الآفات والشوائب
والنقائص والأكدار.
ودعاؤه إلى دار السلام وأمره بالإيمان عام لكل الناس. ويهدي من يشاء أي
يوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إلى الجنة، وهو دين الإسلام: عقائده
وأخلاقه وأحكامه؛ لأنه الطريق الذي لا عوج فيه ولا التواء. والهداية خاصة
بالمشيئة، على عكس الأمر بالإيمان.
ومن المعلوم أن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهي عامة لجميع
الناس، وهي الدعوة إلى الإيمان والإسلام، وهداية توفيق وهي خاصة بمن
يشاء الله من عباده إلى طريق الاستقامة، ومعناها التوفيق والعون.
والسبب في تلك الدعوة إلى الإسلام مصلحة المدعوين؛ لأن للذين أحسنوا
العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح المثوبة الحسنى في الدار الآخرة، كقوله
تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ ﴾﴾ [الرحمن: ٦٠/٥٥] ولهم أيضاً
زيادة: وهي تضعيف ثواب الأعمال الحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف
وزيادة على ذلك أيضاً، والزيادة التي هي أعظم من جميع ما أعطوه هي النظر
إلى وجه الله الكريم، بدليل ماروى أحمد ومسلم وجماعة من الأئمة عن صهيب
رضي الله عنه أن رسول الله وَل﴿ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَ
وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ،
يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً، يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟
ألم يُقْل موازيننا؟ ألم يبيِّض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال:
فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم
من النظر إليه، ولا أقرّ لأعينهم)).
١٦٤
لُزُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢٥-٢٧
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري يحدث عن رسول
الله ◌َله: ((إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي، يا أهل الجنة - بصوت يسمع
أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى: الجنة، والزيادة:
النظر إلى وجه الرحمن عز وجل)).
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَبَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ
بِآَمُسْنَى﴾ [النجم: ٣١/٥٣].
﴿ وَلَا يَزَهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَ ذِلَّهُ﴾ أي ولا يغشى وجوههم شيء مما يغشى
وجوه الكفرة من الغبرة التي فيها سواد، والهوان والصغار، أي لا يحصل لهم
إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقَتُهُمُ اللَّهُ
﴾ [الإنسان: ١١/٧٦] أي نضرة في
شَرَّ ذَلِكَ الْيَمِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا
وجوههم وسروراً في قلوبهم. والصفة الأولى (القتر) هي المذكورة في قوله
[عبس: ٤٠/٨٠-٤١]
تَرْهَفُهَا قَرَةٌ
تعالى: ﴿وَوُجُوهُ يَوَمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَةٌ ل
ـَ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
والصفة الثانية (الذلة) هي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ خَاشِعَةُ
[الغاشية: ٢/٨٨-٣].
أولئك المتصفون بهذه الصفات هم أهل الجنة لا غيرهم، وهم المقيمون
الماكثون فيها أبداً، لا زوال فيها، ولا انقراض لنعيمها.
ولما أخبر تعالى عن حال السعداء، عطف بذكر حال الاشقياء، كما هو
الشأن الغالب في الموازنة والمقارنة في الأسلوب القرآني، وشأنه تعالى مع
الفريق الأول الفضل والإحسان، ومع الفريق الثاني المعاملة بالعدل.
فللذين اقترفوا السيئات والمعاصي في الدنيا ومنها الكفر والشرك والظلم
الجزاء العادل وهو المجازاة على السيئة بمثلها، لا زيادة عليها كقوله تعالى:
﴿ مَنْ جََّ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيْئَةِ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾
[الأنعام: ٦/ ١٦٠]، وتغشاهم أي تعتريهم وتعلوهم ذلّة من فضيحة معاصيهم
١٦٥
الجزء (١١) - يُونَ: ١٠/ ٢٥-٢٧
وخوفهم منها، كما قال تعالى: ﴿ وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيَّهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾
[الشورى: ٤٥/٤٢] وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ ٨ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:
١٤/ ٤٢-٤٣] .
ثم قال: ﴿مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِيٍ﴾ أي ليس لهم مانع ولا واقٍ يقيهم
العذاب، أي لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ
لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِّنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (﴿1﴾ [الانفطار: ١٩/٨٢] وقال
) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْنَفَرُّ
كَلَّا لَا وَزَرَ
تعالى: ﴿يَقُولُ اَلْإِنَنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْغَرُّ
﴾ [القيامة: ١٠/٧٥-١٢].
كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي ألبست وجوههم أجزاء أو أغشية من سواد
الليل المظلم؛ لفرط سوادها وظلمتها، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَةُ
وُجُوهُ فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
١٠٧
وَمَّا الَّذِينَ أَنْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِّ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ
تَكْفُرُونَ (®
١٠٦/٣-١٠٧] وقوله سبحانه: ﴿وُجُوهُ يَوَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٤) ضَاحِكَةٌ
تَرْهَفُهَا قَتَرَةٌ ﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
٤٠
وَوُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
٣٩
مُسْتَبْشِرَةٌ
[عبس: ٣٨/٨٠-٤٢].
٤٢
﴿أُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات هم لا غيرهم
أصحاب النار، هم فيها خالدون، دائمون فيها، لا يزحزحون عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات صريحة في الدعوة إلى السعادة الأبدية، والخلود في الجنان، من
طريق الإيمان والعمل الصالح.
وهي موضحة معالم الطريق، معلنة أن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا، بل
١٦٦
الُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢٥-٢٧
يدعوكم إلى الطاعة: طاعة أحكامه، لتصيروا إلى دار السلام، أي إلى الجنة.
قال قتادة والحسن: السلام: هو الله، وداره الجنة. وسميت الجنة دار السلام؛
لأن من دخلها سلم من الآفات.
وقد عم بقوله ﴿يَدْعُوّا﴾ جميع الناس بالدعوة إلى دائرة الإيمان، إظهاراً
لحجّته، وخص بالهداية من شاء من عباده استغناء عن خلقه، وتمييزاً بين الأمر
والإرادة، فهناك دعوة عامة دعا فيها جميع الخلق إلى دار السلام، وهداية
خاصة مغايرة لتلك الدعوة العامة، مشتملة على التوفيق الإلهي.
والصراط المستقيم واحد سواء قلنا: إنه كتاب الله، أو الإسلام.
وللذين أحسنوا العمل في الدنيا المثوبة الحسنى وهي الجنة، والزيادة فضلاً
من الله وهي تضعيف الحسنات، والنظر إلى وجه الله الكريم، والشعور
بالسعادة الظاهرية والباطنية، فلا غشاوة لغبار مع سواد في محشرهم إلى الله،
ولا مذلة ولا إهانة.
وللمسيئين الذين أشركوا بالله شريكاً آخر، وكفروا بنعمته، فلم يقابلوها
بالإيمان والإحسان عقاب مماثل لسيئاتهم دون زيادة، أخذاً بالعدل،
ويغشاهم الهوان والخزي والذل والعار، ولا عاصم لهم، ولا مانع يمنعهم من
عذاب الله، وجوههم مسودّة ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّتْلِ﴾ في حال
ظلمته.
جعلنا الله من أهل جنته بفضله ورحمته، وحمانا من عذاب أهل النار،
تكرماً وإحساناً وإنعاماً، وهدانا إلى سواء السبيل.
وقد أثبت أهل السنة بهذه الآية وما وضحها من السنة جواز رؤية الله تعالى
في الآخرة، وأكد ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿َّ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
٢٣
[القيامة: ٢٢/٧٥-٢٣] فأثبت لأهل الجنة أمرين: أحدهما - نضرة
الوجوه، والثاني - النظر إلى الله تعالى.
١٦٧
المُرُ (١١) - يُونَ): ٢٨/١٠-٣٠
حشر الخلائق وتبرؤ الشركاء
من المشركين ومن عبادتهم
﴿ وَبَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَيَلْنَا
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ إِن
٢٨
بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُنُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
كُنَا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ
٣٩
مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٣٠
القراءات:
{ تَبْلُواْ﴾: قرئ:
١- (تتلو) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. أي تتبع وتُطلب بما
أسلفت من أعمالها.
٢- (تبلو) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال، أي نحشر الكل حال اجتماعهم.
﴿ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَّكَا ؤُكُمْ﴾ ﴿مَكَانَكُمْ﴾: اسم فعل لالزموا، كما أن ((مَهْ))
اسم لاكفف، و ((صه)) اسم لاسكت. وفتحة النون فتحة بناء لقيامه مقام فعل
الأمر. وقال الرازي والسيوطي: منصوب بإضمار: الزموا.
و﴿ أَنْتُمْ﴾: توكيد لضمير ﴿مَكَانَكُمْ﴾ المستتر، و﴿ وَشُرَّكَاؤُكُمْ﴾: معطوف
عليه لوجود التوكيد، كقوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥/٢]
[والأعراف: ١٩/٧].
١٦٨
الُرُ (١١) - يُونَ): ٢٨/١٠ -٣٠
﴿فَزَيَّلْنَا﴾ من زيّلت الشيء من الشيء: إذا نحيته. ولا يجوز أن يكون من زال
يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زوَّلنا.
﴿مَّا كُنُّ إِنَّانَا﴾ ﴿مَا﴾: نافية، و﴿ إِيَّانَا﴾ مفعول به مقدم لتعبدون، وقدم
مراعاة لفواصل الآيات.
﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة، أي إنا كنا، واللام في ﴿لَغَفِلِينَ﴾ هي الفارقة
بينها وبين النافية.
المفردات اللغوية:
﴿ تَحْشُرُهُمْ﴾ أي الخلق وهم فريقا المحسنين والمسيئين المذكورين في الآية
السابقة، والحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي
الزموا مکانکم حتی تنظروا ما يفعل بكم، وقد سد مسد قوله: ((الزموا)) ویراد
بذلك التهديد والوعيد. ﴿وَشُرَّكَاؤُكُمْ﴾ أي الأصنامِ ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ فرقنا وميزنا
وقطعنا ما بينهم من صلات ﴿ وَقَالَ شُرَّكَآؤُهُم مَّا كُنُّ ◌ِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ مجاز عن
براءة ما عبدوه من عبادتهم، فإنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم الآمرة
بالإشراك ﴿إِن كُنَا﴾ أي تقول الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دونه من أولي
العقل، وقيل: الأصنام ينطقها الله عز وجل، فتشافههم بذلك، مكان
الشفاعة التي زعموها لهم، وعلقوا بها أطماعهم بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣/٣٩] ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾
[يونس: ١٨/١٠] .
﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك اليوم أو في ذلك المقام ﴿تَبْلُواْ كُلُ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتَّ
تختبر ما قدمت من عمل، فتعاين نفعه وضرره، و﴿أَسْلَفَتْ﴾: قدمت ﴿وَرُدُوَاْ
إِلَى اللَّهِ﴾ إلى جزائه إياهم بما أسلفوا ﴿مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ ربهم ومتولي أمرهم
على الحقيقة، لا ما اتخذوه مولى، والحق: الثابت الدائم ﴿ وَضَلَّ﴾ غاب أو
ذهب وضاع عنهم ﴿مَّا كَانُوْ يَفْتَرُونَ﴾ عليه من الشركاء.
١٦٩
المُر﴾ (١١) - يُونَ): ٢٨/١٠-٣٠
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى مصير المحسنين والمسيئين يوم القيامة، أعقبه بذكر يوم
الجزاء الذي يتم فيه حشرهم، فيحشر العابد والمعبود، ثم يتبرأ المعبود من
العابد، ويتبين له أنه ما فُعِل ذلك بعلمه وإرادته. والمقصود نفي الشفاعة، فإن
القوم كانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨/١٠] فبين الله تعالى
أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار، بل يتبرؤون منهم، وهو يدل على نهاية الخزي
والنكال في حق الكفار.
التفسير والبيان:
هذا مشهد فاصل من مشاهد يوم القيامة، تصفَّى فيه علاقة الشرك بين
المشركين وآلهتهم المزعومة، فيقول الله لنبيه: واذكر أيها الرسول يوم نحشرهم
أي نجمع أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبَرّ وفاجر، وفيهم الفريقان
المذكوران سابقاً وهم المحسنون والمسيئون كما قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ نُغَادِرْ
مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٨/ ٤٧].
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ أي الذين اتخذوا مع الله شريكاً: الزموا مكانكم
أنتم وشركاؤكم، لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ
﴾ [الصافات: ٢٤/٣٧] . وفي هذا وعيد وتوبيخ أمام الخلائق.
٢٤٦
إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ
﴿فَزَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي فرقنا بين الشركاء والمشركين، وقطعنا ما كان بينهم في
الدنيا من صلات وروابط.
وتبرأ الشركاء من عابديهم: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنُّ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ أي
وقال الشركاء لعابديهم: ما كنتم تخصوننا بالعبادة، إنما كنتم تعبدون الشياطين
حيث أمروكم أن تتخذوا لله أنداداً، فأطعتموهم. وفي هذا أيضاً تهديد
ووعيد، وأنه تتبدد حينئذ آمال المشركين في شفاعة الشركاء.
١٧٠
الْجُرُ (١١) - يُونَ: ٢٨/١٠ -٣٠
والشركاء: إما الملائكة وعيسى المسيح ونحوهم ممن عبدوا من دون الله،
أو الأصنام التي ينطقها الله عز وجل، فتكلمهم بذلك، والأولى أن المراد
بالشركاء: كل من عُبِدَ من دون الله تعالى، من صنم وشمس وقمر وملَك وإنسي
وجني.
﴿فَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي كفى بالله شاهداً وحَكَماً بيننا وبينكم
أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك. وفي هذا
تبکیت عظیم للمشرکین، وتهديد في حق العابدین.
﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ﴾ أي إننا كنا في غفلة تامة عن عبادتكم،
لا نعلم بها، ولا ننظر إليها، ولا نرضى عنها، وقال القرطبي. ما كنا عن
عبادتكم إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل؛ لأنا كنا جماداً لا رُوح
فينا؛ أي أنه جعل ﴿إِن﴾ هنا نافية، والحق أنها مخففة من الثقيلة بدليل دخول
اللام على: غافلين.
﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مََّ أَسْلَفَتْ﴾ أي هنالك في موقف الحساب يوم
القيامة تختبر كل نفس وتذوق وتعلم ما قدمت من العمل من خير وشر،
فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن؟ كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، لیتبین
: [الطارق: ٩/٨٦] .
حاله؟ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ
﴿وَرُدُّوَأْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ أي وأرجعوا إلى الله، ورجعت الأمور
كلها إلى الله الحكم العدل، الحق الثابت الدائم، ففصلها، وأدخل أهل الجنة
الجنة، وأهل النار النار، دون تلك الشركاء والأنداد.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي وذهب عن المشركين افتراؤهم وما
كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه، ويتخذون تلك الأنداد آلهة مزعومة،
ولم يبق لهم نصير ولا شفيع، والأمر كله يومئذ لله تعالى. فهذا تنبيه على زوال
ما يدعون أن أولئك الشركاء شفعاء، وأن عبادتهم تقرّب إلى الله تعالى.
١٧١
الُ﴾ (١١) - يُونَ): ٢٨/١٠ -٣٠
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - الحشر (أي جمع الخلائق من كل جانب في موقف واحد) أمر ثابت يوم
القيامة.
أَ - انقطاع الصلة تماماً بين الشركاء والمشركين يوم القيامة.
◌َّ - وعيد الكفار المشركين المتكرر في قوله تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ
وَشُرَّكَاؤُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ وقوله: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
٤ - إظهار الخيبة والخزي والإفلاس من عبادة الشرك والمشركين؛ للآية
﴿ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسِ﴾.
٥ - وصف الله تعالى نفسه بالحق؛ لأن الحق منه، كما وصف نفسه
بالعدل؛ لأن العدل منه؛ أي کل عدل وحق فمن قِبَله.
٩ - خيبة الآمال التي تعلق بها المشركون في شفاعة الشركاء وتقريبهم إياهم
إلى الله تعالى.
والسبب في قوله تعالى: ﴿وَرُدُّوَأْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ مع أنه تعالى أخبر
بأن الكافرين لا مولى لهم: هو أن المولى هنا يراد به أنه مولاهم في الرزق
وإدرار النعم، وليس بمولاهم في النصرة والمعونة.
١٧٢
الُرعُ (١١) - يُونش: ١٠/ ٣١-٣٣
إثبات التوحيد بثبوت الربوبية لدى المشركين
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ
اُلْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِرُ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا
نَثَّقُونَ
فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ أُلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَّى تُصْرَفُونَ
٣١
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
٣٣
القراءات:
اَلْمَيّتِ
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (الميْت).
﴿ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾: قرئ:
١- (كلمات ربك)، وهي قراءة نافع، وابن عامر.
٢- (كلمة ربك) وهي قراءة الباقين.
﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾:
رسمت بالتاء فمن قرأ بالجمع، وقف بالتاء.
وأما من قرأ بالإفراد، فمنهم من يقف بالهاء، وهم: ابن كثير، وأبو
عمرو، والكسائي.
والباقون وقفوا بالتاء.
الإعراب:
﴿أَنَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أن وصلتها : يجوز كونها في موضع نصب وجر ورفع،
١٧٣
الُ﴾ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٣١-٣٣
فالنصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: بأنهم أو لأنهم، فلما حذف
حرف الجر اتصل الفعل به فنصبه، والجر: بأن يجعل حرف الجر في نية
الإثبات، وإنما حذف للتخفيف، والرفع على أن يكون بدلاً من ﴿كَلِمَتُ﴾.
البلاغة:
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ استفهام إنكاري، أي ليس بعد الحق إلا
الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى، وقع في الضلال.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْ﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم، وهو تعميم بعد تخصيص.
﴿فَذَلِكُمُ﴾ الفعال لهذه الأشياء ﴿الْحَقُّ﴾ الثابت ربوبيته؛ لأنه الذي
أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّ الضَّلَلُ﴾ أي
ليس بعد عبادة الله التي هي الحق إلا الضلال والانحراف ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾
كيف تصرفون عن الحق أي الإيمان إلى غيره مع قيام البرهان؟
كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أي كما صرف هؤلاء عن الإيمان ثبتت كلمة ربك أي
حكمه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَفُواْ﴾ كفروا، وهي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أو هي ﴿أَنَّهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى جناية المشركين على أنفسهم باتخاذهم الأنداد
والشركاء، ذكر أدلة فساد مذهبهم وهو عبادة الأوثان، وإذا فسد مذهبهم
ثبت التوحيد، بدليل إقرارهم بأن الرازق ومالك الحواس، والمحيي والمميت
هو الله تعالى، فهو سبحانه يحتج على المشركين باعترافهم بوحدانية الله وربوبيته
على وحدانية الألوهية.
١٧٤
لُرُ (١١) - يُونش): ١٠/ ٣١-٣٣
التفسير والبيان:
قل أيها النبي لمشركي مكة وأمثالهم: من ذا الذي ينزل من السماء المطر،
فيكون سبباً في إنبات الأرض بالزرع والزهر والشجر، فيخرج منها حباً وعنباً
وقضباً (البرسيم) وزيتوناً ونخلاً وحدائق غُلْباً متشابكة وفاكهة كثيرة ونحو
ذلك؟ كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُّكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١/٦٧]
ج
فهي مصدر رزقكم، بسبب بركات السماء والأرض، فيرزقكم منهما جميعاً،
دون اقتصار على جهة واحدة لیفیض علیکم نعمته ویوسع رحمته.
ومن الذي أوجد لكم السمع والأبصار، وغيرهما من الحواس، فيملك
خلقها وتسويتها على نحو بديع وتحصينها من الآفات، ومن الذي وهبكم هذه
القوة السامعة والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها وسلبكم إياها؟ كقوله
تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [الملك: ٦٧/
٢٣] فهي وسائل العلم والمعرفة وإدراك ما في هذا العالم.
وخص السمع والبصر؛ لأنهما أهم الحواس، وأداة تحصيل العلوم.
ومن الذي بقدرته العظيمة أمر الحياة والموت؟ فيحيي ويميت، ويخرج الحي
من الميت ويخرج الميت من الحي، مثل إخراج النخلة من النواة والطائر أو
الحيوان من البيضة أو النطفة، وعكس ذلك كإخراج الحب والنوى وبيض
الحيوان ومنيِّه من الشجر والحيوان، وفي هذا دلالة عامة على إيجاد أمارات
الحياة والموت، وعلامة الحياة في النبات: النمو، وفي الحيوان: النمو والحركة
الإرادية. وفسر بعضهم الحياة والموت بالشيء المعنوي وهو إخراج المؤمن من
الكافر، والكافر من المؤمن، والأكثرون من المفسرين يفسرون الآية بالمعنى
الأول، وهو إلى الحقيقة أقرب، كما قال الرازي.
وإذا كان المفسرون قد مثلوا للحي بالنطفة وللميت بالبيضة، فهم
يلاحظون الوضع الظاهر المشاهد للناس عادة وهي حياة الحركة والنمو،
١٧٥
المُرءُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٣١-٣٣
وهذا لا ينفي ما يقوله الآن علماء الأحياء بأن في البذور والبيض والمني
والنطفة حياة أي حياة الخلية، لكن هذه حياة خاصة لا حركة فيها ولا نمو.
ويمكن التمثيل في العلم الحديث لإخراج الميت من الحي بما يطرحه البدن
من الخلايا الميتة في الدم والجلد فيخرج مع البخار والعرق، ومثال إخراج
الحي من الميت الغذاء الذي يحرق بالنار، ثم يتناوله الإنسان فيتولد منه الدم.
وإذا قال هؤلاء العلماء الجدد: الحي لا يخرج إلا من حي، فإنهم يقررون
أن الحياة الأولى هي من خلق الله بدون أي شك.
وعلى أي حال فإن المقصود من الآية إثبات القدرة الكاملة لله تعالى وأنه
خالق الموت والحياة، أياً كان المثال؛ لأن إطلاق النص القرآني وعمومه يمكن.
تطبيقه على ما يقره العلم.
ومن الذي يدبر أمور العالم وبيده ملكوت كل شيء، وهو المتصرف الحاكم
الذي لا مُعَقِّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟.
هذه الأسئلة الخمسة لا يملك المشركون إلا أن يقولوا: إن الفاعل هو الله،
وأن يجيبوا بأن الموجد والمعدم هو الله تعالى، بلا تردد ولا شك، ومن غير
مكابرة وعناد في ذلك، لفرط وضوح الأمر، ولأنه لا جواب في الواقع غيره.
وإذا اعترفوا بالحقيقة، فقل لهم أيها الرسول عندئذٍ: أفلا تقونَ أنفسكم
عقاب الله بإشراککم إياه وعبادتكم غيره، مما لا يشاركه في شيء من ذلك،
ولا يملك ضراً ولا نفعاً.
فذلكم الذي يتصف بما ذكر من القدرة الخلاقة والإرادة المبدعة هو الله
خالقكم ومربّيكم على فضله ومدبر أموركم، وهو المستحق للعبادة، وهو
ربكم الثابت ربوبيته بذاته، لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر
أمورکم، فلا إله غيره، ولا معبود سواه.
١٧٦
الُزُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٣١-٣٣
وإذا كان الله هو ربكم الحق الثابت بذاته، فليس بعد القول الحق والفعل
الحق إلا الضلال والباطل، ولا واسطة بين الحق والباطل، فمن تخطى الحق
الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال.
فأنى تصرفون عن الحق إلى الضلال، وكيف تتحولون عن الحق إلى الباطل،
وعن الهدى إلى الضلال؟ ذلك مالا يقبله عقل ولا منطق.
كَذَلِكَ حَقَتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (®﴾ أي
كما حقت الربوبية الله والألوهية لله، حقت أي ثبتت كلمة الله وحكمه أو
وعيده على الذين فسقوا أي تمردوا في كفرهم وأصروا على ضلالهم، وخرجوا
عن دائرة الحق والصلاح وتوحيد الربوبية والألوهية، أنهم لا يؤمنون، أي
حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله منهم ذلك، أو حق عليهم كلمة الله أنهم
من أهل الخذلان وأن إيمانهم غير كائن. ويجوز أن يراد بالكلمة الوعيد
بالعذاب، ويكون قوله ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تعليلاً للحقية، بمعنى: لأنهم لا
يؤمنون(١). ويلاحظ أن الآية صرحت باليأس من إيمان الذين فسقوا وأصروا
على كفرهم، ولم تذكر غيرهم؛ لأن من لم يصرّ يرجى إيمانه وتخلصه من
العذاب إذا آمن وأطاع، فلا مانع أمامه، كما أنه ليس هناك أي مانع قهري
يمنع من إيمان أي كافر، وإنما هو الذي يمتنع باختياره من الإيمان، ويصرّ على
الكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
﴾ [يونس: ٩٦/١٠-
٩٧
وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٩٧] .
وجعل ابن كثير الآية الأخيرة ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ في المشركين أنفسهم،
فقال: أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله
غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرزاق المتصرف في الملك وحده، الذي
(١) الكشاف: ٧٤/٢
١٧٧
لُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٣١-٣٣
بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم أنهم أشقياء من ساكني النار،
كقوله: ﴿قَالُواْ بَى وَلَالَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اٌلْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٩/
٧١] (١) .
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا نقاش منطقي هادئ مع المشركين، فإنهم إن سئلوا عن الرازق والخالق
والمحبي والمميت والمدبر، فلا يسعهم إلا الاعتراف بأنه هو الله رب الخلائق
قاطبة، وهذا اعتراف صريح منهم بوحدة الربوبية، فلِمَ لا يعترفون بوحدة
الألوهية، وإنما يشركون مع الله إلهاً آخر؟ !.
والمنطق يقضي بالتسوية بين الأمرين والإقرار بوحدة الربوبية والألوهية،
فتكون الآية دالة على إثبات التوحيد.
ودلت الآية على ما يأتي:
اَ - الله تعالى هو الرزاق، المتصرف في الملك والخلْق والإيجاد وحده،
المحيي، المميت، المدبر أمر الكون والعالم.
أَ - من كانت هذه قدرته ورحمته ويفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق
الثايت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه، لا ما أشركتم معه: ﴿فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ
اٌلْحَقُّ﴾. وبما أن الله تعالى هو الحق المبين، وجب أن يكون ما سواه ضلالاً؛
لأن النقيضين لا يجتمعان، فإذا كان أحدهما حقاً، وجب أن يكون ما سواه
باطلاً : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ أي ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت
عبادته إلا الضلال؟
وبناء عليه، قال العلماء: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل
(١) تفسير ابن كثير: ٤١٦/٢
١٧٨
الُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٣١-٣٣
منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى. ويقاس عليها مسائل
الأصول، الحق فيها واحد لا يتعدد، بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى
فيها: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨/٥] وقوله عليه الصلاة
والسلام في الحديث الصحيح: ((الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور
مشتبهات)).
وثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌ّيهل كان إذا قام إلى صلاة التهجد
قال: ((اللهم لك الحمد)) وفي الحديث: ((أنت الحق ووعدُك الحق .. )) فقوله:
((أنت الحق)) أي الواجب الوجود، وهذا وصف الله تعالى بالذات والحقيقة؛ إذ
وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، بخلاف غيره، كقوله تعالى: ﴿كُلّ
شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨/٢٨].
ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً، كما في هذه الآية، وكذلك أيضاً
مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعاً، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾ [الحج: ٦٢/٢٢]. وحقيقة
الضلال: الذهاب عن الحق.
◌َ - احتج الإمام مالك على تحريم اللعب بالشَّطْرنج والتَّرد بقوله تعالى:
﴿ فَمَاذَا بَعْدَ أُلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ فقال: اللعب بالشطرنج والنّرد من الضلال.
وقد اختلف العلماء في حكم اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه
القمار، فقال جمهور الفقهاء: إن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستتراً
به، مرة في الشهر أو العام، لا يُطَّلعُ عليه ولا يُعلم به: أنه معفُوٌّ عنه، غير
محرم عليه ولا مكروه له، وأنه إن اشتهر به سقطت مروءته وعدالته، ورُدَّت
شهادته.
وذهب الشافعي إلى أنه لا تسقط شهادة اللاعب بالفرد والشطرنج إذا كان
عدلاً في غير ذلك، ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به
قماراً، فإن لعب بها قماراً، سقطت عدالته، وسفَّه نفسه لأكله المال بالباطل.
١٧٩
الز﴾ (١١) - یونی): ٣٤/١٠-٣٦
وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والفرد وكل اللّهو، فإن لم تظهر
من اللاعب بها كبيرة، وكانت محاسنه أكثر من مساويه، قبلت شهادته.
٤ - العاقل يلتزم المعقول، لذا استنكر الله تعالى على المشركين الخروج عن
دائرة المعقول بقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي كيف تستجيزون العدول عن هذا
الحق الظاهر، وكيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يُحيي ولا
يُميت؟!
ة - علم الله قديم واسع الإحاطة، والعذاب حق وعدل ومعلوم سابقاً في
علم الله تعالى على الذين أصروا على الكفر وماتوا وهم كفار؛ لقوله تعالى:
(1) أي ثبت
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
حكمه وقضاؤه وعلمه السابق على الذين خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا
أنهم لا يصدِّقون، أو ثبت عليهم استحقاق العذاب والوعيد به؛ لأنهم لا
یؤمنون.
إثبات البعث
﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُ مَّن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَوُاْ اْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
ج
﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُمْ مَن يَهْدِىَّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَنَ
فَى تُؤْفَكُونَ
يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُنَّبَعَ أَمَنْ لَّا يَهِدِىّ إِلَّ أَنْ يُهْدَىْ فَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
٣٥
وَمَا يَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الَظَنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ
القراءات:
﴿لَّا يَهِّذِىّ﴾: قرئ:
١- (لا يَهَدِّي) قرأ أبو عمرو بفتح الياء، واختلاس فتحه الهاء مع تشديد
الدال.
١٨٠
لالُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٣٤-٣٦
٢- (لا يَهَدِّي) وهي قراءة ورش، وابن كثير، وابن عامر.
٣- (لا يَهِدِّي) وهي قراءة حفص.
٤- (لا تَهْدِي) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَفَمَنْ يَهْدِىّ﴾ ﴿مَن﴾: مبتدأ مرفوع، و﴿أَحَقُّ﴾: خبره، وفي الكلام
محذوف تقديره: أحق ممن لا يهدي. و﴿أَن يُنَّبَعَ﴾: إما موضعه النصب على
تقدير حذف حرف الجر، وإما الرفع على البدل من ﴿مَّن﴾ بدل اشتمال.
و﴿أَحَقُّ﴾: الخبر. ويحتمل أن يجعل ﴿أَن﴾ مبتدأ ثانياً، و﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدم
عليه، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول وهو ﴿مِن﴾.
و﴿يَهِدِىّ﴾ أصله يهتدي، فأبدل من التاء دالاً، وأدغم الدال في الدال،
وكسرت الهاء لاتباع ما بعدها ولالتقاء الساكنين؛ لأنه الأصل في التقاء
الساكنين. وقرئ بفتح الهاء (يهدّي)؛ لأنه نقلت فتحة التاء إلى الهاء.
﴿فَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ما: مبتدأ مرفوع، و﴿لَكُمْ﴾: خبره
و ﴿ کیفَ﴾ في موضع نصب بتحكمون.
﴿شَيْئًا﴾ منصوب؛ لأنه في موضع المصدر، أي غَنَاء، مثل: ﴿وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ، شَيْئًا﴾ أي إشراكاً ويجوز أن يكون مفعولاً به، و﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: حالاً منه.
البلاغة:
ج
﴿يَبْدَؤُّأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ﴾ بينهما طباق. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ استفهام
توبيخ وتقرير أي الأول أحق.
﴿فَّى تُؤْفَكُونَ﴾ و﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ.