Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
◌ِلُءُ (١١) - يُونَ: ١٨/١٠
التفسير والبيان:
ينكر الله تعالى على المشركين أمرين: عبادة الأصنام وجعلها شفعاء لهم عند
الله، ظانين أنها تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع
ولا تملك شيئاً.
إن أكثر العرب كانوا يعترفون بالخالق: ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
[الزخرف: ٩/٤٣] وينكرون
وَاُلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
البعث، ويعبدون الأصنام، وهي لا تنفع ولا تضر؛ لأنها حجارة أو أجسام
مصنوعة، فهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُنَ
[يوسف: ١٠٦/١٢] .
فهم يزعمون وجود قدرة للأصنام على النفع والضرر، وأنها وسطاء تملك
الشفاعة لهم عند الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣/٣٩]
فهذان هما السببان في عبادتهم الأصنام. روي أن النضر بن الحارث قال: إذا
كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى.
فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَتْنَبُِّونَ اللَّهَ﴾ أي قل أيها الرسول لهم: لا
دليل لكم على ما تدعون، أتخبرون الله بما لا وجود له في السماوات ولا في
الأرض، وما لا يعلمه من هؤلاء الشفعاء؟ نظيره قوله: ﴿أَمَّ تُنِّعُونَهُ بِمَا لَا
يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣/١٣] ونفي العلم دليل على عدم وجود تلك
الشفعاء والشركاء لله، فلاشيء من الموجودات السماوية والأرضية إلا وهو
حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به.
ثم نزَّه الله تعالى نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله وتعاظم وتعالى علواً كبيراً عما يشركون به من
الشفعاء والوسطاء، فهو منزه عن إشراكهم وعن الشركاء الذين يشركونهم به.

١٤٢
الُ (١١) - يُونَ: ١٨/١٠
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
اً - عبد المشركون الأصنام مع اعترافهم بأن الرب الخالق هو الله تعالى
لأمرين: اعتقادهم فيها القدرة على الضرر والنفع، وأنها تملك الشفاعة لهم
عند الله في أمور الدنيا والآخرة. وهذا غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون
الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال، وتركوا عبادة
الموجد الضار النافع.
أَ - عبادة المشركين الأوثان واتخاذها شركاء لله افتراء على الله بوجودها،
فلا وجود أصلاً لتلك الشركاء في السماوات والأرض؛ لأن الله لا يعلم
لنفسه شريكاً في السماوات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له، فلذلك لا
يعلمه، فلو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى، وحيث لم يكن معلوماً لله
تعالى وجب ألا يكون موجوداً.
◌َ - دل قوله: ﴿سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ على أنه أعظم من أن
یکون له شريك.
قال الزغشري عن ﴿عَمَّا﴾ ما: موصولة أو مصدرية. أي عن الشركاء
الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم.
٤ - أثبتت الآية بطلان الشرك في الألوهية: وهو عبادة غير الله مطلقاً،
وبطلان الشرك في الربوبية: بادعاء وساطة المعبود في الخلق والتدبير، أو
الشفاعة عند الله.
n

١٤٣
لُعُ (١١) - يُونَ: ١٩/١٠
الأصل في الناس جميعاً كونهم على الدين الحق
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَّةُ وَحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوَّلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
١٩
◌َّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِّفُونَ
المفردات اللغوية:
﴿أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي على دين واحد وهو دين الإسلام من لدن آدم إلى
نوح، أو من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لُحَيّ الذي سنَّ للعرب عبادة الأصنام
﴿فَاخْتَلَفُواْ﴾ بأن ثبت بعض وكفر بعض ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
زَّيِّكَ﴾ بتأخير الحكم بينهم أو تأخير الجزاء والعذاب الفاصل إلى يوم القيامة
﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الناس عاجلاً في الدنيا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من
الدين بإهلاك المبطلين وهم الكافرون، وإبقاء المحقين وهم المؤمنون.
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الأدلة على بطلان عبادة الأصنام، بيَّن سبب حدوث
هذا المذهب الفاسد، وأن هذا الشرك حادث في الناس بسبب الاختلاف أي
اتباع الهوى والباطل، بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد
هو الدين الحق وهو دين الإسلام.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم
وقع الاختلاف بين الناس، وعُبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله
الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٌ﴾ [الأنفال: ٤٢/٨].
التفسير والبيان:
ما كان الناس في كل زمن إلا أمة واحدة على الفطرة النقية المؤمنة بالله تعالى

١٤٤
الُ (١١) - يُونَ: ١٠ /١٩
وحده لا شريك له، أي فطرة الإسلام والتوحيد. ثم اختلفوا بعدئذٍ في الأديان
باتباع الأهواء والأباطيل، أو عند بعثة الرسل فتبعتهم طائفة وأصرّت أخرى
على الضلال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ
النَّبِيِّنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣/٢] ويؤيده قوله وَّى: ((كل مولود
يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو
يمجّسانه))(١).
فكل الناس كانوا جميعاً على الدين الحق وهو دين الإسلام، ثم اختلفوا
فبعث الله الأنبياء والمرسلين لهدايتهم وإزالة الاختلاف بكتاب الله، فمنهم من
آمن واهتدى، ومنهم من ضل واعتدى، ثم اختلفوا في كتاب الله اتباعاً
لأهوائهم.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ﴾، أي ولولا ما تقدم من الله تعالى
من كلمة حق في جعل الجزاء الفاصل بين الناس يوم القيامة؛ فإنه يوم الفصل
والجزاء، لعجّل لهم العذاب في الدنيا بإهلاك المبطلين، وتعذيب العصاة
بسبب اختلافهم، ولقضي بينهم فيما اختلفوا فيه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣/١٠].
١
"وفي هذا وعيد على الاختلاف في أصول الاعتقاد وفي الكتاب الذي أنزل
لإعادة الناس إلى الوحدة الأولى وإزالة الشقاق بينهم. كما أن فيه تسلية للنبي
* في تأخير العذاب عمن كفر به، وبياناً لطبع الإنسان.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية أحكاماً ثلاثة :
(١) رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع، وهو حديث صحيح.

١٤٥
الُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٢٠
ا - الأصل في الإنسان كونه على دين الفطرة والتوحيد، وهذا دليل على
عدل الخالق ورحمته، فإنه تعالى خلق كل إنسان موحداً، وحكم ببقائه على
التوحيد إلى البلوغ، ثم تركه للعقل والتفكر في الوحي الإلهي.
أَ - الاختلاف على الأنبياء والكتب الإلهية بسبب اتباع الهوى والباطل هو
سبب تفرق الناس وانقسامهم إلى مؤمنين وكفار.
٣ - سبق القضاء والقدر وتم حكم الله بأنه لا يقضي بين العباد فيما
اختلفوا فيه بالثواب والعقاب قبل يوم القيامة، ولولا ذلك الحكم السابق
والتأجيل المتقدم، لقضى الله بين الناس في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة،
والكافرين النار بكفرهم، وهو موعدهم يوم القيامة الذي جعله الله لحكمة
بالغة هي إعطاء الفرصة الكافية للإنسان في تصحیح عقيدته، وتعدیل وضعه،
والتوبة من عصيانه وكفره وضلاله، حتى لا يؤخذ على حين غرّة.
طلب المشركين إنزال آية كونية
(وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَبِّهِ، فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوّا
إِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْنَظِرِينَ
المفردات اللغوية:
﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي أهل مكة ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ على محمدنَله
﴿ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي آية حسية كونية مادية من الآيات التي اقترحوها، كما
كان للأنبياء من ناقة صالح، والعصا واليد لموسى، والمائدة لعيسى عليهم
السلام ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ فقل لهم: إنما الغيب (وهو ما غاب عن العباد)
لأمر الله، فهو المختص بعلمه، ولا يأتي بها إلا هو، وإنما علي التبليغ، ولعله لا
ينزلها، لعدم الفائدة في إنزالها، فقد نزلت آيات كثيرة ولم يؤمن بها المعاندون

١٤٦
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢٠
الجاحدون، والمانع من إنزالها أمر مغيب لا يعلمه إلا هو ﴿فَأُنْتَظِرُواْ﴾ نزول
ما اقترحتموه، أو العذاب إن لم تؤمنوا ﴿إِنِّ مَعَكُم مِّنَ الْمُنْنَظِرِينَ﴾ لما
يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل عليه من الآيات العظام واقتراحكم غيره.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى ثلاث شبهات للمشركين للطعن في نبوة محمد اله
(وهي عجبهم من نزول الوحي على محمد، وتعجلهم العذاب إن كان صادقاً،
وتشككهم في القرآن) ذكر هنا شبهة رابعة لإنكار نبوته، وهي أن الكتاب لا
يكون معجزاً، بدليل أن كتاب موسى وعيسى ماكان معجزة لهما، بل كان لهما
معجزات أخرى دلت على نبوتهما، وكان في مشركي العرب من يدعي إمكان
معارضة القرآن، لقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١/٨]
وإنما لابد لإثبات نبوته من نزول آية كونية حسية مادية غير هذا القرآن، ليكون
معجزة له.
هذا مع العلم بأن القرآن الكريم اشتمل على آيات علمية وعقلية دالة على
النبوة والرسالة.
التفسير والبيان:
ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون قولاً متكرراً: هلا أنزل على محمد
وَاليه آية كونية حسية مشاهدة كالتي نزلت على نوح وشعيب وهود وصالح
وموسى وعيسى، أو أن يحول الصفا لهم ذهباً، أو يزيح عنهم جبال مكة،
ويجعل مكانها بساتين وأنهاراً، أو نحو ذلك مما الله عليه قادر.
وقد حكى القرآن عنهم في مواضع كثيرة هذا الطلب بإنزال معجزات
مادية، وأجاب عنه إما مجملاً كما هنا، وإما مفصلاً، كما في سورة الفرقان:
﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِى فِ اْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ

١٤٧
الجزء (١١) - يُوذي): ١٠/ ٢٠
مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَمُ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ
يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧/٢٥-٨] ثم في آيات بعدها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ
جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا
١٠
[الفرقان: ١٠/٢٥] .
وفي سورة الإسراء طالبوا بواحدة من بضع آيات: ﴿ وَقَالُوْ لَن ◌ُؤْمِنَ لَكَ
حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنْ تَّخِيلٍ وَعِنَبٍ
فَنُفَجَِّ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا نَفْجِيرًا ﴿ أَوْ تُشْقِطَ اُلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا
أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا ﴿﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِىِ السَّمَاءِ
وَلَن تُؤْمِنَ لِرُقِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّ هَلْ كُنْتُ إِلَّا
[الإسراء: ١٧ /٩٠-٩٣] .
٩٣
بَشَرًا رَّسُولًا
وكان الرد الحاسم على مثل هذه الاقتراحات قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ
تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩/١٧] أي كذب بها قوم
عاد وثمود وغيرهم. وقضينا ألا نعاملهم بمثل معاملة الأقوام الغابرة،
فنستأصلهم؛ لأن محمداً خاتم النبيين، ورحمة عامة شاملة للعالمين، وقد يلد
منهم من يؤمن ويوحد الله تعالى.
ومع كل هذا آتى الله نبيه آيات علمية وكونية، ولكنه لم يجعلها حجة على
رسالته، ولا طالبهم بالإيمان بموجبها، بل كانت لضرورة كاستجابة بعض
أدعيته وَّر، كشفاء المرضى، وإشباع العدد الكثير في غزوتي بدر وتبوك من
الطعام القليل، وانشقاق القمر نصفين، وحنين الجذع، وتكليم الضب، ونحو
ذلك مما هو معروف مستقصى في كتب السنة والسيرة مثل أعلام النبوة
للماوردي.
وبالرغم من تلك الآيات، ظل القرآن الكريم هو معجزة النبي ◌َلقر الخالدة،
ولعل عصرنا بما اكتشف فيه من اختراعات عجيبة، وظهرت فيه نظريات

١٤٨
الُ (١١) - يُونتر: ١٠/ ٢٠
كونية وعلمية تتفق مع الأخبار الواردة في القرآن، يؤيد الاكتفاء بهذه المعجزة.
روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((مامن نبي إلا
وقد أُعطي من الآيات مامِثْلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً
أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)).
وكان الجواب الإجمالي في هذه الآية: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي إن تلبية
مقترحاتكم ونزول الآية من الأمور الغيبية، والله وحده هو المختص بعلم
الغيب، فلا يعلم به إلا هو، والأمر كله لله، وهو يعلم عواقب الأمور،
وليس لي ولا لأحد علم بالغيب المستأثر به سبحانه وتعالى، فإن قدَّر إنزال آية
علي، فهو يعلم وقتها.
﴿فَانْتَظِرُواْ إِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي إن كنتم لا تؤمنون بي حتى
تشاهدوا ما سألتم من نزول الآيات المقترحة، فانتظروا حكم الله في وفیکم،
وهو ما سيحلُّ بكم من العذاب لعنادكم وجحودكم بالآيات.
وقد فشَر الله تعالى ما ينتظر في القسم الأخير من هذه السورة: ﴿فَهَلْ
يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَأَنْتَظِرُواْ إِنِِّ مَعَكُمْ مِّنَ
اٌلْمُنْتَظِرِينَ (َ﴾ [١٠٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية أمرين :
اً - علم الغيب ومنه الوحي وإنزال المعجزات والآيات الكونية مختص
بالله تعالى، وما النبي إلا رسول موحى إليه، يبلّغ ما أنزل إليه من ربه.
أَ - تهديد كفار مكة وأمثالهم بحلول العذاب إن لم يؤمنوا برسالة النبي
وَله، وإنذارهم بفصل القضاء بينه وبينهم بنصره عليهم، وإظهار المحق على
المبطل.

١٤٩
الُ (١١) - يُونَ): ٢١/١٠-٢٣
عادة الكفار المكر واللجاج والعناد وعدم الإنصاف
﴿وَإِذَا أَذَقْنَ النَّاسَ رَحْمَةً مِنُ بَعْدٍ ضَرَآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَكُرٌ فِىّ ءَايَانِنَا قُلِ اللَّهُ
أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِى يُسَيَِّّكُمْ فِ اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِّ
حَتَّ إِذَا كُتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَنِبَةٍ وَفَرِخُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ
وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى
لَيِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَ مِنَ الشَّكِرِينَ
اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ بَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ
٢٣
إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿رُسُلَنَا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا) ..
يُسَتِكُ﴾ :
وقرأ ابن عامر (يَنْشُرُكم) - من النشر -
﴿مَّنَعَ﴾: قرئ:
١- (متاعَ) وهي قراءة حفص.
٢- (متاعٌ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿بَغْيُكُمْ﴾: مبتدأ، و﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ : خبره.

١٥٠
لِلُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢١-٢٣
﴿مَّتَعَ الْحَيَوَةِ﴾ منصوب إما بفعل مقدر، تقديره: تبتغون متاع الحياة
الدنيا، أو على المصدر المؤكد بفعل مقدر تقديره: تمتعوا متاع الحياة الدنيا.
ويقرأ بالرفع خبراً بعد خبر لبغيكم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو متاع
الحياة الدنيا. ويقرأ بالجر على غير المشهور على البدل من الكاف والميم في
﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ وتقديره: إنما بغيكم على متاع الحياة الدنيا.
﴿إِذَا
جَاءَتْهَا﴾ جواب
﴿دَعَوُاْ اللَّهَ﴾ بدل من: ﴿وَظَنُّواْ﴾ بدل اشتمال؛ لأن دعاءهم من لوازم
ظنهم.
﴿ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ على إرادة القول، أو مفعول: دعوا؛ لأنه من جملة القول.
ولام ﴿لَبِنْ﴾: لام القسم.
البلاغة:
﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ المكر: إخفاء الكيد، وهو من الله تعالى إما الاستدراج أو
الجزاء على المكر، وتسمية عقوبة الله مكراً من باب ((المشاكلة)).
﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة، لزيادة التقبيح والتشنيع
على الكفار، لعدم شكرهم النعمة، وللتعجب من حالهم والإنكار عليهم.
المفردات اللغوية:
﴿أَذَقْنَا﴾ أصل الذوق: إدراك الطعم بالفم، ويستعمل مجازاً في إدراك
غيره من الأشياء المعنوية كالرحمة والنعمة، والعذاب والنقمة . ﴿النَّاسَ﴾ أي
كفار مكة ﴿رَحْمَةً﴾ مطراً وخصباً وصحة وسعة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَآءَ﴾ بؤس،
وجدب أو قحط، ومرض ﴿مَكْرٌ فِى ءَايَانِنَا﴾ بالطعن فيها والاحتيال في
دفعها بالاستهزاء والتكذيب ﴿قُلِ﴾ لهم ﴿اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ المكر: التدبير

١٥١
لُعُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢١-٢٣
الخفي الذي يفضي بالغير إلى مالا يتوقعه، والمراد هنا: مجازاة أو جزاء على
المكر، أو المراد الاستدراج ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ الحفظة الكرام الكاتبين من الملائكة.
(يُسَبِّكُمْ﴾ يسخّر لكم، أو يعطيكم أداة السير من سفينة أو دابة أو سيارة
أو طائرة ونحوها، أو يحملكم على السير ويمكنكم منه، والتسيير بإيجاز:
التمكين من الانتقال بالنفس أو بالواسطة ﴿اَلْفُلْكِ﴾ السفن أو السفينة، جمعاً
أو واحداً ﴿بِيجَ طَيِّبَةٍ﴾ لينة، والطيب من كل شيء: ما يوافق الغرض
والمنفعة، يقال: رزق طيب، ونفس طيبة، وشجرة طيبة ﴿جَّءَتُهَا﴾ الضمير
للفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها ﴿رِيعُ عَاصِفٌ﴾ شديدة الهبوب، تکسر كل
شيء، وذات عصف ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي أهلكوا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الدعاء
﴿مِنْ هَذِهِ﴾ الأهوال ﴿الشَّكِرِينَ﴾ الموحدين.
﴿فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ﴾ إجابة لدعائهم ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَيِّ﴾ أي
فاجؤوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه، والبغي: الزيادة على القصد
والاعتدال حتى الوقوع في الفساد والظلم، كالشرك، وبغير الحق أي مبطلين
فيه. وأما الفساد بحق كتخريب الديار وإحراق الزروع وقطع الأشجار في حالة
الحرب فهو إفساد بحق ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي ظلمكم أي وباله وإثمه
عليكم ﴿مَّتَعَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ تمتعون فيها قليلاً ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بعد الموت
﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجازيكم.
المناسبة:
بعد أن ردَّ الله تعالى على المشركين الطالبين إنزال آية كونية غير القرآن، بأن
هذا من الغيب المستأثر به الله تعالى، ذكر جواباً آخر، وهو أن أولئك المشركين
لا يقنعون بالآيات إذا رأوها بأعينهم؛ لأن عادتهم المكر والجحود والعناد
وعدم الإنصاف، فكثيراً ما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله ثم يمكرون
فيها، فهم إن أصابتهم الشدة تضرعوا، وإن جاءتهم الرحمة بطروا وكفروا.

١٥٢
الُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢١-٢٣
التفسير والبيان:
موضوع هذه الآيات الرد على الكفار الذين يطلبون الآيات الكونية، فإذا
تحققت لم يعتبروا ولم يتعظوا، مما يدل على سوء طبع الإنسان وتأصل خلق
السوء فيه، وتنكره للأدلة العقلية والحسية، والقواعد الخلقية أيضاً التي تقتضي
الوفاء بالمعروف وشكر النعمة الإلهية. وهذا المذكور في الآيات مثال لسوء
الطبع والانقلاب على الفطرة.
إذا أذاق الله الناس رحمة، ورزقهم فضلاً، من بعد ضرّاء مستهم(١)،
كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط ونحو ذلك،
إذا هم يسرعون بالمفاجأة الغريبة وهي المكر في مقام الحمد والشكر، والمراد
بالمكر: الاستهزاء والتكذيب لها، أو الطعن فيها والاحتيال في دفعها،
والتنكر لها.
وهكذا إذا رزق الله المطر، قال الإنسان: مطرنا لأنا في فصل الأمطار، أو
لأن الكوكب الفلاني طلع، وإذا نجا من مكروه أو شدة، قال: نجوت صدفة،
وإذا نجح في مشروع ما، نسب النجاح إلى تفوقه ومهارته وذكائه، ولم يذكر
توفيق الله له، كما قال قارون: إنما أوتيته أي المال على علم عندي، وإذا رفع
الكرب بدعاء نبي، لم يقروا له بالفضل، كما حدث لمشركي مكة، روي أن الله
تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، وأنزل الأمطار النافعة
على أراضيهم، ثم نسبوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء (٢)، وكل
ذلك لمقابلة النعمة بالكفران.
(١) ذكر هذا القيد لأن الشعور بالنعمة بعد زوال البؤس والشدة أكمل وأتم وأفرح.
(٢) النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته
في كل ثلاثة عشر يوماً، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً. وكانت العرب تُضيف
الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقيل: إلى الطالع منها؛ لأنه في سلطانه،
والجمع أنواء.

١٥٣
الُ (١١) - يُونَ): ٢١/١٠-٢٣
والقصة هي كما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه :
((أن قريشاً لما استعصوا على رسول الله پێے، دعا علیهم بسنین کسِني سيدنا
يوسف، فأصابهم قحط وجَهْد، حتى أكلوا العظام والميتة من الجهد، وحتى
جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله
يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ
١٠
تعالى: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
أَلِيمُ ﴾ [الدخان: ١٠/٤٤-١١] فجاء أبو سفيان إلى رسول الله وَله، فقال:
يا محمد، إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قوماً ربما هلكوا، فادع الله
لهم، فدعا لهم، فكشف الله عنهم العذاب، ومُطِروا، فعادوا إلى حالهم
ومكرهم الأول يطعنون في آيات الله، ويعادون رسوله وَله، ويكذّبونه)).
فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الله
أسرع جزاءً لكم على أفعالكم قبل أن تدبروا مكائدكم لإطفاء نور الإسلام،
أو أشد استدراجاً وإمهالاً حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب،
وإنما هو في مهلة، ثم يؤخذ على غرة منه.
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي إن الحفظة أو الكتبة من الملائكة الكرام
يكتبون جميع ما تفعلونه وتدبرونه أو تخططون له، ويحصونه عليكم، ثم
يعرضونه على الله عالم الغيب والشهادة، فيجازي كلاً منكم على الجليل
والحقير. وفي هذا دلالة على تمام الحفظ والعناية وعدم خفاء تدبيرهم على الله
تعالى، وعلى أن عقابه واقع بهم لا محالة.
ثم ضرب الله مثلاً للمشركين المعاندين على مقابلتهم النعمة بالجحود،
فقال: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُسَبِّكُمْ﴾ أي إن الله تعالى هو الذي يمكنكم من السير
والانتقال بالنفس أو بالوسائط المعروفة في البر بالدواب والسيارات
والقطارات وفي البحر بالسفن والمراكب، وفي الجو فوق البر والبحر
بالطائرات فوق الهواء.

١٥٤
لُرُ (١١) - يُونَ): ٢١/١٠-٢٣
حتى إذا كنتم راكبين في الفلْك (السفينة أو السفن) وجرت بكم في البحر
بسبب ريح طيبة مواتية للاتجاه في جهة السير، وفرحتم بما تحقق لكم من راحة
وقطع مسافة، ثم جاءت تلك السفن ريح عاصفة شديدة قوية، فاضطرب
البحر، وتلاطمت بالأمواج العالية من مختلف الجهات، وظننتم أي اعتقدتم
أنكم هالكون لا محالة بسبب إحاطة الموج، فلم تجدوا ملجأ إلا الله، فدعوتموه
مخلصين له الدعاء والعبادة والتضرع، ولم تتجهوا إلى آلهتكم من الأوثان،
وقلتم: لئن أنجانا الله من هذه المخاطر الجسيمة، لنكونن من جماعة الشاكرين
النعمة، الموحدين الله، ثم بعد النجاة عدتم إلى الكفر، كما قال تعالى في الآية
السابقة: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَبِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرِّ مَّسَةٌ﴾ [يونس: ١٢/١٠].
وقال هنا: ﴿فَلَمَّآ أَنْجَنُهُمْ﴾ أي فلما نجاهم من تلك الورطة، عادوا فجأة
إلى سيرتهم الأولى من البغي وإلحاق الظلم بالنفس وبالآخرين، وكأن شيئاً لم
يكن، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الفُرُ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا
◌َجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَنُ كَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٦٧/١٧].
(يَّأَيُّهَا
ثم خاطب الله الناس البغاة الذين لم يعتبروا ونكثوا العهد مع الله:
النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي إنما وبال هذا البغي وجزاؤه وإثمه على
أنفسكم في الدنيا والآخرة ولا تضرون به أحداً غيركم، أما في الدنيا فأنتم
تتمتعون به متاعاً زائلاً لا قرار له، وأقله توبيخ الضمير والوجدان، أو
المعاملة بالمثل، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد والبخاري: ((ما من ذنب
أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يُدَّخر له في الآخرة، من
البغي وقطيعة الرحم)) وفي حديث آخر رواه الترمذي عن عائشة: ((أسرع الخير
ثواباً البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقاباً البغي وقطيعة الرحم)) ((ثنتان
يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين)).

١٥٥
لالُحُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢١-٢٣
وأما في الآخرة فالجزاء المحقق على البغي في النار، وهذا ما أفاده قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْ جِعُكُمْ﴾ أي إن مصيركم ومالكم إلينا يوم القيامة، يوم
الفصل والجزاء، فنخبركم بجميع أعمالكم، ونوفيكم إياها، ونجازيكم عليها
الجزاء الأوفى المناسب، بسبب ما كنتم تعملون، فمن وجد خيراً فليحمد الله،
ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه. وفي هذا تهديد كاف ووعيد شافٍ.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١ - إن مقابلة النعمة الإلهية بالجحود والإنكار، والتكذيب بآيات الله،
مرصود رصداً تاماً عند الله، والملائكة الحفظة تدون كل شيء، ثم يحاسب الله
تعالى كل إنسان على ما قدم وأخر.
أَ - إن الفضل في إنقاذ الإنسان ونجاته من ألوان المخاطر والشدائد
والأهوال هو لله تعالى وحده.
مَّ - دلت هذه الآية على ركوب البحر مطلقاً، وأكدت السنة ذلك، مثل
حديث أنس في قصة أم حِرام، الذي يدل على جواز ركوبه في الجهاد. ودلت
هذه الآية أيضاً على أن سير العباد في البحر من الله تعالى وتوفيقه.
٤ - الكفار شأنهم نكث العهد وعدم الوفاء بالوعد، فبالرغم مما قد
يتعرضون له من مخاطر الغرق، تراهم ينسون ذلك، ويعودون إلى الفساد في
الأرض بالمعاصي، والبغي: الفساد والشرك، وهو أشنع أنواع الظلم.
ة - البغي من منكرات المعاصي، قال ابن عباس: لو بغى جبل على جبل،
لاندك الباغي. والبغي يغلب استعماله في غير الحق، ولا يكون بحق غالباً،
ولكن قد يكون بحق كحال تنفيذ القصاص، وحالة الضرورات الحربية وما
يتطلبه الجهاد لتحقيق الغلبة والنصر.

١٥٦
اِلُ (١١) - يُونِرَ: ١٠/ ٢٤
أَ - عاقبة البغي يتحمل وزرها الباغي نفسه، سواء في الدنيا بالعقاب
العاجل أو الآجل، أو في الآخرة.
مثل الحياة الدنيا في سرعة زوالها وفنائها
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا
يَأْكُلُ النَّاسُ وَاُلْأَنْعَمُ حَتَّ إِذَا أَخَذَتِ آلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَ أَهْلُهَا أَّهُمْ
قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيَّلَا أَوْ نَهَرًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِلْأَمْسَّ
٢٤
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
الإعراب:
﴿وَأَزَّيَّنَتْ﴾ فعل ماض، أصله: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها
زاياً، وقلبت التاء زاياً ولم تقلب الزاي تاء؛ لأن فيها زيادة صوت وهي من
حروف الصفير .﴿فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا﴾ مفعول به أول وثانٍ.
(كَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي كأنها.
البلاغة:
﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ استعارة، شبه الأرض حينما تتزين بالنبات
والأعشاب والأزهار، بالعروس المزينة بالحلي والثياب، ثم حذف المشبه به
وأشير إلى شيء من لوازمه وهو الزخرف على سبيل الاستعارة المكنية.
﴿أَتَنِهَا أَمْرُنَا﴾ كناية عن العذاب والدمار.
المفردات اللغوية:
﴿مَثَلُ﴾ صفة عجيبة تشبه المثل في الغرابة، و﴿مَثَلُ الْحَيَوْةِ اُلُّنْيَا﴾: أي

١٥٧
الجزء (١١) - يُونِر): ٢٤/١٠
حالها العجيبة في سرعة انقضائها وذهاب نعيمها، بعد إقبالها واغترار الناس
بها ﴿ كَمَآءٍ﴾ مطر ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ،﴾ أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً
﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من الزروع والبقول وغيرها ﴿وَالْأَنْعَمُ﴾ من الحشيش
﴿زُخْرُفَهَا﴾ بهجتها من النبات، والزخرف: كمال حسن الشيء ﴿وَأَزَّيَّنَتْ﴾
بالزهر وغيره من النباتات، أي صارت ذات زينة ﴿أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَآَ﴾
متمكنون من حصدها وتحصيل ثمارها وجني غلتها ﴿ أَتَنْهَا أَمْرُنَا﴾ قضاؤنا أو
عذابنا، فاجتاح زرعها ﴿فَجَعَلْنَهَا﴾ جعلنا زرعها ﴿حَصِيدًا﴾ كالمحصود أو
المقطوع بالمناجل لاشيء فيها ﴿ كَأَن لَّمَّ تَغْنَ﴾ أي كأن لم يغن زرعها، أي لم
يلبث فلم تكن عامرة، يقال: غني بالمكان: أقام به وعَمَره .﴿پِآلْأَمْسِّ﴾ فيما
قبله، وهو مثل في الوقت القريب، والمراد هنا زوال خضرة النبات فجأة
وذهابه حطاماً بعدما كان غضاً ﴿لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ فإنهم المنتفعون به.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآية السابقة: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ ولما كان سبب
بغي الناس هو حرصهم على الدنيا وإفراطهم في التمتع بنعيمها، أتبعه بهذا
المثل العجيب لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا، ويعرض عن الآخرة، فكأن
الدنيا أرض سقيت ماء، فأنبتت وأزهرت وأثمرت، وحان وقت الحصاد، ثم
لم تلبث أن أصابتها فجأة جائحة، فاستأصلتها.
وقد تكرر هذا التشبيه والمَثَل في القرآن كثيراً، كقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا
الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُ ثُمَّ بَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا وَفِي الْآَخِرَةِ
عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٌ وَمَا الْخَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ
[الحديد: ٥٧ /٢٠] .
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى للحياة الدنيا في سرعة انقضائها وزوال بهجتها

١٥٨
لُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٢٤
ونعيمها، وهو أن صفة الحياة الدنيا العجيبة كالنبات الذي أخرجه الله من
الأرض بماء المطر المنزل من السماء، فإذا هطل على الأرض أنبت نباتات
شتى تشابكت واختلط بعضها ببعض، منها ما يأكله الناس من زروع وحبوب
وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، ومنها ما تأكله الأنعام من أقوات
ومراعٍ وغير ذلك. وقوله: ﴿فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي اختلط بالماء نبات
الأرض.
حتى إذا اكتمل نمو النبات وازدهر، و﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أي حسنها
وزينتها الفانية، ﴿ وَأَزْيَّنَتْ﴾ يأيهى أنواع الزينة، أي تزينت وحسنت بما خرج
في رباها ووهادها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان وحبوب وثمار،
﴿ وَظَرَ﴾ أي أيقن أهلها الذين زرعوها وغرسوها، أنهم متمكنون قادرون
من جذاذها وحصادها والانتفاع بها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو
ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها. ويلاحظ أنه أخبر عن
الأرض وأراد النبات إذ كان مفهوماً، وهو منها.
وهو معنى قوله: ﴿أَتَنْهَا أَمَّهُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ أي نزل بها قضاؤنا المقدر
لهلاكها ليلاً أو نهاراً، فجعلناها كالأرض المحصودة، يابسة بعد الخضرة
والنضارة، كأن لم تنبت، وكأنها ما كانت حيناً قبل ذلك، وهكذا الأمور بعد
زوالها كأنها لم تكن، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَنًا
وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
[الأعراف: ٩٧/٧-٩٨] وقال تعالى إخباراً عن المهلكين: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِ
٩٨
دِيَرِهِمْ جَثِينَ، كَأَن لَّمْ يَغْنَوْ فِهَا﴾ [هود: ٦٧/١١-٦٨] وجاء في الحديث
الذي أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أنس: ((يؤتى بأَنْعَم أهل
الدنيا، فيُغمسُ في النار غَمْسة، فيقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بك
نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذاباً في الدنيا، فيغمس في النعيم
غَمْسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا)).

١٥٩
الُزُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٢٤
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي كهذا المثل المبين الذي يوضح
حال الدنيا وسرعة زوالها، نبين الحجج والأدلة الدالة على إثبات التوحيد
والجزاء وكل مافيه صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، لقوم يتفكرون في
آيات الله أي يستعملون تفكيرهم وعقولهم في الاتعاظ والاعتبار بهذا المثل في
زوال الدنيا عن أهلها زوالاً سريعاً، مع اغترارهم بها، وتمكنهم من خيراتها،
فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.
وتشبيه الدنيا بنبات الأرض كثير في كتاب الله، مثل الآية السابقة في سورة
الحديد، ومثل آية الكهف: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءِ أَنزَلْنَهُ مِنَ
السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ اُلْرِيَخُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
مُقْنَدِرًا
[٤٥] وآية الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَلَكَهُ.
٤٥
يَبِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ, ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ
يَجْعَلُ حُطَمَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ هَا﴾
[٢١].
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادت الآية أن الحياة الدنيا سريعة الزوال والانقضاء، وأن معيشة الناس
والأنعام تعتمد على خيرات الأرض، وأن الإنسان عاجز ضعيف أمام قدرة
الله وسلطانه، وأن مراد الله وأمره بشيء كالعذاب والهلاك هو النافذ، وأنه
تعالى يبين الآيات والأمثال لمن يستخدم تفكيره وعقله فيها، فإن عاقبة هذه
الحياة الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي تعلقت الآمال بالانتفاع به، فحين عظم
الرجاء بالمنفعة وقع اليأس منها.
والمقصود من الآية ألا يعتمد المرء على نعيم الدنيا بنحو دائم، وألا يغتر
بزخارفها، وينسى ما يجب عليه نحو الآخرة، فيكون هو الخاسر خسارة كبرى
لا تعوض، إذ إنه يكون من الذين خسروا الدنيا والآخرة، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤/٦] .

١٦٠
الجُزءُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٢٥-٢٧
١
الترغيب في الجنة
ووصف حال المحسنين والمسيئين في الآخرة
لِلَّذِينَ
٢٥
﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةُ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ
فِيَهَا خَلِدُونَ
وَلَّذِينَ كَسَبُواْ السَِّئَاتِ جَزَاءُ سَفِئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم
مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ كَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ فِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِمَاً أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٧
القراءات:
﴿يَشَاءُ إِلَى﴾:
بتسهيل الهمزة الثانية، وبإبدالها واواً خالصة وصلاً قرأ: نافع، وابن
کثیر، وأبو عمرو.
وقرأ الباقون بإثباتها.
﴿صِرَاطٍ﴾:
وقرأ قنبل: (سراط).
﴿ قِطَعًا﴾ :
وقرأ ابن كثير، والكسائي (قِطْعاً).
الإعراب: ".
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ﴾ (الذين) مبتدأ، وخبره: ﴿جَزَآءُ سَيْئَةٍ﴾، على تقدير:
وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة.