Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الُ (١١) - يُونَ): ١/١٠-٢ ﴿أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ ﴿أَنْ﴾: هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ الباء معه محذوف. البلاغة: ﴿اَلْحَكِيمِ﴾ بمعنى مفعول، أي المحكم الذي لا فساد فيه ولا نقص. ﴿ أَنَذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ﴾ بينهما طباق. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَاً﴾ استفهام معناه التقرير والتوبيخ. ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة. وإضافة (قدم) إلى (صدق) دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة، ففي ذلك غاية البلاغة؛ لأن بالقدم يكون السبق والتقدم، كما سميت النعمة يداً؛ لأنها تُعطى بها. وجاء في القرآن: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥/٥٤]، و﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠/١٧]، و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠/١٧]، و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢/١٠]. المفردات اللغوية: ﴿الَّرَّ﴾ تقرأ هكذا: ألِفْ، لامْ، رَا. والحروف المقطعة في أوائل السور وتعديدها يقصد به التحدي، والإشارة إلى أن هذا القرآن كلام مكون من الحروف العربية المألوفة غير الغريبة على العرب، فما لهم عجزوا عن محاكاته؟ مما يدل على كونه كلام الله. أو هي أداة استفتاح وتنبيه لما سيلقى بعدها. ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات ﴿ءَايَتُ الْكِتَبِ﴾ القرآن العظيم، والإضافة بمعنى من ﴿اٌلْحَكِيمِ﴾ المحكم، أي هذه آيات القرآن المحكم المبين. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ﴾ أي أهل مكة، استفهام إنكار ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ أي إيجاؤنا، ١٠٢ لُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ١-٢ والوحي: إعلام خفي ﴿إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ محمد نَِّ ﴿أَنْذِرٍ﴾ خوِّف، والإنذار: الإخبار بما فيه تخويف ﴿النَّاسَ﴾ الكافرين بالعذاب ﴿وَبَشِّرِ﴾ التبشير: إعلام مقترن بالبشارة بحسن الجزاء أو الثواب ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة عند ربهم بما قدموه من الأعمال، سميت قدماً؛ لأن السعي إلى هذه الفضائل بالقدم، كما سميت النعمة يداً، وإضافتها للصدق للتحقق. والصدق يكون في الاعتقاد والأقوال والأفعال وسائر الفضائل . ﴿ إِنّ هَذَا﴾ الكتاب وما جاء به محمد ﴿لَسَحِرٌ مُِّينٌ﴾ بَيِّن واضح ظاهر، والسحر: شيء مؤثر في النفوس بدون أن يكون له حقيقة. سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمداً رسولاً، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر ذلك منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فأنزل الله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية. وأنزل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩/١٢]، ومواضع أخرى، فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشراً فغير محمد كان أحق بالرسالة: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣] يكون أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله رداً عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣]. التفسير والبيان: ﴿الَرَّ﴾: تقرأ هذه الحروف الثلاثة هكذا: ألف، لام، را، والقصد منها التنبيه إلى ما يتلى بعدها ليعتني المرء بفهم ما يسمع أو يقرأ، وتعديد الحروف على طريق التحدي، كما مر في أول سورة البقرة. تلك آيات القرآن المحكم، أو ذات الحكمة لا شتماله عليها، أو تلك آيات ١٠٣ المُرُ (١١) - يُونَ): ١/١٠-٢ ج السورة الحكيمة، التي أحكمها الله وبينها لعباده، كما قال تعالى: ﴿الَرَ كِنَبُ أُخْكِمَتْ ءَايَنُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ [فصلت: ١/٤١] أي أحكمت معانيه ومبانيه. والأولى بالصواب كما ذكر القرطبي أن المراد القرآن؛ لأن الحكيم من نعت القرآن، كما دل قوله تعالى: ﴿كِنَبُ أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾. والحكيم: المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ ينكر الله تعالى على من تعجب من الكفار على إرسال المرسلين من البشر، أي عجيب أمر بعض الناس الذي ينكرون إيجاءنا إلى رجل من جنسهم من البشر، كأن الاشتراك في البشرية تحول دون الإرسال، وكأنهم يريدون رسولاً من غير جنسهم، كما قال تعالى في آيات أخرى حكاية عنهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهَدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦/٦٤] ﴿أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤/١٧] ﴿لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَزَلَ مَلَئِكَةٌ﴾ [فصلت: ١٤/٤١] وقال هود وصالح لقومهما: ﴿أَوَ عَمْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣/٧]. قال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمداً وَل رسولاً أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾. هذا التعجب في غير محله، إذ أن كل الرسل كانوا بشراً: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ [الأنعام: ٩/٦] وردد مَلَكًا تَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ (؟)) الله هذا المعنى في آيات كثيرة منها: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِىِ الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا (٥) [الإسراء: ١٧ /٩٥] . فإرسال الرسول من جنس المرسل إليهم أدعى إلى قبول دعوته، والتفاهم معه. وأما اختيار أحد هؤلاء البشر فالله أعلم من هو أولى للرسالة وأحق بالاصطفاء والاختيار: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥/٢٢]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦]. ١٠٤ الجُرُ (١١) - يُونَ): ١/١٠-٢ أما معايير البشر فهي خطأ، مثل كون محمد رَ لم يتيم أبي طالب، إذ قال القرشيون: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً إلا يتيم أبي طالب، أو أنه فقير، وهم يريدون كونه غنياً مترفاً وزعيماً مرموقاً: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣] وهم يعنون إما الوليد بن المغيرة من مكة، أو مسعود بن عمرو الثقفي من الطائف. ومهمة هذا النبي الموحى إليه هي الإنذار من النار: ﴿أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ أي أوحينا إليه بأن أنذر الناس وخوفهم من عذاب النار يوم البعث، إذا ظلوا كافرين ضالين عاصين، كما قال تعالى: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّ أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ ﴾ [يس: ٦/٣٦]. غَفِلُونَ وبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم قدم صدق عند ربهم، أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة عند الله في جنات النعيم، وأجراً حسناً بما قدموا. والأعمال الصالحة: هي صلاتهم وصومهم وصدقهم في القول والفعل وتسبيحهم. والإنذار والتبشير هما من أخص صفات النبي وَله، وقد صرح القرآن بهما في آيات كثيرة مثل: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًّا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢/١٨] ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا ([®﴾ [الأحزاب: ٤٥/٣٣] . أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وفي الكلام حذف يدل الظاهر عليه تقديره: ومع أنا بعثنا إليهم رسولاً منهم، رجلاً من جنسهم، بشيراً ونذيراً، ﴿قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي قال المنكرون المكذبون رسالته: إن محمداً ساحر ظاهر. وعلى قراءة: ﴿إِنَّ هَذَا نَسِحْرٌ مُِّينٌ﴾ معناه إن هذا القرآن سحر ظاهر بيِّن. وعلى أي حال فإنهم وصفوا القرآن وصاحبه المنزل عليه بالسحر وكونه الساحر، وهم الكاذبون في ذلك. ووصفوه بالسحر لما رأوا من تأثيره القوي في القلوب، ١٠٥ الُ﴾ (١١) - يُونيَّ): ١/١٠-٢ والسحر عندهم يطلق على كل فعل غريب خارق للعادة، لا يعرف له سبب، مؤثر في النفوس، جذاب يلفت الأنظار. ثم تبيَّن لعقلاء العرب وحكمائهم أن القرآن ليس سحراً؛ لأنهم جربوا السحر وعرفوه، فلم يجدوه مطابقاً له؛ لأن السحر علم يعتمد إما على الحيل والشعوذة، أو على خواص بعض الأشياء الطبيعية، أو على علم النجوم، أو على دراسات نفسانية، والقرآن ليس من هذه الأشياء إطلاقاً بالتجربة والحس والمشاهدة والموازنة، وإنما هو مغاير لها، وفوقها؛ لأنه وحي من عند الله على قلب نبيه، مشتمل على أحكام سامية عالية في التشريع والقضاء، والسياسة والاجتماع، والعلوم والأخلاق والآداب، معجز في أسلوبه ونظمه ومعانيه، يفوق قدرة البشر على محاكاته أو الإتيان بشيء من مثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالَّذِكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ جَ لَا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ ٤١/٤١-٤٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (١) الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِى نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْثُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى الَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن (1)) [الزمر: ٢٣/٣٩]. يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فقه الحياة أو الأحكام: اً - القرآن الكريم كتاب محكم واضح بيِّن فيما اشتمل عليه من حلال وحرام وحدود وأحكام. ٢ - الإيحاء إلى رجل من البشر ليؤدي رسالة الله إلى الناس أمر طبيعي منطقي، ليس محل تعجب واستغراب، وإنما هو موافق الحكمة والعقل والواقع. ◌َّ - ليست مقومات اختيار الأنبياء بحسب معايير الناس ومفاهيمهم كالمال والغنى والثروة والجاه والزعامة، وإنما المعيار هو ما في علم الله جل وعز من ١٠٦ الُرُءُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٣ كون النبي المصطفى هو الأهل الأكفأ الأجدر بتحمل أعباء الرسالة، والأوفق لتحقيق المصلحة وتبليغ الوحي إلى الناس. ٤ - مهمة الرسول هي الإنذار والتبشير، إنذار من عصاه بالنار، وتبشير من أطاعه بالجنة. وله خصائص أخرى مثل ما أخبر النبي ◌َّ في الصحاح عن ، نفسه أنه قال: ((لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب: أي آخر الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِِّنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٠/٣٣]. 6 - لا يملك الضعيف أو الخاسر المفلس سوى الاتهام الرخيص الكاذب الذي لا فائدة منه، لذا قال الكافرون: إن هذا أي الرسول ◌َ * لساحر مبين، أو إن هذا القرآن لسحر مبين، بحسب القراءتين، فوصف الكفار القرآن بكونه سحراً يدل كما قال الرازي على عظم محل القرآن عندهم، وكونه معجزاً، وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة، فاحتاجوا إلى هذا الكلام الذي ذكروه في معرض الذم، على ما يظهر، وأرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة، ولا حاصل له، أو ذكروه في معرض المدح، وأرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله، جار مجرى السحر. الله خالق السماوات والأرض وعلى الخلق عبادته ﴿إِنَّ رَبَّكُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ القراءات: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: قرئ: ١٠٧ الجُزءُ (١١) - يُونَ: ٣/١٠ ١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (تَذََّّرون) وهي قراءة الباقين. المفردات اللغوية: ﴿خَلَقَ﴾ الخلق: التقدير والإيجاد ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي في قدر أيام الدنيا؛ لأنه لم يكن ثَمَّ شمس ولا قمر، ولو شاء لخلقهن في لحظة، ولكنه عدل عن ذلك لتعليم خلقه التثبت. واليوم لغة: الوقت الذي يحده حدث يحدث فيه. ﴿اَلْعَرْشِ﴾ مركز تدبير المخلوقات، ولا نعلم حقيقته، والاستواء على العرش شيء يليق به تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ بين الخلائق، والتدبير: النظر في عواقب الأمر لإيقاعها على النحو المناسب محمودة العاقبة ﴿شَفِيع﴾ يشفع لأحد ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِّهِ﴾ رد لقولهم إن الأصنام تشفع لهم ﴿ذَلِكُمْ﴾ الخالق المدبر ج ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة، ورد عليهم تعجبهم بأنه من الممكن الإيحاء إلى رجل يبشر على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الفاسدة بالعقاب، ذكر تعالى أمرین : الأول هنا: إثبات أن لهذا العالم إلهاً قادراً نافذ الحكم بالأمر والنهي. والثاني في الآية التالية: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، ليحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر بهما الأنبياء. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة ١٠٨ اِلُ (١١) - يُوذَرَ: ٣/١٠ أزمنة أو أيام، قيل: كأيام الدنيا، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون، والأصح أنه تعالى خلق الكون سماءه وأرضه في زمن لا يعلم مقداره إلا هو. واليوم في اللغة هو الجزء من الزمن. ثم استوى على العرش استواء يليق بعظمته وجلاله، ولا يعلمه إلا هو، والعرش هو كرسيه أو مركز تدبير الخلائق، وهو أعظم المخلوقات وسقفها، ولا يعلم أحد حقيقة العرش إلا هو سبحانه وتعالى. والله تعالى في استوائه على العرش يدبر أمر الخلائق والملكوت بما يتفق مع حکمته وعلمه، ويقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته. وإذا كان الله الرب خالق الأكوان وفاطر السماوات والأرض على هذا النظام البديع المحكم، فيمكنه ولا يستبعد عنه أن يوحي بشيء من علمه على بشر من خلقه، ليهدي الناس إلى سواء السبيل، فذلك مظهر من مظاهر قدرته وإرادته، فيجب على منكري النبوة الإيمان بهذا الوحي وتصديق صاحبه وتأييده بكل ماجاء به. ولله تعالى أيضاً السلطان المطلق يوم القيامة في حساب الخلائق، فلا يستطيع شفیع أن يشفع لأحد عنده تعالى إلا من بعد إذنه أي إرادته ومشيئته، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ، إِلَّا بِإِذْنِّ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢] وقوله: ﴿ وَلَا تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ [سبأ: ٢٣/٣٤] وقوله: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِىِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ ويرضى [النجم: ٢٦/٥٣] وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ [طه: ٢٠ / ١٠٩] . ١٠٩ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا وفي هذا رد واضح على عبدة الأصنام أو الملائكة أو البشر الذين يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، كما قال تعالى عن عبدة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣/٣٩]. ١٠٩ الُ (١١) - يُونَِّ: ٣/١٠ وفيه أيضاً إثبات الشفاعة لمن أذن له الله الرحمن. ذلكم الله، أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية من الخلق والتقدير والحكمة والتدبير والتصرف في الشفاعة، هو ربكم المتولي شؤونکم، لاغيره؛ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك. فاعبدوه، أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، أفلا تذكرون، أي أفلا تتفكرون أدنى تفكر في أمركم أيها المشركون، فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدونه من الآلهة، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧/٤٣] وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا ١٦ نَتَّقُونَ [المؤمنون: ٨٦/٢٣-٨٧] ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم ◌َنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ ج وَاُلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨/٣٩]. فلقد كان العرب يؤمنون بوحدة الربوبية، كما فهم من الآيات المذكورة، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، لذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ ج رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾. ثم دعاهم تعالى إلى التفكير بقوله ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أتجهلون فلا تتذكرون أن الله هو خالق السماوات والأرض، فتستدلوا بها. فقه الحياة أو الأحكام: تدل هذه الآية على مايأتي: ١ - إثبات الألوهية أو وجود الله بإثبات صفة الخلق لله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾. ◌َ- كون خلق السماوات والأرض في ستة أيام، لتعليم الخلق التثبت في الأمور، مع أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر. ١١٠ لُ (١١) - يُوذَ: ١٠ /٤ ٣- اتفق المسلمون على أن فوق السماوات عظيماً هو العرش، الله أعلم به، وبكيفية استوائه عليه. ٤- إن الله وحده هو الذي يدبر الخلائق بمقتضى حكمته، لا يشركه في تدبيرها أحد، وتدبيره للأشياء وصنعه لها، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر. ٥- لا شفاعة لأحد -نبي ولا غيره- يوم القيامة إلا بإذن الله تعالى؛ لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب. وهذا رد على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله: ﴿هَؤُلَاءٍ شُفَعَتُوْنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨/١٠] فأعلمهم الله أن أحداً لا يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل؟! ٦ - إن الله الذي فعل هذه الأشياء من خلق السماوات والأرض هو ربكم لارب لكم غيره، فهو وحده الذي يستحق العبادة بإخلاص له. ٧- قوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ دال على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، وأن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على عظمته أعلى مراتب التفكير وأكملها. إثبات البعث والجزاء ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقَّأْ إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ ٤ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ الإعراب: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم ﴿جَمِيعًا﴾ حال منصوب. صِے ١١١ لُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٤ ﴿ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المقدر، أي وعد الله ذلك وعداً وحققه. المفردات اللغوية: ﴿ إِلَيْهِ﴾ تعالى ﴿يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ﴾ أي بدأه بالإنشاء ﴿حَقًّا﴾ صدقاً لا خلف ج فيه ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث ﴿لِيَجْرِىَ﴾ يثيبَ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿حَيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم. التفسير والبيان: أثبت الله تعالى في الآية السابقة وجوده ووحدانيته المقتضية توحيده الخالص في العبادة، وهنا يثبت أمراً آخر مهماً في الإسلام وهو البعث والجزاء. يخبر الله تعالى أن إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، بعد الموت، لا . يترك أحداً منكم أبداً، ووعد الله ذلك وعداً حقاً ثابتاً لا خُلْفَ فيه. ثم ذكر أنه تعالى كما بدأ الخلق وأنشأه حين التكوين، كذلك يعيده في النشأة الأخرى، والإعادة أهون من البدء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَبْدَؤُأ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠]. أما البدء فمشاهد بلا نزاع، ولكن البشر لم يستطيعوا إلى الآن معرفة النشأة الأولى والقوة الموجدة للحركة في المادة. وأما الإعادة فيتوقع العلماء خراب العالم، لكن بعضهم ينكر البعث والجزاء، ولكن القرآن أقام الدليل عليه بأن القادر على البدء والتكوين، قادر على إعادة الحياة مرة أخرى بعد الموت والفناء. والهدف من الإعادة حساب الخلق بالعدل: ﴿لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي ليجازي المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله وما أنزل إليهم، وعملوا الأعمال ١١٢ لُعُ (١١) - يُونشر): ١٠ /٤ الطيبة الصالحة، بالعدل والجزاء الأوفى، فيعطي كل عامل ما يستحقه من الثواب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ٤٧ [الأنبياء: ٢١ /٤٧] . والجزاء بالعدل لا يمنع التفضل بمضاعفة أجر المحسنين، كما قال تعالى: لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ ٣٠ [فاطر: ٣٠/٣٥] وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠] فالحسنى جزاء، والزيادة فضل من الله وإحسان. وأما الذين كفروا بالله ورسله وأنكروا البعث، وتعجبوا من الإيحاء إلى بشر ينذرهم ويبشرهم، فلهم من الجزاء شراب ساخن شديد الحرارة يقطع الأمعاء ويشوي البطون، بئس الشراب شرابهم، ولهم أيضاً يوم القيامة عذاب موجع مؤلم أشد الألم بسبب كفرهم، من سموم وحميم وظل من يحموم: ﴿هَذَا فَيَدُ وِقُوهُ (@)﴾ [ص: ٥٧/٣٨-٥٨] ﴿هَذِهِ. ﴿ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ- أَزْوَجُ حَيةٌ وَغَاقٌ [الرحمن: ٤٤ جَهَُّ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ٥٥/ ٤٣-٤٤]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى ما يأتي: ١ - إثبات المعاد (البعث) والحشر والنشر، بدليل أنه تعالى قادر على كل شيء، فهو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩/٧] فالله قادر على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق، فلأن يكون قادراً على إيجادنا مرة أخرى، مع سبق الإيجاد الأول، كان أولى وأهون. ٠ ٢َ- الجزاء ثابت على الأعمال، أما جزاء المؤمنين الصالحين فهو مقصود ١١٣ الُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٤ بالذات، بدليل تعليل الرجوع إليه تعالى بأنه الجزاء: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لأن العدل يقضي بتقديم المقابل على العمل الصالح، وهو جزاء حسن لا يعادل بالعمل المبذول، بل هو أفضل وأرقى وأكمل منه بكثير، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧/٣٢] وروى البخاري حديثاً قدسياً: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)). وأما جزاء الكافرين على كفرهم فليس من مقاصد خلق الإنسان، وإنما اقتضاه العدل والعقل، للتمييز بين المحسنين والمسيئين، وبين الأبرار والفجار، وبين المؤمنين والكفار؛ لأننا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات أحياناً، ونرى العلماء والصالحين ضد ذلك، فهل يعقل أن يتساوى العامل مع العاطل، والمحسن مع المسيء؟! قال تعالى: ﴿أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اُلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارٍ ٢٨ [ص: ٢٨/٣٨] فثبت أنه لابد بعد هذه الدار من دار أخرى، لإقامة العدل بين الخلائق. ودلت الآية أيضاً على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمناً، وبين أن يكون كافراً؛ لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين. والخلاصة: أثبت تعالى البعث والحشر والنشر بناء على أنه لابد من إثابة أهل الطاعة، وعقوبة أهل الكفر والمعصية، وأن الحكمة تقتضي تمييز المحسن عن المسيء. ١١٤ الُ (١١) - يُوزَِّ): ١٠/ ٥-٦ إثبات القدرة الإلهية في الكون بالشمس والقمر واختلاف الليل والنهار ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُرًّا وَقَدَرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَاُلْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ يُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلَفِ الَّْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ القراءات: ﴿ضِيَآءَ﴾ : وقرأ قنبل: (ضئاء). ﴿يُفَصِّلُ﴾: قرئ: ١- (يُفصِّل)، وهي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (نُفَصِّل)، وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٌ﴾ ضياء: مفعول به ثانٍ لجعل. ﴿ وَقَدَّرَهُ﴾ الضمير إما راجع للشمس والقمر، ووحّد لكنه في معنى التثنية، اكتفاء بالمعلوم؛ لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر، مثل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢/٩]. وإما أن يكون الضمير راجعاً إلى القمر وحده؛ لأن بسير القمر تعرف الشهور، والشهور المعتبرة في الشريعة هي الشهور القمرية، المبنية على رؤية الأهلة، وكذلك السنة ١١٥ الُ (١١) - يُونَ: ٥/١٠-٦ المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِ كِتَبِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦/٩]. المفردات اللغوية: ﴿ضِيَاءٌ﴾ ذات ضياء أي نور ﴿نُورًا﴾ أي ذا نور، وسمي نوراً للمبالغة، وهو أعم من الضوء. وقيل: ما بالذات ضوء، وما بالاكتساب من غيره نور، وقد نبه تعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيّرة في ذاتها، والقمر نيراً بالاكتساب من الشمس ﴿وَقَذَرَهُ مَنَازِلَ﴾ الضمير لكل واحد من الشمس والقمر، أي قدر مسير كل واحد منهما منازل أو قدر القمر ذا منازل، والتقدير: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة، والمنازل: مكان النزول ﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ﴾ أي لتعلموا بذلك حساب الأوقات من السنين والأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ المذكور إلا خلقاً ملتبساً بالحق، مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة، لا عبثاً. (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون، فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها. ﴿فِى أُخْتِلَفِ الََّلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ﴾ من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك ﴿ وَالْأَرْضِ﴾ وفي الأرض من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها ﴿لَيَتٍ﴾ دلالات على قدرته تعالى ووجوده ووحدته وكمال علمه وقدرته .﴿لِّقَوْمِ يَتَّقُونَ﴾ يتقون عواقب الأمور، فيؤمنون، لأن ذلك يحملهم على التفكر والتدبر، وخصهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على إثبات الألوهية والتوحيد، والبعث، من خلق السماوات والأرض، خصص بالذكر للتأكيد أحوال الشمس والقمر ١١٦ المُرُ (١١) - يُونَ: ٥/١٠-٦ الدالة على التوحيد من جهة الخلق والإيجاد، وعلى إثبات المعاد من جهة كونهما أداة لمعرفة السنين والحساب، وذلك رصد للزمن الذي لابد له من نهاية، وموت أهله، ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السماوات والأرض. فصارت الأدلة على الألوهية والتوحيد أربعة: خلق السماوات والأرض، وأحوال الشمس والقمر، والمنافع المترتبة على اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السماوات والأرض من حوادث وأحوال، كالأمطار والرعد والبرق، والزلازل والبراكين، والمد والجزر في البحار، وأحوال النبات والحيوان والمعادن. التفسير والبيان: الله ربكم هو الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الشمس في النهار ضياء للكون، ومصدراً للحياة وإشعاع الحرارة الضرورية للحياة، في النبات والحيوان، وجعل القمر نوراً في الليل يبدد الظلمات، وقدر مسيره في فلكه منازل أو ذا منازل، ينزل كل ليلة في واحد منها، وهي ثمانية وعشرون منزلاً معروفة لدى العرب، يرى القمر فيها بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وَاُلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩/٣٦]. وتخصيص القمر بذكر منازله، إذا جعل الضمير عائداً إليه وحده، لسرعة سيره، ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله بقوله: ﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ﴾ أي يعرف به حساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي، والفصول الأربعة، والحساب مطلوب لضبط أوقات العبادة من صلاة وصيام وحج وزكاة ومعاملات وعقود. وإذا كان تقدير المنازل لكل من الشمس والقمر، فيعرف بهما حساب الأوقات، فبالشمس تعرف الأيام، وبمسيرة القمر تعرف الشهور والأعوام. ١١٧ الزُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٥-٦ وقد حث الشرع على الانتفاع بالحساب الشمسي في نحو قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ [الرحمن: ٥/٥٥] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ وَاَلنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ وَأُلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢/١٧] وفي كل من الحساب الشمسي والقمري فوائد، فالحساب الشمسي ثابت، والحساب القمري أسهل على البدوي والحضري، فأنيطت به الأحكام الشرعية. ما خلق الله ذلك المذكور من الشمس والقمر إلا خلقاً متلبساً بالحق الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثاً، بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ [ص: ٢٧/٣٨] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ وقوله : ١١٥ [المؤمنون: ١١٥/٢٣] . ﴿ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يبين الله الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته، والآيات القرآنية، لقوم يعلمون طرق الدلالة على الخالق ومنافع الحياة، ويميزون بين الحق والباطل. إن في اختلاف الليل والنهار أي في تعاقبهما، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئاً، وفي طولهما وقصرهما بحسب اختلاف مواقع الأرض من الشمس، ومالهما من نظام دقيق، وما فيهما من برودة وحرارة، وكون الليل لباساً وسكناً والنهار معاشاً. وإن ما خلق الله في السماوات والأرض من أحوال الجماد والنبات والحيوان، وأحوال الرعود والبروق والسحب والأمطار، وأحوال البحار من مد وجزر، وأحوال المعادن من خواص وتركيب ونحو ذلك. إن في ذلك كله لآيات ودلائل دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وحكمته، وعظمته، وكمال علمه، لقوم يتقون مخالفة سنن الله في التكوين، ١١٨ الجُزْءُ (١١) - يُونشرَ: ٥/١٠-٦ وسننه في التشريع، فسنة الكون الحفاظ على الصحة، من خالفها مرض، وسنة الحياة الاستقامة، من أفسدها وخالفها، أساء لنفسه، وكل من لم يتق عقاب الله وسخطه وعذابه بارتكاب المعاصي ومخالفة السنن، عوقب على ذلك في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - إن أحوال الشمس والقمر وما فيهما من فوائد، والمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وكل ما خلق الله في السماوات والأرض آيات دالة على وجود الله وتوحيده، وكمال قدرته وعظيم سلطانه، ولم يخلق الله ذلك إلا لحكمة وصواب، ومصلحة للإنسان. أَ - وإن تقدير الشمس والقمر في منازل مفيد في التوقيت لمعرفة عدد السنين والحساب. قال السيوطي: هذه الآية أصل في علم المواقيت، والحساب، والتاريخ، ومنازل القمر. ◌َّ - أودع سبحانه في أجرام الكواكب والأفلاك خواص معينة وقوى مخصوصة وفوائد وآثاراً في هذا العالم، وإلا كان خلقها عبئاً وباطلاً وغير مفید. ٤ - المستفيد من آيات الكون هم العلماء العقلاء، والمتقون الذين يخافون الله ويحذرون عقابه، والحذر يدعوهم إلى التدبر والنظر. ١١٩ الُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ /٧-١٠ المؤمنون والكافرون وجزاء كلّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأْمَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَدِنَا غَفِلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ اْأَنْهَرُ فِ جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ دَعْوَنَهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغِنَّهُهُمْ فِيهَا سَلَمُ ١٠ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ القراءات: ﴿مَأْوَنَّهُمُ﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ماواهم). ﴿تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ﴾: قرئ: ١- (تحتهِمٍ الأنهار) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (تحتھُمُ الأنهار) وهي قراءة حمزة، والكسائي وخلف. ٣- (تحتهِمُ الأنهار) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ﴾ استئناف، أو خبر ثانٍ، أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير. ﴿فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ خبر أو حال آخر منه أو من الأنهار، أو متعلق بتجري أو بيهدي. ١٢٠ الُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٧-١٠ البلاغة: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَّءَنَا﴾ فيه التفات، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة لتعظيم الأمر وتهويله. المفردات اللغوية: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يتوقعونه لإنكارهم للبعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها، واللقاء: الاستقبال والمواجهة. ﴿وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ بدل الآخرة بإنكارهم لها وغفلتهم عنها. ﴿وَأَطْمَأَنْ بِهَا﴾ سكنوا إليها، وقصروا هممهم على لذائذها وزخارفها. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ﴾ أي تاركون النظر في دلائل وحدانيتنا، لا يتفكرون فيها، لانهماكهم فيما يضادها. ﴿مَأْوَهُمُ﴾ ملجأهم الذي يأوون إليه وقد أطلق المأوى على الجنة في ثلاث آيات، وعلى النار في بضع عشرة آية. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من الشرك والمعاصي. ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ يرشدهم. ﴿بِإِيمَنِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم، إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لإدراك الحقائق، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه أبو نعيم عن أنس، والظاهر أنه ضعيف: ((من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم)) أو لما يريدونه في الجنة، بأن يجعل لهم نوراً يهتدون به يوم القيامة. ﴿دَعَوَهُمْ فِيَهَا﴾ طلبهم لما يشتهونه في الجنة، والدعوى: الدعاء، والدعاء للناس: النداء والطلب المعتاد بينهم، والدعاء لله: سؤاله الخير والرغبة فيما عنده، مع الشعور بالحاجة إليه، ودعاؤهم هنا أن يقولوا: ﴿سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي تنزيهاً لك وتقديساً يا الله، فإذا ما طلبوه وجدوه عندهم . ﴿وَتَحِيَّئُهُمْ﴾ فيما بينهم، والتحية: التكرمة، بقولهم: حياك الله، أي أطال عمرك. ﴿سَلَمٌ ج السلامة من كل مكروه . ﴿أَنِ الْحَمْدُ﴾ أن مفسرة.