Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
لُ (١٠) - التَوَتَير: ٩ /٩٠
تخلّفوا عن الجهاد مع النَّبِي وَلّهِ، ورضوا لأنفسهم المذلّة والمهانة بالقعود مع
العاجزين عن الخروج للجهاد. وقد أدى ذلك إلى الطبع على قلوبهم، فأصبحوا
لا يميزون بين الخير والشّرّ، ولا بين المصلحة والضَّرر، أي إن حالهم التّخلف
ومآلهم انعدام الخير فيهم.
قال الحسن البصري: الطبع: عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى
الحدّ الذي كأنه مات عن الإيمان. وعند المعتزلة: عبارة عن علامة تحصل في
القلب.
ودلّت الآيات أيضاً على حال المؤمنين ومآلهم، فحالهم أنهم بذلوا المال
والنّفس في طلب رضوان الله والتّقرُّب إليه، ومالهم تحصيل الخيرات أي منافع
الدّارين، والفوز بالجنّة والتّخلُّص من العقاب والعذاب. وذلك هو الفوز
العظيم الذي لا فوز غيره، وهو المرتبة الرّفيعة والدّرجة العالية.
نفاق الأعراب واستئذانهم للتخلف عن الجهاد
﴿وَجَّةَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهٍُ
٩٠
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌ
المفردات اللغوية:
اُلْمُعَذِّرُونَ﴾ المعذِّر: هو المجتهد البالغ في العذر، وهو المحق، أو المقصر
من عذر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ، أو من اعتذر: إذا مهد العذر،
أي إن في تفسيره قولین:
أحدهما - أنه يكون المحقّ، فهو بمعنى المعتذر أو المعذور؛ لأن له عذراً ..
والثاني - أنه غير المحق وهو الذي يعتذر ولا عذر له. وسياق الكلام يدل .

٧٠٢
◌ِلُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٩٠/٩
على أنهم مذمومون لا عذر لهم؛ لأنهم جاؤوا ليؤذن لهم، ولو كانوا من
الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. فهم
الذين يعتذرون بالباطل، كقوله تعالى: ﴿ يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾
[التوبة: ٩٤/٩].
﴿ اَلْأَعْرَابِ﴾ هم سكان البادية وهم أسد وغطفانٍ، استأذنوا في التّخلف
معتذرين بالجهد وكثرة العيال . ﴿كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أظهروا الإيمان بهما
كذباً أو ادَّعوا الإيمان، يقال: كذبته عينه: إذا رأى ما لا حقيقة له.
سبب النّزول:
قال الضَّحّاك: هم رهط عامر بن الطُّفَيل جاؤوا إلى رسول الله وَ له،
فقالوا: يارسول الله إنا إن غَزَوْنا معك، أغارت أعراب طيّ على أهالينا
ومواشينا، فقال ◌َ: ((سيغنيني الله عنكم)). وعن مجاهد: هم نفر من غِفار أو
من غطفان اعتذروا، فلم يعذرهم الله تعالى. وعن قتادة: اعتذروا بالكذب.
المناسبة:
بعد أن بَيَّن الله تعالى أحوال المنافقين من سكان المدينة، قَفّی علی ذلك ببيان
أحوال المنافقين من الأعراب البدو.
التفسير والبيان:
وجاء المعتذرون من الأعراب يطلبون الإذن من النَّبي ◌َّ في التّخلف عن
غزوة تبوك، فقال لهم رسول الله وَلقر: ((قد أنبأني الله من أخباركم، وسيغني
الله عنكم)).
وقعد عن الجهاد الذين كذبوا الله ورسوله بادِّعائهم الإيمان، وهم منافقو
الأعراب الذين جاؤوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كاذبون.

٧٠٣
الُ (١٠) - التَّوَّةَ: ٩٠/٩
ثم أوعدهم بالعذاب، فقال: سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم في
الدُّنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنّار؛ لاعتذار الأولين بغير حقّ، وقعود الآخرين
عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا الله ورسوله من منافقي
الأعراب، فالآية بشقيها في منافقي الأعراب، سواء من انتحل العذر
بالباطل، ومن لم ينتحل وتخلّف عن الجهاد، وعاقبتهم العقاب الشديد الأليم
في الدُّنيا والآخرة بالقتل والنّار. وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ الدّال على التّبعيض؛
لأنه تعالى كان عالماً بأن بعضهم سيؤمن ويتخلّص من هذا العقاب.
ومن المفسّرين من جعل القسم الأول معذورين صادقين، وهم من أحياء
العرب ممن حول المدينة، أو هم أسد وغطفان جاؤوا رسول الله وَ ل يعتذرون
إليه بسبب الضعف وعدم القدرة على الخروج، بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال
بعدهم: ﴿وَقَعَدَ اُلَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلما ميَّز أولئك عن الكاذبين، دلّ
ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين. ورجح ابن كثير هذا القول لما ذكر، ورجح
الرّازي والزّمخشري القول الأول بدلالة سياق الكلام؛ لأنهم جاؤوا ليؤذن
لهم، ولو كانوا معذورين بحقّ لم يحتاجوا إلى الاستئذان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على أن مصير المنافقين الذين كذبوا الله ورسوله بادِّعائهم
الإيمان، والكاذبين من المعتذرين هو العقاب في نار جهنّم، بسبب عدم
إيمانهم، وبسبب كذبهم، وكل من الكفر أو ادِّعاء الإيمان في الظاهر، والكذب
التابع له أمر عظيم يستحق فاعله العقوبة عليه.
وأما المعتذر بحق فيقبل عذره، وهم ذوو الأعذار في ترك الجهاد الذين
أعفاهم الله، وتتحدث عنهم الآية التالية: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾.
٨

٧٠٤
لُعُ (١٠) - التَّوَثية: ٩ / ٩١-٩٢
أصحاب الأعذار المقبولة لعدم الجهاد
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوْ لِلَّهِ وَرَسُولِهٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴿ وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ
أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُفِقُونَ
٩٣
الإعراب:
[تَوَلَّواْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿قُلْتَ لَآَ أَجِدُ مَآ أَهْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ حال من
كاف ﴿أَنَوْكَ﴾ بإضمار: وقد. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الجملة في
موضع نصب على الحال.
﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، وهي مع المجرور في محل نصب على التمييز،
وهو أبلغ من يفيض دمعها؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً
﴿حَزَنًا﴾ نصب على أنه مفعول لأجله، أو على الحال، أو المصدر لفعل دل
عليه ماقبله. ﴿أَلَّ يَجِدُواْ﴾ أي لئلا يجدوا، متعلق بـ ﴿حَزَنًا﴾ أو بـ
﴿ تَفِيضُ﴾
البلاغة:
﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوََّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطف على ﴿اُلْضُّعَفَآءِ﴾، أو
على ﴿اَلْمُحْسِنِينَ﴾. وهو من عطف الخاص على العام اعتناءً بشأنهم. وهو
مبتدأ معطوف على ما قبله بغیر واو.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على
أنهم من جملة المحسنين غير المعاتبين بالتخلف.

٧٠٥
الُعُ (١٠) - التَوَّية: ٩ /٩١-٩٢
المفردات اللغوية:
﴿ الضُّعَفَاءِ﴾ كالشيوخ أو الهرمى جمع ضعيف وهو غير القوي، والمرضى
جمع مريض، كالزمنى والعمي ﴿مَا يُفِقُونَ﴾ في الجهاد ﴿حَرَجُ﴾ ذنب أو إثم
في التخلف عن الجهاد ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في حال قعودهم بعدم
الإرجاف والتثبيط، وبالطاعة ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ ما عليهم بذلك
من طريق بالمؤاخذة ﴿غَفُورٌ﴾ لهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم في التوسعة عليهم ﴿حَزَنًا﴾
الحزن والحزَن: ضد السرور. والحزْن: الصعب وما غلظ من الأرض، وفيها
حُزُونة.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ معك إلى الجهاد وهم البكاؤون
سبعة من الأنصار: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب،
وسالم بن عمير، وثعلبة بن عتمة، وعبد الله بن مغفل، وعلية بن زيد، أتوا
رسول الله ﴾، وقالوا: نذرنا الخروج، فاحملنا على الخفاف المرفوعة،
والنعال المخصوفة، نَغْزُ معك، فقال ◌َّهِ: لا أجد ما أحملكم، فتولوا وهم
يبكون.
وقيل: هم بنو مُقَرِّن من مزينة: مَعْقِل وسويد والنعمان وعقيل وسنان،
وسابع لم يُسَمَّ، وعلى هذا جمهور المفسرين. وقيل: أبو موسى وأصحابه.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب ﴿بَرَاءَةٌ ﴾ فإني
لواضع القلم في أذني، إذ أُمرنا بالقتال، فجعل رسول الله څ# ينظر ما ينزل
عليه، إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يارسول الله، وأنا أعمى؟ فنزلت:
﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾ الآية.
وأما آية: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ﴾ فذكر في سبب نزولها ثلاث
روايات:

٧٠٦
الْجُرُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٩ / ٩١-٩٢
الأولى - أخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن عباس قال: أمر رسول الله وَله
الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن
مُغَفَّل المزني، فقالوا: يارسول الله، احملنا، فقال: والله ما أجد ما أحملكم
عليه، فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يُحبَسوا عن الجهاد، ولا يجدوا نفقة
ولا محملاً، فأنزل الله عذرهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَّهُمْ﴾.
الآية. وقد ذكرت أسماؤهم في المبهمات، وكانوا يسمون البكائين.
الثانية: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بن مقرِّن،
سألوا النبي ◌َّر أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال:
﴿لَاَ أَجِدُ مَآ أَهْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ وهذا رأي الجمهور.
والثالثة: قال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه،
أتوا رسول الله وَل يستحملونه، ووافق ذلك منه غضباً، فقال: ((والله ما
أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه)).
المناسبة:
هناك ارتباط واضح بين هذه الآيات وماقبلها، فبعد أن ذكر تعالى الوعيد
لمن يوهم العذر أو ينتحل الأعذار، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار
الحقيقية، وبيَّن إسقاط فريضة الجهاد عنهم.
التفسير والبيان:
أبان الله تعالى في هذه الآيات الأعذار التي يقبل بها القعود عن القتال،
وذكر أصنافاً ثلاثة من ذوي الأعذار المقبولة: وهم الضعفاء، والمرضى،
والفقراء.
فقال: ليس على الضعفاء والمرضى والفقراء العاجزين عن الإنفاق في
الجهاد إثم أو ذنب أو عتاب في عدم الجهاد إذا نصحوا لله ورسوله، بأن

٧٠٧
لُ (١٠) - التَّوَّر: ٩ / ٩١-٩٢
أخلصوا الإيمان لله، وللرسول في الطاعة في السر والعلن، وعرفوا الحق
وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه، وللأمة بالحفاظ على مصلحتها العامة العليا
من كتمان السر، والحث على البر، وعدم الإرجاف والتثبيط والقضاء على
الإشاعات الكاذبة أو المغرضة، روى مسلم عن تميم الداري أن رسول الله وَلهم
قال: ((الدّين النصيحة، قالوا لمن يارسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
والنصيحة لله وللرسول: إخلاص الإيمان بهما وطاعتهما والحب والبغض
فيهما، والنصيحة لكتابه: تلاوته وتدبر معانيه والعمل بما فيه، والنصيحة
لأئمة المسلمين: مؤازرتهم وترك الخروج عليهم، وإرشادهم إن أخطؤوا،
والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى طريق الحق، والعمل على تقويتهم.
والنصح: إخلاص العمل من الغش.
والضعفاء: كل من لا قدرة لهم على القتال كالشيوخ والعجزة والنساء
والصبيان.
والمرضى: من طرأ لهم مرض مزمن أو مؤقت لا يتمكنون معه من الجهاد،
كالزمنى والعُمي والعرج، والمحمومين.
والفقراء: الذين عدموا النفقة على أنفسهم في أثناء الجهاد، وعلى عيالهم.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أي ليس عليهم جناح ولا مؤاخذة، ولا
إلى معاتبتهم طريق، ولا إثم عليهم بسبب القعود عن الجهاد.
وهذا نص عام يشمل كل من أحسن عملاً من أعمال البر والخير، وهو
أصل معتبر في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة أو البراءة الأصلية،
وعدم مطالبة الغير له في نفسه وماله، فالأصل في نفسه حرمة القتل، والأصل
في ماله حرمة الأخذ إلا لدليل ثابت، والأصل عدم مطالبته بشيء من
التكاليف إلا بدليل مستقل.

٧٠٨
اِلُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩/ ٩١-٩٢
فما دام هؤلاء المعذرون عذراً شرعياً ناصحين لله ورسوله، مخلصين
أعمالهم لله، فلا مؤاخذة عليهم.
والله غفور، كثير المغفرة لهم ولأمثالهم، رحيم بهم، فلا يكلفهم ما لا طاقة
لهم به. أما العصاة والمنافقون فلا يغفر لهم إلا إذا تابوا وأقلعوا عن العصيان
والنفاق الذي كان سبباً في الإثم.
وكذلك لا حرج ولا إثم على من استعد للقتال بنفسه، ولكنه لا يجد مركباً
أو نفقة ينفقها في أثناء الجهاد على نفسه وعياله، بسبب فقره، ومن أخصهم
أولئك النفر من الأنصار البكاؤون، أو من بني مُقَرِّن من مزينة الذين جاؤوا
للنبي وَّة، ليحملهم على الرواحل، أو ليمدهم بالزاد والماء والنفقة في
غزوهم، فيخرجوا معه، فلم يجد ما يحملهم عليه، فانصرفوا من مجلسه، وهم
ييكون بكاء شديداً بسبب حزنهم على ما فاتهم من شرف المشاركة في الجهاد،
وبسبب فقدهم النفقة التي تساعدهم على الجهاد.
والتعبير بقوله: ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يفيد عموم سائر وسائل النقل والحرب
والقتال القديمة والحديثة. قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب.
قال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا
رسول الله وَالر، وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني
عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلي بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد
الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو
بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني. وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن
عمرو المزني، وحرمى بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية
الفزاري، فاستحملوا رسول الله وَله، وكانوا أهل حاجة، فقال: ﴿لَآ أَجِدُ
مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَنَا أَلَّ يَجِدُواْ مَا
يُنْفِقُونَ﴾.

٧٠٩
المُ (١٠) - التَوَتية: ٩ / ٩١-٩٢
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: قال رسول الله وَ له: ((لقد
خلَّفتم بالمدينة أقواماً، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، ولا نلتم من
عدو نيلاً إلا وقد شركوكم في الأجر)) ثم قرأ: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَّ أَجِدُ مَا أَحِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله وَ ير قال: ((إن
بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً، ولا سرتم سيراً إلا وهم معكم، قالوا: وهم
بالمدينة؟ قال: نعم، حبسهم العذر)» وفي رواية أحمد: ((حبسهم المرض)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات إسقاط فرضية الجهاد بسبب العذر عن أصناف ثلاثة من
ذوي الأعذار وهم الضعفاء والمرضى والفقراء، وأنه لا حرج ولا إثم على
المعذورين بسبب القعود عن الجهاد، وهم قوم عرف عذرهم، كأرباب الزّمانة
والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون.
والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه: لا يجب عليه
الجهاد. وقال المالكية: إذا كانت عادته المسألة، لزمه كالحج، وخرّج على
العادة؛ لأن حاله إذا لم تتغير، يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد المليء.
ودلت الآيات على أصلين عظيمين من أصول الشريعة وهما :
الأصل الأول - سقوط التكليف عن العاجز، لقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى
الضُّعَفَآءِ﴾ فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة
إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة البدنية، أو العجز من
جهة المال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾
[البقرة: ٢٨٦/٢] وقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَّا عَلَى
الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١/٢٤].

٧١٠
لُزُ (١٠) - التَوَتّية: ٩ /٩١-٩٢
الأصل الثاني - الأصل في الإنسان براءة الذمة، أو براءة المتهم حتى تثبت
إدانته، ويعبر عنه بعبارة: الأصل براءة الذمة، وهذا مبدأ البراءة الأصلية.
وذلك لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ﴾ فالأصل في النفس حرمة
القتل، والأصل في المال حرمة الأخذ، إلا لدليل ثابت أو لدليل منفصل
مستقل.
ولا تكرار بين هؤلاء وبين قوله تعالى سابقاً: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ﴾ لأن الذين لا يجدون ما ينفقون: هم الفقراء الذين
ليس معهم نفقة، وهؤلاء في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا
أنهم لا يجدون المركوب.
انتهى الجزء العاشر ولله الحمد

٧١١
فهرس الجزء التاسع
فهرس المجلد الخامس
فهرس الجزء التاسع
الموضوع
الصفحة
بقية قصة شعيب مع قومه - محاورته الملأ وعقابهم بالزلزلة
٥
سنة الله في التضييق والتوسعة قبل إهلاك الأمم
١٣
الترغيب بالإيمان لزيادة الخير والترهيب من الكفر بالعذاب ١٧
المبكر
العبرة من قصص أهل القرى
٢٣
قصة موسى عليه السلام مع فرعون والملأ من قومه
٢٧
إيمان السحرة برب العالمين
٤٦
تهديد فرعون للسحرة وإصرارهم على الإيمان بالله
٤٩
تمالؤ فرعون ومثله على موسى وقومه ونصيحة موسى لقومه ٥٤
وحوارهم معه
٥٩
أنواع عذاب الدنيا بآل فرعون - الآيات التسع
اللجوء إلى موسى لرفع العذاب ونقض العهد وإغراق فرعون ٧٠
وقومه
وراثة بني إسرائيل أرض مصر والشام بعد الفراعنة والعمالقة ٧٣

٧١٢
فهرس المجلد الخامس
الموضوع
الصفحة
جحود بني إسرائيل نعم الله عليهم
٧٧
مناجاة موسى لربه أو مكالمة موسى ربه وطلبه رؤية الله ٨٤
وإنزال التوراة عليه
عقوبة التكبر والكفر بصرف المتكبرين عن فهم أدلة العظمة ٩٤
الإلهية
٩٩
قصة اتخاذ السامري العجل
غضب موسى وتعنيفه وهارون لاتخاذ العجل إلهاً
١٠٥
جزاء الظالمين باتخاذ العجل وقبول توبة التائبين
١١١
نهاية قصة اتخاذ العجل إلهاً
١١٥
اختيار موسى سبعين رجلاً لميقات الكلام والرؤية ومناجاته ١١٨
ربه
بقية دعاء موسى عند مشاهدة الرجفة وربط الإِيمان برسالته ١٢٣
برسالة النبي
عموم الرسالة الإسلامية
١٣٤
اتباع الحق لدى بعض قوم موسی ونعم الله علی بني إسرائيل ١٣٨
في صحراء التيه

٧١٣
فهرس الجزء التاسع
الصفحة
الموضوع
أمر بني إسرائيل بسكنى القرية (بيت المقدس)
١٤٣
حيلة اليهود على صيد الأسماك يوم السبت وعقاب ١٤٧
المخالفين
رفع الجبل فوق اليهود وإذلالهم إلى يوم القيامة وتفريقهم في ١٥٥
الأرض واستثناء الصالحين
١٦٥
الميثاق العام المأخوذ على بني آدم
قصة بلعم بن باعوراء وأمثاله الضالين المكذبين
١٧١
أسباب الهداية والضلالة
١٧٦
أسماء الله الحسنى
١٨٢
المهتدون والمكذبون من أمة الدعوة الإسلامية
١٨٩
هل التفكر أفضل أم الصلاة؟
١٩٨
علم الساعة عند الله
٢٠٠
الأمور كلها بيد الله وحده وعلم الغيب مختص بالله تعالى ٢٠٧
وحقيقة الرسالة
التذكير بالنشأة الأولى والأمر بالتوحيد واتباع القرآن ٢١٠
والنهي عن الشرك

٧١٤
فهرس المجلد الخامس
الموضوع
الصفحة
واقع الأصنام والأوثان المعبودة
٢٢٠
أصول الأخلاق الاجتماعية ومقاومة الشيطان
٢٢٧
٢٣٧
اتباع النبي ◌ّ الوحي الإلهي وخصائص القرآن
٢٣٩
الاستماع للقرآن وطريقة الذِّكْر
٢٤٩
سورة الأنفال
مدنيتها ومناسبتها لسورة الأعراف وما اشتملت عليه
٢٤٩
السور المكية والمدنية
٢٥٣
السؤال عن حكم قسمة الغنائم وبيان أوصاف المؤمنين
٢٥٢
كراهية بعض المؤمنین قتال قریش في بدر
٢٦٥
أضواء من السيرة على موقعة بدر
٢٦٨
الإمداد بالملائكة في معركة بدر وإلقاء النعاس وإنزال المطر
٢٧٤
الفرار من الزحف والنصر من عند الله
٢٨٨
الأمر بطاعة الله والرسول والتحذير من المخالفة
٢٩٩
الاستجابة لما فيه الحياة الأبدية
٣٠٣
خيانة الله والرسول وخيانة الأمانة
٣١١

٧١٥
فهرس الجزء التاسع
الصفحة
الموضوع
تقوى الله وفضلها
٣١٧
ألوان الكيد والمؤامرة من المشركين على النبي
٣٢٠
٣٢٦
المشركين الإتيان بالعذاب ومنع تعذيبهم إكراماً للنبي
وأوضاع صلاتهم عند البيت الحرام
إهدار ثواب الإنفاق للصدِّ عن سبيل الله
٣٣٣
المغفرة للكفار إذا أسلموا وقتالهم إذا لم يسلموا لمنع الفتنة في ٣٣٧
الدین
٠٠

٧١٦
فهرس المجلد الخامس
فهرس الجزء العاشر
الموضوع
الصفحة
كيفية قسمة الغنائم
٣٤٥
تکثیر المؤمنین ببدر في أعين المشركين وتقليل المشركين في ٣٥٥
أعين المؤمنين
٣٦٣
ذكر الله والثبات أمام العدو والطاعة وعدم التنازع
تبرؤ الشيطان من الكفار وقت أزمة بدر وحين تهكم ٣٧٢
المنافقين بالمؤمنين
٣٧٨
إهلاك الكفار المشركين لسوء أعمالهم کإهلاك آل فرعون
.
معاملة من نقض العهد ومن ظهرت منه بوادر النقض
٣٨٤
الإعداد الحربي لقتال الأعداء بحسب الطاقة والاستطاعة
٣٩٢
٣٩٦
إيثار السلام وتوحيد الأمة وتحريضها على القتال
٤١٠
شرط اتخاذ الأسرى وقبول الفداء منهم وإباحة الانتفاع به
٤٢٤
بمقتضى الإيمان والهجرة
أصناف المؤمنين في عهد النبي
سورة التوبة
٤٣٧
تسمیتها
٤٣٧

٧١٧
فهرس الجزء العاشر
الصفحة
الموضوع
٤٣٨
السبب في إسقاط التسمية من أولها ومناسبتها لما قبلها
تاريخ نزولها
٤٣٩
ما اشتملت عليه السورة
٤٤٠
أضواء من التاريخ على صلح الحديبية
٤٤١
نقض عهود المشركين وإعلان الحرب عليهم والبراءة منهم
٤٤٣
فرضية قتال مشركي العرب في أي مكان وجدوا
٤٥٢
مشروعية الأمان
٤٥٧
أسباب البراءة من عهود المشركين وقتالهم
٤٦٣
مصير المشركين إما التوبة وإما القتال
٤٦٨
٤٧٣
التحريض على قتال المشركين الناكثين أيمانهم وعهودهم
٤٧٩
اختبار المسلمين واتخاذ البطانة
عمارة المساجد
٤٨٢
فضل الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله
٤٩٠
ولاية الآباء والإِخوان الكافرين وتفضيل الإيمان والجهاد على ٤٩٦
ثمانية أشياء
٥٠٤
نصر المؤمنين في مواطن كثيرة

٧١٨
فهرس المجلد الخامس
الموضوع
الصفحة
أضواء من التاريخ على وقعة حنين
٥٠٦
تحريم دخول المسجد الحرام على المشركين
٥١٤
قتال أهل الكتاب
٥٢١
عقيدة أهل الكتاب (اليهود والنصارى)
٥٢٩
سيرة الأحبار والرهبان في معاملاتهم مع الناس
٥٣٨
عدد الشهور في حكم الله وقتال المشركين كافة وتحريم ٥٤٨
النسيء
التحريض على الجهاد والتحذير من تركه ومعجزة الغار في ٥٦٢
الهجرة
٥٧٥
النفر للجهاد في سبيل الله
تخلف المنافقين عن غزوة تبوك وقضية الإذن لهم
٥٧٩
الدليل على تخلف المنافقين بغير عذر وخطر خروجهم للقتال ٥٨٧
انتحال المنافقين أعذاراً أخرى للتخلف عن غزوة تبوك وفرحهم ٥٩٣
عند السيئة التي تصيب المؤمنين وترحهم عند الحسنة
إحباط ثواب المنافقين على نفقاتهم وصلواتهم وتعذيبهم في ٦٠٠
الدنيا والآخرة

٧١٩
فهرس الجزء العاشر
الموضوع
الصفحة
٦٠٦
حلف المنافقين الأيمان الكاذبة وانتهازهم الفرصة للطعن بالنبي
مصارف الزكاة الثمانية
٦١١
حكمة الزكاة
٦٣٢
إيذاء المنافقين النبي
وتصحيح مفاهيمهم
٦٣٥
بيان أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
٦٤٠
الإقدام على اليمين الكاذبة وتخوفهم من نزول القرآن فاضحاً ٦٤٠
لهم واستهزاؤهم بآيات الله
٦٤٨
أوصاف المنافقين وجزاؤهم الأخروي
أوصاف المؤمنين وجزاؤهم الأخروي
٦٥٨
جهاد الكفار والمنافقين وأسبابه
٦٦٥
كذب المنافقين وإخلافهم العهد والوعد - قصة ثعلبة بن ٦٧٤
حاطب المزعومة
طعن المنافقين بالمؤمنين وعدم المغفرة لهم
٦٨١
فرح المنافقين المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك
٦٨٦
منع المنافقين من الجهاد والمنع من الصلاة على موتاهم ٦٩٠
والتحذير من الاغترار بأموالهم وأولادهم

٧٢٠
فهرس المجلد الخامس
الموضوع
الصفحة
استئذان زعماء المنافقين للتخلف عن الجهاد وإقدام المؤمنين ٦٩٨
عليه
٧٠١
نفاق الأعراب واستئذانهم للتخلف عن الجهاد
أصحاب الأعذار المقبولة لعدم الجهاد
٧٠٤
فهرس الجزء التاسع والعاشر
٧١١