Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
المُعُ (١٠) - التَّوَثية): ٦٠/٩
والمعتبر عند الحنفية والشافعية والحنابلة في زكاة المال: المكان الذي فيه
المال، والمعتبر في صدقة الفطر مكان وجود الصائم.
وعند المالكية قولان: قول يعتبر مكان المال وقت تمام الحول، فتفرق
الصدقة فيه، وقول يعتبر مكان المالك، إذ هو المخاطب بإخراج الزكاة، فصار
المال تبعاً له.
ومن أعطى فقيراً مسلماً، ثم تبين له أنه عبد أو كافر أو غني، أجزأه على
الأصح عند مالك، بدليل حديث مسلم عن أبي هريرة المتضمن قبول الصدقة
على زانية وغني وسارق، ولأن المطلوب منه الاجتهاد في المعطى، فإذا اجتهد
وأعطى من يظنه من أهل الزكاة، فقد أتى بالواجب عليه.
ومن أخرج الزكاة عند حلول الحول، فهلكت من غير تفريط، لم يضمن
عند المالكية؛ لأنه وكيل للفقراء. فإن أخرجها بعد ذلك بمدة، فهلكت
ضمن؛ لتأخيرها عن محلّها، فتعلقت بذمته، فلذلك ضمن.
وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف، لم يَسُغ للمالك أن يتولى
الصرف بنفسه في الناضّ(١) ولا في غيره.
لَّ - العاملون عليها: وهم السُّعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل
الزكاة بالتوكيل على ذلك. روى البخاري عن أبي مُميد الساعدي قال:
استعمل رسول الله ◌َ﴿ رجلاً من الأسْد على صدقات بني سُليم يُدعى ابن
اللُّبِيَّة، فلما جاء حاسبه.
واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال:
(١) الناض من المال: هو الدرهم والدينار، وإنما يسمى ناضاً إذا تحوّل نقداً بعد أن كان متاعاً،
أي صار ذا سيولة.

٦٢٢
الُ (١٠) - التَّوَّة): ٦٠/٩
الأول - قال مجاهد والشافعي: هو الثمن، فإن زادت أجرتهم على
سهمهم، تمم لهم من بيت المال، وقيل: من سائر السهمان. وهذا رأي موافق
لظاهر الآية.
الثاني - قال الحنفية والمالكية: يُعْطَون قدر عملهم من الأجرة؛ لأنهم
عطّلوا أنفسهم لمصلحة الفقراء، فكانت كفايتهم وكفاية أعوانهم في مال
الفقراء. وإذا استغرقت كفايتهم الزكاة، فلا يزيدهم الحنفية على النصف،
ويعطون الوسط.
الثالث - يُعطون من بيت المال، وهو قول ضعيف الدليل؛ فإن الله سبحانه
أخبر بسهمهم في الزكاة، فكيف لا يعطونه؟
والذي يعطى للعامل هو بمنزلة الأجرة على العمل، فيعطاها ولو كان
غنياً، لذا فإنه يعطاها ولو كان هاشمياً في رأي مالك والشافعي؛ لأن النبي ◌َّ
بعث علي بن أبي طالب مصدّقاً، وبعثه عاملاً إلى اليمن على الزكاة، وولّ
جماعة من بني هاشم، وولى الخلفاء بعده كذلك، ولأن العامل أجير على عمل
مباح، فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره كسائر الصناعات.
وقال أبو حنيفة: لا يعطى العامل الهاشمي؛ لأن سهمه جزء من الصدقة،
وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم عن المطلب بن ربيعة: ((إن
الصدقة لا تحلّ لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)).
ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ على أن كل ما كان من فروض
الكفايات كالساعي والكاتب والقسّام والعاشر والعريف والحاسب وحافظ
المال، يجوز للقائم به أخذ الأجرة عليه. ومن ذلك الإمامة، فإن الصلاة وإن
كانت فرضاً عينياً على كل واحد، فإن التفرغ للإمامة من فروض الكفايات،
كما ذكر القرطبي.

٦٢٣
الُ (١٠) - التَوَتّية: ٦٠/٩
ودلَّ هذا القول أيضاً على أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ
الصدقة (الزكاة)؛ لأن بعض من يملك المال لا يعرف ما يجب عليه، وبعضهم
قد يبخل، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله وَلل بعث عمر بن
الخطاب رضي الله عنه على الصدقات. وروى أبو داود عن أبي رافع مولى
رسول الله وَله قال: ولى رسول الله وَله رجلاً من بني مخزوم على الصدقة.
والنص على العامل في الآية يدل على أن أخذ الزكاة إلى الإمام، ويجب
دفعها له، ولا يجزي رب المال أن يعطيها إلى المستحقين، ويؤكده قوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣/٩].
لِلِسَّآيِلِ
لكن يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ فِيِّ أَمْوَلِمْ حَقٌ مَعَلُومٌ (َ
وَالْمَحْرُومِ (٣٥)﴾ [المعارج: ٢٤/٧٠ -٢٥] والحق يجوز لمن يجب عليه دفعه للسائل
والمحروم مباشرة. لذا فصل العلماء فقالوا:
أ - إن كان مال الزكاة خفياً (باطناً) كالنقود: فيجوز بالإجماع للمالك أن
يفرقه بنفسه أو أن يدفعه إلى الإمام.
ب - وإن كان مال الزكاة ظاهراً كالماشية والزرع والثمر: فيجب دفعه إلى
الإمام في رأي الجمهور؛ لأن حق المطالبة فيه للإمام، فيدفع إليه كالخراج
والجزية.
وقال الشافعي في الجديد: يجوز للمالك توزيعه بنفسه؛ لأنه زكاة كزكاة
المال الخفي.
٤ - المؤلفة قلوبهم: وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام،
يُتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. وهم نوعان: مسلمون
وكفار، يعطون ليتقوى إسلامهم.
أما الكفار حال كونهم كفاراً: فيعطون من الزكاة في مذهب الحنابلة

٦٢٤
الجمعُ (١٠) - التَوَّةِ: ٦٠/٩
والمالكية، ترغيباً في الإسلام؛ لأن النبي ◌َّ ((أعطى المؤلفة قلوبهم من
المسلمين والمشركين))(١).
ولا يعطون من الزكاة في مذهب الحنفية والشافعية، لا لتأليف ولا لغيره؛
لأن إعطاءهم في صدر الإسلام إنما كان في حال قلة عدد المسلمين وكثرة
عدوهم، وقد أعزَّ الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولم
يعطهم الخلفاء الراشدون بعد النبي وَلّ، قال عمر رضي الله عنه: (إنا لا
نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)).
وأما المسلمون من المؤلفة: فهم أصناف، يعطون لتثبيت إسلامهم:
أولاً - ضعفاء النية في الإسلام: يعطون ليتقوى إسلامهم.
ثانياً - الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه، فقد
أعطى النبي ◌َليم أبا سفيان بن حرب وآخرين، وأعطى الزبرقان بن بدر وعدي
ابن حاتم، لشرفهما في قومهما.
ثالثاً - المقيم في ثغر من ثغور المسلمين المجاورة للكفار، ليكفينا شر من يليه
من الكفار بالقتال.
رابعاً - من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم، وإن لم
يمنعوها. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة
قومه عام الردة.
وهل بقي سهم المؤلفة قلوبهم أو نسخ؟ رأيان:
قال الحنفية ومالك: قد سقط سهم المؤلفة بانتشار الإسلام وقوته، فيكون
عدد الأصناف من بعد صدر الإسلام وإلى الآن سبعة لا ثمانية، ويكون سقوط
(١) نيل الأوطار: ١٦٦/٤

٦٢٥
الُ (١٠) - التَوَّةَ: ٦٠/٩
هذا السهم من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علمته، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء
وقته وهو النهار.
وقال الجمهور منهم العلامة خليل من المالكية: حكم المؤلفة قلوبهم باق لم
ينسخ، فيعطون عند الحاجة، ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم على
عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر
ما نزل من القرآن، ولأن المقصود من إعطائهم ترغيبهم في الإسلام، لا
لإعانتهم لنا، حتى يسقط بانتشار الإسلام.
والخلاصة: إن هذا السهم حق للإمام يفعل فيه ما يراه محققاً للمصلحة.
٥ - وفي الرقاب: أي في فِّ الرقاب، كما قال ابن عباس وابن عمر، أي
إن فيه محذوفاً، والمراد به عند أكثر العلماء: المكاتبون(١) المسلمون الذين لا
يجدون وفاء ما يؤدون لسادتهم، ولو مع القوة والتكسب؛ لأنه لا يمكن الدفع
إلى الشخص الذي يراد فكّ رقيته إلا إذا كان مكاتَباً، ويدلُّ عليه قوله تعالى:
﴿ وَءَاتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنَكُمْ﴾ [النور: ٣٣/٢٤] إلا أن أبا حنيفة
وأصحابه قالوا: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطى منها في رقبة،
ويعاون بها مكاتب؛ لأن قوله: ﴿وَفِي أُلِقَابٍ﴾ يقتضي مشاركة المزكي في عتق
الرقبة، لا أن يستقل بالعتق.
وقال المالكية: يشترى بسهمهم رقيق، فيعتق؛ لأن كل موضع ذكرت فيه
الرقبة: يراد بها عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن (العبد الخالص
العبودية) كما في الكفارات. ويكون ولاؤهم لبيت المال.
وقد ورد حديث يدلُّ على جواز عتق الرقبة وإعانة المكاتب معاً، روى أحمد
(١) المكاتب: من كاتبه سيده على أقساط معينة، فإذا وفاها صارحراً. والكتابة مندوبة لقوله تعالى:
﴿فَكَاِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣/٢٤] من أجل تحرير الرقاب.

٦٢٦
الُ (١٠) - التَوَتَّةَ: ٦٠/٩
والبخاري والدارقطني عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي (وَلـ
فقال: دُلَّني على عمل يقرِّبني من الجنة، ويباعدني عن النار، فقال: ((أعتق
النسمة، وفكّ الرقبة)) فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحدة؟ قال: ((لا، عِتق
النسمة، أن تنفرد بعتقها، وفكُّ الرقبة: أن تُعين في ثمنها)). وشرط إعطاء
المكاتب، هو كونه مسلماً محتاجاً.
وقال بعض العلماء كابن حبيب المالكي: يفدى من هذا السهم الأسارى،
ويؤخذ بهذا القول اليوم لإنهاء الرِّق في العالم.
٩ - الغارمون: وهم المدينون الذين ركبهم الدَّيْن ولا وفاء عندهم به،
سواء استدان المدين في رأي الشافعية والحنابلة لنفسه أو لغيره، وسواء كان
دينه في طاعة أو في معصية. فإن استدان لنفسه لم يعط إلا إذا كان فقيراً، وإن
استدان لإصلاح ذات البين، ولو بين أهل الذمة، بسبب إتلاف نفس أو مال
أو نهب، فيعطى من سهم الغارمين، ولو كان غنياً؛ لقوله وَلّى: (لا تحل
الصدقة لغني إلا خمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو
لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين،
فأهدى المسكين إليه))(١).
وقال الحنفية: الغارم: من لزمه دين، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دَيْنه،
أي إنه الفقير.
وقال المالكية: الغارم: هو من فدحه الدين للناس في غير سفه ولا فساد،
أي من ليس عنده ما يوفي به دينه، أي إنه الفقير، إذا كان الدين في غير معصية
كشرب خمر وقمار، ولم يستدن لأخذ الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع
في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ من الزكاة، فلا يعطى منها؛ لأنه قصد
(١) رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

٦٢٧
الُ (١٠) - التَوَتَّة: ٦٠/٩
مذموم، بخلاف فقير استدان للضرورة، ناوياً الأخذ من الزكاة، فإنه يعطى
قدر دينه منها لحسن قصده. لكن إن تاب من استدان لمعصية، أو بقصد ذميم،
فإنه يعطى على الأحسن.
وقال الجمهور: يقضى من الزكاة دين الميت؛ لأنه من الغارمين؛ قال ◌َله:
((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه: من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دَيْناً أو
ضَياعاً(١) فإليَّ وعلي))(٢).
لاً - وفي سبيل الله: وهم في رأي الجمهور الغُزاة المجاهدون الذين لا حق
لهم في ديوان الجند، يُعطون ما ينفقون في غزوهم، كانوا أغنياء أو فقراء؛ لأن
السبيل عند الإطلاق هو الغزو، وهو المستعمل في القرآن والسنة. وأما من له
شيء مقدر في الديوان فلا يعطى؛ لأن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغن
به. ولا يحج أحد بزكاة ماله، ولا يغزو بزكاة ماله، ولا يُحج بها عنه، ولا
يُغزى بها عنه، لعدم الإيتاء المأمور به. وعلى هذا الرأي: لا يعطى الجيش
الحالي من الزكاة لأن الجنود والضباط تصرف لهم اليوم رواتب شهرية دائمة،
وإنما يمكن المساهمة عند الضرورة أو الحاجة العامة في شراء السلاح، أو إعطاء
المتطوعة في الجهاد.
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيراً.
وقال أحمد في أصح الروايتين عنه: الحج في سبيل الله، فيعطى مريد الحج
من الزكاة؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس: ((أن رجلاً جعل ناقة في سبيل
الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ◌َّ: اركبيها، فإن الحج من سبيل
(١) الضياع: مصدرضاع، فسمي العيال بالمصدر، كما تقول: من مات وترك فقراً، أي فقراء.
(٢) رواه أحمد والشيخان والنسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو
صحیح.

٦٢٨
الجُ (١٠) - التَوتية: ٦٠/٩
الله))، وأجاب الجمهور بأن الحج سبيل الله، ولكن الآية محمولة على الجهاد،
قال مالك: سبل الله كثيرة، وقال ابن العربي: ولكني لا أعلم خلافاً في أن
المراد بسبيل الله ههنا الغزو، ومن جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد
وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج.
وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم، وفسره الكاساني بجميع
القُرَب، فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى وبناء القناطر والحصون
وعِمارة المساجد؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عام في الكل.
والخلاصة: المراد بسبيل الله: إعطاء المجاهدين ولو كانوا أغنياء عند
الشافعية، وبشرط كونهم فقراء عند الحنفية، والحج من سبيل الله عند أحمد
والحسن وإسحاق. واتفق العلماء إلا ما يروى عن بعضهم أنه لا يجوز صرف
الزكاة لبناء المساجد والجسور والقناطر وإصلاح الطرقات، وتكفين الموتى،
وقضاء الدين، وشراء الأسلحة ونحو ذلك من القُرَب التي لم تذكر في الآية،
مما لا تملیك فیه.
٨ - ابن السبيل: هو المسافر المنقطع في أثناء الطريق عن بلده، أو الذي
يريد السفر في طاعة غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة.
والطاعة: مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة. وأما السفر المباح كالرياضة
والسياحة فلا يعطى في رأي بعض الشافعية لعدم حاجته، ويعطى في رأي
آخرين بدليل جواز القصر والفطر له.
ويعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده إذا كان محتاجاً في سفره، ولو كان
غنياً في وطنه.
ومن جاء مدعياً وصفاً من الأوصاف السابقة، فیطالب بإثبات ما يقول،
وعليه أن يثبت الدَّيْن، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد لها، ويُكتفى به
فيها، كما ذكر ابن العربي والقرطبي المالكيان.

٦٢٩
الجُزءُ (١٠) - التَّوَية: ٦٠/٩
وذكر الرافعي الشافعي أن الوصف الخفي كالفقر والمسكنة لا يطالب
المدعي بإثباته، ويعطى بلا بيِّنة، وأما الوصف الجلي فيطالب العامل والمكاتب
والغارم بإثباته، ولا يطالب المؤلف قلبه بإثبات ما يدعيه من ضعف نيته في
الإسلام، فإن ادعى أنه شريف مطاع في قومه طولب بالبينة. واشتهار الحال أو
الاستفاضة قائم مقام البينة في حق من يطالب بها.
ولا يجوز إعطاء الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة. أما
إن أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته جاز.
والأفضل إعطاء الزكاة للأقارب المحتاجين، قال مالك: أفضل من
وضعتَ فيه زكاتك قرابتُك الذين لا تعول. والدليل قول النبي وَّ لزوجة
عبد الله بن مسعود زينب فيما رواه البخاري ومسلم: ((لك أجران: أجر
الصدقة، وأجر الصلة)).
وقدر الْمُعْطَى مختلف فيه، فالغارم يُعطى قدر دينه، والفقير والمسكين
يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما مدة سنة عند مالك وأحمد كما تقدم، وبقدر
الحاجة عند الشافعية، وألا يزاد على نصاب الزكاة عند الحنفية.
ويلاحظ ضرورة الاهتمام في توزيع الزكاة بالترتيب المذكور في الآية، فإن
الترتيب مقصود ومراد، لكن ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ﴾ صنفان
مفضلان على الرقاب والغارمين للتعبير بفي كما تقدم بيانه.
ثم قال الله تعالى بعد بيان أصناف مستحقي الزكاة: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ﴾
أي فرض الله الصدقات فريضة، أي حكماً مقدراً بتقدير الله وفرضه وقسمه،
وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر.
﴿ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح
عباده، لا يشرع إلا ما فيه الخير والصلاح للعباد، فإنه سبحانه شرع الزكاة

٦٣٠
الجُرُ (١٠) - التَوَتية: ٦٠/٩
تطهيراً للنفس، وتحصيناً للمال، وشكراً للخالق على ما أنعم به، كما قال:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣/٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على بيان مصارف الزكاة، وأنها لثمانية أصناف، لكن اليوم
تعطى الزكاة في الغالب من بعض الأغنياء لا من جميعهم للفقراء والمساكين،
وإعطاؤها نادر للغارمين المديونين وأبناء السبيل. أما الرقاب والعاملون على
الزكاة وفي سبيل الله والمؤلفة قلوبهم فلا يصرف من الزكاة عليهم شيء؛ لأن
سهم ﴿وَفِ اُلِقَابِ﴾ قد انتهى بسبب انتهاء الرق في العالم، وأما العاملون أو
الموظفون على جباية الزكاة فلم يعد لهم وجود بسبب ترك توزيع الزكاة
لأصحابها، وعدم جباية الحاكم لها، إلا في بعض محاولات تقوم بها بعض
الدول الإسلامية المعاصرة، وأما سهم ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فإن الجيوش
النظامية أصبحت تزود بالمؤن والذخائر والأسلحة والرواتب الشهرية الدائمة
من خزينة الدولة العامة، ولم تعد تنتظر زكوات المزكين وإنما يمكن الإنفاق في
شراء السلاح أو دعم المتطوعين للجهاد، وأما المؤلفة قلوبهم حتى عند القائلين
ببقاء سهمهم فقد أصبح وجودهم وتشجيعهم وترغيبهم في الإسلام نادراً،
ومحدوداً جداً؛ لأن نشاط الدول طغا على نشاط الأفراد، ولم تعد الدول
المعاصرة تفكر غالباً في أمر انتشار الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
وفي الآية أحكام سبعة هي:
أَ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ﴾ يدل على أن مصارف الصدقات الثمانية
أصناف، والمراد من لفظ الصدقات هنا هو الزكوات الواجبة، بدليل إثباته
تعالى هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية، والصدقة المملوكة لهم
ليست إلا الزكاة الواجبة، ولأن الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ في هؤلاء الثمانية
يصحّ لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة، أما لو أدخلنا فيها

٦٣١
الُ (١٠) - التَوَتِيم: ٦٠/٩
المندوبات فلم يصح هذا الحصر؛ لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء
المساجد والرباطات في الثغور، والمدارس، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر
الوجوه. ثم إن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ﴾ منصرف إلى الصدقات التي سبق بيانها
وهي الصدقات الواجبة.
م
أَ - دلت الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام أو من يليه
من قبله، بدليل تعيين نصيب أو سهم للعاملين فيها، فيدل على أنه لا بد في
أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل: هو الذي يعينه الإمام لأخذ
الزكوات، فدلَّ هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات. وتأكد
هذا النص بقوله تعالى: ﴿خُذّ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣/٩]. أما إخراج
المالك زكاة أمواله الباطنة بنفسه فيستفاد من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِيِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ.
مَعْلُومُ
[المعارج: ٢٤/٧٠-٢٥] وحق السائل والمحروم
٢٥
لِلسَّآبِلِ وَالْمَحْرُومِ
يجوز دفعه إليه من غير واسطة الإمام.
٣ - للعامل في مال الزكاة حق، وإن كان غنياً في رأي الأكثرين.
٤ - ظاهر الآية يدل على وجوب تعميم الزكاة للأصناف الثمانية، وقد
ذكرت آراء العلماء وأدلتهم في جواز الصرف إلى ثلاثة منهم أو إلى واحد.
٥ - العامل والمؤلفة والرقاب مفقودون في هذا الزمان. وأما مصرف
﴿وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي للمجاهدين فلم يعودوا بحاجة للزكاة، لأخذهم
مرتبات شهرية دائمة، وإنما يعطى المتطوعون أو من أجل شراء السلاح عند
الضرورة أوالحاجة الملحة.
٩ - قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ يشمل بعمومه الكافر والمسلم، لكنه
خصص بالسنة النبوية التي دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء
والمساكين إلا إذا كانوا مسلمين.

٦٣٢
المُعُ (١٠) - التَّوَفِير: ٦٠/٩
٧ - المقصود من قوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ﴾ الزجر عن مخالفة هذا
الظاهر، وتحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف، قال النبي وَلّ فيما رواه أبو
داود عن زياد بن الحارث الصدائي، وهو ضعيف: ((إن الله تعالى لم يرض
بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء)».
حكمة الزكاة:
أبان الرازي في تفسيره(١) الحكمة في إيجاب الزكاة، وذكر اثني عشر وجهاً
من المصالح عائدة إلى معطي الزكاة، وثمانية وجوه من المصالح عائدة إلى آخذ
الزكاة، أشير إليها بإيجاز وتصرف.
أما فوائد الزكاة للمزكي فهي ما يلي:
أَ - الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، وكسر
شدة الميل إلى المال، والمنع من انصراف النفس بالكلية إليه، وهو المراد من
قوله تعالى: ﴿خُذُّ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣/٩] أي
تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا.
أَ - الحد من ملذات الدنيا، والتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه،
بالإنفاق في طلب مرضاة الله.
◌َّ - الوقوف أمام طغيان المال وقسوة القلب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَنَ
(٣)﴾ [العلق: ٦/٩٦-٧] فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد
◌َيَطْغَىٌّ، أَن رَّءَاهُ أُسْتَغْفَ
القلب إلى طلب رضوان الرحمن.
٤ - تربية النفس عن طريق الشعور بآلام الآخرين، والإحسان إلى الناس،
والسعي في إيصال الخيرات إليهم، ودفع الآفات عنهم، وهذا من صفات
الله، والنبي ◌َّه يقول: ((تخلقوا بأخلاق الله).
(١) انظر ١٠٠/١٦- ١٠٤

٦٣٣
الجُمَعُ (١٠) - التَوَثَة): ٦٠/٩
٥ - توفير محبة الفقراء للأغنياء؛ لأن الإنفاق عليهم يستدعي حبهم، على
ما قال # فيما رواه ابن عدي وأبو نعيم البيهقي عن ابن مسعود وصححه:
((جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها)) وإذا أحبوه
دعوا له بالخير، فيصير الدعاء سبباً لبقاء الإنسان في النعمة، كما قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧/١٣] وقال عليه الصلاة
والسلام فيما رواه الطبراني وأبو نعيم والخطابي عن ابن مسعود، وهو
ضعيف: «حصِّنوا أموالكم بالزكاة)».
٩ - الزكاة تنقل الإنسان من درجة الاستغناء بالشيء إلى مقام أعلى وهو
الاستغناء عن الشيء، والأول صفة الخلق، والثاني صفة الحق.
لاً - الإنفاق من المال في وجوه البر والخير والمصالح العامة يوجب المدح
الدائم في الدنيا، والثواب الدائم في الآخرة، فيكون ذلك سبباً لنقل المال إلى
القبر وإلى القيامة، بعد أن كان معرضاً للزوال؛ لأن المال غاد ورائح.
- ٨ - إن بذل المال تشبّه بالملائكة والأنبياء، وإمساكه تشبه بالبخلاء
المذمومين، فكان البذل أولى.
٩ - إن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق تعالى، والإنفاق يؤدي إلى
التخلق بأخلاق الله.
٢٠ - الإنفاق من المال يحقق السعادة الاجتماعية، كما أن الإيمان يحقق
السعادة الروحانية، والصلاة تحقق السعادة البدنية.
١١َ - الزكاة: شكر النعمة، وشكر المنعم واجب، وشكر النعمة: صرفها
إلى طلب مرضاة المنعم.
١٢ - إن إيجاب الزكاة يوجب حصول الألفة بالمودة بين المسلمين، وزوال
الحقد والحسد عنهم.

٦٣٤
الُ (١٠) - التَّوَتِير: ٦٠/٩
وأما فوائد الزكاة للآخذ، فهي ما يأتي:
ا - دفع الحاجة وسد الخلّة، وذلك مقصد راجح على مراعاة جانب المالك
الذي اكتسب المال وتعلق قلبه به، لكنه فضل عنده فائض زائد على قدر
حاجته، فأبقينا له الكثير، وأخذنا منه اليسير.
أَ - عدم تعطيل المال الفاضل عن الحاجات الأصلية، وقد خلق الله تعالى
المال وسيلة لتوفير الحوائج، لا للاكتناز والادخار والإمساك.
◌َّ - المال مال الله، والأغنياء خزّان الله، والفقراء عيال الله، ولا بد من
تضامن الفريقين وتعاطفهم وتعاونهم، وتنفيذ أمر الله المالك الحقيقي للكون
بالإنفاق على المحتاجين من عباده، والإنفاق على عيال الله تعالى.
٤ - الحكمة والرحمة تقتضيان صرف الغني بعض ماله غير المحتاج إليه إلى
الفقير العاجز عن الكسب بالكلية الذي هو أحوج إليه، وهذا يحقق معنى
التكافل الاجتماعي في الإسلام.
٥ - الزكاة جبران للنقص الحادث عند الفقير، ويستطيع المالك جبر
النقصان الذي حدث بسبب الزكاة، عن طريق الاتجار فيه.
أَ - الحد من ارتكاب الجرائم واللحاق بالأعداء، فلو لم ينفق الأغنياء على
مهمات الفقراء، لأقدم هؤلاء على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها، أو على
الالتحاق بأعداء المسلمين.
لاً - أداء الزكاة يساعد جميع المكلفين على الاتصاف بصفة الصبر والشكر
معاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو
ضعيف: ((الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر)) فإذا أدى الغني الزكاة
شكر النعمة، وصبر على نقصان جزء من المال، وإذا أعطي الفقير الزكاة،
صار شاكراً بعد أن كان صابراً.

٦٣٥
لُ (١٠) - التَّوَفيِ: ٩/ ٦١
٨ - أخذ الزكاة فيه مساعدة الفقير الغني بتخليصه في الدنيا من الذم
والعار، وفي الآخرة من عذاب النار، فيكون الفقير كالمنعم على الغني
بتخلیصه من النار.
إيذاء المنافقين النبي
وتصحيح مفاهيمهم
صَلى الله
علية
وسام
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٍ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الَّهِ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
القراءات:
النَّبِىَّ﴾ :
٠
وقرأ نافع: (والنبيء).
﴿أُذُنُ﴾ :
وقرأ نافع (أُذْن).
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ :
وقرأ حمزة: (ورحمةٍ).
الإعراب:
﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ خبر مبتدأ مقدر، أي هو أذن خير، أي هو مستمع خير
وصلاح، لا مستمع شر وفساد، والمراد بالأذن: صاحب الأذن.﴿وَيُؤْمِنُ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ مرفوعاً معطوف على ﴿أُذُنُ﴾ وقرئت بالجر عطفاً على ﴿خَيْرٍ﴾

1
٦٣٦
اِلُ (١٠) - التَّوَتِير: ٩ /٦١
أي وهو أذن رحمة، فكما أضاف أذناً إلى الخير أضافه إلى الرحمة؛ لأن الرحمة
من الخير، والخير من الرحمة. وعدّى فعل الإيمان بالباء لأنه قصد التصديق بالله
الذي هو نقيض الكفر به، وعدَّى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد السماع من
المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم؛ لكونهم صادقين عنده.
البلاغة:
ج
﴿هُوَ أُذُنُ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة التشبيه أي هو كالأذن يسمع كل ما
يقال له، كأن جملته أذن سامعة، مثل قولهم للربيئة: عين.
﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أظهر كلمة ﴿رَسُولَ﴾ مقام الإضمار، تعظيماً لشأنه
عليه الصلاة والسلام، وجمعاً بين رتبتي النبوة والرسالة. وأضافها إلى الله زيادة
في التكريم.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُمُ﴾ من المنافقين. ﴿يُؤْذُونَ﴾ الإيذاء: ما يؤلم الإنسان في نفسه أو
بدنه أو ماله، قليلاً كان أو كثيراً، والمراد هنا: عيبه ونقل حديثه. ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾
أي يسمع من كل واحد ما يقول، ويصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل
أحد، وهذا من باب تسمية الإنسان باسم جزء منه وهو آلة السماع للمبالغة
في وصفه، وكأن جملته أذن سامعة، كما يقال للجاسوس: عين. وإيذاؤهم
له: هو قولهم فيه: هو أذن. و﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مثل قولك: رجل صدق وشاهد
عدل، تريد الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نِعْم الأذن
﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أي يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
يقبل من المؤمنين الخلَّص من المهاجرين والأنصار لا من غيرهم، ويصدقهم
بسبب إِيمانهم ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾ أي وهو رحمة لمن آمن منكم، أي أظهر الإيمان أيها
المنافقون حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يفضح أسراركم،

٦٣٧
لُ (١٠) - التَّوَتَّة: ٦١/٩
ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، فهو أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم،
لا أذن سوء، ومستمع خير لا مستمع شر.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان نَبْتَل بن الحارث(١) يأتي
رسول الله ◌َ﴾، فيجلس إليه، فيسمع منه، وينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل
الله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَ﴾ الآية.
وذكر القرطبي: أن الآية نزلت في عَتَّاب بن قُشير قال: إنما محمد أذن،
يقبل كل ما قيل له.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن جماعة من المنافقين ذكروا النبي ◌َّ بما
لا ينبغي من القول، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول،
فقال الجلاس بن سويد بن الصامت: بل نقول ما شئنا، ثم نذهب إليه،
ونحلف أنا ما قلنا، فيقبل قولنا، إنما محمد أذن سامعة، فنزلت هذه الآية.
والغرض من كلامهم أنه ليس له ذكاء ولا تعمق في الأمور، بل هو سليم
القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع، فلهذا سموه بأنه أذن، كما أن
الجاسوس يسمى بالعين.
المناسبة:
هذا نوع آخر من جهالات المنافقين، وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله
وَله: إنه أذن على وجه الطعن والذم، وإنه يصدق كل من حلف له. وقد ذكر
تعالى في الآيات السابقة أنهم طعنوا في أفعاله ويملفر ولمزوه في قسمة الصدقات.
(١) كان نبتل رجلاً جسيماً ثائر شعر الرأس واللحية، آدم أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه
الخلقة، وهو الذي قال فيه النبي ◌َّله: ((من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن
الحارث)) والسُّفعة: سواد مُشْرب بحمرة.

٦٣٨
الجُ (١٠) - التَّوَتّية: ٩ / ٦١
التفسير والبيان:
ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله وَ ﴿ بالكلام فيه، ويعيبونه، فيقولون:
هو أذن سامعة، يسمع كل ما يقال له، ويصدقه، فمن قال له شيئاً صدقه،
ومن حدثه صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا. يقصدون بقولهم أنه سليم
القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع، دون أن يتدبر فيه ويميز بين الأمور،
وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعاملهم بالظاهر، ولا يكشف
أسرارهم.
فرد الله عليهم بأنه أذن خير لا أذن شر، أي مستمع خير، لا مستمع شر
أي هو مستمع ما يحب استماعه، کما يقال: فلان رجل صدق وشاهد عدل،
فهو يعرف الصادق من الكاذب، لكنه يعامل المنافقين بأحكام الشريعة
وآدابها، فلا يفتضح أحداً منهم، وهو صاحب الخلق الكامل والإنسان المثالي.
وهو يصدق بالله لما قام عنده من الدلائل، وبما أوحي إليه مما فيه خيركم
وخير غيركم، ويصدق المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، لا غيرهم،
وهو رحمة لمن آمن منكم أي أظهر الإيمان أيها المنافقون، ويقبل إيمانكم
الظاهر، ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل
بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن خير
ورحمة، لا يسمع غيرهما ولا يقبله، ويصدق ما أخبره به المؤمنون، ولا يصدق
خبر المنافقين، وهو رحمة للناس بهدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة.
والذين يؤذون الرسول بالقول أو بالفعل كوصفه بالسحر أو الكذب،
وعدم الفطنة، والطعن في عدالته، فلهم عذاب شديد مؤلم في الآخرة بسبب
إيذائه.

٦٣٩
لُ (١٠) - التَّوَّةَ: ٩ / ٦١
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن النبي وَّ صاحب الخلق الكامل، والفهم الشامل
العميق، والذكاء الخارق، فسكوته عن المنافقين ليس عن غباء واغترار، وإنما
لحكمة هي أن يترك الفرصة للمنافقين بالعدول التلقائي عن قبائحهم، وكيلا
يعطي الفرصة للمشركين باستغلال حال المنافقين، والقول بأن هذا النبي يقتل
من آمن به.
ودلت الآية أيضاً على أن هذا النبي أذن خير لا أذن شر، يستمع ما فيه
الصلاح والخير، ويعرض ترفعاً وإباء عن سماع الشر والفساد، وهو أيضاً
رحمة للمؤمنين، لأنه هداهم إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وأرشدت الآية إلى أن النبي لا يؤمن بأخبار المنافقين إيمان تسليم، ولا
يصدقهم فيما يقولون، وإن أكدوا القول بالأيمان، لأن أدبه وَ لم يمنعه من
مواجهة الناس بما يكرهون، فهو يجري أمر المنافقين على الظاهر، ولا يبالغ
في التفتيش عن بواطنهم.
وقد وصفه الله بأوصاف ثلاثة هي أنه يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين أي
يسلم لهم قولهم، ورحمة لمن آمن، وهذه الأوصاف توجب كونه ﴿أَذُنُ خَيْرٍ﴾.
ويستنبط من الآية أيضاً أن إيذاء الرسول وَّ ه فيما يتعلق برسالته كفر،
يترتب عليه العقاب الشديد. أما الإيذاء الخفيف المتعلق بشخصه وشؤونه
البشرية وعاداته الدنيوية، وكذا إيذاء أهل بيته، فحرام، لا كفر، مثل إيذائه
في إطالة المكث عنده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ
فَيَسْتَجِىء مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣/٣٣] ومثل رفع الصوت في ندائه وتسميته
باسمه، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ.
وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
تَشْعُرُونَ (٣) [الحجرات: ٢/٤٩].

٦٤٠
لُرُ (١٠) - التَوَتَّة: ٩ / ٦٢-٦٦
بيان أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
الإقدام على اليمين الكاذبة، وتخوفهم من نزول
القرآن فاضحاً لهم، واستهزاؤهم بآيات الله
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ
مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُمِ نَارَ جَهَنَّمَ
خَلِدًا فِيَهَ ذَلِكَ الْخِزْىُ اَلْعَظِيمُ ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ
سُورَةٌ نُنِثُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ أُسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ
(٦٤)
وَلَيِن سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَلْعَبْ قُلْ أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ،
كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ
مِّنْكُمْ تُعَذِّبْ طَابِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
٦٦
القراءات:
﴿أَنْ تُغَزَّلَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (أن تُنْزَل).
الإعراب :
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقٌ﴾ أحق: خبر ﴿وَرَسُولُهُ﴾ وحذف خبر الأول لدلالة
خبر الثاني عليه، في مذهب سيبويه، وتقديره: والله أحق أن يرضوه، ورسوله
أحق أن يرضوه. وفي مذهب المبرد: لا حذف في الكلام، ولكن فيه تقديم
وتأخير، وتقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. وإنما وحَّد الضمير؛
لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله، فکانا في حکم مرضيّ واحد.
﴿فَأََ لَهُمِ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فيه أربعة أوجه: إما خبر مبتدأ محذوف،