Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
الجُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٣٦/٩-٣٧
وفي هذا الكلام بُعْد؛ لأن النبي وَّه لم يُلزم الأمة جميعاً النَّفْر، وكان القتالِ
قد استقرَّ على أنه فرض كفاية بعد أن كان في مرحلة قصيرة فرض عين، وإنما
معنى هذه الآية - كما ذكر القرطبي - الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع
الكلمة، ثم قيدها بقوله: ﴿كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فبحسب قتالهم
واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم (١).
فليس في هذه الآية إعلان شامل للحرب على المشركين، وإنما هي آمرة
بتوحيد المؤمنين، وجعلهم جبهة واحدة عند قتال المشركين، فهي لتحريضهم
على التعاون والتناصر، وعدم التخاذل والتقاطع، كما أن المشركين جبهة
واحدة متعاونون متناصرون أثناء قتالهم المسلمين.
لاً - تحريم النسيء، أي تأخير حرمة شهر ووقته إلى شهر آخر، فذلك يضادّ
الحقائق، ويظهر التلاعب بالسنن الإلهية، ويغير أوقات العبادة، وهو أيضاً
زيادة في كفر المشركين، الذين أنكروا وجود الباري فقالوا: ﴿ وَمَا اُلرَّحْمَنُ﴾
[الفرقان: ٢٠/٢٥] في أصح الوجوه، وأنكروا البعث فقالوا: ﴿مَن يُحْيِ الْعِظَمَ
وَهِىَ رَمِيٌ﴾ [يس: ٧٨/٣٦] وأنكروا بعثة الرسل فقالوا: ﴿أَبَشَرًا مِّنَا وَحِدًا
تََّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤/٥٤]، وزعموا أن التحليل والتحريم عائد إليهم، فحللوا ما
حرَّم الله وحرموا ما أحل الله على وفق شهواتهم وأهوائهم، وأضلوا الذين
كفروا، وحافظوا على مجرد العدد في التحريم: ﴿لِيُّوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾
أي لم يُحِلّوا شهراً إلا حرموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة، وذلك كله من
تزيين الشيطان لهم هذا العمل السَّيِّئ، والله لا يرشد كل كفار أثيم.
وكان الهدف من النسيء شيئين ماديين لمصالح الدنيا: الأول - ترتيب وقت
الحج في زمن يناسب ظروف تجاراتهم، بدلاً من تقلّبه تارة في الصيف وتارة في
(١) تفسير القرطبي: ١٣٦/٨، تفسير الرازي: ٥٤/١٦

٥٦٢
الُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٩/ ٣٨-٤٠
الشتاء، والثاني - شن الغارات والحروب، أو الاستمرار في القتال، على وفق
رغباتهم وأهوائهم ومصالحهم.
وترتب على النسيء الاعتماد على السنة الشمسية في الواقع؛ لأنهم جعلوا
السنة القمرية تساير السنة الشمسية، عن طريق الكبيسة، وأدى ذلك إلى جعل
بعض السنين ثلاثة عشر شهراً، ونقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غير
وقته المخصص له.
التحريض على الجهاد والتحذير من تركه
ومعجزة الغار في الهجرة
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنْفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّا قَلْتُمْ
إِلَى الْأَرْضِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿ إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤َ إِلَّا نَصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ
القراءات:
قِيلَ
بإشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي.
وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.

٥٦٣
لُعُ (١٠) - التَوَّةِ: ٣٨/٩-٤٠
الإعراب:
﴿إِلَّا نَفِرُواْ﴾ بإدغام لا في نون إن الشرطية، ومثلها: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ منصوب بـ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ و﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ أي أحد اثنين،
وهو منصوب على الحال من هاء ﴿أَخْرَجَهُ﴾ وهو النبي ◌ََّ. وقيل: هو حال
من ضمير محذوف تقديره: فخرج ثاني اثنين . ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ جواب
الشرط.
﴿إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ منصوب على البدل من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهو بدل الاشتمال.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ،﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ وهاء
لِصَحِبِهِ،﴾ يراد بها أبو بكر.
﴿لَا تَحْزَنْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب بـ ﴿يَقُولُ﴾. وهاء ﴿وَأَيَّدَهُ﴾
يراد بها النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ مرفوع، و﴿هِى الْعُلْيَآَ﴾ خبره. وقرئ (كلمة)
بالنصب، وفيه بُعْد؛ لأن كلمة الله لم تزل عالية، فيبعد نصبها بـ ﴿ وَجَعَلَ﴾
لما فيه من إيهام أنها صارت عالية بعد أن لم تكن. والذي عليه جماهير القراء:
هو الرفع.
﴿ِهِىَ الْعُلْيَا﴾ ﴿هِىَ﴾ ضمير فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل
كلمة الله في العلو وأنها المختصة به دون سائر الكلم.
البلاغة:
﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ﴾ استفهام للإنكار واللوم أو التوبيخ.
﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي
أرضيتم بنعيم الدنيا بدل نعيم الآخرة.

٥٦٤
الُرُ (١٠) - التَوَتِير: ٩ /٣٨-٤٠
﴿فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِى الْآَخِرَةِ﴾ إظهار الدنيا في مقام الإضمار؛
لزيادة التقرير، والمبالغة في التهوين بشأن الدنيا وبيان حقارتها بالنسبة إلى
الآخرة.
﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى﴾: كلمة الذين
(كَفَرُواْ﴾ استعارة للشرك والدعوة إلى الكفر، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى
اٌلْعُلْيَأْ﴾ استعارة للإيمان والتوحيد والدعوة إلى الإسلام.
المفردات اللغوية:
(أُنِفِرُواْ﴾ أقدموا على القتال بخفة ونشاط، والمصدر: النقْر والنفور،
واستنفر الإمام الناس إلى القتال: أعلن النفير العام، وحثهم ودعاهم إلى
جهاد العدو، واسم ذلك القوم الذين يخرجون: النفير . ﴿آثَّاقَلْتُمْ﴾ تباطأتم
وملتم عن الجهاد. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ قعدتم فيها، والاستفهام للتوبيخ . ﴿ مِن
اُلْآَخِرَةِ﴾ آثرتم الدنيا على الآخرة، وقبلتم بدل نعيمها . ﴿مَنَعُ﴾ ما يتمتع به
من لذائذ الدنيا . ﴿فِي الْآَخِرَةِ﴾ في جنب متاعها. ﴿إِلَّا قَلِيلُ﴾ حقير. ﴿إِلَّا
تَنْفِرُواْ﴾ إن لم تخرجوا مع النبي ◌َّ للجهاد. ﴿أَلِيمًا﴾ مؤلماً. ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ﴾
أي يأت بهم بدلكم. ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ أي الله أو النبي ◌َّ. ﴿شَيْئًا﴾ بترك
نصره، فإن الله ناصر دينه. ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ مقتدر، ومنه
نصر دینه ونبيه.
﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ إن لم تنصروا النبيِ وَّ. ﴿إِذْ﴾ حين. ﴿أَخْرَجَهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ من مكة، أي ألجؤوه إلى الخروج، لما أرادوا قتله أو حبسه أو
نفيه، بدار الندوة . ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ أحد اثنين، والآخر أبو بكر، والمعنى:
نصره الله في مثل تلك الحالة، فلا يخذله في غيرها . ﴿اٌلْغَارِ﴾ غار جبل ثور،
والغار: النقب أو الفتحة في الجبل . ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ﴾ أبي بكر الذي قال

٥٦٥
لُ (١٠) - التَّوَتَّر: ٩ /٣٨-٤٠
للنبي وَّ لما رأى أقدام المشركين: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. ﴿لَا
تَحْزَنْ﴾ المراد بالنهي عن الحزن مجاهدة النفس وتوطينها على عدم الاستسلام
له. ﴿إِنَ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بنصره وتأييده. ﴿سَكِينَتَهُ﴾ طمأنينته. ﴿عَلَيْهِ﴾
الضمير يعود على النبي وَّة، وقيل: على أبي بكر. ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ أي النبي.
﴿بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ملائكة في الغار، وفي مواطن قتاله. ﴿كَلِمَةَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي دعوة الشرك والكفر. ﴿السُّفْلَىْ﴾ المغلوبة.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ أي كلمة التوحيد أو الشهادة بتوحيد الإله. ﴿هِى
اٌلْعُلْيَأْ﴾ الغالبة. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه. ﴿حَكِيمُ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٨):
﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد في هذه الآية
قال: هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين في الصيف حين طابت
الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فأنزل الله هذه الآية.
نزول الآية (٣٩) ﴿إِلَّا نَفِرُواْ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم عن نجدة بن نفيع قال: سألت ابن عباس عن هذه
الآية، فقال: استنفر رسول الله وَ﴿ أحياء من العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل
الله: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فأمسك عليهم المطر، فكان
عذابهم.
والخلاصة: لا خلاف أن هذه الآيات نزلت عتاباً على تخلُّف من تخلَّف عن
رسول الله وَّ في غزوة تبوك، سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام.
قال المحققون: وإنما استثقل الناس الخروج لغزوة تبوك لجهاد الروم
لأسباب.

٥٦٦
اِلُ (١٠) - التَوَتِّير: ٣٨/٩-٤٠
أحدها - شدة الزمان في الصيف والقحط.
وثانيها - بُعْد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به
العادة في سائر الغزوات.
وثالثها - إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت.
ورابعها - شدة الحر في ذلك الوقت.
وخامسها - مهابة عسكر الروم(١).
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أسباب قتال الكفار من المشركين واليهود والنصارى،
وذكر منافع مقاتلتهم، كقوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ
عَلَيْهِمْ﴾. ذكر هنا ما يوجب قتال الروم وأتباعهم من النصارى من عرب
الشام في غزوة تبوك. وتبوك في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، تبعد عن
الأولى ٦٩٠ كم وعن الثانية ٦٩٢ كم، وكانت هذه الغزوة في رجب السنة
التاسعة للهجرة بعد رجوع النبي ◌َّه من غزوة حنين والطائف.
ونزلت هذه الآيات لما دعا الرسول وَله إلى غزوة تبوك، وكانوا في عُشْرة
وضيق. وشدة حر وقد حان قطاف التمر عندهم، فشق ذلك عليهم، فأبان
تعالى أنه لا يصح ترك سعادة الآخرة والخير الكثير من أجل سعادة الدنيا
وطیباتها، فذلك جهل وسفه.
والكلام من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك، وما صاحبها من هتك ستر
المنافقين وضعفاء الإيمان، وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا
(١) تفسير الرازي: ٥٩/١٦

٥٦٧
الُ (١٠) - التَّوَتية: ٩ /٣٨-٤٠
آيتين في آخرها، وإلا ما جاء في أثنائها من أحكام وحِكَم، جرياً على منهج
القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
وسبب الغزوة: استعداد الروم والقبائل العربية المتنصرة من لخم وجذام
وغيرهم، وتجهيز جيش كثيف، لغزو المدينة، بقيادة ((قباذ)) وعدد جنده أربعون
ألفاً.
فندب النبي ◌َّ الناس للخروج لقتالهم، وكان عثمان قد جهز عِيراً إلى
الشام للتجارة، فقال: يا رسول الله، هذه مئتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومئتا
أوقية (من الفضة) فقال النبي ◌َّ: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)).
ولما لم يجد النبي من يقاتله عاد إلى المدينة، بسبب انسحاب الروم وعدولهم
عن فكرة الزحف واقتحام الحدود. ولكن كان لهذه الغزوة أثر معنوي كبير في
نظر العرب والروم، فكانت كفتح مكة؛ لأنها كانت احتكاكاً بأعظم قوة
حينذاك، وأثرت على المدى البعيد في نفوس الأعداء، بعد أن كان العرب
يخشون غزو الروم في عقر دارهم.
وقد مهد الله بهذا الغزو الذي كان له أثر عميق في نفوس العرب، لغزو
المسلمين للشام في عهد الخليفتين: أبي بكر وعمر.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، ما لكم تثاقلتم وتباطأتم عن الجهاد، حين
قال لكم الرسول الأمين: انفروا في سبيل الله لقتال الروم الذين تجهزوا
لقتالكم ومهاجمتكم؟ فقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ما: حرف استفهام معناه التقرير
والتوبيخ، والتقدير: أي شيء يمنعكم عن كذا؟
ومعنى: ﴿أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله
ولإعلاء كلمته. و﴿أَنَّاقَلْتُمْ﴾: تكاسلتم وملتم إلى الراحة وطيب الثمار

٥٦٨
لُرُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٣٨/٩-٤٠
والتفيؤ في الظلال. فهذا ليس من شأن الإيمان الذي يدعو إلى بذل النفس
والمال في سبيل الله وطاعة الرسول وَله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْصَدِقُونَ (®َا)
[الحجرات: ٤٩ /١٥] .
أرضيتم بلذات الحياة الدنيا بدلاً من الآخرة وسعادتها ونعيمها؟ إن كنتم
فعلتم ذلك فقد تركتم الخير الكثير في سبيل الشيء الحقير، فما تتمتعون به في
الدنيا متاعاً مقترناً بالهم والألم، إذا قيس بنعيم الآخرة الدائم المقيم، إلا شيء
حقير، لا يصلح عوضاً عن الشيء الكثير.
روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن المستورد أخي بني فِهْر قال: قال
رسول الله صلى: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في
اليم، فلينظر بم ترجع؟)) وأشار بالسبابة.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: ((إن"
الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة)) ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَنَعُ الْحَيَوةِ
الدُّنْيَا فِ اَلْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾.
فالآية والحديث تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة.
ثم توعد الله تعالى من ترك الجهاد، فقال: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبُكُمْ﴾ أي إن
لم تخرجوا مع النبي ◌َّ إلى ما دعاكم إليه، يعذبكم عذاباً مؤلماً في الدنيا
كالهلاك بالقحط وغلبة العدو، ويستبدل بكم قوماً غيركم، لنصرة نبيه وإقامة
دينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ
أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨/٤٧] أي إنه تعالى يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين خيراً
منهم وأطوع، وإنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يؤثر تثاقلهم فيها شيئاً. قال
ابن عباس: استنفر رسول الله و ﴿ حياً من العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك الله
عنهم القطر، فكان عذابهم.

٥٦٩
المُ (١٠) - التَّوَتَّةِ: ٩ /٣٨-٤٠
ولا تضروا الله شيئاً بتوليكم عن الجهاد، وتثاقلكم عنه؛ لأنه هو القاهر
فوق عباده. وقيل: الضمير للرسول، أي ولا تضروه؛ لأن الله وعده أن
يعصمه من الناس، وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ
ج
اَلِيْعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤/٣]. ﴿وَلَن يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧/٢٢].
﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩/٩] أي قادر على الانتصار من
الأعداء بدونکم.
ثم رغبهم الله تعالى في الجهاد ثانية ومناصرة النبي وَله فقال: ﴿إِلَّا
تَنصُرُوهُ﴾ أي إن لم تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده، وكافيه وحافظه،
كما تولى نصره عام الهجرة، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه من بلده:
چ
﴿ وَإِذْ يَمَّكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠/٨].
فخرج منهم هارباً بصحبة صدِّيقه وصاحبه أبي بكر، فلجأ إلى غار ثور
ثلاثة أيام، ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة.
ففزع أبو بكر على النبي ◌َّو لما رأى المشركين، حال كون النبي أحد اثنين،
والثاني أبو بكر في غار جبل ثور، إذ قال لصاحبه: لا تخف ولا تحزن، إن الله
معنا يؤيدنا بنصره وعونه وحفظه.
روى أحمد والشيخان عن أنس قال: ((حدثني أبو بكر قال: كنت مع النبي
وَله في الغار، فرأيت آثار المشركين، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع
قدمه، لأبصرنا تحت قدمه، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما))
وفي رواية أحمد: ((لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه ... ).
﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي فأنزل الله طمأنينته وتأييده ونصره
عليه، أي على الرسول وَله، في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر، قال ابن
عباس وغيره: لأن الرسول ولو لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة
خاصة بتلك الحال. والسكينة: ما ألقى في قلبه من الأمن. وقال ابن العربي:

٥٧٠
الُحُ (١٠) - التَوَتية: ٩/ ٣٨-٤٠
عود الضمير على أبي بكر هو الأقوى؛ لأنه خاف على النبي ◌َّ من القوم،
فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبي وَ لّ، فسكن جأشه، وذهب رَوْعه،
وحصل الأمن، ورجح الرازي هذا القول؛ لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب
المذكورات، وأقرب المذكورات في هذه الآية: هو أبو بكر، ولأن الحزن
والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، ولو كان
الرسول خائفاً لما أمكنه تسكين خوف أبي بكر بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا﴾، وقال الجمهور: الضمير عائد على النبي ◌ّ، لأن السكينة هنا بمعنى
الصون وخصائص النبوة.
ثم قال: ﴿وَأَنَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي قوّاه وآزره بالملائكة. وجعل
كلمة الشرك والكفر هي السفلى أي المغلوبة، وكلمةُ الله التي هي لا إله إلا الله
أو الدعوة إلى الإسلام هي العليا الغالبة، والله عزيز غالب في انتقامه
وانتصاره، منيع الجناب، لا يضام من لاذ به، حكيم في أقواله وأفعاله، يضع
الأشياء في مواضعها. وقد تم نصر الرسول و 8# وارتقاء دولته، وهزمت كلمة
المشركين وذلت دولة الشرك، وأظهر الله دينه على كل الأديان: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحِّ ◌ِظْهِرَُّ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ
٩
[الصف: ٦١ /٩] .
قال ابن عباس: يعني بكلمة الذين كفروا: الشرك، وكلمة الله: هي لا إله
إلا الله. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل
رسول الله ﴿ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياءً، أي
ذلك في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتلَ لتكونَ كَلِمةُ الله هي العُلْيا، فهو في سبيلٍ
الله)).
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات عتاب من تخلف عن رسول الله (ص18 في غزوة تبوك، سنة
تسع من الهجرة بعد الفتح بعام واحد.

٥٧١
الُزُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٩ /٣٨-٤٠
ودلت الآية الأولى: ﴿أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على وجوب الجهاد في كل
حال، وذلك ليس من صيغة الأمر عند القائلين بأن الأمر يقتضي الفعل فقط،
وإنما من النص على العقاب، وإنكار التثاقل؛ لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم
عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجباً، لما كان هذا التثاقل منكراً. ثم
إن الآية التي بعدها وهي ﴿إِلَّا نَفِرُواْ﴾ فيها تهديد شديدٍ، ووعيد مؤكد في
ترك النفير، بعذاب أليم، ولا يكون العذاب أو العقاب إلا على ترك واجب،
فوجب بمقتضى الآيتين النفير للجهاد والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم، على أن
تكون كلمة الله هي العليا، لكن قيل: المراد بهذه الآية الثانية وجوب النفير
عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم.
وآية: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ وإن دلت على خطاب كل المؤمنين، إلا أن
المراد بها بعضهم، وخطاب الكل وإرادة بعضه مجاز مشهور في القرآن، وفي
سائر أنواع الكلام، كقول بعضهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.
ثم إن فرضية الجهاد العينية المستفادة من هاتين الآيتين قد نسخت بما يدل
علی أن فرض الجهاد استقر کونه فرض كفاية؛ روى أبو داود عن ابن عباس
قال: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ و﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ -
إلى قوله - ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١/٩] نسختها الآية التي تليها: ﴿وَمَا كَانَ
اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢/٩]. وهو قول الضحاك والحسن
البصري وعِكْرمة.
وقال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله مَخلال فلم
ينفروا، وعلى هذا التقدير فلا نسخ.
وتضمنت آية ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ عتاب الله أيضاً للمؤمنين بعد انصراف نبيه
وَليه من تبوك؛ لأن معناها كما عرفنا: إن تركتم نَصْره، فالله يتكفّل به؛ إذ قد
نصره الله في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة.
T

٥٧٢
لِمُعْ (١٠) - التَّوثية: ٣٨/٩-٤٠
وأبانت الآية في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَنحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا﴾ فضل أبي بكر بسبب صحبته النبي ◌ّ في أحلك الظروف وشدة
الخوف، وتعرضه للقتل إن عثر المشركون عليه وعلى النبي، واختيار النبي له
لعلمه بأنه من المؤمنين الصادقين، ولأن الظاهر يدل على كون الاختيار بأمر
الله. ولتسميته بأنه ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ ولوصف الله تعالى أبا بكر بكونه صاحباً
للرسول ◌َ﴾.
قال الليث بن سعد: ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبي بكر
الصدیق.
وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله:
﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ ما يدل على أن
الخليفة بعد النبي ◌ُّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن الخليفة لا يكون
أبداً إلا ثانياً. وجاء في السنة أحاديث صحيحة، يدل ظاهرها على أنه الخليفة
بعده، وقد انعقد الإجماع على ذلك، ولم يبق منهم مخالف. روى البخاري عن
ابن عمر قال: كنا نخيِّر بين الناس في زمن رسول الله وَلَّل، فنخيِّر أبا بكر، ثم
عمر، ثم عثمان.
وجمهور أئمة السلف على تقديم عثمان على علي رضي الله عنهم أجمعين.
وتضمنت آية ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ أيضاً معجزتين هما: تأييد الله نبيه بجند من
الملائكة في قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ والضمير يعود إلى النبي
وَليه، وحماية الله نبيه في الغار من أذى المشركين في قوله: ﴿إِذْ هُمَا فِى
والمراد غار ثور.
الْغَارِ﴾
وقصة الهجرة ومعجزة الغار هي بإيجاز: لما رأت قريش أن المسلمين قد
صاروا إلى المدينة، قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق؛ فأجمعوا أمرهم على قتل

٥٧٣
الُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٣٨/٩-٤٠
رسول الله وَهُ، فبيَّتُوه ورصَدُوه على باب منزله طوال ليلتهم، ليقتلوه إذا
خرج؛ فأمر النبي ◌َّه علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه(١)، ودعا الله أن
يعمِّي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشِيَهم النوم،
فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض، فلما أصبحوا، خرج عليهم علي رضي الله
عنه، وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله وَال قد فات
ونجا.
وتواعد رسول الله وَليل مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى
عبد الله بن أَرْقط، ويقال: ابن أريقط، وكان كافراً، لكنهما وثقا به، وكان
دليلاً بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة.
وخرج رسول الله وَ ل من خَوْخة (ثغرة) في ظهر دار أبي بكر التي في بني
مُمع، ونهضا نحو الغار في جبل ثور.
وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن
فُهَيْرة أن يرعى غنمه، ويريحها (يردّها) عليهما ليلاً، فيأخذا منها حاجتهما. ثم
نهضا فدخلا الغار.
وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام، ويأتيهما عبد الله بن
أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم، فيُعَفِّي آثارهما. فلما فقدته
قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار، فقال:
هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته(٢)؛
ولهذا نهى النبي ◌َّ عن قتله. فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه،
(١) وفي هذا مخاطرة وفضل كبير أيضاً لسيدنا علي كرم الله وجهه، وهي طاعة عظيمة ومنصب
رفيع.
(٢) هذا ثابت في صحاح السيرة، وإن لم يثبته أهل الحديث.

٥٧٤
الُ (١٠) - التَّوَيّ: ٩/ ٣٨-٤٠
فرجعوا وجعلوا في النبي ◌َّل مئة ناقة لمن ردّه عليهم، والخبر مشهور، وقصة
سراقة بن مالك بن جُعْشُم في ذلك مشهورة أيضاً.
وقد رُوي من حديث أبي الدرداء وثَوْبان رضي الله عنهما : أن الله عز وجل
أمر حمامة، فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر
الكفار إليها ردّهم ذلك عن الغار.
روى البخاري عن عائشة قالت: استأجر رسول الله ◌َالقتل وأبو بكر رجلاً
من بني الدِّيل هادياً خرِّتاً (١)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه
راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة
ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فُهيرة والدليل الدّيلي، فأخذ بهما
طريق الساحل، أي موضعاً بعينه، ولم يرد به ساحل البحر.
قال المهلب: وفي هذا من الفقه ائتمان أهل الشرك على السّ والمال إذا علم
منهم وفاء ومروءة، كما ائتمن النبي وَّ هذا المشرك على سِرّه في الخروج من
مكة وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية
الطريق(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى﴾ دلالة
واضحة على أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك مغلوبة خاسئة حقيرة، وأن
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا﴾، وهي قوله: لا إله إلا الله.
وختام الآية: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ فيه بيان مقتضب يدل على قدرة الله
الباهرة وحكمته العالية، فالله قاهر غالب، لا يفعل إلا الصواب.
(١) الخرِّيت: الدليل الحاذق والماهر بطرق المفاوز.
(٢) تفسير القرطبي: ١٤٤/٨ وما بعدها.

٥٧٥
الجزءُ (١٠) - التَوَّة: ٩ /٤١
النفر للجهاد في سبيل اللّه
[أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ
الإعراب:
(خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ منصوبان على الحال من واو ﴿آنِفِرُواْ﴾.
البلاغة:
(خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾. بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿آنِفِرُواْ﴾ أصل النفر: الخروج إلى مكان، لأمر واجب، والمراد هنا
الحث على الجهاد والدعوة إليه، ومنه قول النبي ◌َ ◌ّ فيما رواه النسائي عن
صفوان بن أمية: ((إذا استنفرتم فانفروا)) واسم ذلك القوم الذين يخرجون:
النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير. (خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ نشاطاً
وغير نشاط، وقيل: أقوياء وضعفاء، كهولاً وشباناً، في العسر واليسر، أو
أغنياء وفقراء، ثم خفف الأمر على الضعفاء بآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾
[التوبة: ٩١/٩]. ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير لكم فلا تتثاقلوا.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن حضرمي: أنه ذكر له أن أناساً ربما كان أحدهم
عليلاً أو كبيراً، فيقول: إني آثم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
وعن أبي طلحة: كهولاً وشباناً، ما سمع الله عذر أحد. ثم خرج إلى الشام
فقاتل حتى قتل.

٥٧٦
لُعُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٤١/٩
وعن مجاهد: قالوا: فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر
به أمره، فأنزل الله تعالى، وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا﴾ أي على ما كان منهم.
والخلاصة: نزلت الآية في الذين اعتذروا بالضيعة والشغل، فأبى الله أن
يعذرهم دون أن ينفروا على ما كان منهم.
التفسير والبيان:
موضوع الآية: أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله وَ طير عام غزوة
تبوك، لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتّم على المؤمنين
في الخروج معه على كل حال، في المنشط والمكره والعسر واليسر. والمعنى:
اخرجوا إلى الجهاد على كل حال من يسر أو عسر، صحة أو مرض، غنى أو
فقر، شغل أو فراغ منه، كهولة أو شباب، نشاط وغير نشاط، أي خفاف في
الْنَّفْر لنشاطكم له، وثقال عنه لمشقته عليكم.
﴿ وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي قاتلوا أعداءكم الذين يقاتلونكم، وفيه
إيجاب للجهاد بالنفس والمال إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال، فمن
قدر على الجهاد بنفسه وماله، وجب عليه ذلك، ومن قدر على الجهاد بالنفس
فقط، أو بالمال فقط، وجب عليه.
ذلكم المأمور به من النفْر والجهاد خير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال
النبي ◌َّ فيما رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة: ((تكفل الله للمجاهد في
سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة)).
﴿إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك وأنه خير، فانفروا ولا تتثاقلوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية تدل على إيجاب الجهاد والنفير العام في غزوة تبوك، لكن روي عن

٥٧٧
لُ (١٠) - التَّوَتَيّ: ٩/ ٤١
ابن عباس وآخرين أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى
اُلْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١/٩].
قال القرطبي: والصحيح أنها ليست بمنسوخة. ويبقى الجهاد فرض عين إذا
تعيَّن بغلبة العدو على قطر من الأقطار، فيجب حينئذ على جميع أهل تلك الدار
أن ينفروا ويخرجوا إلى الجهاد خفافاً وثقالاً، شباناً وشيوخاً، كلٌّ على قدر
طاقته، يخرج الابن بغير إذن أبيه، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج. فإن
عجز أهل تلك البلدة عن القيام بدحر العدو، كان على من قاربهم وجاورهم
أن يخرجوا لتحقيق الهدف المرجو، فالمسلمون كلهم يدٌ واحدة على من
سواهم، حتى إذا قام هؤلاء بدفع العدو سقط الفرض عن الباقين.
ولو قارب العدو دار الإسلام، ولم يدخلوها، لزم المسلمين أيضاً الخروج
إليه، حتى تعلو كلمة الله، وتصان البلاد، ويُخْرى العدو.
وفرض أيضاً على الإمام غزو الأعداء كل سنة مرة، حتى يدخلوا
الإسلام، أو يُعطوا الجزية عن يد (١).
وقد بادر الصحابة لتنفيذ هذا الأمر الإلهي الحاسم العام، فقال أبو أيوب
الأنصاري - وقد شهد المشاهد كلها إلا غزاة واحدة -: قال الله تعالى:
﴿ أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.
وروى ابن جرير الطبري عن أبي راشد الْخَرَّاني قال: وافيت المقداد بن
الأسود فارس رسول الله وَليل جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص،
وقد فصل عنها من عُظْمه، يريد الغزو، فقلت: قد أعذر الله إليك، فقال:
أتت علينا سورة البعوث (أي سورة براءة): ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
(١) تفسير القرطبي: ١٥٢.١٥٠/٨

٥٧٨
لُعُ (١٠) - التَوَير: ٩ /٤١
وروى ابن جرير أيضاً عن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص،
فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو،
قلت: يا عم، أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه، وقال: يا ابن أخي،
استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إن من أحبه الله ابتلاه.
والجهاد واجب بالنفس والمال إذا قدر عليهما، أو على أحدهما، على
حسب الحال والحاجة، فقد كان المسلمون ينفقون على أنفسهم من أموالهم،
وهم يُعدّون السلاح، وقد ينفقون على غيرهم، كما فعل عثمان رضي الله عنه
في تجهيز جيش العُشرة في غزوة تبوك، وكما فعل غيره من أغنياء الصحابة.
فهذه الآية: ﴿آنِفِرُواْ﴾ تتناول القادر المتمكن؛ إذ عدم الاستطاعة عذر في
التخلف.
ولما أصبح في بيت المال وَقْر وسعة، صار الحكام يجهزون الجيوش من بيت
المال، وهذا هو المتبع الآن، حيث تخصص بنود من الميزانية كل عام لنفقات
الحرب والدفاع، وتزاد الميزانية عند الحاجة.
وللجهاد ثمرة يانعة عظيمة، فهو يحقق إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما
الشهادة في سبيل الله، وفي ذلك من الخير العظيم ما لا يوصف، سواء في
الدنيا بإعلاء كلمة الله وإعزاز المسلمين، وفي الآخرة بالقرار في نعيمها
والاستمتاع بخلود الجنة، ولا يقدِّر هذا إلا المؤمن الصادق الإيمان، الذي
يؤمن بأن القيامة حق، وبأن الثواب والعقاب فيها حق وصدق.
فما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير وأعظم مما يستفيده القاعد عنه
من الراحة والدعة والتنعم بهما، ولا تدرك هذه الخيرات إلا بالتأمل، ولا
يعرفها إلا المؤمن بالآخرة، لذا قال الله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

٥٧٩
لُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩/ ٤٢-٤٥
تخلف المنافقين عن غزوة تبوك وقضية الإذن لهم
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيَبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لََّتَبَعُوَكَ وَلَكِنُ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ
ج
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ
عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقّى يَتَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
لَكَذِبُونَ
وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ ﴿ لَا يَسْتَخْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ
يُجَتِهِدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ﴿ إِنَّمَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَبَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدِّدُونَ
٤٥
القراءات:
يَسْتَخْذِئُكَ﴾
وقرأ السوسي، وورش، وحمزة وقفاً (يستاذنك).
الإعراب:
﴿ِاُللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في
الوجهين، أي سيحلفون، يعني المتخلفين، عند رجوعك من غزوة تبوك،
معتذرين يقولون: ﴿بِاللَّهِ﴾.
(َخَرَجْنَا﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم والشرط. وهذا من المعجزات؛ لأنه
إخبار عما وقع قبل وقوعه.
يُّهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ إما أن يكون بدلاً من ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أو حالاً بمعنى:
مهلكين. ويحتمل أن يكون حالاً من قوله: ﴿لَجْنَا﴾ أي لخرجنا معكم، وإن
أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك المشقة.

٥٨٠
لُعُ (١٠) - التَوَّةِ): ٩/ ٤٢-٤٥
﴿أَنْ يُجَهِدُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار: في، وقيل: التقدير كراهية أن
يجاهدوا، مثل: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦/٤].
ج
البلاغة:
﴿ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقَّةُ﴾ استعار الشقة للمسافة الطويلة البعيدة الشاقة.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ كناية عن خطئه في الإذن؛ لأن العفو يعقب الخطأ،
وهو خبر قصد به تقديم المسرة على المضرة، وإن من لطف الله بالنبي أن بدأه
بالعفو قبل العتاب.
﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ بيان لما كني عنه بالعفو، ومعناه: مالك أذنت لهم في
القعود عن الغزو حين استأذنوك وهلا استأنيت بالإذن؟
المفردات اللغوية:
﴿لَوْ كَانَ﴾ ما دعوتهم إليه من الخروج للجهاد ﴿عَرَضًا﴾ متاعاً من الدنيا
قريباً سهل المأخذ، أو ما يعرض من منافع الدنيا، ويكون غنيمة قريبة
﴿وَسَفَرًّا قَاصِدًا﴾ أي سهلاً لا عناء فيه ولا مشقة، أي وسطاً معتدلاً
﴿لََّتََّعُوكَ﴾ طلباً للغنيمة ﴿الشُّقَّةُ﴾ المسافة البعيدة التي تحتاج لعناء ومشقة
وَسَيَحْلِفُونَ بِالَّهِ﴾ إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ أُسْتَطَعْنَا﴾ الخروج ﴿يُهْلِكُونَ
أَنفُسَهُمْ﴾ بالحلف الكاذب ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ العفو: التجاوز عن الخطأ
وترك المؤاخذة عليه ﴿إِنَّمَا يَسْتَعْذِئُكَ﴾ في التخلف ﴿وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكت
قلوبهم في الدين ﴿ يَتَرَدَّدُونَ﴾ يتحيرون.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٣):
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عمرو بن ميمون